Monji Selmi

ضيف جديد
منتدى تونس التربوي
    المـــاشـــي / قــصّـة قـصـيــرة
  • #1
الــقسم : إبداعات نثريّة
كنت أجلس في أحد المقاهي بمدينـتـنا، فمر بقربي رجل بلغ الخمسيـن من عمره، أشيب الشعر، نحيف البدن، قد لفحت الشمس جلده فصار شديد السمرة. مر قربي و هو يسير بخطى رتيبة، و العرق يتصبب من كامل جسده، و علامات التعب ظاهرة على وجهه. فتذكرت أنني وجدته عـدّة مرات في أحد أطراف المديـنة و أنا أسوق سيّارتي، و هو يسيـر كعادته قاطعا المدينة من شرقها إلى غربها أو من جنوبها إلى شمالها. فتعجّبـت من صبره و قـوّة بدنه و قدرته على المشي من الشروق إلى الغروب دون كلـل أو ملـل، و قد رأيـته يتوقـف إذا اعترضه شخص و قـدّم له ماء ليشربه أو طعاما ليأكـله. احترت في أمره فسألت أصحابي الذيـن يجلسون معي عن سبب ما يفعله فقـال الأوّل:
- كـلّ ما يسأله أحد، يـبتسم ابتسامة غامضة و يقـول: " لا أدري "
و قـال الثـاني:
- مسكين! يسير في الشّوارع بدون هـدف، كأنه سيـزيـف الذي يعيد دفع الصخرة إلى أعلى الرّبوة كلما تدحرجت إلى المنخـفـض.
و قـال الـثـالـث:
- نعم، و لكنْ هـل تعجبك حياتـنا؟ نحن مثله ندور في حلقـة مفـرغة غارقـيـن في مشاغـلـنـا اليومية، كالـنّـاعورة التي تديـرها الرّياح دون أن تخرج ماء.
* * * * * * *
... سأمشي، لا بدّ أن أمشي ... إلى ما لا نهاية. لا أدري لماذا أقطع المديـنة ذهابا و إيّابا كلّ يوم، كلّ فصل، كامل أيّـام السّـنة من الشّروق إلى الغروب. قـدماي تسيـران بي دون توقـف، كأنهما مستقـلـتان عن بدني. أمشي و أمشي، فـيؤلمني ظهري و يشتـدّ جوعي و عطشي، لكنّ قدميّ لا تتوقـفان، كمركبة آلية، تقطع المسافات دون راحة.
منذ متى بدأت هذه العادة ؟ لا اذكر بالضّـبط . كلّ ما أذكره أنّـني لما تحصّـلت على شهادتي الجامعيّة، أخذت أمشي في الشّارع باحثا عن شغل مناسب لتـلـك الشّهادة، فلم أفـز بشيء. فـقررت أن أبحث عن شغل مهما كان نوعه، لمصاريفي الخاصّة. فكتـبت عدّة مطالب شغل، و جبت المديـنة عدّة مرّات، و لكنْ دون جدوى.
و في أحد الأيّام وجدت نفسي في المستـشفى، و رأسي مربوط بضمادة و كسر في يدي اليسرى و ألم شديـد في ظهري و رأسي . عرفـت بعد ذلـك من أفراد أسرتي، أنني قطعت الطريق دون انتباه فصدمتـني سيارة.

بعد مدّة من العلاج، خرجت من دارنا إلى الشّارع رغم معارضة أهلي و قـلـت لهم:
- " قـدماي لم تصابا بسوء، أستطيع المشي كما أريـد"
يـبـدو أن الضربة أثرت في رأسي، و لم ينفعني العلاج. إذ ينتابني صداع مؤلم جدّا فيحرمني الرّاحة و الـنّوم أيّاما و ليال، ثم يهدأ أيّاما أخرى. لا أدري من قال لي: " إنّ المشي يهدّئ الأعصاب "، فـبدأت عادة المشي. أخذت أتجوّل في شوارع المدينة دون أن تكون لي شؤون أقضيها. و كلما تعبت، جلست في مقهى أراقب حركة النّاس و السّـيّارات في الشّارع. و كان أصحاب المقاهي يكرمونني بقارورة ماء بارد أو قهوة ساخنة رأفة بحالي، فاشربها و أواصل سيري.
في أحد الأيـّام سمعت صوتا يخاطبـني قائلا:
- " قـم، و واصل المشي"
التفت يميـنا و شمالا لأعرف من يخاطبني فوجدت الجالسين بقربي منشغليـن عني.
قال لي الصوت:
- " لا تبحث عني حواليك، أنا بداخلـك، و سأكون رفيقـك في ما بقي من حياتـك"
انتابتـني حيرة شديدة ... كيف سيرافـقـني ؟ و ماذا يقصد بقوله: ما بقي من حياتـك ؟
قمت من مكاني، وواصلت جولتي. و بمرور الأيـّام، صرت أمشي باستمرار، و كلما جلست في مقهى أو تحت شجرة، انهال عليّ ذلـك الصوت لوما و تأنيـبا، و دفعني إلى مواصلة المسير، فأطيعه رغما عني. لكنّ هذا الصوت لا يسمح لي بمغادرة المديـنة، فعند وصولي إلى آخر بناية فـيها يقـول لي:
- " عد الآن إلى وسط المديـنة، منطقة الحقول و البساتـين لا تصلح لك "
فأعود إلى الشّوارع المزدحمة مرغما، و أواصل المشي بقية اليوم. ثمّ أعود إلى دارنا متعبا جدا، فـتسرع أمّي إليّ، و تقـدّم لي العشاء، ثم أنام في فراشي بكامل ثيابي،
وعندما أستـفـيـق في الصّبـاح أبدا رحلة المشي اليومية.
أردت يوما مغادرة المدينة في اتجاه البحر فمنعني ذلك الصوت قائلا:
- " عد إلى شوارع المدينة، فهي في انتظارك، أمّا البحر، فهو لا يصلح لـك"
فأذعنت له، و عدت إلى ضجيج المدينة و زحمتها.

و بمرور الزّمن مللت المدينة و شوارعها و ما فيها، و أصبحت أحلم بالمشي في الحقـول و المزارع و الحدائق حتى أتمتع بسماع أصوات الطبيعة الحيّة و مشاهدة الأشجار و الأعـشاب الخضراء اليانعة، و أحلم بالجلوس في مكان منعزل لأكـتب خاطرة أو قصة أو شعرا. اشتـقـت إلى البحر و السّباحة فـيه و المشي على رماله الطريّة. لماذا أبقى رهـيـنا لهذا الصوت ؟ كيف سيعاقـبني لو تمرّدت عليه ؟
في أحد الأيـّام ، خرجت من دارنا في الصباح الباكر، و شرعت في جولتي اليومية،
و قـد عزمت على أمر سأقـوم به مهما كانت العواقـب. كانت حركة السّيّـارات و المترجليـن تتزايد شيئا فشيئا، فالعمّال و الموظفون ذاهبون إلى أعمالهم، و الطلبة
و التلاميذ ذاهـبـون إلى مدارسهم و معاهدهم و كلياتهم. كلّ الـنّاس يسيرون إلى هدف مرسوم، إلا أنا فأسيـر بلا هدف، و أمشي باستمرار، و ذلك الصوت بداخلي يضغط عليّ و يدفعني إلى المشي كلما وقفت أو جلست لاسترداد أنفاسي. شرعت أمشي في الشّارع الرّئيسي الذي يتجه إلى البحر. كان شارعا واسعا ذا اتجاهـيـن تكـثـر فـيه المطاعم و المقاهي و المغازات و كان لذلك كثـيـر الحركة. شقـقـت طريـقي على الرّصيف. الـنّاس أمامي مجرّد أشباح، لا أهـتمّ بهم، هـدفي هو البحر، إنّ موجه الأزرق يناديـني. عندما وصلت آخر مبنى في المدينة، واصلت طريقي نحو البحر و لم أعد إلى وسط المدينة كالعادة فـقــال الصّوت:
- " مالـك واصلت طريقـك؟ عد إلى المديـنة.
- و لماذا عليّ أن أعود إليها ؟
- لأنّ ما هو خارجها لا يصلح لـك.
- أنا أكثر منك معرفة بما يصلح لي، قرّرت أن أخرج منها لأعانق الفضاء الرّحب. ملـلت شوارع المدينة المزدحمة و بناءاتها العالية و ضجيجها المرتفع.
- قـلـت لـك: عد إلى المديـنة و إلا عاقـبـتـك.
- لن يخيـفـني تهديـدك، سأتحدّاك اليـوم.
- لقـد جنـيـت على نفـسك ".
أحسست بصداع في رأسي لأوّل مرّة منذ مدّة. و كان ذلـك الصداع يزداد قـوّة كلما ابتعدت عن المديـنة، أمسكت رأسي بين يديّ و صبرت. عندما وصلت إلى الشاطئ،
و شممت الهواء النّـقيّ، زال الصّداع فجأة. لم أصدق ذلك، لعلّ ذلك الصّوت استسلم لإرادتي و انهزم أمام إصراري. انطلقـت أعـدو كطفـل صغيـر يرى البحر لأول مرّة، جريـت حتّى كاد نفسي ينقطع، ثمّ وقـفـت أتأمّل أمواج البحـر و أنـفـس بعمق. يا إلهي! كم كنت شقيـّا بالعيش في المدينة مستنشقا هواءها الملوّث، و سامعا ضجيجها المرتفع! قرّرت أن أدخل البحر، فـنزعت حذائي و سترتي، و توجّهت إليه. أحسست بالماء البارد يداعـب قـدميّ بلطف، فتقـدمت أكـثر. فجأة، أحسست بأنّ رجليّ تسيران بي دون إرادتي، حاولت الرّجوع إلى الخلف فلم أستطع، أخذ بدني يغوص في البحر شيئا فشيئا. في تـلـك اللحظة، عـرفـت أنّ الصّوت لم ينهـزم، بل قـرّر قـتلي بالتحكم في قـدميّ
و إغراقي في البحر الذي أعـشـقه. صرخت لعـل أحدا يسمعـني:
- " ساعـدوني ... إني أغـرق ... إني أغـرق ..."
... فـتحت عـيـنيّ بـبطء، فـوجدت نفسي مستـلقـيا على ظهـري فـوق رمال الشاطئ
و بعض البحّارة يحيطون بي و يحاولون إسعافي. خرج ماء البحر المالح من بطني بصعوبة، فسعـلـت و شهقـت عـدّة مرّات، عادت الرّوح إليّ، حاولت أن أجلس لكنّ بدني المتعـب خذلـني. قال لي أحد الحاضريـن:
- " ارتح الآن، ستأتي سيارة الإسعاف لحملك إلى المستشفى، الحمد لله على سلامتك".

* * * * * * *
بعد أيّام، تحصل الماشي على عمل في إحدى شركات الأسفـار و قام معها بعـدّة رحلات بحرية و برّية . فـقـد شفي من مرضه، و لم يعد يمشي في الشارع دون هدف، بل يذهـب إلى عمله كـلّ يوم ثمّ يعود إلى منـزله عـند المساء. رآه النّاس في الميـناء يصطاد السّمـك بالصنّارة و رأوه أيضا في مقهى الحيّ يكـتب أشعارا و قصصا و مقالات، لنـشرها في الصّحـف. لقد حوّلته التجربة إلى كاتـب مبـدع.
قـلت لأصحابي: " يـبـدو أنّ سيـزيـف نجح في إيصال الصخرة إلى أعـلى الرّبـوة "

الأسـتــاذ: منجي السّـالـمي / ميـدون، جربة في: 04 / 01 / 2020
 
  • المشاهدات
    105
  • الرّدود
    0
  • أعلى أسفل