salma

نجم المنتدى
منتدى تونس التربوي
المشاركات
1,078
الدّولة
تونس
الولاية
نابل
المستوى الدّراسي
جامعي
الاختصاص
علوم
المهنة
طالبة: عربية
    رواية الشحاذ لنجيب محفوظ
  • #1
الــقسم : بحوث و دراسات
رواية الشحاذ لنجيب محفوظ
عمل تأليفي
______________

تمثّل رواية الشحّاذ لنجيب محفوظ عنوانا لمرحلة متطوّرة في الكتابة الرّوائيّة العربيّة الحديثة وهي المرحلة التي اتّفق نقّاد الرّواية على تسميتها بمرحلة " المغايَرة و التّجاوز ". فقد تجاوز نجيب محفوظ الكتابة الواقعيّة و التّاريخيّة وانخرطَ في " أشكال جديدة مركّبة تضربُ في أعماق الذّات الفرديّة والجماعيّة و تحقِّق التّعرية اللاّزمة عبر الفضح والاحتجاج"(1). و يشيرُ مستوى التّجاوز في إطار تطوّر كتابة نجيب محفوظ الرّوائيّة إلى مفهوم تنويع التّجربة الكتابيّة بوضع بدائلَ إبداعيّة للشّخصيّة القصصيّة الواقعيّة و التزام قواعد كتابة القصّة التي درج عليها في أعماله السّابقة خصوصا في الثّلاثيّة ( بين القصرين ، قصر الشّوق والسكّريّة) . و قد صرّح نجيب محفوظ بهذا المنحى التّجاوزي في فنّ الرّواية حين أعلن أنّ فكرته في الكتابة كانت في مرحلتها الواقعيّة تتحدّد بما هو " صوابٌ أو خطأ مثل النّحو تماما وأنّي إذا كتبت الرّوايةَ الصّحيحة فقد بلغتُ الغايةَ المنشودةَ ... ولأنّي كنتُ مبتدئا فقد كنت ألتزم القواعدَ"(2). وعلى هذا النّحو فإنّ رواية الشحّاذ وغيرها من روايات هذه المرحلة (اللصّ والكلاب ، الطّريق الشحّاذ... ) تمثّل علامة على تطوّر النّوع الأدبي في فنّ الرّواية لدى نجيب محفوظ، و مدارُ هذا التّطوّر في الكتابة الرّوائيّة على غير الأسلوب الواقعيّ لا تحدّده عناصر تكوين الرّواية البنائيّة فقط بل إنَّ طبيعةَ القضايا و المسائل التي عالجتها رواية الشحّاذ خلّصتها أن تكون رواية " الصّوت الواحد " (3) تسعى إلى الخروج عن أن تكون تعبيرا عن نثر الحياة اليوميّة وترغب في التّعبير عن شعريّة الوجود والحياة"(4).
إنّ الرّوايةَ بناءٌ مِن القِيَم يُشَيَّدُ بواسطة اللّغة لذلك تجاوزت رواية الشحّاذ أسلوب نقل الأفكار و الوقائع و تصوير التّجارب الإنسانيّة المتكاملة التي ميّزت الرّواية الواقعيّة و أرستْ في الفنّ الرّوائي قواعد تحرير الذّات بوصفها تعبيرا عن عمق أزمة المصير التي تهدّد الذّات الإنسانيّة بالذّوبان و التّلاشي و طرحتْ جماليّات الحَيرة التي يفقِد فيها الإنسان وحدتَه مع ذاته و يدخل في متاهات القلق و العبثِ الوجودي. لذلك كان الفعل السّرديّ في هذه الرّواية فعلاً نموذجيّا يُشخِّص النموذج المتفرّد للشّخصيّة الرّوائيّة التي تتحرّك في فضائها الشّخصيّات الأخرى إذ لا تملك ( هذه الشّخصيّات ) عالَما مستقلاّ تتحرّك فيه بأفكارها وآرائها وأهوائها(5). و على هذا الأساس مِن انبناء رواية الشحّاذ على الصّوت الواحد يمكننا دراسة مستوياتها الفنّية و الدّلالية بالنّظر في علامات جِنسِها الرّوائي بوصفها روايَةً مونوفونيّةً تعبّر عن تجربة نوعيّة في كتابات نجيب محفوظ الرّوائيّة.

*********************************************************************************************************************************************************************************************************

ـ عناصر البناء الشّكلي في رواية الشحّاذ :
الحكاية

نهتمّ في تحديد عناصر البناء الشّكلي في الرّواية بعلامات الكتابة الرّوائيّة. و تضمّ هذه العلامات الشّكلية طرائق انبناء النصّ الرّوائي الفنيّة . فالشحّاذ روايةٌ تجتمع فيها عناصر الفنّ القصصي المونوفوني الذي ينهضُ على حكاية واحدة ، ونعني بذلك حكاية "عمر الحمزاوي " في علاقته بذاته ووجوده الاجتماعي والثقافي، وتختصّ الحكايةُ في الشحّاذ بقيامها على البنية القصصيّة الثلاثيّة ، فالشحّاذ تبدأ فاتِحتها بعيادة عمر الحمزاوي الطبيب وتأمّله اللّوحة في قاعة الانتظار يليها سياق تحوّل يتحدّد فيه الاضطراب القصصي بتشتّت الأحداث و تنوّع الشّخصيّات و تعدّد التّجارب ثمّ تنتهي الرّواية بانعزال البطل عن عالمه و واقعه بما يقتربُ به من الجنون.
وإذا حدّنا مراحل الحدث القصصي في الرواية وجدنا نظام الأحداث بين وضع البداية و وضع الختام لا يخلو من وظائفَ سرديّة أساسيّة تقوم على ثنائيّة الانقطاع و الالتئام و تتمثَّل أبنِيتها الحدثيّة فيما يلي:
ـ انقطاع / خروج البطل و عائلته إلى الإسكندرية.
ـ التئام / رجوع إلى الواقع .
ـ انقطاع / الانعزال في المكان أو الحلم .
تمثّل هذه الدّوائر الحَدثيّة اتّجاهَ الحكاية في رواية الشحّاذ وهي حكاية تنمو في اتّجاه مسار واحد لأنّ الأحداثَ كلَّها تتّصلُ بشخصيّة بطلِها وتنضوي في فضاء حركة الشّخصيّة (6). و أمّا انتظامُ الأحداث فإنّه ينبني على النّظام الدّائري المتّصل و نعني بذلك اتّصال البداية بالنّهاية: فقد انتظم وضعُ الابتداء بالعيادة [ زيارةُ الطّبيب] وانتهى بالعودة إلى العيادة [ عمر محمولا إلى العيادة وهو جريح ] و قد نشأ عن هذه الأحداث الدّائريّة المتّصلة منطق الرّبط العِلّي بين الوقائع فإذا الحكاية تنمو متدرّجةً في تتابعها المنطقي ، و تشمل الدّائرة الحَدثيّة حكايَةَ أفعال خطيّة ترتبطُ بالرّؤى الذّهنيّة لرحلة البطل في الرّواية ويمكن وصفُ تدرُّجها على النّحو التّالي:
وضعيّة الابتداء : (انطلاق). زيارة الطبيب ( تمثّل بداية أزمة عمر الحمزاوي)ومحاولته الانفكاك عن حياة الرّتابة و الخمود ." و لكنني أشعُرُ بخمود غريب " .
سياق التّحوّل : ( بحث ) . البحث في معنى الحياة و سرّ الوجود على نحو ما تضمَّنتها التّجارب التي خاضها في هذا الإطار [ تجربة الفنّ ، الحبّ والجنس ، تجربة البعد الرّوحي ، تجربة الانعزال و الجنون ]." ماذا تعني الحياة لديك " .
وضع الختام : ( فشل) . نهاية رحلة البحث و قد جُرِحَ عمر الحمزاوي وهو يسلك طريقا مسدودةً. " خامره شعورٌ بأنَّ قلبه ينبض في الواقع لا في حُلم. و بأنّه راجعٌ في الحقيقة إلى الدّنيا".
يُجلِي انتظام الأحداث في الرّواية طبيعةَ الشخصيّة القصصيّة التي ترتبطُ بها. فالرّواية حكايةٌ واحدةٌ تنتظمُ انتظاما خطيّا يشملُ قصّة الإنسان في الوجود و رحلته في البحث عن معنى الحياة: رحلة تنتهي مثلما بدأت تفتقِد إلى الحلّ و تُعلن الفشَل. ولذلك فإنَّ شخصيّة "عمر الحمزاوي" في الشحّاذ هي وجهٌ للإنسان المتأزّم أو "المنتمي المأزوم ــ حسب تعبير غالي شكري ــ في مجتمع فاقد للحريّة و العدالة الاجتماعيّة ... و قد اختار هذا البطل في كلّ مرّة طريقة جديدة للخروج من أزمته و لكنّها سرعان ما كانت تقوده إلى الفشل، فلا يستسلمُ و لا يقعُدُ بل يُجدِّد البحث بطريقة جديدةٍ و تحت اسم جديد ولكنَّ النتيجة تبقى دوما واحدة "

*********************************************************************************************************************************************************************************************************

طبيعة الفعل
لمّا كانت طبيعة السّرد في الشحّاذ خطيّةً تنبني على حكايةٍ نموذجيّة واحدة ( هي بحثُ البطل عن معنى الحياة) فإنَّ طبيعةَ الفعل المتّصلة بالشّخصيّات في إطار العمل الرّوائي تأخذُ شكل الفعل النّموذجي ، والمعنِيّ بذلك طبيعة الفعل الاستثنائيّة التي تجسّد نموذج المثقّف الانتهازي والبورجوازي المريض(8). والقصدُ من ذلك أنّ الحدثَ في الرّواية يرتبطُ أساسًا بشخصيّة محدَّدة "لا تخُصُّ عمومَ النّاس أو فئةً اجتماعيّة بعينها " بقدر ما هي فعل فريدٌ تقرأ من خلاله الشّخصيّة واقِعَها و تشخِّصُه من منطَلَق وضعها الذّهني و النّفسي.
والذي يبدو نموذجيّا فريدا في فعل الشّخصيّة يفسّره بناء الأحداث في الرّواية من منطلق إشكاليّ يجلوه انبناء شخصيّة عمر الحمزاوي على السّؤال والحيرة و الرّحيل بالمعنى الوجودي. و على هذا النّحو يكون فعلُ الشّخصيّة رؤيةً ترفضُ الرّتابةَ والخمود وإرادةً في معرفة جوهر الأشياء "أن تلمَسَ سرّ أسرار الحياة " ألم يخطُر على بالك أن تتساءل عن معنى حياتك؟ " و"ثمّة أسئلةٌ بلا جواب فأينَ طبيبُها؟ ". و هكذا تتّخذ طبيعة الفعل في رواية الشحّاذ طبيعةً نموذجيَّةً تتشكّل فنيّا في المتن القصصي بالسّرد المنغلق الذي يبرزُه مفهوم البطل المأزوم بوصفه بطلا إشكاليًّا يبحثُ عن إجابةٍ لسؤال معنى الحياة . و عمر الحمزاوي نموذج من الشّخصية القصصيّة المتفرّدة لا لكونها " نموذجا بشريّا " يخضع لشروط البيئة والمجتمع بل بوصفها مثالاً للبطل الفرد "الذي ينطوي تكوينه التّراجيدي" على طموح إلى الحريّة والمسؤوليّة (9) و على إرادة في تحقيق السّلام الدّاخلي و حَلِّ مشكلة الوجود. وإذا رمنا تحديدَ طبيعة الفعل في الشحّاذ من جهة السّرد وجدنا أنّ اقتران الأفعال السّرديّة بعضها ببعض في الرواية يتشكّل فنيّا بأسلوب التّوالد المنطقي الّذي يجعل مدار الفعل السّردي قائما على ثنائيّة الانقطاع والالتئام . فحركة السّرد تنشأ بفعل الانقطاع ( أزمة) و تنمو بفعل الالتئام (الإيهام بحلّ الأزمة ). و من نماذج هذا التّوليد المنطقي في الشحّاذ تواتر الأفعال السّرديّة وفقَ المنطق العلِّي (سبب/ نتيجة) على نحو ما يردُ في الأمثلة التالية:

انقطاع / سبب التئـــام / نتيجة
الضّجر / القلق زيارة الطبيب
الأسرة/ الفـنّ تجربة الفنّ
الحبّ / الجنس تجربة الحبّ و الجنس
الصّحراء/ الانكفاء التّصوّف و العزلة
ترسُم حركة الأفعال السّرديّة في الشحّاذ منطقًا دائريًّا للحكاية ينهضُ على ثنائيّة الانفتاح و الانغلاق. و يمكن تفسير هذا المنطق بالمنزع الذّهني لمضمون الحكاية التي تمثّل فيها شخصيّة عمر الحمزاوي بؤرة الحدث القصصيّ. وهي شخصيّة شبيهةٌ ب" سيزيف" تتحرّك وفقَ معيار القوّة والعجز، الوهن والإرادة. إنّها صورةٌ من الإنسان في فعله الوجوديّ بين ملهاةٍ ومأساة، بين إرادة في الفعل والحركة بحثا عن المعنى و بين عجز عن بلوغ مرام الوجود ومنتهاه على نحو ما مثّلته أسطورة " سيزيف" بما هي حركة الإنسان في لاجدوى البحث عن معنى . وقد أشار " البار كامو " في مقالته الموسومة "أسطورة سيزيف" إلى هذا المعنى حين شبّه " عبثية حياة الإنسان بوضع سيزيف، شخصية من الميثولوجيا الإغريقية قدرها أن تحمل صخرة إلى أعلى قمة جبل وما أن تفعل تتدحرج الصخرة إلى الأسفل فيعود سيزيف ويحملها من جديد وهكذا دواليك إلى ما لانهاية له. ويختم كامو مقالته بقوله " المثابرة في حد ذاتها ... كافية لتملأ قلب الإنسان. على المرء أن يتصور سيزيف سعيدا (10) ".

*********************************************************************************************************************************************************************************************************

الشّخصيّات
لمّا كانت رواية الشحّاذ نصًّا روائيّا في طبيعة الفعل السّرديّ المنغلق فإنّها أرست إلى جانب النّموذج الحدثيّ المتفرّد نموذَج الشّخصيّة الفريدة بوصفها مدار حركة الشخصيات في الرّواية. و إنّ أهمّ ما يميّز وضعَ الشّخصيّات الحافّة ببطل الرّواية هو مشاركتها بوجه ما وضع الشّخصيّة المحوريّة وانشغالها بأزمته وتفاعُلها مع أحواله المضطربة لذلك لم تكن تلك الشّخصيّات لتملكَ استقلاليّة بنائيّة فنيّة في الشحّاذ و إنّما ظهرت بوصفها مكوّنا مكمِّلا لعالَم الشّخصيّة الرّئيسيّة. و إذا ما رمنا امثلةً تحدّد طبيعةَ هذه المشاركة المكمّلة لعالَم" عمر الحمزاوي" الوجداني و الذّهني وجدنا كلَّ الشّخصيّات تمثّل طرفًا مرافقًا لمواقف البطل و عنوانا لتجاربه في البحث عن المعنى. و من أمثلة ذلك أنَّ خوض " عمر الحمزاوي" تجربة الفنّ قدحه حواره مع ابنته " بثينة" عن طبيعة الشِّعر و جدواه و دور الفنّ في استكناه سرّ الوجود و معرفة حقائقه(11). و أمّا تجربة الجنس فقد قدحها شوقه إلى " النّشوة الأولى اللاّئذة بسِرّ أسرار الحياة"(12). ومثّلت شخصيّة " وردة " النّموذج الأنثوي المرافق لهذه التّجربة فانضوت في عالَم الشّخصيّة الرئيسيّة مثالا للمعنى الحسِّي الّذي يحرّر الإنسان من ارتباطه الاجتماعي ولكنّه لا يمنح الكيان القلق معنى الحياة، بل إنّ شخصيّة " وردة " ارتبطت بشخصيّة " عمر الحمزاوي " بوصفها طريقًا إلى الحياة والوجود أو " الوجه الآخر للحياة " على حدّ تعبيره (13). والّذي يميّز وضع الشّخصيّات الثانوية في " الشحّاذ" هو الئئامُها في الخطاب الرّوائي بثنائيّة الحضور/الغياب من جهة والماضي/ الحاضر من جهةٍ أخرى. وعلى سبيل المثال يمكن إدراج أنماط الشّخصيّات الثّانويّة وفق هذه الثّنائيّة على النّحو التّالي:

الغياب / الماضي الحضور / الحاضر
عثمان /زينب/ الطبيب/ مصطفى وردة / بثينة / مارغريت/سمير
و نلاحظ في هذا الإطار من تحديد علاقة الفاعل الرّئيسي "عمر الحمزاوي" بغيره من الفواعل الثّانويّة أنّ تقديم الشّخصيّات في الرّواية لم يتجاوز حدود المعطَيات الضّئيلة " الضّنينة " عنها وتفسيرُ ذلكَ يعود فنيًّا إلى أنَّ " وصفَ الشّخصيّات الثّانويّة قد حكمه منطق الانتقاء الّذي تقتضيه طبيعة الرّواية القائمة على شخصيّة محوريّة، فكانت الشّخصيّات الأخرى أشبه بالرّوافدِ الخادمة لاستكمال خصائص الشّخصيّة المحوريّة ، فتقلَّصَ ـ لهذا السّبب ـ مجالُ وصفِها..." وأمّا دلالة هذا الانحصار في الوصف فهو كون الشّخصيّات رموز هادفة إلى خدمة أفكار مجرَّدة لا ذوات إنسانيّة حيّة " (14). وعلى هذا النّحو لا تُطلَبُ الشّخصيّات في الرّواية لذاتها(15) وإنّما بوصفِها رموزًا أو نماذجَ أو أقنعة تمثّل أطروحةً أوقضيّة ًتسعى الرّواية الذّهنيّة إلى التّعبير عنها. و ممّا لا شكّ فيه أنّ شخصيّة "عمر الحمزاوي " تملأ فضاء روايةَ الشحّاذ النصّي بوصفها شخصيّة تحمل رؤًى و أفكارًا عن الحياة والوجود وشخصيّة متفرّدة في الفعل السّردي يَسِمُها النّموذج الإشكالي الذي يحكمه جدل اليقين والارتياب و تجدّد الفشل من تجربة إلى أخرى. لذلك كانت شخصيّة " عمر الحمزاوي" وحدها " تحمل فكرةً عن العالَم ( إحساس بالغبن والغربة) وهي التي تستقطب العالَم و التّفكير فيه. ثمّ إنّ هذه الفكرة ذاتها التي يروّجها البطل هي فكرة ذات نزعة متفرّدة. فالفنّ مثلا أو الشّعر لا يمكنه أن يُعايشَ العقل أو العلم فالإنسان إمّا أن يكون شاعرا أو عالِما و لا جمع بين العلم و الشّعر أي لا جمع بين الأفكار(16).

*********************************************************************************************************************************************************************************************************

الزّمن
لمّا كان التفرّد هو ما يسِمُ الفاعل الرّئيسيّ في الشحّاذ بوصفه مدار الحكاية و القصّ فيها فإنّ الزّمنَ في الرّواية انبنى على المونوفونيّة أي على النّموذجيّة و التفرّد ( الزّمن الواحد الممتّدّ ). و ميزاتُه أنّه يقوم على علاقة النّفي والانقطاع بين الحاضر والماضي: و يتشكّل هذا الانقطاع دلاليّا في استحالة الجمع بين زمنين في حياة الشّخصيّة هما ماضي الحبّ و والثورة و الشّعر " الحقّ أنّ مفهوم الفنّ قد تغيّر، ونحن لا ندري، الفنّ قد مضى وانقضى، وفنّ عصرنا هو التّسلية والتّهريج، هذا هو الفنّ الممكن في زمن العلم " ، وحاضر العقل و المال و العلم "القلب مضخّة تعمل بواسطة الشّرايين والأوردة و من الخرافة أن نتصوّره وسيلةً للحقيقة ، ولكنّه مجرَّد صخرة وسوف تتقهقر بك إلى ما وراء التّاريخ" . ومن علامات الانقطاع بين الزّمنين الماضي والحاضر في الرّواية الومضة الورائيّة ، و هي و إن كانت ضنينةً في الشحّاذ فإنّها تؤكّد انفصال البطل عن حاضره و ارتداده إلى الماضي "وقديما قطع الشّاب الطّويل النّحيل ابن الموظّف الصّغير القاهرة طولا و عرضا على قدميه دون تذمّر " . و من أشكال الانقطاع الزّمني في الرّواية الفصلُ بين زمنين لشخصيّة " عمر الحمزاوي" زمن الشّاعر الثّائر "عهد الحرمان و الأمل ... وأحلام المدينة الفاضلة " و عهد القلق والسّؤال و الحيرة و الغربة ويشمل الزّمن النّفسي المرتبط بأحوال البطل المأزومة " الحقيقة يا دكتور ما أجمل كلَّ الأزمان باستثناء الآن ". و يمكن أن نتبيّن في " الشحّاذ " طبيعة الزّمن الممتدّ من خلال ثنائيّة الفجر والظّلام التي مثّلت أساسًا رمزيّا لدلالة الموت والحياة في الرّواية ، فقد جرت أغلب الأحداث في اللّيل " لأنَّ " عمر الحمزاوي كان ينشُدُ دواءه عندما يجنّ اللّيل فينتقل بين الملاهي اللّيليّة ويتجوّل و يقف عند الأهرام و يتأمّل الظّلام و يتسوّل النّشوة الأبديّة. و لذلك كانت أغلب الأحداث الهامّة تجري في اللّيل : مثل تعرّفه على مارغريت و وردة و انكشاف سرّ الوجود و ميلاد سمير ... و أمّا الفجر فقد اقترن في الشحّاذ بصفة أوضَح بالخلق والولادة. فعندما كان عمر الحمزاوي يتقلّب في مخاض النّشوة فجرا في الصّحراء كانت زوجته تلدُ فاتحةً عهدا جديدا هو عهد الكائن المركّب من عثمان خليل و الطّفل سمير والجنين الذي أثمرته علاقة بثينة ــ الشِّعر والعلم بعثمان خليل ــ الثّورة."(17).
و من منظور هذه الثّنائيّة: فجر/ظلام يمكن القول إنَّ الزّمن في رواية الشحّاذ هو زمن متواصل تنتفي فيه الحدود بين الماضي والحاضر والمستقبل. إنّه زمن الإنسان المغامر في حركته الدّؤوبة نحو التّحرّر من قيود الرّتابة والخمود ، و البحث عن معنى للحياة إذ " كيفَ يرحل عن العالَم مَن كان العالَم فيه؟ و قد يستطيع عمر الحمزاوي في يقظته أن يغيبَ عن كلّ شيء ، و لكن هل يملِك أن يحول دون حضور كلّ شيء في وعيه؟ وهاهيَ أطياف العالَم تطارده في خلوته ... طيفُ الإنسان و تاريخ الإنسان منذ أن كان الإنسانُ في طور صراعِه مع حيوانيّته".(18) و هكذا يكون للزّمن في الشحّاذ إلى جانب خصائص القطيعة و الانفصال بين الماضي والحاضر مظهر الامتداد في أبعاده الرّمزيّة بوصفه زمنَ الشّخصيّة الباطنيّ وعنوانا لحركة فعل الذّات المقذوفة في الوجود ، هذه الذّات التي ما إن يخرُج ماضيها ( عثمان ) حتّى تهاجرَ إلى الحلم والجنون.

*********************************************************************************************************************************************************************************************************

********************¬*********الحوار الباطني
تخُـصُّ عمليّة التّواصل في خطاب الحوار الباطنيّ طرفينِ ينحصران في الذّات المتكلّمة و السّامعة في الوقت نفسه ، فكلام الشّخصيّة لا يتجاوز منطقةَ الذّات و دائرةَ نفسها ، وهي تخلُقُ من ذاتها ذاتا أخرى تُخاطِبُها. ويصدُرُ أسلوب القول في الحوار الباطنيّ عن ذات الشّخصيّة نفسِها ، فيختلفُ خطابُها بذلك عن السّرد ( حكاية الأفعال) و الوصف ( حكاية الأحوال) وهو إلى جانب ذلك يُبـايِنُ الحوارَ الباطنيَّ عن الحوار الخارجيّ الّذي تكون فيه ذاتُ المخاطَبِ حاضرةً بأقوالها في إطار عمليّة التّخاطب ، و لها في النصّ السّرديّ علاماتها اللّفظيّة الدّالة عليها ، بينما يكون الخطاب في الحوار الباطنيّ حصيرَ الذّات لا يخرُج عنها ، إنّه صوتُها المباشرُ يضطلعُ بفعل التلفّظِ فتبثُّ الخطابَ وتتقبّلُه في نفسِ الوقتِ. و هذه هيَ سِمةُ الأسلوبِ في الحوار الباطنيّ، فالخطابُ ذاتيٌّ والكلامُ منشأُه حركةُ الباطن وخلجاتِ الوجدان، لذلك فإنَّ الأطراف المتحاوِرةَ فيه متّحدةٌ في المنطلق والغاية من عمليّة التّخاطب . وإنَّ لهذه السِّمة لِخطاب الذّات في الحوار الباطنيّ ما يميّزها من جهةِ الأسلوبِ ، فالشّخصيّة القصصيّة تنتقي اللّغة الّتي بها تتكلّمُ عن ذاتها ، وهو ما يُفسِّرُ إلى حدٍّ ما تأديَةَ الباطن بأساليب الإنشاء الطّلبي و عناصره المختلفة كالاستفهام و التعجّب و النّداء والتّمني والأمر و النّهي و كلّها وسائلُ تعبيريّة تنشأ في الذّات معلنةً لحظةً ما من الانفعال أو الرّغبة أو إرادة المعرفة أو الحيرةِ أو القلق . وفضلا عن أساليب الإنشاء فإنَّ الحوار الباطنيَّ يُـؤَدَّى بغياب العلامات اللّفظيّة فتنتفي بذلك المخاطَبات ( Tiret) والتّنقيط Ponctuations) والأفعال الممهّدة للحوار (Verbes introducteurs) لأنَّ قول الشّخصيّةِ يولَدُ عفوِيًّا فيأتي دون مقدِّمات أو علامات تحدِّده . وهو بذلك أسلوبٌ في القول مباشر عمادُه سَـوْقُ القول بمقتضَى الأحوال النّفسيّة والوجدانيّة. ومن أمثلةِ ذلك في روايةِ" الشحّاذ" هذا المقطع الّذي يتوسّط فيه الحوار الباطنيّ الوصفَ والسّردَ فيرِدُ كلامُ "عمر الحمزاوي" لحظةَ انبثاقِ وعيِه بالأزمة ورودًا عفويًّا تطابقت فيه أساليب القول الإنشائيّة بأحوال نفسه القلقة " لم تُلعَن ؟ وأنتَ لم تُصَبْ بسوء؟ ماذا يفعل المقبِل على رحلةٍ غامضة!. الحائر بين الحبّ والضّجر. الذي لم يحدِّث نفسه بعد بطريقة شافية..." (الشحّاذ/ص16). إنّ خطاب الشّخصيّةِ لذاتها لا يدخُل في النصّ السّرديّ إلاّ لحظةَ تدخُلُ الشّخصيّة القصصيّة دائرةَ الضّوء في سياق انفعالي أو صِدامي لذلك فهو محكومٌ في أسلوبه بالذّاتيّة و من هذا المنطلق يمكن القول إنَّ " الشّخصيّات هي أنماط الخطاب " على حدّ تعبير "تودوروف" (19). وبهذا المعنى يكون الحوار الباطنيّ من أدوات القصّ التي يمكنها تقديم الشّخصيّة أوتعريفها فتعرض بشكل مباشر حياةَ الصّراع في الباطن ، و من نماذج ذلك انقطاع الحوار المباشر بين عمر و بثينة وانخراط الشّخصيّة في عرض صراعها الباطني بوصفه مؤشّرا قصصيّا على أزمة تضطرم بداخله " هاهي أمّك تحاكي البرميل. و الأفق يُحاكِي السّجن. والحريّة استكنت وراء الأفق. ولم يبقَ من أمل إلاّ الضّجر المعذِّبُ." (الشحّاذ/ص18). ويسمحُ كلام الشّخصيّة لنفسِها بأنْ تتكلَّمَ عفويًّا عن أوضاعها المعيشةِ في حركة باطنها. و يساهم هذا الكلامُ في مستوى القصّ في نمُوِّ الشّخصيّة القصصيّة ليكونَ الحدثُ النّفسيّ ـ مُمثّلاً بالقول الباطني ـ لَبِنةً من لبنات تطوّرها ضمن مسار القصّ، "و أرهقَكَ الصّمت، و ألحَّ عليك الحرمان، و فتح الحبُّ ذراعيه، وأثبت الشِّعرُ أنّه لا قدرة له على الامتلاك" (الشحّاذ/ص49). وأمّا الذي يميّز طبيعة الحوار في الرّواية فإنّه أسلوب الصّوت الواحد لأنّ كلّ المخاطَبات في الرّواية ترتدّ إلى "عمر الحمزاوي" أو ترتبطُ به، ويعني ذلك أنّ مدار القول و موضوعه في الحوار الباطني أو الحوار المباشر يقوم على حضور ذات الشّخصيّة أثناء نقل الكلام، وبعبارة أدقَّ فإنّ أقوال الشّخصيات ومخاطَباتِها تكشفُ أبعادَ شخصيّة" عمر الحمزاوي" الواقعيّة و الرّمزيّة، و يجلو الحوار على هذا المنوال ما يلحق الشّخصيّة من تغيُّر أو ما يطرأ على أحوالها من تقلّب. "في حجرة الانتظار رفع عينيه إلى الصّورة مرّة أخرى لم يزل الطّفل ممتطيا جواده الخشبيّ متطلّعا على الأفق". اولحوار الباطني شأنه شأن الحوار المباشر جرى في الرّواية على وظيفة كشفيّة تجلو مشكلة الإنسان و أزمته، "ـ ولكن إلى أين ؟ " و لذلك فقد تنوّعت وسائل تأديته واقترن بالرّؤى وأحلام اليقظة على نحو ما جاء في خاتمة الشحّاذ ( الفصل الثامن عشر)، وإذا كان باطن الشّخصيّة القصصيّة " مادّةً تُقَصُّ قوامها الأحاسيسُ والخواطر وما شاكلها من مكوّنات عالَم الشّخصيّة الباطن ، فإنّه تقنية قصصيّة ( من حيث هو أداة من أدوات الخطاب) أبرزت ما للحوار من صلةٍ بالقضايا النّفسيّة والذّهنيّة التي عالجتها الرّواية(20). ففي مستوى الانفعال أدّى الحوار الباطني كيفيّات إدراك الشّخصيّة القصصيّة العالّم من حولها و انبنى هذا الإدراك على التّساؤل والحيرة،" وفي مستوى الأفكار أجلى استبطان الذّات قضايا معنى الحياة و جدل العِلم والشّعر و الفنّ و الثّورة. و أمّا الحًلم فقد عبّر عن فكرة الهروب و لذلك " كان الحلم نوعا من الهروب من الواقع المعيش. وهو هروب يمدّ قدميه في الماضي ويتطلّع بعنقه إلى المستقبل" (21). والّذي يمكن استخلاصه ممّا تقدّم أنّ جميع المكوّنات البنائيّة للفنّ الرّوائي في الشحّاذ تعمل على كشف سمة المتن الرّوائيّ المونوفوني ( رواية الصّوت الواحد). إنّها رواية تتجاوز التّعبير عن " نثر الحياة اليوميّة و ترغب في التّعبير عن شعريّة الحياة والوجود... وعلى هذا الأساس نفهم بداية انحلال الشّكل الرّوائي ـ في الشحّاذ ـ فكلّما أوغلت الرّواية في فكرةٍ أحاديّة الصّوت ـ قدَر الإنسان ومصيره ـ اقتربت من التّعبير الملحمي"22). لقد جمعت رواية الشحّاذ الحكايةَ الواحدة وشخّص فيها الفعل السّرديّ النّموذج الفردي للشّخصيّة القصصيّة ورؤية البطل تعبّر عن صوته الفريد في رحلة البحث عن المعنى، واتّجه الزّمن إلى الامتداد وفق ثنائيّة الماضي و الحاضر، و ارتبط الحوار بالشّخصيّة الرّئيسيّة ، فكانت رواية الشحّاذ " نتاجَ مجتمع جديد ركّز على التّعبير الفردي وألغى التّعدُّد على الأقلّ في منظوره السّياسي" (23). و من هذا المنطلق يمكن القول إنَّ طبيعةَ رواية الشحّاذ الذهنيّة قد خلّصتها أن تكون روايةَ خُسران المعنى الذي ظلّ " سيزيف " يتحرّك من أجل الإمساكِ به إلى ما لانهايةَ. و لعلّ " ما يميّز حداثتنا أو العصر الحديث هو أنَّ الإنسانَ فيه قد فقد المعنى وخسِره، ذلك أنَّ مراجع الحقيقة التي كان يعتمد عليها لفهم الكون قد تغيَّرت تماما، فلا مجالَ لفهم العالَم إلاّ بالبحث عن معناه "(24) ولإجلاء فكرة خسران المعنى في رواية الشحّاذ سنعمدُ إلى وصف تجلّيات هذا الخسران من خلال قضايا المتن الرّوائي و تأويل دلالاته.

*********************************************************************************************************************************************************************************************************

ـ القضايا و الدّلالات

لقد كتبَ نجيب محفوظ رواية " الشحّاذ " في سياق تاريخي محدَّد (25). حتّم على الشّكل الرّوائي أن يتجاوز علاقة الأدب بالواقع إلى الانفتاح على المتضمّنات الفكريّة و الأخلاقيّة لتلكَ المرحلة من التّاريخ العربي. ففكرة البحث عن المطلق مثّلت عنوان المتن الرّوائي في روايات محفوظ الموسومة بالذّهنيّة (اللصّ والكلاب، الطّريق، الشحّاذ). و بطلُ رواية الشحّاذ رسم خطّ الصّدام بين الظّاهري والحقيقي لأنّ العالَم المعيش Le monde vécu " قد تغيّر بعد ثورة 1952 و أنَّ طريقة إدراك ذلك العالَم قد تغيّرت أيضا، و قد تولّد من جرّاء ذلك أزمة عميقة في ضمير بعض الأفراد. فعندما يُدرَك العالّم بطرق مختلفة تصبحُ طرق تقييمِه بدورها متباينة. و يضحى لكلّ فرد حقيقة خاصّة به. و حينئذ تتنازع الحقائق و تحتدم في صراع لا مخرجَ منه إلاّ إذا هيمنت حقيقة واحدة وفرضت نفسَها بالقوّة"(26). و نتبيّن من مقولتَيْ " الصّراع " و " الأزمة العميقة" أنّ الشّخصيّة القصصيّة في الشحّاذ أضحت تتحدّدُ بما يُسنَدُ إلى أعمالِها من قيمة. فــ" عمر الحمزاوي " يمثّل في المتن الرّوائي " أزمةَ البطل" بوصفه في وضع " خسران الهويّة " . إنّه لا يعرف ذاته و لا يستطيع تحديد إرادته، " و يظلّ عقلُكَ يتابع هواجسه، مُسَلِّما بأنّك تغيَّرت أكثر ممّا تتصوّر، فيا تُرَى ماذا أريدُ؟ أجل ماذا أريد؟ " (الشحّاذ ص/51). ويمكننا تعليلُ هذا الخسران بما حدثَ للشّخصيّة من تغيّرات و طرأ عليها من تقلّبات في مسار رحلتها في البحث عن معنى. ونحن نلاحظ أنّ أولى درجات خسران الهويّة أو " مأزق خسران الهويّة" جسّمه انقطاع " عمر الحمزاوي " عن طباعه الثّابتة المألوفة، و أضحت أحوال نفسه المريضة إحدى علامات ذلك الانقطاع" لا أعتقد أنّي مريض بالمعنى المألوف .. ولكنّي أشعرُ بخمود غريب.(الشحّاذ،ص7).
يجسّد انقطاع الشّخصيّة عن مألوف طباعها المظهرَ النّفسي لأزمتها، وقد أجلتْ مواقف البطل من الشّعر و السّياسة و الحبّ هذا الانقطاع و برّرت حدوثه بضياع القدرة على " تعهُّد الأنا " واستمرار ديمومتها في الزّمان ، وتمثّل هذه السّمة : العجز عن الاستمرار في الزّمان بلا تبدّل أو تغيير مكوّنا بنائيّا للشّخصية القصصيّة في الرّواية الذّهنيّة. فأزمة البطل تشكّلت على وجوه متعدّدة ( انفعاليّة ومحورها الضّجر و القلق " ذكريات معادة، كالقيظ والغبار، دورات محكمة الإغلاق، و الطّفل الباسم يتوهّم أنّه يمتطي جوادا حقيقيّا... ضجر يضجر فهو ضجر وهي ضجرة والجميعُ ضجرون وضجِرات...(الشحّاذ، ص 20) ، واجتماعيّة ومدارُها الخلفيّة الاشتراكيّة لمبادئ الشّخصيّة السّياسيّة " و كنتَ تظهر لنا بأكثَرَ من وجه: الاشتراكي المتطرّف و المحامي الكبير" ، وأزمة " الطّبقة البورجوازيّة" في مصر بعد الثّورة (27). وفكريّة: قوامُها علاقة الفنّ بالعلم و العلم بالفلسفة ( الفصل الرّابع من رواية الشحّاذ)و معنى الحياة والمسؤوليّة والحريّة.
و تنضوي مظاهر هذه الأزمة في الشحّاذ ضمن" مأزق خسران الهويّة" بوصفه مبدأ الكتابة الرّوائيّة الذّهنيّة و قد أضحى فيها " وجدان البطل بؤرة الإحساس الدّرامي في الرّواية كلِّها"28 و إذا رُمنا تحديدا يُجلِي تشكّلات خسران الهويّة ودلالاته في الشحّاذ فإنّ تجارب شخصيّة عمر الحمزاوي عبر مسار الرّواية الحدَثيّ تُبرزُ بوضوح انقطاع البطل عن تعهّد الأنا بما كان وفيًّا له اجتماعيّا وعقليّا و مهنيّا وانخراطه في سؤال الحيرة والقلق بالتّوق إلى المطلق والبحث عن معنى الحياة. و على هذا النّحو نعتبر التّجارب التي خاضها البطل لمجاوزة أزمته و معرفته ذاتَه، و رحلته في الكشف عن حقيقة الحياة وجوهرها تجربةً في اكتساب القيمة واسترداد الهويّة الشّخصيّة الضّائعة. فقد كفَّ " عمر الحمزاوي" عن يكونَ ثابتَ الطّبع رهينًا للرّتابة و الخمود " ماذا تعني الحياةُ لديك؟". و كفَّ عن تكرار العمل و الزّوجة والجاه " لا أريد أن أفكّر أو أن أشعُرَ أو أن أتحرّكَ، كلّ شيء يتمزّقُ و يموت " ، و كفَّ عن الدّيمومة في الزّمان " أنتَ رجل ناجحٌ ثريٌّ تأكل فاخر الطّعام وتشرب الخمور الجيّدة و ترهق نفسك بالعمل " ليخوضَ ضمن مسار البحث تجارب وجوديّة تختزل أسئلة العبث و الحريّة والاستناد على الوعي الذّاتي في إدراك الحقيقة واكتشاف جوهرها ، فحالة القلق مثلا في شخصيّة "عمر الحمزاوي" هي لحظة امتلاء عبّرت بها الذّات عن وجودها. و أمّا قلق الموت فهو الباعثُ على الإحساس بالعدم(29). وقد اتّجه منطق الإبدال في الشحّاذ إلى مغايرة هذا الإحساس بالنّشوة و اليقين و الحركة، " الفعل الصّادرُ عن الحريّة نوعٌ من الخلق" و" آنَ للقلب وحده أن يرى، أن يرى النّشوةَ كنجمٍ متوهِّج، و ها هي تدبّ في الأعماق كضياءِ فجر، فلعلّ نفسَك أعرضتْ عن كلِّ شيء ظمأً للحبّ ، حبًّا في الحبّ، توقًا لنشوة الخلق الأولى، اللاّئذة بسرّ أسرار الحياة" (الشحّاذ:ص، 64).وفي تجربة الإشراق و الحلول تخلو الذّات إلى نفسها بالانعزال عن عالَم الدّنيا و النّاس و يمثُلُ القلبُ مصدرا للمعرفة والكشف، فإذا المكاشفة الباطنيّة سبيل إلى الالتحام بالمطلق " فرقص القلبُ بفرحة ثملةٍ اجتاح السّرور مخاوفه وأحزانه ... و شملته سعادة جنونيّة غامرةٌ، و أظلّه يقينٌ عجيب ، و ملأته ثقةٌ لاعهدَ له بها ... و ترامت الدّنيا تحت قدميه حفنةٌ مِن تُراب «. و في تجربة الرّحيل أو الجنون تجسّدت شخصيّة " البطل المأزوم" في التّراوح بين حركة الوعي واللاّوعي، و التّقلُّبِ بين الرّؤى والأخيلة " ماذا يعني هذا الحُلم إلاّ أنّني لم أبرأْ بعدُ، وكيفَ أفكِّرُ فيك طيلةَ يقظتي ثمَّ تعبثُ بمنامي الأهواءُ؟ ولكن مهلا! أينَ أنا؟ أين النّجوم؟ أين أعشابُ الحديقة وأشجار السّرو؟ هذه سيّارةٌ تنطلقُ. و أنا راقدٌ على مقعدٍ طويل جانِبِيٍّ يجلِسُ على طرفه رجُلٌ... لا شكّ أنّي مازلتُ أحلُم."(الشحّاذ:ص،18¬2).
إنَّ خسران الهويّة في رواية الشحّاذ بتعدُّد التّجارُب و تنوُّعها تحقيقًا للذّات و كشفًا لإنِّيّتِها إنّما يُعبّر عن نمط من أنماطِ الشّخصيّة القصصيّة في رواية تيّار الوعي " courant de conscience ، تنهضُ على مقولةٍ في التّخييل القصصيّ الحديث قوامُها : " الإنسان بِلا مَزَايَا" L’Homme sans qualités ، وهي الرّواية التي تكون فيها الشّخصيّة إشكاليّة ونكرة بوصفها شخصيّةً غيرَ قابلةٍ للتّعريف أو التّحديد ، إنّها الشّخصيّة التي لا تُسَمَّى على نحو شخصيّة " عمر الحمزاوي" في الشحّاذ. و ملامحُ انقطاع التّسمية عن هذه الشّخصيّة باديّةٌ في مجمل الدّلالات التي لوّنت تجاربَ هذه الشّخصيّة في الرّواية بحثًا عن معنى الحياة، ومن نماذج ذلك :
الإنيّة الرّوحيّة : فقد جسّد " عمر الحمزاوي "في تجربة التّصوّف بوصفها منوالاً للمعرفة حالَةَ الحلول الكونيّ والإشراق و التّجلّي: " و أظلّه يقين عجيب ذو ثِقَل يقطُر منه السّلامُ و الطُّمأنينةُ ... لا شيءَ، لا أسألُ صحَّةً و لا سلاما ولا أمانا و لا جاهًا و لا عمرا ، ولتَأْتِ النِّهايةُ في هذه اللّحظةِ فهيَ أُمنِيَةُ الأماني"
التّوحُّدُ بالطّبيعة و الفوز بسرّ الوجود : " و لبثَ يلهثُ ويتقلّبُ في النّشوةِ ، و يتعلَّق بجنون بالأفُق... و قال بعد صمتٍ : ــ اليقينُ بلا جدال و لا منطق ... ثمّ بصوت مسموع أكثرَ : ــ أنفاسُ المجهول وهمساتُ السرِّ.( الشحّاذ:ص، 120)
الإنيّة العقليّة : و يمثِّلُها:
قصور القلب عن إنتاج المعرفة " من الخرافة أن نتصوّر القلبَ وسيلة للحقيقة، و لكنّه مجرَّد صخرةٍ و سوفَ تتقهقرُ بكَ إلى ما وراءَ التّاريخ " .
أساسُ المعرفة العقلُ و العِلمُ و المنطق: " قديما كان للفنّ معنى حتّى أزاحه العلمُ من الطّريق فأفقَدَه كلَّ معنَى". و"إنّي مؤمنٌ بالعلم و العقل".
الإنيّة الإيروسيّة : و رمزيّتها تجربة الحبّ و الجنس ، وقد حوّلت شخصيّة " عمر الحمزاوي" الحاجة إلى الجنس من الطّور الغرائزي إلى أداةٍ للمعرفة بالذّات " لم أكن في تلك اللّيالي العجيبة حيوانا تحرِّكه شهوةٌ ، ولكنّني كنتُ مُعذَّبا.. وبائسًا" و " كلَّما رأيتُ أنثَى خُيِّلَ إليَّ أنّني أرى الحياةَ على قدمين.." . ومن وجوه خسران الهويّة في تجربة الحبّ والجنس الوعيُ بزوال الحسّ و أفوله في الحياة " ونشوة اللّيلة مجنونةٌ كالبرق فكيفَ تملأُ فَراغَ الحياة؟ ".
الإنيّة الإنسانيّة: و رمزيّتها مشكلة الانتماء ، فإذا كان الفرد الإنسان منتميًا في بعده الكوني إلى الإنسان " الإنسان إمّا أن يكونَ الإنسانيّة جمعا و إمّا ألاّ يكون" فإنّه في بعده الاجتماعي الوطني ينتمي إلى الإنسان الكادح العامل و يلتزمُ بقضايا المجتمع " عنما نعي مسؤوليّاتنا حيال الملايين فإنّنا لا نجدُ معنى للبحث عن معنى ذواتنا " و يظلّ الانتماء السّياسيّ بوصفه رديفًا للنّضال و الثّورة أعلى براهين الانتماء في الشحّاذ ، و يجسّد عثمان خليل هذا المبدأ الرّمز في قوله " نحن نعمل للإنسانيّة جمعاء لا للوطن وحده ".
يمثّل جِماعُ تلك التّجارب رحلة الإنسان في البحث عن اليقين، وتعبيرا عن إرادة الشّخصيّة التَّعرُّفَ إلى ذاتِها و إدراكِ هويّتها، وتتضمّن هذه الرّحلة الوجوديّة معنى البحث عن المطلق بوصفه حركةَ الإنسان نحو الحقيقة، و كشفِ جوهرها لأنَّ مضمون الضّجر و القلق في الشحّاذ " تعلّق بسؤال مَن أكونُ؟ المرتبِط بالصّورة الشِّعاريّة " تعهُّد الأنا" Le maintien de soi ، و إذا عبّرت أزمةُ البطل في هذه الرّواية عن معنى " خسران الهويّة" فلأنَّ البطلَ فيها قد خَسِرَ ما به تكون الأنا بذاتِها و لذاتِها ونعني بذلك ما يمكّن " عمر الحمزاوي" عبر الوقائع الحدثيّة من إسنادِ هويّة لذاته تمنحه اليقينَ و معرفةً بسرّ الوجود. فتتعدّد ـ تبعا لهذا الخسران ــ معاني الحياة (التي يُجليها في الرّواية تعدّد الشّخصيّات : عثمان، وردة ، سمير ، زينب) ، و يبقى تكرار الفشل معيارَ المعرفة بالنّفس و إمكانا لتحقُّقِها الوجوديّ. ويمثّل تكرار الفشل ـ من منظور خسران الهويّة ـ نهجًا فنيّا في كتابة الرّواية الذّهنيّة لدى نجيب محفوظ، " و سوف ينهج في عدد من الرّوايات نهج إسقاط الأفكار و الرُّؤى الميتافيزيقيّة على أشخاص من الواقع الحيّ، و في مثل هذه الرّوايات نجده مأخوذًا بفكرة البحث عن المطلق. أبطالُها لا ينتظرون غودو بل يذهبون للبحث عنه" (30). وعلى هذا النّحو نتبيَّن رمزيّة " الشحّاذ" بوصفها عملا روائيّا في خسران الهويّة وبالتالي خسران المعنى(31) أوفقدانه بضياع العلامات التي يمكن بواسطتها التّعرّف إليه
 
  • المشاهدات
    463
  • الرّدود
    0

  • أعلى أسفل