0

323

0

salma

نجم المنتدى
منتدى تونس التربوي
ناشر الموضوع
المشاركات
1,077
الدّولة
تونس
الولاية
نابل
المستوى الدّراسي
جامعي
الاختصاص
علوم
المهنة
طالبة: عربية
غير متّصل
    دراسة حول الخصوصيّة و الكونيّة
  • #1
الــقسم : دروس
دراسة حول الخصوصيّة و الكونيّة
تمهيد׃
يقول جون دون: "الإنسان ليس جزيرة منعزلة" أي إنّه عالمٌ ضمن عوالمَ، و جزءٌ من كلٍّ، و وحدةٌ داخلَ كثرةٍ، و خصوصيّة داخل كونيةٍ… لذلك تتحدّد هوّيته بتحدّد الأفق الاجتماعي و الثقافي و الحضاري الذي ينتمي إليه. غير أنّ هذا الانتماء الأوّلي للإنسان هو بدوره منخرط ضمن آفاق أرحب تنتسب لمجتمعات أخرى و ثقافات أخرى و حضارات أخرى أي لهوّيات أخرى و خصوصيّات أخرى تكون عادة فاعلة في هوّيته الأمّ و منفعلة بها أحيانا… و من هذا المنطلق تتحوّل الإنيّة إلى إنيّات و الغيريّة إلى غيريّات ليكون لزاما علينا تحويل دفّة البحث الفلسفي في اتّجاه ريح الثقافات بحثا عن الجزر الأخرى المُتاخمة لجزيرة الإنسان عسانا نستطيع فكّ شفرة ”الكنز المفقود“ بفكّ الالتباس الحاصل لنا في فهم الآخر المختلف عنّا عرقيّا و رمزيّا، المحتجب عادة خلف قناع الوشم و الطقوس و الأسطورة و العادات المعادية أحيانا لخصوصيتنا و اللامتماهية ـ ظاهريا على الأقلّ ـ مع هوّيتنا الشيء الذي يجعل من آخر الثقافات الأخرى نقطة استفهام عملاقة بشأن سؤال لم يطرح سلفا إلاّ ضمن إطار حذر مُتوجّس أو ضمن هالة من الحكم المسبق و التصوّر الإيديولوجي المغلوط لهوّية أصيلة و لأصل عرقي يُشرّع لبعض الشعوب الحديث عن مركزية إثنية تنتصر لثقافة على أخرى ستُثبِت البحوث الأنثروبولوجية فيما بعد أصوليتها و عنصريّتها لا لشيء إلاّ لأنّ الهوّية المزعومة إن هي إلاّ هوّية مركّبة لهوّيات قد يتعذّر أحيانا تحديد هوّيتها و خصوصية مُنحدرة من أصل كوني لا أصل له إلاّ الإنسانيّ المُتكثّر من وَحَداته اللامتناهية أي من حضارة إنسانيّة و من ثقافة كونية .
يمكن القول إنّ التعامل الفلسفي مع إشكالية الخصوصية و الكونية يستوجب منذ البدء توسيع مجال البحث الأنطولوجي في مسألة الإنيّة و الغيرّية إلي مجال أنثروبولوجي فنستبدل بذلك ثنائيــة ”الأنا“ و ”الأنت“ بثنائية ”النحن“ و ”الهم“ طارحين بذلك علاقات الثقافات فيما بينها من جهة التوتّر المُنشِئ لصراع الحضارات و التواتر الداعي لحوار الثقافات قصد تأسيس حدٍّ أدني من التواصل بين الملل و النحل في زمن عولمة الاقتصاد و عولمة الرّمز و عولمة المشهد و عولمة النموذج الداعي دائما إلى تجاوز الخصوصيات و اغتراب الهوّيات الشيء الذي دفع بالبعض إلى الإعلان المبكّر عن نهاية التاريخ في حين ذهب البعض الآخر إلى إعلان بداية جديدة لتاريخ إنسان الهوّية المركّبة المتجاوز لنظريّات التطوّر الكلاسيكية القائمة أساسا على رصد التحوّلات البيولوجية بطرح نظريّة الطفرة الثقافية المنادية بكونية القيم و كونية المشهد العالمي الجديد لحضارة الإنسان كوحدة لكثرة مزعومة. لكن قبل ذلك و نظرا لخصوصية المسألة، يجب التسلّح و كما يقول ڤاستون باشلار بـ "حاسّة وضع الأسئلة" فماذا نعني بمفهوم الثقافة ؟ و ما هي خصوصية الخصوصية ؟ و أيّة هوّية يمكن رصدها لمفهوم الهوّية ؟ و ما هو وضع الهوّية بين التقوقع و الانفتاح؟ و هل أنّ الكونية تحقيق للخصوصية أم طمس لها ؟ و ما هي رهانات الكونية ؟
1) مفهوم الثقافة :
يُعتبر مفهوم الثقافة من أكثر المفاهيم اللّصيقة بمفهوم الإنسان نظرا لأنّه الكائن الوحيد من بين بقية الكائنات الذي استطاع تحوير وجوده الطبيعي وترجمته إلى وجود رمزي عن طريق ابتداعه للغة و الفنّ و الدين و الأسطورة و إلى وجود اصطناعي قائم على منظومة الأدوات التي استعملها الإنسان البدائي و طوّرها الإنسان المعاصر تأقلما مع منطق الحاجة التي هي أمّ الاختراع، فحاجة الإنسان البدائي إلى التوقّي من حرّ الصيف و قرّ الشتاء مثلا هي التي كانت وراء ابتداعه للباس الذي اختلف من ثقافة إلى أخرى، لذلك يُمكن فهم هذا المصطلح على أنّه كلّ إضافة قام بها الإنسان للطبيعة و كلّ مجهود رمزي أو جمالي أو معرفي أو تقني حاول به الإنسان التواصل مع الآخرين أو تطوير وجوده البدائي من الوحشيّة إلى المدنية و الحضارة عبر التاريخ. غير أنّ الإنسان لم يعرف ثقافة وحيدة و كلّ ثقافة لأي شعب من الشعوب مهما كانت درجة تأخرّه أو تقدّمه ما تنفكّ تتطوّر إمّا بفعل داخلي نابع من تجارب الشّعوب أو بفعل خارجي قائم أساسا على مبدأ المُثاقفة الذي هو تأثّر الثقافات فيما بينها غير أنّ اكتشاف نظرية المثاقفة لم يتبلوّر بشكل جدّي إلاّ في القرن التاسع عشر مع نشأة علوم بأسرها قامت أساسا للبحث في الثقافات و لدراسة الاختلافات بين الشعوب مثل الاتنولوجيا و الاتنوغرافيا و الأنثروبولوجيا .
2) الثقافة و الخصوصية:
إذا ما اعتمدنا تعريف الثقافة الذي صاغه إدوارد بيرنات تايلور في كتابه ”الحضارة البدائية“ الصادر سنة 1871 الذي يعتبرها « هذا الكلّ المُعقّد الذي يحتوي على المعارف و الاعتقادات و الفنّ و الأخلاق و القانون و التقاليد و كلّ الاستعدادات و العادات التي يكتسبها الإنسان بما هو عضو داخل مجتمع…» يمكن أن نُعرّف الثقافة بأنّها خصوصية الفرد و خصوصية المجتمع الذي ينسب إليها باعتبار أنّ الخصوصية من حيث الاصطلاح هي التميّز عن البقيّة أي التفرّد بشيء لا يمتلكه الآخرون فاللغة مثلا أو اللهجة أو الانتساب الديني أو الممارسات الطقوسية أو عادات بعض المجتمعات و آدابهم هي بمثابة أنظمة رمزية لا توجد إلاّ لديهم لذلك تُعتبر خصوصيتهم الخاصّة بهم و هوّيتهم الثقافية التي توارثها ذلك المجتمع وساهم في ابتداعها و تطويرها تاريخيا، و من هذا المنطلق يُمكننا أن نكتشف أنّ الخصوصية كانتساب رمزي مُتعدّد الأبعاد لمدوّنة ثقافية مُعيّنة هي امتداد لهوّية الفرد التي لم تَعُد تُفهَم فَهْما سطحيّا مُتعلّقا بالتثّبت إن كان اسمه مُستعارا أم حقيقيا بل أصبح هاجس البحث عن الهوّية هو هاجس التنقيب الجادّ عن الجذور الحضارية و الانتماءات الرمزيّة الكامنة بطريقة لاواعية في الخلفية الثقافية للفرد. غير أنّ مبحث الخصوصيات و هاجس الهوّيات الاثنيّة قد تحوّل في بداية القرن العشرين إلى مبحث استعماريّ عنصريّ قائم على التفرقة بين الأعراق و افتراض أفضلية شعوب على شعوب أخرى بسبب الخصوصيات المختلفة و الهوّيات الهجينة و نذكر على سبيل المثال الحملات النازية التي سعت إلى تنقية الجنس الآري و شنّ حملات إقصاء و تهميش استهدفت الآخر و عملت على إبادته فهل يُشرّع الاختلاف الثقافي و الانتماء الحضاري المُتباين إقصاء الخصوصيات الأخرى ؟ هل يحقّ لبعض التصوّرات الدّفاع عن مشروع الاثنية المركزية أم أنّ هذه الأفكار لا تُعَدُّ إلاّ أوهاما سياسية و اختيارات إيديولوجية لم تفهم بعد الهوّية الحقيقية للهوّيات التي هي في واقع الأمر هوّيات مركّبة و خصوصيات مُستلهمة من نماذج بينثقافية متباينة و مستندة إلى نفس البُنى المنطقية تقريبا ؟
 

المواضيع المتشابهة


أعلى أسفل