• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

بحوث و دراسات قراءة في رواية ” الشحّاذ ” لنجيب محفوظ

  • بادئ الموضوع بادئ الموضوع salma
  • تاريخ البدء تاريخ البدء

salma

نجم المنتدى
منتدى تونس التّربوي
المشاركات
1,066
الدّولة
تونس
الولاية
نابل
م. الدّراسي
جامعي
الاختصاص
علوم
المهنة
طالبة: عربية
قراءة في رواية ” الشحّاذ ” لنجيب محفوظ
////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////
التقديم :
المؤلّف : نجيب محفوظ أديب مصري معاصر عاش بين سنتي 1912 و 2006 ، خرّيج كلّية الفلسفة سنة 1934 ، اهتمّ في بداية حياته بالمقالات الفلسفيّة ثمّ ولع بالأدب فلمع في كتابة القصّة القصيرة والرواية الطويلة وهي كلّها تسجيل لأزمات المجتمع المصري و تطوّراته ، و فيها تظهر تجربته الحياتيّة في أحياء العبّاسيّة والأزهر وغيرهما زمن الحرب العالميّة الثّانية بالخصوص.
مؤلّفاته الروائيّة: يقسّم أغلب النقّاد أدب نجيب محفوظ الرّوائي إلى المراحل التّالية
– المرحلة التّاريخيّة الرّومنسيّة :
عبث الأقدار 1936
رادوبيس 1937 هذه الرّوايات استوحاها من تاريخ مصر القديم
كفاح طيبة 1978
– المرحلة الاجتماعيّة – الواقعيّة : -القاهرة الجديدة 1939
– بين القصرين 1984
– الثّلاثيّة – قصر الشوق 1950
– السكرية 1952
– خان الخليلي
– زقاق المدق 1942
– بداية ونهاية 1945
في هذه الروايات ركّز نجيب محفوظ اهتمامه على أزمة الطبقة المتوسّطة في مدينة القاهرة على الخصوص وفي أحيائها الشعبيّة [ أزمة التسلّق والسقوط ] ومنذ سنة 1952 تاريخ آخر جزء من الثّلاثيّة وتاريخ الثورة الناصريّة لازم نجيب محفوظ الصمت وانقطع عن الكتابة حتّى سنة 1959 عندما بدأ ينشر في جريدة الأهرام روايته الرّمزيّة ” أولاد حارتنا ” مكثّفا فيها التاريخ الاجتماعي السياسي محاولا أن يقدّم فيها الحلّ للمآسي الاجتماعية التي كان قد عالجها في رواياته السّابقة و هذا الحلّ هو العلم والاشتراكيّة.على أنّه يجدر بنا أن نذكر أنّ هذه المرحلة سبقت بمرحلة أخرى سمّيت المرحلة النفسيّة المبتورة لأنّها تتمثّل في رواية واحدة هي ” السّراب ” لهذا تعتبر مرحلة بأتمّ معنى الكلمة.
– المرحلة الذّهنيّة : – اللّص والكلاب 1962
– السّمان والخريف 1962
– الطريق 1964
– الشحّاذ 1965
– ثرثرة فوق النيل 1966
وقد سمّيت هذه المرحلة تسميات مختلفة منها ” المرحلة الواقعيّة الجديدة ( صبري حافظ) أو ” المرحلة التشكيليّة الدراميّة ” (نبيل راغب ) أو ” المرحلة الفلسفيّة ” (جورج طرابيشي ). أمّا تسميتها بالذهنية فتعود إلى الأفكار الذهنية المجرّدة التي وجدت في هذه الروايات وحلّت محلّ الأشخاص وعوّضت الأطروحةُ الفلسفيّة العقدةَ الروائيّة الكلاسيكيّة ويقول محمد أمين العالم متحدّثا عن هذه المرحلة في كتابه ” تأمّلات في عالم نجيب محفوظ الرّوائي ” :» إنّ روايات هذه المرحلة هي روايات ذات أطروحة أو ذات قضيّة محدّدة تسعى لتأكيدها بمختلف الأحداث والشّخصيّات والمواقف. ولهذا جاءت الأحداث والشّخصيات والمواقف رموزا و أقنعة للتعبير عن هذه الأطروحة أو القضيّة ، وجاء بناؤها خادما بشكل مباشر لهذه الأطروحة أو القضيّة كذلك…«
والشحّاذ رواية بلغ فيها الكاتب من التجربة ما جعلها رواية ذهنيّة بأتمّ معنى الكلمة و هي أكثر الروايات عند نجيب محفوظ اكتظاظا بالفلسفة والمعادلات العقليّة (ميتافيزيقية – اجتماعيّة ) كما أنّ البطل فيها لم يعد كائنا اجتماعيا سياسيا ، بل أصبح فكرة.
– سنة 1967 كتب نجيب ” ميرامار ” و فيها صوّر تعفّن الواقع الذّي قاد إلى هزيمة 1967 كما صوّر أزمته مثقّفا.
• منزلة ” الشحّاذ ” من أعمال نجيب محفوظ الرّوائيّة : يمكن أن نجد روابط عديدة فكريّة وفنّية بين هذه الرّواية و ما سبقها من أعمال نجيب محفوظ الرّوائية ، فرؤوف علوان في (اللّص والكلاب ) يمثّل المثقّف الانتهازي الذي رفع شعار الثورة حتّى يرتفع ثمن شرائه ، و قد كان ، ومن ثمّ لم تخلّف دعواه غير لصّ و كلاب . و هنا في رواية الشحّاذ مثقّف آخر ليس مدينا بنجاحه لأحد ، و قد تنازل عن ثوريّته لأسباب أحرى. فهل وجد السلام وعاش داخله على وفاق تامّ مع ظاهره ؟ أم أنّه بعد تجريب أكثر من وسيلة انتهى إلى نقطة البداية ؟ تلك هي مشكلة عمر الحمزاوي في هذه الرواية ، هو شحّاذ برغم نجاحه في مهنة المحاماة وثرائه الملحوظ وحياته الخصيبة بحبّ قديم ما يزال يمدّه بفيض من العطاء ، حبّ زوجته التي هجرت دينها قديما من أجله وحبّ جديد يتمثّل في ابنته.فلماذا إذن ؟
برغم سيّارته الكاديلاك و عماراته الثلاث و مكتب المحاماة النّاجح بمقاييس الحياة المألوفة ، هو شحّاذ بمقاييس أخرى لا نقول إنّها المثاليّة و إنّما الإنسانيّة الصميمة لأنّه يعيش بتلفيق فلسفي و ترقيع فكري ، وتمضي حياته تسيّره ولا يسيّرها ، فيتلقّى النجاح بفتور لأنّه لا يقصده ، بل لا يتعمّده
و يتلقّى الهزيمة بفتور لأنّه لم يعمل على تلافيها.
I. المقوّمات الفنّية لرواية الشحّاذ : بحث في الهيكل العّام
تبدأ رواية ” الشحّاذ ” من نقطة واحدة هي نقطة التّمفصل : منعرج الطّريق ثمّ يكون نموّ الرواية في اتّجاهين متعاكسين و متداخلين ، اتّجاه الماضي الذي يعود فيه البطل إلى المسافة المقطوعة قبل أن تبدأ الرواية منتقيا منها ما يخدم تسييرها في اتّجاه الحاضر المتطوّر نحو المستقبل وهو الاتجاه الثّاني في الرّواية و إطارها الخارجي الذي تتحرّك فيه. ” فالشحّاذ تبدأ من لحظة تغيّر حادّة ، من نقطة فاصلة بين واقعين ، من اللحظة المتأرجحة التّي تشي بالماضي والحاضر معا وتعد في آن بطلائع المستقبل ، وما إن ينفكّ القيد حتى يسلك البطل طريقه عبر مسيرة قوامها البحث.
واقع (I) (قديم) نقطة التّمفصل واقع (II) (جديد)
الماضي الحاضر / المستقبل
الزمن الخارجي الحاضر باتّجاه المستقبل
1) السّرد الخارجي والسّرد الداخلي :
يتكفّل المؤّلف بالسّرد الخارجي في حين يتكفـّل البطل بالسّرد الدّاخلي. ويعكس التنازع بينهما علاقة التوتّر بين الراوي والبطل.إذ يسعى البطل إلى النسق الذي سارت عليه الأحداث محاولا إعادة تصميمها على نحو تصاعدي ، من ذلك أنّ عمر الحمزاوي يخترق دون انقطاع مجال الرّاوي الحقيقي ليفتكّ منه المبادرة في دفع نسق السّرد فتطيعه اللّغة في أوّل الأمر ثمّ تخذله مثلما خذلته بقيّة الشّخوص والزمان والمكان.
2) الحوار:
و هو خطاب مباشر معروض يقطع نسق السّرد ويتيح للبطل إثبات ذاته بواسطة القول و يمكن تقسيمه إلى حوار خارجي يكون فيه المخاطب شخصيّة من شخصيّات الرواية وإلى حوار داخلي أو باطني تجرّد فيه الذّات من ذاتها مخاطبا. و يمكن أن تختزل وظيفة الحوار الباطني في أنّها تكشف عن جوانب غامضة خفيّة للحياة العقليّة والشّعوريّة التّي تضطرب بها الشخصيّة في حياتها اليوميّة. ومن ثمّ تنشأ وظيفة أخرى للحوار الباطني في نصّ الشحّاذ وهي الربط بين الحاضر والماضي من جهة وبين الماضي والمستقبل من جهة ثانية. وبين هذا وذاك نبقى أمام شخصيّة متأزّمة سابحة في الأحلام علّها تجد فيها معوّضا للواقع الأليم ، فهاهو عمر الحمزاوي يحلم بابنته بثينة وبصديقه مصطفى و بعثمان ثمّ يعود بالحلم إلى الماضي البعيد ليبحث في سعي الإنسان إلى الدّفاع عن وجوده في عصره الحجري حتّى يصل إلى مرحلة أكثر تحضّرا.غير أنّ هذه الرّحلة في عالم الحلم تدلّ على أنّ الرّجل لم يبرأ بعد من نداء الحياة كما تدلّ على أنّ الذّكريات تعصف بنفس الحمزاوي فيتداخل الماضي والحاضر والمستقبل إلى درجة يفقد معها الزّمن معناه »فينتفي عن النّفس كلّ منطق وترتيب إلا من سيلان العاطفة« على حدّ تعبير أبي زيّان السّعدي. .
لئن كان السّرد بنوعيه الدّاخلي والخارجي يتضمّن سرد الأفعال والأحوال وهو الوصف ، فإنّ الأفعال على نوعين أفعال تدلّ على الحالة أو الكينونة وأخرى تدلّ على تحقيق الفعل. والبطل عندما يعيد بناء قصّته فإنّه يحاول أن يتجاوز الكينونة ليحقّق الوجود فيتأتّى له ذلك ثمّ يستعصي عليه وتؤدّي صيغ الفعل (الماضي/ والحاضر /والمستقبل ) دورا في نجاح البطل وإخفاقه في تصعيد الفعل .
إنّ سرد الأقوال يختلف عن الحوار من حيث أنّ الحوار تنجزه الشّخصيات في حين أنّ سرد الأقوال يتكفّل بأدائه الرّاوي عندما ينقل أقوال الشخصيّة فهو خطاب غير مباشر يتدخّل بواسطته الرّاوي في الحوار ليكشف دلالته أو ليسلّط عليه رؤاه و يكون ذلك عندما يعتري الحوار ضعف يصبح معه غير قادر على أداء وظيفته و يوافق هذا التدخّل عادة مرحلة العجز عن التصعيد وغلبة الانحدار ويتعلّق الوصف بتسمية الشخوص في الرّواية وترتيبها في الفضاء وإقامة الرّوابط المكانيّة بينها سواء كانت ثابتة أو متحرّكة.
إنّ هذا التداخل بين أنماط الخطاب (السّرد والحوار والوصف) أوالتداخل داخل النمط الواحد (سرد داخلي وسرد خارجي / حوار خارجي وحوار باطني ) قد أدّى إلى تداخل آخر هو على مستوى بنية الضمائر.
3) لعبة الضمائر وأثرها في تحديد الرؤية :
إنّ تداخل الضمائر في رواية الشحّاذ يمكن اعتبارها سمة فنّية أو ضرورة فنّية باعتبار ما تقوم عليه الشّخصيّة المحوريّة من صراع داخلي. و من ثمّ فإنّ التلاعب بالضمائر الثلاثة (هو) و (أنا) و (أنت) يأتي في إطار السّعي إلى إبراز ما تنطوي عليه الشخصيّة من قلق و اضطراب وتمزّق. غير أنّ هذه الضمائر تأتي منفصلة حينا و متّصلة أحيانا. فضمير المتكلّم (أنا) مثلا يلجأ إليه الرّاوي حين يكون منخرطا في خطابه متعاطفا مع ذاته الفاعلة السّاردة في آن. و في ذلك مظهر من مظاهر التصعيد و بناء المعنى يسعى إليه البطل و إن كان لا ينتهي إلى تحقيقه يتهيّأ عمر للخروج من حياة الأسرة والمجتمع ويسرد ذلك قائلا : “و خاطبت المقاعد والجدران والنجوم والظلام ، و خاصمت الخلاء وغازلت شيئا لم يولد بعد. ” وأحيانا يقوى التلاعب بالضمائر الثلاثة دفعة واحدة في ذلك المشهد الذي «استيقظ (فيه )مبكّرا بعد نوم ساعات معدودات ، وطرق أذنيه صخب الأمواج العاصف في سكون الصّباح المعتّم ، وزينب مستغرقة في النوم ، مكتظّة بالنوم و الشّبع ، تنفرج شفتاها عن شخير خفيف متواصل… وأنت متضايق كأنّما كتب عليك أن تناطح نفسك، و هذا يعني أنّني لم أعد أحبّك… لم تبق ذرّة حبّ واحد ، ليكن عرضا يزول بزوال المرض ، و لكنّي الآن لا أحبّك. وهو أشقى ما ألاقي من مرّ التجارب وها أنت تسمع شخيرها فلا تعطف، ولا يبتسم القلب.».
واستنادا إلى رأي “ميشال بوتور” رأي مصطفى التواتي أنّ ضمير الغائب (هو) ينقلنا إلى الخارج ، وضمير المتكلّم (أنا) ينقلنا إلى الدّاخل ، في حين يتيح ضمير المخاطب (أنت) للشخصيّة أن تتعامل مع ذاتها فتخبرنا عن طريق حوارها الذّاتي بما يجول في خاطرها. وهذا الضّمير هو الذي يجمع بين ضميري الغائب والمتكلّم ويجعل بينهما اتّصالا دائما. إنّ لعبة الضمائر انعكست على نظام الرؤية في رواية الشحّاذ،ونعني بنظام الرؤية وجهات النظر أو الرّؤى التي يتلقّى بها القارئ أحداث الرّاوية، و قد اختزل علماء السّرديّة و جهات النظر هذه في ثلاثة رؤى:
• الرؤية من الخلف: الرّاوي > الشخصيّة
• الرؤية من الخارج: الرّاوي < الشخصيّة > ،< ، = : هي درجات • الرؤية مع ( أو المصاحبة ): الرّاوي = الشخصيّة المعرفة والملاحظ أنّ هذه الرؤية الأخيرة (المصاحبة) هي المهيمنة على نصّ الشحّاذ لأنّ القصّة«مغامرة في ضمير البطل» على حدّ تعبير نبيل راغب. ولعلّ " المرض " الذي كان عليه البطل هو الذي جعله انفصاميّا لا يتكلّم دوما بضمير المتكلّم و إنّما يخاطب نفسه بضمير المخاطب ويتحدّث عنها بضمير الغائب. 4) الأمكنة ودلالاتها الرمزيّة : ليس المكان في رواية " الشحّاذ "مجرّد إطار تدور فيه الأحداث وليست له وظيفة ولا فعل وإنّما هو مع الزمان يكوّنان معا ضفيرة تتفاعل باستمرار مع الشخصيّة الرّئيسيّة عمر الحمزاوي وتشارك في صراعه بالمؤازرة في طور التصعيد ثمّ بالتآلب عليه ودفع فعله إلى الانحدار في الطّور الثاني.فالبيت الذي هو رمز الاستقرار والطمأنينة والسعادة العائليّة ومحلّ الراحة النفسيّة الذي يتخلّص فيه الإنسان من عناء الشّارع و ضغوط الحياة الخارجيّة " لم يعد بالمأوى المحبوب " عند الحمزاوي لأنّه على فخامته واتّساعه يقيّده ويحبسه ، يشعر فيه بالضيق والملل والرتابة «حبست في برطمان قذر كأنّها جنين مجهض»لأنّ هذا المكان تمارس فيه كلّ الطقوس الأسرويّة [ المؤسّسة] بعاداتها و قيمها و علاقاتها المبنيّة على العرف واختراق الحياة لا البحث في معناها.كما كانت الاسكندرية بشاطئها ملجأ للهروب من معاناة المرض إلاّ أنّها لم تحقّق غاية عمر الحمزاوي بل سرعان ما عاد إليه الضّجر والملل لأنّ لجوءه إلى الاصطياف لم يكن إراديّا بل دفع إليه بتوجيهات الآخرين (الطبيب / مصطفى/ والعائلة ). بل إنّ النيل يتحوّل من مصدر للحياة والبعث (مصر هبة النّيل ) كما يقول التّاريخ إلى رمز لانعدام الرّوح «بدا النيل من ثغرات أعالي الشّجر ساكنا هامدا شاحبا معدوم المرح والمعنى».أمّا القاهرة فلئن كانت عاصمة البلاد السياسيّة حتى اليوم فإنّها رمز للاختناق الذي وتّر نفسيّة الحمزاوي فسعى إلى الخلاص منه وقطع كلّ ارتباط بهذا المكان لأنّ أزمتة وإن كانت فكريّة ميتافيزيقيّة فإنّ خلفيّتها اجتماعية سياسيّة. و حتّى عيادة الطبيب فإن كانت الغاية منها تشخيص المرض والبحث عن علاج إلاّ أنّها قد عمّقت إحساس الحمزاوي بمرضه انطلاقا من قاعة الانتظار ومؤثّثاتها التي لم ير فيها البطل غير الرتابة. ولذلك فإنّ الإطار المكاني يعتبر عند الحمزاوي عالما خارجا عن الذّات يتعارض مع غايته الأساسيّة في وجود معنى لحياته وشفائه من " المرض النفسي " الذي يعانيه. إلاّ أنّ هناك أمكنة أخرى ساعدت البطل على تصعيد الفعل وإثبات الذّات وتحقيق نشوة الخلق ولو مؤقّتا وهي الملهى والأهرام. 5) الأزمة ودلالاتها الرّمزيّة : يتّخذ الإطار الزماني كذلك في رواية الشحّاذ بعدا رمزيّا ، فهو عادة ما يتّصل بالإطلاق الذي يبيّن وجود ذات عمر الحمزاوي خارج الزمن الموضوعي (الواقع كما هو ) لأنّه يدعّم شعوره بانعدام الحرّية بوجوده في سجن ، تتكرّر الأحداث والمواقف فيه بشكل رتيب يبعث على الضجر ، و لذلك يعبّر عن رفضه كذلك للانتماء إلى زمن مقيّد لحركيّة البحث عن معنى الوجود «هاهي الشمس تتهاوى للمغيب قرص أحمر كبير امتصّ المجهول قوّته وحيويّته» فهي تعكس ضعف النّاس أمام المجهول فلا يحاولون التصدّي له بل نجدهم لا يكترثون إلاّ بما هو مألوف معروف. ولئن كان النّهار زمن الحياة المألوفة العاديّة و ظرفا ملائما للقصّة الرّسميّة التي تكون معانيها سابقة و أحداثها مسطّرة و شمسها تطلع من المشرق لتغيب في المغرب فإنّ اللّيل هو زمن الحياة الشّاذة وظرفا مناسبا للقصّة المنزاحة عن المألوف حيث لا يدلّ على شرق ولا غرب على حركة الزمن. ولقد صعّد البطل حياته في اللّيل لاسيما من خلال مغامراته الجنسيّة على أمل أن يولد من جديد مع الفجر. ولئن ارتبط الصيف ببداية إحساس البطل بالأزمة والتحوّل بالأسرة إلى الشاطئ فإنّ الخريف والربيع اقترنا بارتياد البطل الملاهي في حين اتّصل الشّتاء بتجربة الحبّ والجنس مع وردة.أمّا الماضي فقد مثّل زمن الأحلام بخلاف الحاضر الذّي عُدّ زمن الأزمة، غير أنّهما مجتمعين يختزلان أزمة المثقّف العربي. أمّا المستقبل فهو زمن المصالحة بين الفنّ والعلم من خلال جمع بثينة بين الشّعر والتخصّص العلمي تلك هي رسالة الإنسان في الحياة عبّر عنها الحمزاوي من خلال تهشيم علاقته بالزمن الخطّي الانحداري وسعيه إلى إلغاء الزمن الموضوعي وبناء زمنه الذّاتي. 6) الشّخصيّات: أ‌) عمر الحمزاوي ودلالته الاجتماعيّة : عمر الحمزاوي له دلالته الاجتماعيّة ، فقد ولد مع ثورة سعد زغلول وهي ثورة الطبقة الوسطى وأفادت منها تلك الطبقة أكبر فائدة. واستقرّ وضعه سنة 1935 وهو العام الذي شهد انتهاء الثورة الشّعبيّة وبدأت الأحزاب تلعب بطريقتها الخاصة.وفي تلك الفترة المبكّرة تعرّف الشّاب على الفكر الاشتراكي ولم يحل المذهب دون حسّه الفنّي المبكّر، ولكنّه بعد أحداث جسام لم تنل منه شخصيّا ما لبث أن تغيّر كلّيا.لذلك فإنّ عمر الحمزاوي يعدّ مرتدّا من الناحية الفكريّة والسياسيّة. وليس هو بأوّل مرتدّ عند نجيب محفوظ ، فقد اعتنق المبدأ وآزر آخرين وآزروه على اعتناقه ثمّ تخلّى عنه حيث تحوّل المبدأ إلى ضريبة باهضة التكاليف فساير الميول السّائدة وركب الموجة الصاعدة ووجد من " الحجج " ما يقنع بها نفسه ، خضع مكرها لضرورة المرحلة. و إذا كان مهران قد خرج من سجنه بعد عشر سنوات ليكشف الوجه الآخر لكتّاب التسلية والتّرفيه رؤوف علوان فإنّ عثمان خليل خرج من السّجن بعد عشرين سنة ليعمّق معرفتنا بالحمزاوي ويفسد عليه معنى نجاحه الظّاهري و هنائه العائلي المزيّف لأنّه البديل " للهناء الإنساني " الرّحيب المفتقد الذي تجمّع حوله كغاية في الماضي عثمان خليل والحمزاوي والمنياوي كحلم وطني وإنساني. لقد ألقى عثمان خليل القنبلة ليغتال أحدا ممّن يقف ضدّ الثورة فأمسك به ولكنّه تحت التعذيب تماسك فلم يشي بأسماء شركائه و هكذا سيق إلى السّجن وانتهى الآخرون إلى حياة رضيّة مهادنة ونسيا صاحبهما القديم ولكن طيفه بقى يطاردهما وخاصّة حين اقترب موعد الإفراج عنه وهنا يكمن فارقا بين رؤوف علوان وعمر الحمزاوي ، إذ كان علوان انتهازيّا منذ البدء استغل التنظيم إلى الوصول إلى مبتغاه ولم يتردّد في الإيقاع بفكرة الماضي ، أمّا عمر الحمزاوي فإنّه تسوّل مبرّرات ظلّت مقلقة غير مقنعة له وللآخرين أيضا ، لا مفرّ فقد تمّ اللّقاء برغم التحذير وحدثت المراجعة أو المحاسبة وتمّت الجفوة ثمّ التفاعل برغم مخاوف الماضي والمستقبل. ب‌) مصطفى المنياوي : هو أحد أفراد العصابة التّي تآلفت بالعشرة واجتمعت على النهج الاشتراكي وآمنت به طريقا إلى التقدّم. وهو أكبر شاهد على مغامرة الشحّاذ الوجوديّة وهو الذي هيّأ لعمر الاتّصالات مع مرغريت ومع وردة. ولذلك كان حضوره مكثّفا في الرواية مقارنة ببقيّة الشّخصيّات وهو ظِلّ الشحّاذ ورمز الانهزاميّة لأنّه اشترى التسلية بالمبادئ الاشتراكيّة ،إنّه والحمزاوي كما يقول مصطفى التّواتي:«وجهان متكاملان للمثقّف الانتهازي». ج‌) عثمان خليل و مأساة الثّائر الفرد : باشرناه شخصيّة ماثلة في ذهن الحمزاوي ،أدركناه بالخبر لا بالخبرة انطلاقا من الحوار الذي دار بين عمر والطبيب ، كان صوته يسمع قادما من أعماق الذّكريات ، مثّل رمزا للثّبات على المبدإ حتّى داخل أسوار السجن، ظلّ مؤمنا بالعلم وبالتقدّم وبالعقل وبالعمل ممّا جعل لقاءه ببثينة عنوان الفّن والشعر «زواجا بين ثوريّة عثمان الاشتراكيّة وبين هذه القوى الحيّة التّي تنجزها الطبقة البرجوازيّة خلال تحقيقها لذاتها» على حدّ تعبير مصطفى التواتي. إنّه صراع بين الماضي والحاضر واستشراف للمستقبل داخل شخصيّة الشحّاذ. ولعلّ التقاء عثمان بعمر على« غربة واحدة » بعد مطاردة البوليس لعثمان رمز النّضال أن يكون إشارة ضمنيّة لضرورة تعايش العلم والحلم والروح والمادّة والقلب والعقل معا. د‌) الطبيب حامد صبري : هو رمز " للطبيب الناجح" كما تصوّره " المحامي الفذّ " عمر الحمزاوي. وهو ما أهّله لأن يتعرّف إلى مرض الشحّاذ «إنّه مرض بورجوازي...ليس بك مرض». إنّه رمز للاتّزان والاعتدال وللوجه الإنساني والإيجابي في العلوم ولحبّ الحياة من خلال جملة النصائح التّي قدّمها للحمزاوي. كما يعتبر رمزا للاستمراريّة والاتّصال الزمني من خلال تذكيره لعمر بماضيه الدّراسي والسّياسي والشّاعري ودعوته إلى التفاؤل في قوله «فلتحب المستقبل ». هـ ) زينب : على الرغم من اختلافها مع عمر في الدّين و على الرّغم من العواطف التّي أتت على حياتها الزوجيّة فإنّها لم تهتزّ، فكانت بذلك رمزا للصّبر والتجلّد والحبّ الصّادق إذ لم تتخلّ عن عمر في أحلك فترات حياته وإن أصابها من حرّ مأساة زوجها شعاع. كانت« شخصيّة فاتنة حقّا ... مهذّبة بكلّ معنى الكلمة، مدبّرة حكيمة، كأنّها خلقت للتدبير والحكمة، وقوّة دافعة لا تعرف التواني، ونظرة ثاقبة في استثمار المال ». غير أنّ مرض عمر في تقادمه صار يؤجّج فيها القلق يوما بعد يوم خاصّة بعد استمرار الشحّاذ في بحثه الليلي الذي لا يني عن مغامرات حبّ جديد مع " مرغريت " و "وردة " وغيرهما ، فيملأ سمرها حزنا على ذلك الذي وضعها كما وضع غيلان ميمونة ، فيجيئها المخاض و" حبيب القلب مفقود "، لكن لاشيء يتبدّل سوى أنّها أنجبت نجيبا وخسرت حبيبا. فما كان عليها إلاّ أن تروّض نفسها على قبول الواقع على أنّه قضاء محتوم. و‌) بثينة : فتاة في مقتبل العمر، مثقّفة وطالبة في إحدى الكلّيات، محبّة للشّعر متذوّقة له. وتلك خصال تقوّي أواصرها بأبيها عمر الحمزاوي لذلك كانت محافظة عليه بإيقاظه من غفوته وهو تائه في شروده وضائع في حلمه. وهي إلى ذلك « تعبير عمّا كان ينوي الحمزاوي الذي لم يتحقّق ، فكأنّها مواصلة للدّرب الذي توقّف الشحّاذ دونه: وهذا ما قصدته (بثينة) بقولها (مخاطبة والدها) :وجدت في ديوانك بدء الطريق » على حدّ قول الصّادق قسّومة في كتابه " أزمة الشّخصيّة في أدب نجيب محفوظ " . وقد أثمر زواجها بعثمان خليل – رغم فارق السّن بينهما – في النهاية جنينا هو ثمرة لقاء النّضال والعلم والشّعر. ز‌) مرغريت + وردة : هما سبيل آخر لتسوّل الشحّاذ في رحلة بحثه من معنى لحياته عسى أن يجده في اللّذة أو الجنس ، لكنّ هذه المرحلة لم يكتب لها الدّوام لأنّ الرّجل ملّ الغرام و عاف الجنس إذ أنّ «نشوة الحبّ لا تدوم ونشوة الجنس أقصر من أن تكون لها أثر ». ==>إنّ جلّ الشّخصيات بما في ذلك الأصدقاء والزوجة والبنت كلّها تمثّل جحيما لأنّها تعيق ” الشحّاذ ” عن طموحه لبلوغ معنى الوجود أو اكتشاف الذات.
و إلى ذلك يعزى طغيان ظهور البطل في كامل الرّواية على حساب الشّخصيّات الأخرى سواء كان منفردا ( الحوار الباطني + السّرد ) أو وجوده في علاقة ترابط مع شخصيّات أخرى. وما رفضه لهذه الشّخصيّات سوى رفض لمفهوم معيّن للوجود والحقيقة. فصديقه مصطفى المنياوي عنده هو رمز للفنّان في تطوّره من الأصالة إلى الابتذال التجاري، إذ أنّه يتهاوى من الشّاعر والفنّان الذي يخدم قضايا ملتزمة و يدافع عن قيم سامية إلى بؤرة السّوق حيث يبيع اللبّ والفشار عن طريق الصحافة ويحاجج صديقه الباحث عن معنى الوجود ومن ثمّ أصبحت ” السّوقيّة الضحلة ” قيمة رفيعة. أمّا زوجته فرغم أنّه كان يحبّها ويقدّس الحياة الزوجيّة معها في العالم الخارجيّ فإنّه آمن « أنّه في كهفه لا يستطيع الوصول إلى هذه الحياة المتطلّعة المتجدّدة المتدفّقة بجواره زينب مستغرقة في النّوم ” مكتضّة بالنوم والشّبع ». ولذلك فهو يرفض أن يرى صورته في شخصيّة زوجته زينب ، ولذلك رفض كلّ الرّوابط الزوجيّة والعائليّة والمهنيّة وكلّ الروابط البورجوازيّة وفضّل الهروب من الآخر حتّى من عثمان خليل صديقه الذي كانت مجرّد ذكراه تثير فيه شعورا بالانقباض : فعندما حدّثه الطبيب عن عثمان« تجهّم وجهه،لطمته الذّكرى بقبضة من حديد » ، ثمّ يحتدّ التناقص بعد خروج عثمان من السّجن خروج من السّجن إلى الحياة في حين كان الحمزاوي يحضّر الخروج من الدنيا إلى عالم المجهول.
وأمام عدم إمكانية التواصل مع بقيّة الذّوات يحلّ الظلام والناس ركود والفجر ينطبق على كلّ شيء معقول حول البطل بسذاجة حياته تستفزّه تصرّفات زوجته العاقلة ويغضب بلا سبب “وأصبح يتمنّى ” أن يثور البحر حتّى يطارد المساكين على الشّاطئ وأن يرتكب السّائرون على الكرنيش حماقات لا يمكن تخيّلها… وأن تتحطّم الصّور القديمة إلى الأبد… “في حين لا يعجبه إلاّ كلام رجل مجنون كان يقابله على الشّاطئ” لأنّه هو الوحيد يفكّر بعقله في معنى الحياة في حين كان الآخرون يحملون بطاقات هويّة بإمكانها أن تخبرك من هم ؟ وأين يعيشون ؟ و أنّ لدى هؤلاء أهدافا بعضها بعيد كشراء سيّارة إلاّ أنّهم لا يغيّرون من مفهوم أنفسهم بالنسبة إليهم شيئا وهو ما يفسّر موقف زينب من زوجها ” إنّك لم تعد أنت ” و ” أنت لا تفكّر في الموت كما يفكّر العقلاء “.
II. القضايا التّي تثيرها رواية ” الشحّاذ “:
انبثقت رواية ” الشحّاذ” من تصوّرات نجيب محفوظ ” الفيلسوف ” المتأمّل في قضايا الإنسان في عصره ، فكانت وقفة تأمّليّة راجع إثرها عمر الحمزاوي حياته. ولذلك فإنّ دراسة هذه الشّخصيّة هو السبيل الوحيد للوقوف عند تلك القضايا وإن اعتبر ذلك مبحثا تأويليّا في مثل هذا العمل خاصّة في اختيار الموضوع والمنهج لارتباط الموضوع بقضيّة فلسفيّة من جهة وارتباط المنهج بالقراءة الأسلوبيّة. و بذلك فإنّ شرعيّة تناول هذا المبحث تعود بالأساس إلى تفادي أمرين رغم إيماننا بأنّ النصّ القصصي عالم منغلق تجري فيه أحداث وتتحرّك فيه شّخصيّات تتفاعل فيما بينها في علاقة اتّصال وانفصال وتتصرّف وفق خطط ترسمها وانطلاقا من وضعيتها بالنسبة إلى الشّخصيات المتعاملة معها وقراءتها لهويّة هذه الشّخصيات من حيث أنماط تفكيرها وطرق تحليلها للمسائل وعلى هذا الأساس فإنّ المنهج الذي نتّبعه في الوصول إلى القضايا المطروحة انطلاقا من شخصيّة الحمزاوي في رواية الشّحاذ سيجمع بين المنطق البنيوي الذي يهتمّ بالشّخصيّة في علاقتها الخاصّة بنظام سردي قصصي والمنطق النفسي الذي يبرز أنّ علاقة الفرد بالعالم هي علاقة اتّفاق أو اختلاف وتفرّد كما يبيّنها نجيب محفوظ من خلال شخصيّة الحمزاوي خاصّة أنّ تأثير الثقافة الفلسفيّة ذات التوجّه الوجودي واضحة وجليّة في جلّ رواياته الذّهنيّة. ولذلك سننظر إلى هذه الشّخصيّة باعتبارها وظيفة (أي مدلولا) تعكس علاقة الفكر بالعالم واللاوعي بالوعي في إطار ثنائيّات محصورة في فئات دلاليّة متناقضة باعتبار أنّ الشّخصيّة كما يقول ” فيليب هامون ” في كتابه ” سيميولوجيّة الشّخصيات الروائيّة”: «إنّ الشخصيّة لا معنى لها ولا مرجعيّة لها إلاّ من خلال السّياق وهي تتشكّل من خلال التّقابل ومن خلال علاقة الشّخصيّة بشخصيات الملفوظ الأخرى”. وبناء على ذلك فإنّ سبيل الوصول إلى القضايا المختلفة المشكّلة لنصّ “الشحّاذ” هو النظر في شخصيّة الحمزاوي في إطار علاقات اختلافيه مع:
– الذات أوّلا.
– الآخر ثانيا.
– الحقيقة ثالثا.
1) اختلافيه الأنا مع الذات :
إنّ هذه الظّاهرة عند الفلاسفة الوجوديين خاصّة عند ” جان بول سارتر ” و “مارلوبنتي ” – رغم اختلاف وجهات نظرهما – تسمّى التعالي أي أنّ الأنا باعتبارها بحث عن معنى الوجود ومعنى الحياة تتعالى على ذاتها لتتّخذها موضوعا للبحث عن هذه القيمة ( المعنى) وهو ما يفسّر انشطار الذات عند عمر الحمزاوي في رواية الشحّاذ والذي يقابله شكل الحكي في الرّواية فيكون الحوار الباطني اختزالا لمعاناة الأنا في بحثها عن المعنى والمنفصلة تماما في اهتمامها (فكريّا وحسّيا) عن الذّات التي تعيش وتتحرّك وتشارك الآخرين حوارهم ومشاغلهم بحيث تتحوّل إلى ذات غريبة عن ذاتها و نلاحظ هذا الانقطاع خاصّة من خلال توجيه عمر الحمزاوي الخطاب إلى ذاته باستعمال ضمير المخاطب والغائب وكأنّهما شخص آخر.
عمر الحمزاوي
واقع موضوعي واقع ذاتي
– لها جذور- لها تاريخ – لا انتماء لها
الذات – تعيش الحياة الأنا – لا تعيش الحياة بل تتّخذها
موضوعا للبحث
– تفكّر في حدود ما هو موجود – تنقطع عمّا هو موجود
للتفكير في معنى الوجود.
إنّ هذه الغربة في طلب الذّات عند عمر الحمزاوي تعمّق مأساته، لذلك فإنّ بحثه عن معنى الوجود يرتبط بمسيرة تراجيديّة تنتهي عنده بالفشل وهو يقول في نهاية الرواية وكأنّه وضع حدّا لبحث المريض دون مرض عن علاج يمكّن من كشف الذّات « ماذا يعني هذا الحلم إلاّ أنّني لم أبرأ بعد.» وفي الواقع إنّ انشطار الذات لا يبرز إلاّ من خلال إنكاره للتحوّل ” التحوّل” الذي شهدته حياته في كلّ الجوانب حتّى أصبحت ذاتا غريبة عنه لا يعرفها وهي تحوّلات جذريّة على الصعيد المادّي الاجتماعي والنفس والسياسي والفنّي.
– المستوى الاجتماعي : جسديّا : هو عملاق وطبقيّا هو ثريّ ” بورجوازي ” «كأنّك مدير شركة لا ينقصك إلاّ السيجارة» + « أنت رجل ثري تأكل فاخر الطّعام وتشرب الخمور الجيّدة».
– المستوى النفسي: «لا أعتقد أنّني مريض بالمعنى المألوف»+«أضيق بالدنيا» + « لا أريد أن أفكّر وأن أشعر وأن أتحرّك».
– المستوى السياسي: ” أيّام السياسة ولّت ” ≠ الاشتراكية (الماضي).
– المستوى الفنّي: « الشعر عبث طفولة لا أكثر ولا أقل.»
==>هو نجاح مادّي واجتماعي لكن يصحبه عدم استقرار نفسي سياسي وفنّي فكيف السبيل إلى استقرار الذات؟
هذا أهمّ سؤال يحاول اللاّمنتمي الإجابة عنه، واللّامنتمي كما يعرّفه “كولن ولسن” « قد وجد الأنا إلاّ أنّها ليست (أنا) حقيقيّة وغايته الرّئيسيّة هي أن يجد طريقا للعودة إلى نفسه (أي الاستقرار ) ». ولقد خرج عمر الحمزاوي من محنته بحقيقة بسيطة وهي ما هتفت به الدّنيا في آخر الرّواية « إن تكن تريدني حقّا فلِمَ هجرتني». و مع ذلك نجد إصرارا عند بطل الشحّاذ لاكتشاف ” وجهه الثاني” دون أن ينحدر أو يموت كما في رواية ” اللصّ والكلاب ” أو ” الطريق” رغم أنّ عمر الحمزاوي يقول إنّ « الموت هو الوجه الآخر للحياة” ووجد الخلاص في الألم وهو الهارب دائما من الألم.
2) اختلافيّة الأنا مع الآخر:
إنّ من أهم ّمكوّنات الوجوديّة أنّ ” الإنسان قد ألقي به في هذا العالم وحيدا غريبا بلا نصير وأنّ الآخرين يمثّلون جحيما يعوقه عن تحقيق ذاته “.هذه النّظرة نجدها تعبّر أصدق تعبير عن جملة التّقابلات الموجودة بين شخصيّة عمر الحمزاوي التي تعكس نظرته الوجوديّة للأشياء والتي ترفض كلّ ما هو خارج عن ذاته لاختلافه مع الذّوات الأخرى ورفضه أن يكون مثلهم “الأنا في مقابل الآخر / الجحيم”. فمشروع عمر الحمزاوي هو تحقيق إنسانيّة في المطلق وذلك أعظم من أن تقدر على حمله تلك الشّخصيات السّجينة داخل أبعادها الدنيويّة لأنّها شخصيات رسميّة منمّطة تسير إلى نهايتها دون أن تنحرف عن خطّ سيرها في حين أنّ عمر الحمزاوي شخصيّة منزاحة عن واقعها متمرّدة عليه. والسؤال الذي يُطرح هو كيف يتمّ تجاوز هذا الاضطراب النفسي والفكري؟ والإجابة عنه عند ” كاملي المدارك العقليّة ” هي” أرسله إلى عيادة الطبيب، في حين يكون من الأجدر عند هذا المريض دون مرض أن يكون هو الطبيب الذي يبحث عن علاج للآخر: يقول عمر الحمزاوي ” من الآن فصاعدا أنت الطبيب” فأنت حرّ والفعل الصّادر عن الحرّية نوع من الخلق”. فمن الطبيعي إذن أن تكون نظرته للآخر نظرة رافضة لكلّ ما هو مألوف في نظر الآخر سواء كان جمادا أو من الأحياء أو القيم والمواقف والسّلوكات. فيقترب بذلك بطل الشحّاذ لنجيب محفوظ من بطل ” الغريب ” لألبار كامو عندما يقول : ” لقد كان يهبّ عليّ من أفق مستقبلي المظلم شبح مستمرّ بطيء … و كان ذلك النّسيم يعادل كلّ الأفكار التي حاول النّاس أن يحشروها في ذهني خلال سنوات اللاّحقيقة التي عشتها”، وهو ما نفسّر به غربة عمر الحمزاوي الذي أصبح غريبا بين أهله،غريب التصرّف، غريب التفكير إلى حدّ الجنون حتّى أنّ كلّ ما هو عادي مألوف أصبح يضجره إلى حدّ المرض ، و أصبح ينظر إلى الآخر باعتباره اللاّ معنى ، أصبح كلّ شيء سطحيّا عديم اللّون والرّائحة، وليس فقط بقيّة الذّوات بل حتّى الإطارين المكاني والزماني يتحالفان مع الآخرين في رتابتهما وانعدام معناهما كما رأينا.علاوة على أنّ الأشياء في حدّ ذاتها تتحوّل إلى رمز لتفاهة الوجود ، ويمكن أن نحدّد تقابل رؤية الأنا (عمر الحمزاوي) للآخر الذي يعتبره عائقا يحول دون البحث في سبل الكشف عن معنى الذات فيرفض الآخر أشخاصا وجمادا وزمانا ومكانا.
3) اختلافيّة الأنا مع الوجود :
رفض الشحّاذ الانتماء إلى مجموعة وإلى قيم ومؤسّسات إلى التعبير عن نفسه بمصطلحات وجوديّة ولا يهمّه ما بين الرّوح والجسد أو الإنسان والطبيعة خاصّة وهو يعلم أنّ حياته عبث وأنّ الموت يترقّبه ” ما معنى أن نتشبّث بالحياة ونحن نعلم أنّ اللّه سيأخذها ” فتصبح الحياة لا معنى لها والحال أنّ الموت” هو الوجه الآخر للحياة”. وليس معنى هذا رفض الشحّاذ للوجود بما هو موجود، وهذا ما يفسّر قول عثمان خليل ” يا لك من أحمق ، بدّدت مجدك في البحث عن شيء غير موجود”، وهو ما يقتضي منّا البحث في التقابل الموجود بين القائم الموجود باعتباره وجودا وحقيقة مسلّمة عند الآخرين ورفض هذا المعنى عند عمر الحمزاوي يتّخذ أشكالا متعدّدة :
أ‌) السّجن مقابل الحرّية:
إنّ السّجن الذي نعنيه ليس سجن صديقه ولا الحرّية هي التّي مكّنت عثمان من الانسجام مع الواقع وزواجه من بثينة، وإنّما للسّجن خلفيّة ما ورائيّة أخرى مثلما يشير إلى ذلك مصطفى التواتي في” دراسة في روايات نجيب محفوظ الذهنيّة ” باعتبار أنّ ” جوهر هذه الروايات جميعا هي رحلة من السّجن إلى السّجن وكأنّه قدر محتوم، هي رحلة من العدم إلى العدم، معنى هذا أنّ السّجن يحمل دلالة رمزيّة تمثّل نقضا للحرّية التّي تعتبر أكبر مسؤوليّة وأخطرها يقول ” من هنا فصاعدا أنت الطبيب فأنت حرّ والفعل الصّادر عن الحرّية نوع من الخلق” والحرّية تعبير آخر واكتشاف عالم جديد قد خفي عنه طويلا لأنّ سجن الوجود حجب عنه الرّؤية” عيناك ترمقان النّاس بعد عمى ربع قرن”.
ب‌) الجدّ مقابل العبث :
تعدّدت الوحدات المعنويّة التّي تتشكّل في إطارها هذه الثّنائيّة في رواية الشحّاذ ” عزيزتي لا يقلقك أن نعبث والعالم من حولنا يجدّ ” + ” الحقيقة أنّ عملك جاوز بك أبعد غايات النجاح وأنّ زوجك تعبدك فلم تعد أمامك غاية تتطلّع إليها” + ” فليعبث الشيطان ما شاء له العبث “. إنّ الجدّ الذي يقلقه ويشكّل بعض الداء هو الضّجر وانعدام الجدوى والتشاؤم يؤدّي به إلى العبث، العبث بكلّ قيم الحياة و قوانين المجتمع وسنن الآلهة في الأرض ولذلك يخلد في نهاية الرّواية إلى نفسه مختارا العزلة بالأحرى اللاّانتماء إلى عالم الناس . ( تواترت لفظة العبث 21 مرّة في الرّواية ).
ج‌) الفنّ مقابل العلم :
إنّ الفنّ هو شكل من أشكال التّعبير الوجداني الذي تسعى من خلالها الذّات المبدعة إلى أن تكشف كنهها وتسمو النفس بواسطته إلى سماوات الجمال.إلاّ أنّ هذه الحقيقة تصبح لا معنى لها مع إصرار عمر الحمزاوي أنّ ” الشّعر هو عبث طفولة ” بل تجاوز هذا الإحساس بلا جدوى هذا الفنّ التعبيري إلى حدّ أنّه يرغب في الانتقام منه، يقول متحدّثا إلى صديقه مصطفى ” ما أجمل أن أسمع ذلك انتقاما من الفنّ لا حبّا في العلم “. وحبّ الانتقام نابع من انقلاب جوهر الفنّ إلى الابتذال خاصّة أنّ مصطفى المنياوي يقف رمزا للانتهازية ، معلّلا ذلك بقوله ” هذا هو الفنّ الممكن في زمن العلم ” رغم أنّ الحمزاوي لا يتّفق مع عثمان خليل في إيمانه المفرط بالعلم والمنطق إلى حدّ يرى معه أن القلب :ليس سوى مضخّة تعمل بواسطة الشرايين والأوردة ومن الخرافة أن نتصوّره وسيلة إلى الحقيقة.”
د‌) الجنس مقابل الزواج :
يقول الحمزاوي : ” كلّما رأيت أنثى خيّل إليّ أنّني أرى الحياة على قدمين “، وفي إطار تحوّل حياة البطل الوجودي إلى نوع من الكابوس يحمل كلّ مقوّماته وخصائصه من لا معقوليّة وفقدان التوازن وانقلاب المقاييس والخروج عن المألوف فأصبحت زينب زوجته رمزا للملل والرّكود في حياته، فلم يعد يحبّها بعد الذكريات المليئة بالوفاء ويهرب إلى الشّرفة متلمّسا متنفّسا ولكنّه يصطدم بانطباق الأفق من كلّ جانب كما ينطبق الأفق الذي ينظر إليه الطفل الذي يركب حصانا خشبيّا في اللّوحة. من هنا يبدأ البحث عن النشوة فيتردّد على الملاهي اللّيليّة كنوع من العلاج ويتعرّف على ” مارغريت” المغنّية الأجنبيّة وفي حضرتها يظنّ أنّه آن للقلب المظلم أن يرى النشوة كنجم متوهّج، وتمضي ” مارغريت “وتظهر “وردة” الراقصة المصريّة كلحظة من لحظات النشوة التي لا تعالج القلق الدّائم ولكن ماهي إلاّ لحظات حتّى يموت الوجود وتنتهي نشوة اللّيل كالبرق ويعود فراغ الحياة أكبر ممّا كان ” في حين يقف الزّواج أو الزوجة صنو المطبخ والبنك معادلا لوحدة الأسرة واستهلاك الحياة ودافعا للخمول «لا أرى في زينب إلاّ تمثالا لوحدة الأسرة والبناء والعمل» فالزواج قضى على الحبّ فلم تبق ذرّة حبّ وأصبت الحياة الزوجيّة مرادفا للضياع والفرار.
ه‌) العقم مقابل الولادة:
إنّ الفئة الدّلاليّة التّي تشكّل هذا العنصر تبرز من خلال جملة من المعاني ” هي حبلى وأنا عقيم ” + “مارسنا عملا وتزوّجنا وأنجبنا ولكن يخيّل إليّ أنّه ليس لي ما أحصده إلاّ العياء ” + ” رغم فارق السنّ تزوّجنا, هو الحبّ كما تعلم وفي بطنها الآن جنين هو ابني وحفيدك” رغم انسيابه في أسرار الخلق لم يساوره أمل في التعبير ولا خرج عن غربته ولم يملأ الوليد الثغرة التي تفصل بينه وبين زينب.”
إنّ حالة العقم التّي يعيشها لم تبدّلها ولادة ابن له ولا نبض جنين ابنته فالهوّة التي تفصل بينه وبين زينب رمز الأسرة والنجاح والثّراء، ولذلك تخبّط بطل الشحّاذ في أدوات المجتمع من جهة ومحاولته الخروج من هذه الأدوات إلى حالات الشّفاء عبر اليقين الذي كان يسعى إليه من جهة ثانية جعلا منه بطلا عابثا لا يحصد غير الهباء ولا يرى في العالم أيّ معنى يستحقّ الاهتمام فقرّر الاعتزال يحثّه على ذلك عبث الوجود وقال لها ” أنّه صمّم على ألاّ يشغل نفسه بشيء وأن يزيح الدّنيا على عاتقه”.
و‌) العمل مقابل الرّاحة :
كان بطل رواية الشحّاذ منذ الصفحات الأولى يعاني من مرض غير مألوف، مرض بورجوازي أصابه إثر لقائه بأحد موكّليه ” المهمّ أنّ نكسب القضيّة، ألسنا نعيش حياتنا ونحن نعلم أنّ اللّه سيأخذها، فسلّمت بوجاهة منطقه ، ولكن ذهل رأسي بدوار مفاجئ واختفى كلّ شيء “.
إنّ اختفاء كلّ شيء من رأس البطل يعني كما يكشف النصّ الشّاهد اختفاء كلّ القيم التّي كان يؤمن بها ووقوعه في خمول غريب. و أوّل نتائج الخمول موت الرّغبة في العمل “الحقّ أنّه نتيجة لذلك الخمول ماتت رغبتي في العمل بحال لا يصدّق” + ” مازلت قادرا على العمل ولكنّي لا أرغب فيه”.
إنّ موت الرّغبة في العمل أو في الحركة يعكس إيمانه بعبثيّة الدور الذي يقوم به في الحياة. فعوض أن يكون العمل قيمة تحقّق ذات الإنسان وتعطيه معنى لوجوده تتحوّل إلى هاجس خاصّة وأنّه لا يحقّق إلاّ تواصلا مع الذوات التي تحترف الحياة. لذلك وجب الهروب والانقطاع عن النّاس.
رغم إجماع عديد النقّاد والدّارسين على القول إنّ شخصيّة عمر الحمزاوي لم تصل إلى حدّ القطيعة مع الوجود والتبشير بجوهر العدم والعبث كما يتجلّى ذلك في نهاية الرّواية ، فإنّ سيرورة المنطق السّردي فيها وعلاقة الشّخصيّة المحوريّة بالعالم الخارجي الذي يعوق ذات البطل على تحقيق ذاتها يؤكّد النزعة الوجوديّة عند نجيب محفوظ في خلقه لهذه الرّواية وكأنّها محاكمة للمجتمع في مواجهة لشخصيّة اللاّمنتمي المثقّف الذي ينظر إلى الوجود نظرة مغايرة للمألوف.
ملاحظات حول اللّغة في رواية الشحّاذ :
لقد تطرّق غالي شكري إلى مسألة اللّغة عند تناوله لروايات نجيب محفوظ الذهنيّة. وقد جاء كلامه مركّزا فرأينا أن نورده لأهميّته، إذ يقول:« إنّ اللّغة الجديدة في أدب نجيب محفوظ لا تجسّد ولا تخاطب مستوى واحدا من مستويات الوعي فلأنّ هناك مونولوجا (Monologue) أو حديثا نفسيّا ووصفا لمجرى الشّعور، فإنّ هذه اللّغة عليها أن تهبط إلى أغوار الشّخصيّة لتنقل الشعور الغامض كما هو، عليها أن تلهث في مطاردة الانفعال الطارئ الطّافي على السّطح كما هو … إنّ اللّغة في هذه المرحلة الجديدة تقوم بدور مخالف لما ندعوه أحيانا بوظيفة ” التعبير ” وإنّما هي تتحوّل إلى عنصر من عناصر العمل الفنّي وليس مجرّد أداة للإفصاح . وعلى هذا النّحو يصبح لموسيقى اللّفظ دور جوهري في عمليّة البناء الرّوائي وليس دورا خارجيّا من وحي الصّنعة … ليست رداء خارجيّا إنّما هي جزء جوهري من الكلّ الروائي…فالشّخصيّة تنحت ألفاظها بل حروفها من صميم مواقفها المتداخلة والمتشابكة المتغيّرة دوما أي أنّ الشّخصيّة أصبحت على وجه مّا هي اللّغة كما أصبحت اللّغة على نحو آخر هي الشخصيّة ولم تعد ثمّة مسافة تفصل بين الشخصيّة في حقيقتها والأداة اللّغويّة المعبّرة بها”.
فقد كانت العبارة في الشحّاذ شاعريّة في أغلب الأحيان بحكم ما آلت إليه من تركيز وتكثيف وشفافيّة ولاعتمادها على الإيحاء. لهذه العبارة الفنّية حضور مكثّف في الرّواية ولها بعد جمالي سيما أنّ الواقع لا يحضر فيها كما هو بل يحضر عبر توسّط المجاز والاستعارة وتبنّي الحيل البلاغية