الوفاء الدّائم

عضو مهمّ
منتدى تونس التربوي
    شعرنة التاريخ فتح عمورية وأوهام الشعراء والدعاة
  • #1
الــقسم : بحوث و دراسات
قدّم الدكتور الناقد سعيد السريحي خلال الحلقة النقدية التي نظمها نادي جدة الأدبي أمس ورقة نقدية بعنوان (شعرنة التاريخ فتح عمورية وأوهام الشعراء والدعاة ) قال حين نتذكر فتح عمورية فإن أول ما يتبادر إلى أذهاننا قصة تلك المرأة العربية التي تعرض لها رجل من الروم بالأذى فصرخت وامعتصماه، وما أن بلغ أمير المؤمنين المعتصم أمر تلك المرأة حتى أعلن الجهاد وخرج بالجيش انتصارا لتلك المرأة واستجابة لاستغاثتها ففتح عمورية ونكل بالروم فقتل منهم من قتل وسبا منهم من سبى وأشعل النار في عمورية ثم عاد منتصرا إلى بغداد.وحين نتذاكر ما كان عليه أمر العرب والمسلمين من عزة وكرامة وما كانوا يتسمون به من نجدة المحتاج وإغاثة الملهوف ونصرة المستضعف فإن القصة نفسها لا تلبث أن نفسها كشاهد على ما كنا عليه. وحين نرى ما انتهى إليه أمر كثير من الدول العربية والإسلامية هوانوما تعانيه شعوبها من ذل وعجز العرب والمسلمين عن تقديم يد العون لهم فإن أول ما يتبادر إلى أذهاننا أن نقارن بين حالهم حين يستنجدون ولا منجد ويستغيثون وما من مغيث وبين حال تلك المرأة التي انتصر لها المعتصم ولم يقر له قرار حتى أعاد لها كرامتها المهدرة وانتصر لها ممن ظلمها.وبين الزهو بما مضى من تاريخنا والحسرة على ما آل إليه أمرنا نستسلم لعاطفتين جياشتين تضعان العقل في حالة حياد وتتواطآن على تغييب التفكير الانتقادي الذي ينبغي أن يكون منهجنا وطريقنا حين نريد أن نستعيد من التاريخ ما يمكن له أن يكون عونا لنا لتفهم حاضرنا وإعادة بنائه والخروج من المأزق الذي انتهت إليه الأمتان العربية والإسلامية، ذلك التفكير الانتقادي الجدير بأن يطرح علينا جملة من الأسئلة يتوجب علينا مواجهتها قبل أن نسلم بمصداقية تلك القصة التي ذكرها بعض المؤرخين عرضا ولم يتطرق إليها مؤرخون آخرون وأصبحت رغم ذلك مهوى أفئدة شعرائنا حين يكتبون شعرا وخطبائنا حين يعتلون المنابر.

وقال السريحي وإذا كانت قصة تلك المرأة المستغيثة قد جاءت في سياق الأخبار التي تتحدث عن زحف إمبراطور الروم على مدن وقرى وحصون أرض الجزيرة وقتله من قتل من الرجال وسبيه من سبى من النساء وحرقه ما عن له أن يحرقه من الممتلكات، فإن التساؤل الأول الذي ينبغي علينا مواجهته يتمثل فيما إذا كان خليفة المسلمين المعتصم محتاجا بعد ذلك كله إلى استغاثة امرأة واحدة به كي يهب إلى نجدتها فيضع الكأس من يده حين بلغه أمرها ويعلن الخروج إلى الحرب ثأرا لها، وهل كانت صرخات من قتلوا وآلام من سملت أعينهم وجدعت أنوفهم وصلمت آذانهم وذاقوا مر الأسر وهوان السبي ستذهب أدراج الرياح لو لم يقيض الله لهم تلك المرأة التي صرخت مستنجدة بالمعتصم ويقيض الله لصرخاتها من يخبر المعتصم بها؟ وهل كانت صرخة تلك المرأة ستذهب سدى لو لم يحالفها التوفيق فصرخت بغير ما صرخت به؟ ولو أخذنا بالرواية التي تقول بأن تلك المرأة هاشمية من قريش فهل يعني ذلك أنها لو لم تكن هاشمية لما احتاج المعتصم أن يضع كأسه من يده ولم يكلف نفسه عناء أن يهب لنجدتها ولتركها تستغيث بما تستغيث به ثم لا تلبث أن تستسلم لمصيرها فتعاني ما تعانيه من الذل أسوة بغيرها ممن تركهم يعانون مرارة العذاب وهوان الأسر؟

وإذا كانت قصة فتح عمورية لا تتجاوز أن تكون استجابة من خليفة احتدم غيضا وثار لكرامة امرأة استغاثت به فوضع الكأس من يده وأخرج الجيش للقتال قد انتهت بالنصر الذي لا تتجاوز به القصة أن يكون تتويجا للحظة غضب ورغبة في الثأر لكرامة امرأة مهدرة فإن احتمال الهزيمة في مثل هذا القرار وارد، فهل كان من يتغنون بهذه القصة سيتحدثون عن مغامرة خليفة ألقى بجيشه في معركة لم يستعدوا بها وغامر بهم لتحقيق ما لا يتجاوز أن يكون تكريسا لمكانته كزعيم يهب لنجدة من يستغيث به مهما كلفه وكلف جيشه ذلك الأمر؟ أم هل سيتجاهل أولئك المفتونون بالقصة أمرها ويمرون على ذكر الهزيمة مرورا لا تستبين معه دواعي الحرب التي خاضتها جيوش المسلمين ولا أسباب الهزيمة التي تجرعتها تلك الجيوش؟

وقال الدكتور السريحي تلك أسئلة من شأن التفكير الانتقادي أن يثيرها حين يتم اختصار فتح عمورية فيما تم التواطؤ على اختصارها فيه وقطعها عن سياقاتها التاريخية التي ينبغي أخذها فيها سواء كانت متمثلة في ظروف الدولة العباسية التي خرجت منتصرة من معركتها مع بابك الخرمي أو ظروف الدولة الرومانية التي كان يتولى أمرها آنذاك إمبراطور شاب لم تحنكه التجربة فاستسلم لإغراءات بابك بمهاجمة الثغور الإسلامية في أرض الجزيرة وفتح بما أقدم عليه على نفسه باب حرب لم يكن مهيأ لها.

غياب التفكير الانتقادي في التعامل مع قصة فتح عمورية نتيجة متوقعة ما دامت تلك القصة جاءت محمولة إلينا على أعناق الشعراء وأكتاف الدعاة وما يعتمده الفريقان من استثارة العاطفة وإشعال الحماس في قلوب الجماهير التي تبحث عن بطولات إن لم تجدها في حاضرها الذي تعيشه بحثت عنه في ماضيها الذي عاشه أجدادها وحسبهم ان يكونوا ورثة مجد قديم حتى لو لم يكن لها في حاضرها مجد تعتد به وكأنما هي ترأب بالماضي وانتصاراته عزة أهدرها الحاضر وهزائمه.

تاسست تلك القصة على أبيات وردت في قصيدة أبي تمام التي مدح بها المعتصم بعد فتح عمورية، وأصبح التاريخ هامشا لشرح تلك الأبيات وغدت تلك القصيدة وثيقة تاريخية تستقطب الاهتمام الذي لم تحظ به كتب المؤرخين لتلك الفترة وعلى رأسهم ابن كثير والطبري والمسعودي، تلك القصيدة التي أحالت المعركة إلى صراع بين السيف والكتاب والقوة والعلم والحقيقة والخرافة واحتفت بنداء الاستغاثة الذي استجاب له المعتصم يقول أبو تمام:

لبيت صوتا زبطريا هرقت له كأس الكرى ورضاب الخرد العرب

عداك حر الثغور المستضامة عن برد الثغور وعن سلسالها الحصب

أجبته معلنا بالسيف منصلتا ولو أجبت بغير السيف لم تجب

حتى تركت عمود الشرك منعفرا ولم تعرج على الأوتاد والطنب

وتناسلت قصيدة أبي تمام في قصائد أخرى رأت في غضبة المعتصم المضرية وخروجه للقتال انتصارا لامرأة استغاثت به أنموذجا لما كانوا يتوخونه من غضبة مماثلة تنتصر لما يعانيه العرب في حاضرهم من ذل وهوان، ومن تلك القصائد قصيدة صلاح عبد الصبور التي ألقاها في مهرجان أبي تمام وقال فيها مستعيدا قصة تلك المرأة المستغيثة مذكرا بصرختها:

الصوت الصارخ في عمورية

لم يذهب في البرية

سيف البغدادي الثائر

شق الصحراء إليه…لباه

حين دعت أخت عربية

وامعتصماه

لكن الصوت الصارخ في طبرية

لباه مؤتمران

لكن الصوت الصارخ في وهران

لبته الأحزان

يا سيف المعتصم الثائر

اخلع عمر سحابك وانزل في قلب الكلمة

شق العتمة

خلصنا من وقر الأحزان

واضرب يمنى في طبرية

واضرب يسرى في وهران

وقال السريحي قصة فتح عمورية قصة مشهورة وكلنا نعرفها لكن في وقت الضعف يحتاج الإنسان لن يذكره بانتصارات المسلمين، وقصة فتح عمورية تتلخص في أن رجلا يهوديا كشف عورة امرأة مسلمة فقالت المرأة : وامعتصماه، وبين المرأة وبين المعتصم بحار ومفاوز لكن النخوة كانت تجري في العروق فسمعها رجل مسلم فقطع الفيافي وعبر البحار حتى وصل على المعتصم فقال له : إن رجلا يهوديا كشف عورة امرأة مسلمة فقالت: وامعتصماه وكان المعتصم رجلا تدب النخوة في عروقه وتجري في دمه فجرد جيشا كاملا وفتح البلد عمورية، لأن يهوديا كشف عورة امرأة مسلمة، واليوم كل العرايا من نساء المسلمين بسبب اليهود فهم الذين كشفوا عورات كل نساء المسلمين إلا من عصم الله منهم وهم قلة)

وقال السريحي ولا يجد الدعاة ما داموا بصدد الاستفادة مما يمكن له أن يجيش الأمة ويثير حماسها من غض الطرف عن تلك الشبهة التي تجعل من مثل هذه الاستغاثة من باب الشرك لأنه استغاثة بغائب من البشر، وقد عد الذين لا يرون ضيرا في تلك الاستغاثة عناية الدعاة بهذه القصة تجويزا لمثل هذه الدعوة فيما ذفع آخرون هذه الشبهة بأخذ نداء تلك المرأة على أنه ضرب من الندبة والتوجع فيما لم ير فريق ثالث ضيرا في استغاثة المرأة بخليفة المسلمين القادر على نجدتها رغم بعده وقد فعل.

كما لم يجد أولئك الدعاة ضيرا أن يجمعوا على المعتصم بين المدح الذي يجعل منه قدوة حين يتحدثون عن نصرته للمرأة التي استغاثت به والذم حين عذب العلماء الذين رفضوا القول بخلق القرآن الذي حاول أن يحملهم على الأخذ به حتى كأنما نحن أمام معتصمين واحد يهب لنجدة امرأة مظلومة وأخر لا يتورع عن ظلم علماء عصره الذين يرون ما لا يراه في مسائل العقيدة.

وقال السريحي وإذا ما عدنا لكثير من خطب الدعاة فإننا سنجد قصيدة أبي تمام شاهدا لا تكاد تخلو منه خطبهم وهي علامة على تداخل الشعري والدعوي على نحو لا يخلو معه الخطاب الدعوي من جماليات الشعر ولا يخلو الشعر من خطاب التحريض الذي ينتهجه الدعاة، واعتماد كلا الخطابين على استثارة العواطف وبث الحماس ووضع العقل في حالة حياد وذلك بتوظيف جماليات اللغة واستثمار مجالاتها شعرا على يد الشعراء ونثرا على يد الدعاة.ولا عجب أن يكون للشعر تأثيره ما دمنا أمة ترى نفسها أمة شاعرة تتباهي بالشعر وتعتد به باعتباره رأس مالها الرمزي وتتخذه مصدرا لتاريخها وسجلا لأمجادها، وتتجاوز ذلك كله ليصح تفكيرها تفكيرا شعريا ينبني على العاطفة ويوقد جذوته الخيال ويتراجع العقل وآليات التفكير أمام الحماس الذي تبثه قصائد الحماسة وروايات البطولة في النفوس.

ولا عجب كذلك أن يكون للدعوة تأثيرها في أمة تعتبر الدعوة رسالتها وحق لها ذلك لولا أن كثيرا من دعاتها انحرفوا بالدعوة عما ينبغي ان تكون عليه من إعمال للعقل وتأمل في طبائع الكون وتفهم لمقاصد الشرع لتصبح خطابا تحريضيا لا يتورع عن تزييف الحقائق في سبيل تحقيق غايات في أنفس من يتبنون ذلك الخطاب.

وقد هيأت مناهج التعليم لهذين الخطابين أن يبلغا مداهما من التأثير حينما ضمت المقررات التعليمية قصيدة أبي تمام مشفوعة بسرد قصة تلك المرأة المستغيثة بالمعتصم وفق ما تعتمد تلك المناهج من سياسة التلقين التي تنهض على أنقاض التفكير وما يمكن أن يغري به من مساءلة النصوص وتبين حقائقها وكشف زيفها.

وقال وحين تتداول ألسنة الشعراء والدعاة التاريخ فيكتب هؤلاء سطرا ويكتب أولئك سطرا وتتلقفه الكتب المدرسية ما يكتبون وتمليه على أسماع الناشئة فإنه لا يبقى تاريخا لأمة تبحث عن التاريخ كي تعرف نفسها وتبحث عن نفسها كي تبني مستقبلها، ذلك أن التاريخ الذي يؤول إلى مزق من الحكايات التي يتداولها الدعاة وجملة من الأخيلة التي يبرع في صياغتها الشعراء ليس سوى تاريخ زائف إن أحسنا الظن به فإنه لا يتجاوز أن يكون مؤسسا على وقائع عابرة لا يمكن للوقوف عندها والعمل على تضخيمها أن ينجح في شيء كما ينجح في تجهيل الأمة بماضيها وصرفها عن معرفة عوامل النجاح وأسباب الفشل فيه.

وما قصة المرأة المستغيثة التي كانت وراء حرب المعتصم مع الروم وفتح عمورية، تلك القصة التي نفخ الشعراء والدعاة من روحهم فيها سوى أنموذج لقصص كثيرة يتراءى فيها العرب أمة تقتتل أربعين عاما بسبب ناقة قتلت وأربعين عاما أخرى من أجل فرسي سباق أختلف في أي منهما الأحق بقصب السبق وما يماثلها من حكايات تروى دون أن تعرض على معيار العقل الصحيح والفهم السليم اللذين لا يمكن للتاريخ أن يكتب بمعزل عنهما.



وشهدت الحلقة التي أدارها الناقد الدكتور محمد ربيع الغامدي مداخلات عدة من الحضور وكان من أبرز الحضور الناقد على الشدوي و الدكتورعبدالله الخطيب والدكتور عالي القرشي وعبده خال والدكتور يوسف العارف والدكتور احمد ربيع والمهندس سعيد فرحة وصالح فيضي و شعلان الشمري و عبد الرحمن مرشود وعبد المؤمن القين والدكتورة لمياء باعشن والدكتورة منى الغامدي والدكتورة ريم الفواز والدكتورة نجاح الجحدلي والدكتورة فاطمة الياس والدكتورة عفاف مختار والدكتورة صلوح السريحي والدكتورة إلهام باجنيد والدكتورة منى المالكي و أ. حنان بياري. و أ. اعتدال السباعي
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
  • المشاهدات
    89
  • الرّدود
    0

  • أعلى أسفل