salma

نجم المنتدى
منتدى تونس التربوي
ناشر الموضوع
المشاركات
1,077
الدّولة
تونس
الولاية
نابل
المستوى الدّراسي
جامعي
الاختصاص
علوم
المهنة
طالبة: عربية
غير متّصل
    رسالة الغفران قضايا وإشكلات
  • #1
الــقسم : بحوث و دراسات
رسالة الغفران قضايا وإشكلات
قد يكون الحديث عن «رسالة الغفران» مجازفة لا طائل منها، فالكثير من النقاد والباحثين أدلوا بدلوهم في موضوع «غفران المعري»، وكانت النتائج بين الغنم الوافر أو الشح الممل، ونحن إذ نركب أمواج المغامرة نروم الوقوف على أراء المعري النقدية، وإبراز إسهامه في تشكيل المدونة النقدية العربية القديمة، وقد تأتي لنا ذلك من خلال التفاعل المباشر مع نصوص «رسالة الغفران».
ولا شك أن «الرسالة» نص فني وجمالي يمنح القارئ أفقاً جمالياً لمقاربته، وأكيد أن مثل هذه النصوص كلما طرق بابها قارئ، إلا وفاضت من ينابيعها المعرفة، نظرا لما تتسم به من تعدد دلالي وانفتاح معرفي.
وانطلاقا من فكرة انفتاح النصوص الأدبية، وإمكانية قراءتها أكثر من مرة، نهدف إلى دراسة الآراء النقدية للمعري؛ فقد شكل النقد الأدبي جانباً هاماً من جوانب «رسالة الغفران»، حيث لا نعدم وجود آراء نقدية منتشرة في الكتاب عمل المعري من خلالها على المساهمة في وضع نظرية عامة للشعر.
تعريف الشعر
ورد تعريف المعري للشعر في حديث ابن القارح، حينما حاول أن يستميل خازن الجنة رضوان، دوأخبره بأنه مدحه بأشعار كثيرة، فقال رضوان: و«ما الأشعار؟ فإني لم أسمع بهذه الكلمة قط إلا الساعة. فقلت: الأشعار جمع شعر، والشعر كلام موزون تقبله الغريزة على شرائط، إن زاد أو نقص أبانه الحس...»(1).
فهذا التعريف للشعر كما يبدو يركز على الجانب الموسيقي؛ حيث إن تساوي الأجزاء من حيث المقادير الزمنية هو الذي يحدد ماهية الشعر، ويميزه عن غيره، وهو بذلك لا يهتم بالمكونات الأخرى التي تشكل حد الشعر مثل الصورة والقافية وغيرهما.
ويبدو في السياق الذي ورد فيه التعريف أن أبا العلاء يلح على السليقة والموهبة، كما يشير إلى ما للشعر من قدرة سحرية تمكنه من التأثير على السامع، وكان ابن القارح يحاول أن يستغل هذه الخاصية ليستميل الملَك؛ وذلك أمر غير غريب، ما دام أنه شاعر طالما سحر الناس بقصائده، بل إنه هو نفسه يقع أحياناً مأخوذا بالجمال الشعري وسحره؛ كما نجد ذلك في حديثه مع المهلهل حين قال: «وقد كنت إذا أنشدت أبياتك في ابنتك المزوجة في «جَنْب» تغورقت من الحزن عيناي»(2).
فالشاعر هنا يقع في قبضة الشحنة التخييلية التي تختزلها القصيدة، فينفعل الانفعال الذي تقتضيه تك الأبيات.وإذا كان للشعر تلك القدرة على إحداث ذلك التأثير الجمالي، فلا شك أن ذلك راجع إلى خاصيات كامنة فيه، وهي بالطبع أمور متعددة؛ منها ما يتسم به الشعر من كثافة دلالية، وما يختزنه من طاقة إيحائية، تراعي العناية بالمتلقين؛ فالشعر إبداع من جهة المنشيء، وهو من جهة أخرى تذوق من قبل المتلقي الذي يتأثر به.
وهذا ما انتبه إليه المعري حين أشار في أكثر من موضع من الكتاب إلى تعدد الاحتمالات. وهو أحيانا ينبه إلى الوجوه المحتملة دون ترجيح أي وجه على الآخر، وأحياناً يختار الوجه الذي يفضله فيرجحه على غيره.
مثال الحالة الأولى ما ورد في الحوار بين ابن القارح وبين لبيد حول بيت ورد في معلقته، وهو:
وَصَبُوح صافيةٍ وَجَذب كَرينة
بـمُوَتَّــرْ تَأتالُــهُ إِبهامُها؟
فيقول ابن القارح: فإن “الناس يروُون هذا البيتَ على وجهين؛ منهم من ينشده: تَأتَالُه، يجعله تفتعله، من آل الشيءَ يؤوله إذا ساسه، ومنهم من ينشد: تأتالَهُ من الإتيان. فيقول لبيد: كلا الوجهين يتحمله البيت”(3).
ومنها أيضا ما ورد في الحوار الذي وقع مع عنترة حين سأله: “فما أردت بالمشُوفِ المعْلَمِ؟ الدينار أم الرداء؟ فيقول: أيَّ الوجهين أردت، فهو حسَن ولا ينتقض”(4). فتعدد الاحتمالات هذا مما يعطي الشعر طاقة إيحائية عظيمة، مفسحا المجال أمام اختلاف تأويلات القراء.
أما الحالة الثانية، حين يرجح المعري وجها من الوجوه، ونلقاها مثلا في الحوار مع عمرو بن أحمر، حين يسأله ابن القارح قائلا: “فما أردت بقولك: كشراب قَيْل؟ ألواحد من الأقيال؟ أم قيل بن عِتْرٍ، من عادٍ؟ فيقول عمرو: إن الوجهين ليُتَصَوَّران. فيقول الشيخ ـ بلغه الله الأمانيّ: مما يدل على أن المراد «قيل بن عتر»، قولك: وجرادتان تُغَنِّياهم. لأن الجرادتين ـ فيما قيل - مُغنيتان غَنَتا لوفد عاد عند الجُرهمي بمكة، فشغلوا عن الطواف بالبيت وسؤال الله، سبحانه وتعالى، فيما قصدوا له، فهلكت عاد وهم سامدون»(5).
مقومات الشعر في تصور المعري
وإذا كان الشعر يمتلك القدرة على سحر ألباب الناس والتأثير في أحاسيسهم فإن ذلك راجع إلى مكونات فيه متميزة، تخول له من القدرة التأثيرية ما قد لا يستطيع الكلام العادي بلوغها. ونستطيع أن نذكر منها عنصرين وهما الصورة والإيقاع؛ فالصورة الفنية أداة فنية يعبر الشاعر من خلالها عن أفكاره وعواطفه وانفعالاته، وينقل للمتلقي مشاهد حقيقية وخيالية يمتزج فيها الوصف الدقيق والتصوير الرائع، والإيقاع لا سبيل إلى إغفاله والتخلي عنه، فهو ركيزة الشعر وصناعته، وقد قيل إنما “الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير”(6)، وقد تنبه إليهما المعري جيدا، ولا يطعن أحد في عدم ذكره الصورة في تعريفه للشعر، فقد تناول بالشرح والمناقشة مجموعة من الصور الشعرية في مواضع عدة من الكتاب، بل إننا نجد عنده أسلوبا في التعامل مع الصور، جديرا بالملاحظة، قد نسميه تشخيص الصور. ويتمثل ذلك في وقوفه على بعض الصور وتحويلها من صور منسوجة بالكلمات إلى واقع حي ماثل أمام العيان؛ ومن ذلك مثلا ما فعله بصورة السحاب:
«ويعرض له - أدام الله الجمال ببقائه - الشوق إلى نظر سحاب كالسحاب الذي وصفه قائل هذه القصيدة في قوله:
إِنِّي أَرِقْتُ ولم تَأرَقْ معي صـاح
لِـمُسْتَكِفٍّ بُعَيْدَ النَّـوم لَـمَّاحِ
فينشئ الله - تعالت آلاؤه - سحابة كأحسن ما يكون من السحب من نظر إليها شهد أنه لم ير قط شيئا أحسن منها، محلاة بالبرق في وسطها وأطرافها، تمطر بماء ورد الجنة من طَلٍّ وطشّ، وتنشر حصى الكافور كأنه صغار البَرَدِ...»(7).
يقف المعري أمام هذه الصورة التي شهد لها القدماء ببراعتها ونجاحها في وصف السحاب، فتصورها وتمثلها ثم أخرجها في ما يشبه تمثيلية، وهو في ذلك يلمح إلى جمال هذه الصورة، واستحسانه إياها، ايمانا منه أن الشعر بدون تصوير يفقد فنيته الإبداعية والجمالية.
ومن ذلك أيضاً ما جاء في حديثه عن امرئ القيس وقصته بدارة جلجل:
«ويعرض له حديث امرئ القيس في دارة جلجل، فينشئ الله، جلت عظمته، حُوراً عِيناً يَتَمَاقَلْنَ في نهر من أنهار الجنة، وفيهن من تفضلهن كصاحبة امرئ القيس، فيترامين بالثرمد، وإنما هو كأجل طيب الجنة، ويعقر لهن الراحلة، فيأكل ويأكلن من بضيعها ما ليس تقع الصفة عليه من إمتاع ولذاذة«(8).
فالمعري يأتي بقصة مشهورة تكاد تصبح أسطورة، وهي قصة دارة جلجل بمشاهدها وأحداثها التي صور الشاعر بعضها، وترك بعضها للناس ليتصوروه ويضيفوا إليه من خيالهم، فيعمد إلى تشخيص ذلك المشهد كما فعل في الصورة الأولى.
أما الإيقاع فقد جعل المعري منه مكونا أساسا في الشعر، وربطه بالغرائز، ولم يكن عدم ذكر القافية إهمالا لها، فما أكثر ما في الكتاب من حديث عن عيوب القافية من إقواء وإكفاء وسناد، ويكفي أن نذكر وقوفه على بيت النمر بن تولب العُكلي:
«ألمّ بصُـحْبتي وهمُ هـجـوعٌ
خيالٌ طارقٌ من أُمِّ حِصْــنِ
لها ما تشتهي عَسَلاً مصفًّــى
إذا شاءَت وحُوّارَى بسَـمن»(9)
فقد ظل المعري يذكر القوافي الممكنة لو بدل حرف الروي، وذكر الحروف المعجمية كلها من الهمزة حتى الياء، وذلك دليل واضح، ليس على ثرائه اللغوي فحسب، وإنما يدل كذلك على احتفائه بالقافية، وحرصه على إغناء ملكته اللغوية حتى لا تشكل القوافي عنده أدنى مشكلة.
السرقات الأدبية
وجدلية الاتباع والإبتداع
تناول المعري السرقات الأدبية -مثلا- في حوار ابن القارح مع حُمَيْد بن ثَوْرٍ، وذلك بعد أن أنشد له قصيدته الدالية ثم علق عليها بالقول: “... أخذها منك- وقد يجوز أن يكون سبقك لأنكما في عصر واحد-...”(10)، فالمعري هنا يرى تشابها بين نصين لشاعرين مختلفين هما حميد بن ثور كما سبقت الإشارة والقُطامي، ويحسب أن أحدهما قد أخذ عن الآخر؛ إلا أنه لا يجزم بالمبتدع أو المتبع منهما، وفي ذلك شيء من الإشارة إلى شيوع المعاني بين الشعراء مع اختلافهم في الصياغات. وهذا لا يمنع من ميله إلى الاعتقاد بتعدد المعاني الشعرية؛ “فالمعاني مطروحة في الطريق...»(11)، لهذا قد يتفق شاعران على معنى واحد، ولكن يختلفان من ناحية الصياغة والإبداع والتصوير.
موقف المعري من ظاهرة الانتحال في الشعر
ومن القضايا النقدية التي شغلت أذهان النقاد على مر تاريخ النقد العربي، قضية الانتحال وصحة نسبة القصائد إلى الشعراء، واختلاف الروايات في القصيدة الواحدة.
وقد كان المعري يجزم أحيانا بكون بعض القصائد منحولة، ويقف أحياناً أخرى موقفاً لا يقطع فيه بصحة النسبة أو عدمها.
ومن الأمثلة الدالة على جزمه بالانتحال ما ساقه من خلال موقفه من الشعر المنسوب إلى آدم، فلم يتردد أبو العلاء في نفي ما نسب إلى آدم من أشعار؛ بل إنه يستغرب هذا الأمر، ذلك أن تلك الأشعار هي باللغة العربية، وآدم يقول: “إنما كنت أتكلم بالعربية وأنا بالجنة، فلما هبطت الأرض، نُقِل لساني إلى السريانية، فلم أنطق بغيرها إلى أن هَلَكْت، فلما ردني الله، سبحانه وتعالى، إلى الجنة، عادت عليّ العربية، فأيَّ حينٍ نَظمت هذا الشعرَ: في العاجلة أم الآجلة؟ والذي قال ذلك، يجب أن يكون قاله وهو في الدار الماكرة، ألا ترى قولَه:
منها خُلِقْنا وإليها نعودْ
فكيف أقول هذا ولساني سُريانيٌّ؟ وأما الجنة قبلَ أن أخرج منها، فلم أكن أدري بالموت فيها، وأنه مما حُكم على العباد...»(12). فالقول إن آدم نظم الشعر هو من باب الانتحال الذي لا طائلة منه، كما أكد آدم نفسه ذلك، بل إن سماع هذه الافتراءات قد دفع آدم إلى القول: «أعزِزْ بكم معشر أُبَيْنِيَّ! إنكم في الضلالة مُتَهَوِّكون! آليتُ ما نطقت هذا النَّظيم، ولا نُطق في عصري ...»(13).
ومن مواقف المعري الدالة على عدم القطع بصحة النسب أو عدمها حديثه عن المرقش الأكبر، في حواره مع ابن القارح؛ فقد قال له:
«وبعض الناس يروي هذا الشعر لك:
تَخيَّرت منَ نَعمـانَ عُودَ أَرَاكَـةٍ
لِهِنْدٍ، ولكنْ منْ يُبلِغُــه هنـدا؟
خَليليَّ جُورا بارَكَ اللـه فيكمـا
وإن لم تكُنْ هندٌ لأَرضِكُمَا قَصْدا
وُقولا لها: ليس الضـلالُ أَجَارنا
ولكنَّنــا لَنلْقَـاكـم عَمْـدا
ولم أجدها في ديوانك فهل ما حكي صحيح عنك؟
فيقول: لقد قلت أشياء كثيرة منها ما نقل إليكم، ومنها ما لم ينقل. وقد يجوز أن أكون قلت هذه الأبيات ولكني سَرِفْتُها لطول الأبد، ولعلك تنكر أنها في «هندٍ»، وأن صاحبتي “أسماءُ”، فلا تَنْفِرْ من ذلك، فقد ينتقل المشَبِّب من الاسم إلى الاسم، ويكون في بعض عمره مستهثرا بشخص من الناس، ثم ينصرف إلى شخص آخر... »(14).
وفي هذا النص ينبه المعري إلى أن اسم المتغزل بها قد لا يكون معيارا قطعيا لمعرفة من تنسب إليه قصيدة من القصائد؛ لأن الشاعر الواحد قد يتشبب بأسماء مختلفة في فترات مختلفة؛ إما لانصرافه من امرأة إلى أخرى، وهذا ما ذكره المرقش هنا، وإما يلجأ إلى ذلك لأسباب أخرى فنية أو غيرها. فالشاعر قد يعمد أحيانا إلى الرمز إلى محبوبته بأسماء مختلفة.
وتكرار أسماء النساء في الشعر العربي القديم، يرتبط بقيمة رمزية عبر عنها العديد من النقاد بألفاظ مختلفة. يقول ابن رشيق: «وللشعراء أسماء تخف على ألسنتهم، وتحلو في أفواههم؛ فهم كثيرا ما يأتون بها زورا، نحو ليلى، وهند، وسلمى...وأشباههن»(15).
كما أشار آخرون إلى استغلال الأبعاد الرمزية لهذه الأسماء من قبل الشعراء حيث «بلغ بهم أن ارتضوا أسماء من أعلام النساء، فجعلوها كنايات ثابتة، مثل سعدى، وأسماء، وفاطمة، والرباب، وسلمى؛ وأشهر هذه الأعلام ليلى»(16).
ولعل هذا الأمر هو الذي جعل المعري لا يصدر حكما نقديا بصحة نسبة تلك القصيدة إلى المرقش، فهو لا يستبعد ذلك ولا يؤكده، وإنما قال «يجوز» ذلك.
وكما أن المعري أنكر الأشعار المنسوبة إلى آدم، فقد أنكر أيضا قصائد أخرى منسوبة إلى شعراء آخرين، وإذا كان قدم مبررات نقدية حول نفيه لشعر آدم بأسباب تاريخية، تتمثل في تكلم آدم بالسريانية وورود تلك الأشعار بالعربية، فإن إنكاره لبعض القصائد قد يعتمد أحيانا على بعض الخصائص الأسلوبية والفنية للأشعار.
من ذلك إنكاره «التسميط» المنسوب إلى امرئ القيس؛ فقد علق الشاعر عليه بعد سماعه بالقول: «لا والله ما سمعت هذا قط، وإنه لَقَرِيٌّ لم أسلُكْه، وإن الكذب لكثير. وأحسب هذا لبعض شعراء الإسلام، ولقد ظلمني وأساء إلي!»(17).
فهذا الإنكار الصريح من امرئ القيس جاء ليقطع كل ما يشاع حول تلك الأبيات التي يرويها الناس:
«يا صَحْبَنا عَرِّجوا تقِفْ بكُمْ أُسُجُ
مَهْرِيَّــةٌ دُلُـجُ في سَيْرِها مُعُجُ
طالَتْ بها الرِّحَلُ»(18).
وهذا يحمل دلالة كبيرة، خاصة إذا تذكرنا أن كثيرا من الشعراء صرحوا بأنهم في شغل عن تذكر أشعارهم، إما لتفرغهم للتمتع بطيبات النعيم، وإما لانشغالهم بلوافح الجحيم. ولكن المعري جعل امرأ القيس عند إنكاره حاضر الذهن، حاسما في كلامه، خصوصا أن «الرجز من أضعف الشعر، وهذا الوزن من أضعف الرَّجَزِ»(19).
وينكر المعري أيضا بيتا آخر منسوبا إلى امرئ القيس يقول إنه يروى في بعض الروايات، لكنه يظنه “مصنوعا”، لأن فيه انحرافا لغويا غير معهود في قصائد امرئ القيس. والبيت هو:
وعَمرُو بنُ دَرْمَاء الهُمام إذا غَدا
بِصَارمِـهِ، يَمْشي كَمِشْيَةِ قَسْوَرا
وقد جرح عواطف امرئ القيس عند سماعه البيت، فكان غضبه شديدا فقال: «... وإن نسبة مثل هذا إلي لأعده إحدى الوَصمات، فإن كان مَنْ فَعَله جاهليا، فهو من الذين وُجدُوا في النار صُلِيًّا، وإن كان من أهل الإسلام، فقد خَبَط في ظلام»(20).
يذكر المعري أحيانا ما وقع من خلاف بين العلماء حول بيت من الأبيات، كما وقع في بيت ينسبه بعضهم إلى المهلهل، وينفيه آخرون. والبيت هو:
أَرْعَدوا ساعَة الهِياج وَأَبْرَقْـ
ـنَا كَمَا تُوعِدُ الفحولُ الفُحولا
يذكر المعري أن الأصمعي ينكر البيت ويقول إنه مُوَلَّدٌ، لأن فيه كلمتي «أرعد» و«أبرق»، وهما في رأيه، لا تستعملان في الوعيد ولا في السحاب. أما موقف المعري من البيت فمختلف عن الموقف التي ذكرنا آنفا. فهو يكتفي ببيان أن الأصمعي مخطئ في إنكار الكلمتين، لأن البيت «لم يقله إلا رجل من جذم الفصاحة»(21)، بمعنى أن الكلمتين فصيحتان، وأما من قائل ذلك البيت الشعري؛ فالمعري لم يحسم فيه بشيء، وإنما اكتفى بالقول بأنه يجوز أن يكون من المهلهل أو من غيره من الفصحاء، فهو لم ينكر البيت كما أنكر الأبيات السابقة، وكما فعل بالأبيات المنسوبة إلى عضد الدولة، فشهد «أنها متكلفة، صنعها رقيع من القوم، وأن عضد الدولة ما سمع بها قط»(22).
الشعر بين الوظيفة الجمالية والوظيفة النفعية
تناول أبو العلاء قضية التكسب بلساني حُمَيْد بن ثور وابن القارح، فقد كان حميد، وهو في الجنة، يذكر حاله في الدنيا حين كان شاعرا ينظم قصائده في سعي لطلب المال، فقال: «ولقد كان الرجل فينا يُعْمِلُ فِكْرَهُ السنة أو الأشهر، في الرَّجُلِ قد آتاه الله الشرف والمال، فربما رجع بالخَيْبَة، وإن أعطى فعطاءٌ زَهيدٌ، ولكن النظمَ فضيلةُ العَربِ»(23).
أما ابن القارح فقد لوّح بالأمر بينما كان يرغب في تدوين قصائد للجن، ثم أعرض عن ذلك قائلا: “لقد شَقِيتُ في الدار العاجلة بجمع الأدب. ولم أحظ منه بطائلٍ، وإنما كنت أتقرب به إلى الرؤساء، فأَحْتَلِبُ منهم دَرَّ بكيءٍ، وأجهَدُ أخلاف مَصُورٍ...»(24).
نحن أمام نصين نفهم منهما أن الشعر يحقق، إلى جانب وظيفته الجمالية، وظائف أخرى نفعية، بكونه يضمن للشعراء والأدباء مصادر للعيش، متفاوتة في خصبتها أو جذبتها، وغزارتها أو نزارتها؛ أي كان الشعر صنعة أدبية تساهم في استقرار الحياة الاجتماعية للشعراء، وتحفظ لهم استمرار قوتهم اليومي. وهذا لا يعني الحط من قيمة الشعر والشعراء، وإنما يعني تعدد الوظائف التي يؤديها الشعر؛ فالمعري بحكم حسه النقدي يدرك أن الشعر رغم جماليته التي ينطوي عليها جنسه الأدبي، فهو يحقق أغراضا نفعية في حياة الشعراء. ويؤكد ذلك ما ذكره المعري تلويحا يكاد يكون تصريحا، وذلك بلسان ابن القارح وهو يحاور الشَّماخ بن ضِرارٍ، وقد طلب منه أن ينشده بعض الأبيات؛ رد الشَّماخ بأنه لا يذكر شيئا لانشغاله بالنعيم، فقال له ابن القارح: “أما علمت أن كلمتيك، أنفعُ لك من ابْنَتَيْكَ؟ ذُكِرتَ بها في المواطن وشُهِرتَ عند راكبِ السَّفَر والقَاطِنِ»(25).
 

المواضيع المتشابهة


أعلى أسفل