1

1,226

5

المنصف الحامدي

عضو نشيط
منتدى تونس التربوي
ناشر الموضوع
المشاركات
182
الدّولة
تونس
الولاية
صفاقس
المستوى الدّراسي
جامعي
الاختصاص
عربية
المهنة
أستاذ تعليم ثانوي
غير متّصل
    تحليل قصيدة إنّي ذكرْتُكِ بالزّهراء - إبن زيدون
  • #1
الــقسم : شرح نصّ
تحليل قصيدة

إنّي ذكرْتُكِ بالزّهراء

إبن زيدون

التمهيد : ألهبت الأماكن منذ النشأة الأولى للشعر العربي المشاعر وهيّجت البلابل ( الأحزان ) وفتّقت القرائح على مقدّمات طللٍ ظلّت على مدى الزمان عنوانا لتجربة الجاهلي المريرة مع الدهر ، ولقد حاكى الشعراء على امتداد العصور و في مختلف البلدان والأمصار تلكم المقدمات التي اعتبرت كالمسك الذي كلّما حركته فاح طيبه وانتشر ، و من أولئك الشاعر الأندلسي إبن زيدون في هذه القصيدة الغزلية المنظومة على بحر البسيط التام ، فهل هو وقوف على منوال القدامى ؟ و كيف أخرج من خلاله صورته والحبيبة ؟ .

الموضوع : يتذكر الشاعر بالزهراء ماضي الوصال ويتشوّق إلى الحبيبة .

الوحدات : بحسب معيار المعنى :

1←9 : التذكر

البقية : التشوّق

التحليل مفصّلا

الايقاع :

البحر : البسيط التام : مُتسع اتساع المحنة و ممتد امتداد الشوق ، كثير الحركة كنَفْسٍ لا تستكين ولا تهجع ، حيوي كالحياة السارية في روح تعشق وقلب يخفق وطبيعة تتألق .


· الروي : القاف واقعةً بين ألف الردف و ألف الوصل ( ـــــاقـــا )
والألف حرف جوفي يتحوّل في النص إلى متكإ لبث اللواعج والبوح بما في الجوف من عواطف .
* القاف حرف من بين اللهاة والحلق مخرجه ، يتردد في خاتمة الأبيات فيحقق نغما من الحزن والاختناق والعبرة ، واللاّفت تكثيف الشاعر من توظيفه في مطلع القصيدة ( مشتاقا / الأفق / طلق / رق / شققت ) ومتنها ( أرقي / عبق / تشوّقنا / علقي ...) مدعوما بحروف حلقية خالصة التدليل على معنى الغصّة مثل الهمزة والعين والهاء.

ب - المراوحة بين الأزمنـة : إنه الانتقال من الماضي إلى الحاضر أو العكس و إقامة ضرب من التضاد الدال على التمزق والتشرذم والتشظي .

ج – الانتقال من ضمير إلى آخر : ( أسلوب الالتفات ) من أنا إلى نحن وهو ، ومن أنتِ إلى هي ، وهو تنويع يحقق إيقاعا لافتا دالا على تشتت الذات وعظمة المحبوبة وعلى المفارقة بين زمن الوصال وزمن النوى والبعد .
يتلاءم الايقاع الخارجي والداخلي مع ما جعله الشاعر وُكده في النّصّ وهو إجلاء جلال المحبوب واعتلال المحب .
تحليل الوحدة الأولى : من بيت 1 إلى البيت 9

ينفتح النصّ على جملة خبريّة مؤكدة تحدّد المكان وتصف الحال و تعيّن المخاطب ، أمّا المكان فالزهراء وهي مدينة مَلَكيّة مشهورة بفخامة بنيانها وخصوبة طبيعتها ابتناها حاضرةً للمُلْكِ صقرُ قريش ( عبد الرحمان الداخل ) زمن التوطيد و أمّا الذات فالشاعرالمتحرّق شوقا و أمّا المخاطب فحبيبة لم تعد بالمكان مقيمةً ، أفلا يذكّر هذا الاستهلال بمقدمات الطلل المأثورة ؟
لا شك أن بحتري الأندلس (إبن زيدون) قد تمثّل القديم فأحسن تمثله بجعله المكان قادحا للذكرى المتصلة بحبيبة قد نأت فبدا الاستهلال " مركوزا في الطبع " ، ولكن الناظر في الوصف والمعجم الطبيعي الكثيف الموظف فيه يشتق صورة للمكان مغايرة ، إنها صورة تنضح بالحياة والجمال والخصب والخضرة والنماء والرقة كان للاستعارة مأزورةً بالتشبيه الدّورُ الأكبر في إخراجها فهذا الأفق رحب ممتد زمن الأصيل والروض رقراق ماؤه جميل مرآه مبتسم ثغره عن جدوله ( استعارة مكنية ) كطوق يحلّي صدر غانية ( تشبيه تمثيلي ) ، وهذا وجه أوّل لمفارقة القديم .

- لم يعد المكان مجرد إطار حوى تجربة عشق قد ولّى زمانُها و إنما نفخ الشاعر فيه من روح الشجا والسقم المعتمل في جوفه ، فرقّت له الطبيعة واعتلّ نسيمها ، إنّها استعارة ساحرة تأخذ باللّبّ وتهتزّ لها العواطف تشخّص الطبيعة وتصوّرها كائنا إنسانيّا مفعما بأحاسيس بالفقد والاشتياق غائرة ، فلم يعد التطابق بين خراب المكان و خراب الوجدان كما هو مستقر في المأثور من أشعار العرب بل بُـني الاستهلال على مفارقة : مكان عامر و وجدان خرب ، وهذا وجه ثان لتجاوز القديم .

- إنّ الرونق اللغوي لا يضيق بالشاعر مداه كهذا الأفق الممتد زمن الأصيل ، إنه رونق في الطبيعة والقصيدة ، يأسر الأولُ قلبا للذكريات خفاقا ، و يأسر الثاني قارئا لسحر الفنّ تواقا ، فلم يعد وصف جمال الزهراء الماثل أمام العين غاية وحيدة ترجى و إنّما خلقُ الجمال باللغة الشعرية صار مراما يُبتغى ، حققه ابن زيدون بصور بديعة لطبيعة ملء السمع والبصر حسنا و ألقا ، ندى وزهر يتمايل وورد يعبق ونيلوفر يباريه في صبح مشرق ، وبهذا الوصف البديع توارت الحبيبة خلف الطبيعة التي تحولت من مثير للأشجان وقادح للقول إلى موضوع له أنفق فيه الشاعر طاقته تدبيجا وتزيينا فأخرج صورة للمكان بين زمنين ، ماض انتشى نشوة الواصل حبيبَه فائتلق و حاضر اعتل وشجا شجو المفارق إلفه فاستعبر ( بكي ) واختنق، وهذه ثالثة الأثافي .

صارت إذن الطبيعة في الغزل موضوعا بديلا عن الغزل ، ولا يكشف هذا حفاوةَ شعراء الأندلس بوطنهم و طبيعته الزاخرة بالجمال فحسب و إنّما يتعدى ذلك إلى الترسيخ ومغالبة الزمن وهو في القصيدة أصيل ينذر بالظلام الوشيك وأما في الواقع فبقايا سؤدد ورخاء تنذر بالسقوط والأفول لحضارة غضة كانت إلى عهد قريب في السّناء الأعلى ، ولكنها بالصراعات آيلة إلى الزوال ، وهكذا أحس ابن زيدون بقرب الأجل ، فكَرِهَ من الزمن المهزوم في الماضي بالوصل واللقاء أن يغلبه في الحاضر ويسطو عليه وعلى قرطبة الغراء "دار الأكارم" كما سماها في أحد موشحاته ، ولم يكن يمتلك غير الابداع ملاذا من دهر قد تجبر ، ومن هنا لا مجازفة في القول إنّ الشاعر لم يكن يتغزل بحبيبة ويبكي ماضيهما المشترك فقط بل يتغزل بطبيعة رائقة في وطن خفتَ نوره وذوَت بهجته فضاق صدرالشاعر حتّى تفتقت قريحته بغزل كالرثاء للأندلس ولزمان الوصل بها .

تحليل الوحدة الثانية

انبنت على ثنائيّة الخبر والإنشاء و على الانتقال من الحاضر إلى الماضي ، من مجد قد غبر إلى حاضر قد أوجع ، و على التحوّل من التغزل إلى التودد ومن محض العشق إلى محض السقم ، أليس شاعرنا متوترا حزينا متشوقا مشفقا ؟.

- إنّ الشوق إلى الماضي معنى مركزي في القصيدة به انفتحت و عليه تنغلق وهو ما يشكلها وحدة بنيوية أحكم الشاعر سبكها و حياكتها و تدبيجها ، ويكمن استجلاء ذلك من خلال :

- التمني الوارد في صورة شعريّة مجازيّة ك"مجازيّة" اللّقاء في الحاضر وقد امتنع، صورة النسيم يسري بالمحبّ صبحا إلى المحبوبة فيبلغها و قد شفّه الوجد و أضناه الكمد ، إنها صورة تقوّي معنى الاشتياق و تعمق دلالة التودد والتشكي ، ولئن كان المعنى الغزلي مكرورا راسخا فإنّ الصورة من بكر الخيال ، تُستوحى من بيئة الأندلس الرقيقة الغضّة فلم تعد مطية الشاعر إلى المحبوبة نجيبة في الصحراء أو فرسا "غبراء" إنّما النسيم اللطيف وقد نامت فيه برودة الليل .

لم يكن التمني مقصورا على إظهار الشوق فقد انقلب تعبيرا عن حسرة موجعة جراء شح الأيام وغدرها ، إنه إحساس عارم بالفقد والوحدة والمرارة .

- النداء: سريعا ما واجه الشاعر ضراوة الزمن بالنداء مستحضرا الغائبة عن عينه الحاضرة في كيانه موظفا الاستعارة التصريحية وصيغة التفضيل في تصويرها ولعله أن يكون الموضع الفريد في النص للتغزل بالحبيبة تغزلا صريحا بذكر مناقبها فهي النفاسة والبريق وهي السناء والرفعة وهي الجمال والحب ، أليست الحبيبة اختزالا لصورة الأندلس ورمزا لها ؟

- الدعاء : تعتمد في صياغته جملة خبرية منفية زمانها مطلق ( لا سكّن ... ) فيها يستزيد الشاعر من العذاب بمزيد من التذكر والخفقان والجنوح إلى الحبيبة على الدوام ، فالسلُوُّ والعقوق في الحبّ مقتلة وهمود ، والحرمان والعذاب حياة للحب وخلود ، وهذا المعنى فيه احتذاء للأقدمين ، إنّ الشاعر متيّم في العشق ، عشقِ ولاّدة و عشق البلاد ولعل الثاني من القلب أكثر تمكّنا وفي القصيدة أكثر تمكينا .

- المقابلة بين الماضي والحاضر : تطالعك في وصف الماضي عبارات الصفاء والصدق والود والأنس والانطلاق والحريّة و أمّا الحاضر فحزن غائر مصدره البقاء على العهد فالإخلاص في العشق نار تلظّى لا يصلاها إلاّ شقي ، وهكذا تبرز المقابلة والمفارقة بين عهدِ وصلٍ محمود قد سلف و عهدِ نوى موجعٍ قد خلف .

**** ** ← يمكن التأكيد على أنّ الشاعر قد بلغ في البوح منتهاه و في الإبداع غايته ، بوح بالعشق الذي ذوّب لفحُ هجره محبّا هام في طبيعة زاخرة و امرأة فاتنة، اتخذهما رمزا لأندلسٍ ذوّبت نارُ الفتنة بهجتَه ، و قد صاغ هذه المعاني مقلدا للأولين حينا ومفارقا لطرائقهم أحيانا كثيرة متوسلا المجاز والتشبيه والمجانسة والطباق والمراوحة بين الخبر والإنشاء حليةً ألبسها القصيدة فشاع فنّها و فاح أريجها .
 
التعديل الأخير:

آلاء آلاء

ضيف جديد
منتدى تونس التربوي
المشاركات
1
الدّولة
tunisie
الولاية
sfax
المستوى الدّراسي
ثانوي
الاختصاص
آداب
المهنة
تلميذة
غير متّصل
    تحليل قصيدة إنّي ذكرْتُكِ بالزّهراء - إبن زيدون
  • #2
تحليل أعجبني ، شكرا أستاذنا الفاضل
 

المواضيع المتشابهة


أعلى أسفل