• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

محور الشّعر الأندلسي ( آداب ) شرح نصّ: الحسن مؤتلف فيها و مختلف

جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
المشاركات
1,761
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
م. الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
النصّ
[xtable]
{tbody}
{tr}
{td}قد شاد سلطانَه ما شاء مخترعا *** و الدّهرُ ثاوٍ على الإسْعاد معتكفُ
مَصَانعًا ضلّت الأملاكُ صنعتَها *** لا القصدُ وافٍ بها وَصْفًا و لا السَرفُ
تجمّعتْ و هي أشتاتٌ محاسنُها *** هذا الغديرُ و هذه الروضة الأُنُفُ
حيث القصور عليها الحُسْنُ مُقْتَصِرُ *** فوق البُحيرة منها البحر مُغترِفُ
و الزّهرُ مُنْشَقّة عنه كمائمُهُ *** كالجوهرِ انشقّ عن شفّافه الصَّدَفُ
يُضاحِكُ النّورُ فيها النَّوْرَ عن كثبٍ *** مهما بكتْ للغوادي أعْيُنٌ ذُرُفُ
خُضْرٌ خمائلُها زُرْقٌ جداوِلُها *** فالحُسْنُ مُؤتَلِفٌ فيها و مُختَلِفُ
دَوْحٌ و ظلٌّ يَلَذُّ العيْشُ بينهما *** هذا يَرِفُّ كما تهوى و ذا يَرِفُ
يجري النّسيمُ على أرجائها دَنِفا *** و مِلْؤهُ أرَجٌ يُشْفَى بهِ الدَنَفُ
حاكَ الرّبيعُ لها من صَوبه حِبْرًا *** كأنّها الحُلَلُ الأفْوافُ و الصُّحُفُ
غريرة مِن بَناتِ الرّوْضِ ناعمةٌ *** يَثْني مَعَاطِفَها في السُّنْدُسِ التَّرَفُ
صَافَ الجَنَى الغَضُّ في أدْواحِها و شَتَا *** فَتَجْتَني اليدُ ما شاءتْ و تقتَطِفُ
بِكْرُ الحدائقِ و الأحْداقُ شاهِدة *** لا عانِسٌ جَهْمَةُ المَرْأى و لا نَصَفُ
تندَى أصائلُها صُفْرا غلائلُها *** كأنّ ماءَ نُضَارِ فَوْقها يَكِفُ
في حَبْرةٍ و أمانٍ من تَبَوّأها *** كَجنّةِ الخُلْدِ لا رَوْعٌ و لا أسفُ
تظَلُّ من تحتها الأنهارُ جارِيةً *** يَرُوقُ مُنْعَرَجٌ منها و مُنْعَطَفُ
أضْحَتْ إلى غُرف الرّضوانِ داعِية *** تلك المحاريبُ و الأبياتُ و الغرفُ
تُلْهيكَ عن زُخْرُفِ الدُّنيا زَخارِفُها *** و عَنْ أغاني الغَوَاني وُرْقُها الهُتُفُ
ابن الأبّار{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]

الشّرح
شرح الأستاذ: جلال البحري
الموضوع:
التغنّي بمشهد طبيعيّ و كشف مواطن الجمال فيه
المقاطع:
حسب معيار ثنائيّة الإجمال و التفصيل
- من ب1 إلى ب4: الإجمال ( المقارنة بين الحُسن البشري و الحُسن الطبيعي )
- البقيّة: التفصيل ( محاسن المشهد الطبيعي )
الإيقاع الخارجي
البحر: البسيط مزدوج التفعلية ( مُستفعِلُن فاعلُن )
هو من البحور المعتمدة في الوصف + يُعدّ من أهمّ البحور المفضّلة لدى شعراء المديح النّبوي ولدى شعراء المعارضة
الرويّ: الفاء ( حرف من الحروف الشفويّة الشديدة )
ربّما يُشير في هذه القصيدة إلى معنى " الفهم " و " الإفهام "
الإيقاع الدّاخلي
استعمال مكثّف للاستعارات و التشابيه و المحسّنات البديعيّة + تنويع المعاجم
هذا الإيقاع ( الداخلي و الخارجي ) ينسجم مع غنائيّة القصيدة ( الجانب الوجداني النفسي ) و مع البُعد الفكري الفلسفي فيها
المقطع الأوّل: الإجمال ( المقارنة بين الحُسن البشري و الحُسن الطبيعي )
قد شاد: أداة تحقيق تفيد التأكيد
أسلوب خبري
شاد البناءَ: رفعه وأعلاهالسلطان: القوّة + العظمة + القدرة
ما: موصول اسمي ( يمكن تعويضه بكلمة " الشيء " )مُخترع: إبداع + فنّ + خلق
ثاوٍ: ثوى في المكان أقام به واستقرّ
الإسْعَادُ: الإعانة و المُسَاعدَةُ و المعاونة
مُعتكف: اعتكف في المسجد عَكَف ؛ لَزِمه وأقام فيه للعبادة
هذا الغدير: مركّب بدلي
هذه الرّوضة: مركّب بدلي
روضة أُنَفٌ: بضمتين أي لم يرعها أحد كأنه استُؤْنِفَ رعيها
و هي أشتاتٌ محاسنُها: مركّب بواو الحال: حال
القصْدُ // السّرف
تجمّعت // أشتات
الغدير - الرّوضة - البحيرة - البحر: معجم الطبيعة
القصور: معجم المعمار
بُنِيَ المقطع الأوّل على مُقارنة بين حُسنين يُسيّجان حياة الإنسان في هذا الكون:
1- حُسن طبيعيّ: هو نِتاجُ صُنع الخالق المُريد القادر، فكلّ ما يشاء الله خلقه يتحقّق بسلطانه
( " كُن فيكون " وردت في القرآن 8 مرّات:
{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ }البقرة117
{قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ }آل عمران47
{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }آل عمران5
{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ }الأنعام73

إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }النحل40
مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ }مريم35

{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }يس82.
{هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ }غافر68 )
التماهي بين الإرادة المطلقة و
القدرة المطلقة
جميع عناصر الطبيعة تخضع لسلطان الخالق، بما في ذلك الدّهر ( المتربّص بالإنسان دائما )
الدّهر صاحب السلطان على جميع الكائنات الحيّة لا سلطان له على الخالق القادر المُبدع، و هذا ما يُكسِبُ إبداع الخالق معنى الإطلاق ( جمال مُطلق )
هذا الجمال المُطلق المُتجسّد في مخلوقاته ( الطبيعة هنا ) كان عصيّا حتّى عن مخلوقات السماء الأقرب إلى الخالق ( الملائكة )
" أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ " يونس -38
جمال مطلق لا يمكن حدّه و لا وصفه
هذا الجمال / الحُسن المطلق يظهر في هذا الانسجام بين عناصر الكون: ما يبدو متناقضا يمكن إرجاعه إلى وحدة ناظمة جامعة
2- حُسن بشريّ: يتميّز بالنسبيّة و هو قابل للقياس و الوصف
هو حُسن فان و متغيّر ( يخضع لحتميّة الزّمن )
هو حُسن لا يكتفي بذاته: يحتاج إلى الحُسن الإلهي ( الطبيعي ) حتّى يعضده
إنّنا أمام مقارنة غير متكافئة، فطرفاها ( خالق / مخلوق ) غير قابلين للمقارنة: الكمال / النسبيّة
أراد الشّاعر أن يؤكّد عجز المقدرة البشريّة على الإتيان بمثيل للمشهد الطبيعي
و في هذا احتفاء بالطّبيعة و ارتقاء بها إلى مصاف المقدّس ( باعتبارها آية من آيات الجمال الإلهي )
فكيف سيُخرج الشّاعر صورة هذا المشهد الطبيعي- المُفارق في المقطع الثّاني؟
المقطع الثّاني: التفصيل ( محاسن المشهد الطبيعي )
[xtable]
{tbody}
{tr}
{td}الموصوفات{/td}
{td}الأزهار{/td}
{td}الأشجار{/td}
{td}الجداول{/td}
{td}النّسيم{/td}
{td}الرّبيع{/td}
{td}الحدائق و الرّياض{/td}
{/tr}
{tr}
{td}الصّفات{/td}
{td}الإشراق / الضّياء/ البريق{/td}
{td}خُضر خمائلها: مُتعة البصر
دوح و ظلّ يلدّ العيش: مُتعة المَقام{/td}
{td}زُرق جداولُها: انسجام بين زرقة السّماء
و زرقة الجداول{/td}
{td}انتشار النّسيم
+ يُشفي العليل{/td}
{td}ربيع مُمطر خصب{/td}
{td}الجمال + الطّهر + السّرور + الحُبُور{/td}
{/tr}
{tr}
{td}وسائل الوصف{/td}
{td}التشبيه:
الأداة: الكاف
المشبّه: صورة الوردة المنشقّة عن كمائمها
المشبّه به: صورة الجوهرة التّي انشقّ الصّدف عنها
وجه الشّبه: الإشراق و الضّياء
تشبيه تمثيل
النورُ / النَّوْرَ: جناس
يُضاحك: استعارة{/td}
{td}الصفة المشبّهة:
" خضر "{/td}
{td}الصّفة المشبّهة:
" زرقة "{/td}
{td}الاستعارة ( يجري النّسيم ){/td}
{td}الاستعارة ( حاك الربيع )
المطر ( الحبر ) كأنّه ريشة يرسم بها الفنّان المشهد{/td}
{td}تنويع المعاجم
بِكر /عانس: معجم المرأة
جنّة الخلد / الأنهار جارية/ تُلهيك عن زخرف الدّنيا: معجم ديني

التشخيص ( بكر / عانس ){/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]

نظام الوصف: لقد اعتمد الشّاعر على الوصف الدّقيق و المُفصّل للإحاطة بجمال هذا المشهد الطبيعيّ، و كان في وصفه متدرّجا من الجزئي إلى الكلّي
تمتَحُ اللّغة الشعريّة ألفاظها المُعجميّة من حقل المرأة و حقل الطّبيعة: هناك تقاطع بين الطبيعة و المرأة ( مُماهاة )، فالشّاعر حوّل هذا المشهد الطبيعيّ إلى امرأة فاتنة و معطاءة يُحيط بها الجمال و الخير
هناك حضور لافت للمعجم الديني و للخلفيّة الإسلاميّة في كامل النصّ، فالشّاعر ارتقى بموصوفه إلى مصاف المقدّس جاعلا إيّاه مُعادلا شعريّا لجنّة الخُلد التّي يحلم بها المؤمن و يعمل لها في دنياه.
و ما انغلاق النصّ بذلك النّفس الزهديّ ( الدّعوة إلى اتّباع مذهب الزّهد في الدّنيا و الانغماس في هذا العالم الطبيعي الذي يُكرّس قدرة الله) إلاّ دليل على حضور الخلفيّة الإسلاميّة التّي أصبحت تعضد الخطاب الشعري في مستوى بنائه و مقروئيّته. ذلك أنّ هذا النصّ يتأسّس بنائيّا على تقاطع نصّين اثنين: نصّ ظاهر توسّل الوصف نمطا كتابيّا و الشّعر وسيلة بلاغيّة و نصّ باطن يختزن موروثا ثقافيّا و رؤية دينيّة
تحضر فلسفة التصوّف في هذا النصّ و تتراءى لنا أشعار أبي العتاهية تتسرّب في ثنايا الخطاب و تجذّر أصالته في تاريخ الشعر العربيّ، و لكنّ تصوّف ابن الأبّار كان في محراب الطّبيعة ينهل من جمالها و فتنتها و روعتها و يرسم في عالمها لوحات فلسفيّة تُعبّر عن تفكير عميق في قدرة الإله الكامل.
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
رد على الشرح

شرح متميز نسأل الله أن يبارك لنا في أوقاتنا حتى نتمكن من تأثيث هذا الفضاء بما ينفع الناس
 
  • التفاعل
التفاعلات: Fouzia
شرح متميز نسأل الله أن يبارك لنا في أوقاتنا حتى نتمكن من تأثيث هذا الفضاء بما ينفع الناس

إن شاء الله ستجد الوقت المناسب لتكتب في هذا المنتدى أخي العزيز عادل
و نحن في انتظار ذلك