بحوث و دراسات حدّثَ أبُو هُريرةَ قالَ... المِسعدِي

hala

عضو نشيط
منتدى تونس التربوي
    حدّثَ أبُو هُريرةَ قالَ... المِسعدِي
  • #1
الــقسم : بحوث و دراسات
حدّثَ أبُو هُريرةَ قالَ... المِسعدِي


عَـبِـيـر نِـيـلُـوڤَـر
كتب وقراءة

حدّثَ أبُو هُريرةَ قالَ... المِسعدِي

حدث أبو هريرة قال...
يخوض بطل القصة تجربةً وجوديةً فريدة، لا لصالح الآخرين كما فعل "غيلان" في رواية السدّ، بل داخل ذاته. فنراه يرتحل من تجربة إلى تجربة، ويسافر من مكان إلى مكان، ويتنقل من وضع إلى آخر، متقلبا بين النور والظلمات، بين الحيرة والاطمئنان، بين البؤس والنعيم، بين الشقاء والسعادة، بين الحقارة والعظمة، وبين الشك واليقين ليدرك أخيرًا أن الكيان البشري عالقٌ في نقطة تحوّل مطلقة لا تبتدئ ولا تنتهي، ممتدة خطوة فخطوة حتّى النهاية.
"حدّث أبو هريرة قال..." رواية وجوديّة بامتياز، تفنّن من خلالها "محمود المسعدي" في الجمع بين الصور والأساليب الفنيّة وبين الثنائيات حين ألقى باللغة العربية في مجاهيل الفكر الإنساني المعاصر، وربَط الفكر العربي بتطّلعات الإنسانية إلى الحرية، وهو ما يتجلى للقارئ في نشاط توليدي فريد؛ وذلك من خلال الصور الفنية والمعاني المبتكرة: الفعل، الحركة، الوجود، الجسد، المأساة، العبث والبعث وكلّها تحيل على مغامرة الإنسان في الكون لاكتشاف ذاته وحيدًا، متجرّدا إلاَّ من حريته.
هذا العمل الفني ليس بالرواية بمفهومها الحديث ولا هو من نوع السرد الحكائي العربي القديم الذي يستعير شخوصه ولغته للتعبير عن تجربة وجودية كثيفة شملت مختلف أوجه الظرفية الانسانية من حب ورغبة وتدين وسياسة وموت وانعتاق من القيم ليوغل في عالم من التصوّف المفرط.
قرأت الكتاب لأوّل مرة قبل ثماني سنوات، فلم أستوعب منه الكثير وإن كنت انبهرت بأسلوبهِ ولغته التي استخدم فيها المسعدي معجم وتراكيب التوحيدي والمعريّ للتعبير عن أفكار ومفاهيم الفلسفة الوجودية الطاغية في تلك المرحلة العاصفة من التاريخ. ومع أنني لم أتمكن من فكّ رموز القصة للوصول إلى مقصد الكاتب من هذه الرحلة الوجودية والبعث الجديد، إلا أن عنوانها الفريد بقي راسخا في عقلي ما دفعني إلى خوض غمار رحلة استكشافية جديدة مع "أبي هريرة".
فلئن كان عنوان هذا العمل الأدبي يوحي بأن محتوى الكتاب هو المتن أو الخبر الذي به حدّث أبو هريرة لكن القارئ المتأمل في هذا المحتوى يلاحظ أنه ليس مجرّد خبر عاديّ واحد بل هو جملة أخبار وأحاديث كثيرة ورُواة مختلفين مما يجعلنا أمام أسلوب فنّي أقرب إلى الرواية وذلك لتشابك الأحداث وتداخل الرُواة وتوفّر التقنيات الروائية-السردية مع وجود بطل محوريّ تحوم حوله الشخوص مُشكّلة بذلك حلقة لا نهائية من التساؤلات، فيصبح بذلك كتاب "حدث أبو هريرة قال..." روايةً ذهنيّة مشبعة بالرموز تجمع في أحشائها شتّى الفنون والصور أصلها في ثقافتنا العربية الأصيلة وفرعها في الفكر الغربي الوجودي تطرح قضايا إنسانية عبّر عنها "أبو هريرة" بأحاديث وتجارب استثنائية.

ومما يجعل هذا العمل فريدا في نظري، تميّزه بظاهرة سرديّة جديرة بالانتباه، فنرى الرُّواة والشخصيات فيه تتبادل الأدوار فيما بينها؛ فتقوم بالأفعال السردية مرة، وتقوم بروايتها مرة أخرى، وهذه المناوبة الفنّية تنقل السرد من مستوى إلى آخر.
فما أن تتّضح ملامح الشخصية في عالم السرد بصورة فاعل يتولى القيام بالفعل وانجاز الأحداث، حتى تتجلى لنا في صورة راوٍ يستعرض أفعال الشخصيات الأخرى، فنتج عن ذلك حيوية في البنية السردية التي انفتحت على مستويات عديدة من صيغ الإخبار، مما أضفى على النص لوحة رمزية وظف فيها الكاتب تقنية الإسناد بطريقة تناسب مقام السرد بما يضفي على المناوبة في الأدوار ميزة سردية وفنّية نادرة.
بدأت أحداث الرواية بوصف عبّر عن استقرار مؤقت، ويتجلّى ذلك في ثبات العلاقات السرديّة بين أبي هريرة وعالمه؛ فهو عالم ساكن لا حراك فيه، وعلاقته به تقوم على التسليم بكلّ شيء وقبول الواقع والرضوخ له. فأبو هريرة كحبة خرز منتظمة في خيط رقيق مشدودة إلى قوّة غامضة، ويتجلّى للقارئ معنى وجوده في إخلاصه الداخليّ لتلك القوّة، والإيمان بها، والانصياع لإرادتها.
فلا يحق لهذا الكائن البشري التساؤل، إلى أين يقوده صديق عندما يجرّه وراءه لاكتشاف الجنة الأرضيّة، وبذلك يكون "البعث الأوّل" الذي من أوّل أسبابه المضمرة ليس الاندهاش والرغبة في الفردوس المغري الذي اقتيد إليه، إنّما الاكتشاف المفاجئ الذي أعقب "البعث".
تبدو الرواية مليئة بالأسباب والنتائج؛ فقد كان من نتيجة "البعث الأول"؛ السؤال عن سرّ انتظامه الأعمى في ذلك الخيط الرفيع، وقبوله سلطة القوّة الغامضة التي خدشت سويته، وأبقته في خمول وثبات. وما إن يتحقق فعل الاكتشاف حتى تنتقل الشخصية من حال إلى آخر مغاير، فتتحرر من عالم خامل محلقة نحو عالم مملوء بالحركة، وبالسكون الذي تبدأ به أحداث الرواية يستبدل التحول المفاجئ، فيختل التوازن السردي الأولي، وكل سرد هو في داخله خرق للثبات وعودة إليه.
مضمون هذا "البعث" يتجلّى في مغادرة مدينة "مكّة"، والالتحاق بالصديق إلى الفردوس الأرضي، ومنذ هذه اللحظة تغيّرت علاقة "أبي هريرة" بالعالم وما حوله من أشخاص، وتغيّرت معه العلاقات السرديّة داخل النصّ. لم يبق "أبو هريرة" قادرًا على قبول العالم الذي عاش فيه فهجره في رحلة اغتراب صوفية.
لم يكن قبل "البعث الأوّل" سوى وهم وتابع ومستسلم، وبعده أصبح حقيقة ومتبوعًا سائلاً وقائدًا، وانطلاق الرحلة "بالبعث" هو إشارة واضحة إلى محو حياة "أبي هريرة" القديمة والتخلي عنها والإعلان عن حياة جديدة موغلة في التحرر.
بدأت المغامرة حينما اكتشف "أبو هريرة" نفسه وعالمه، واكتشف فردوسه الخاص عندما رسخ وعيًا أصيلاً بذاته وموقعه، وكانت "ريحانة" دليله إلى ذلك، وما لبث أن استبدل بعبادة تلك القوّة الغامضة، عبادة "أساف" و"نائلة"، فانتقل إلى الفردوس الجديد، وانخرط في طقس اللذّة الجسديّة برفقة "ريحانة"، التي بدأت قصتها من لحظة اللقاء به، وأهمل كلّ منهما عالمه الأوّل، وتخلّى عنه، في إعلان واضح أنّ ولادتهما الحقيقيّة بدأت منذ هذا اللقاء - الاكتشاف.
فنراهما انهمكا في سبر ملذات الجسد في فضاء وثنيّ يصرخ كلّ ما فيه بالانتماء إلى الحياة ومتعها، وتلى ذلك تغيّر في علاقة "أبي هريرة" و"ريحانة" بالعالم الذي لم يعد صالحا للسكون والاستقرار والطمأنينة، إنّما أصبح مضمارًا للارتحال والاغتراب واللذّة والشكّ.
لقد حرّر البعث الأول "أبا هريرة" و"ريحانة" من بين قضبان الوهم، وانتشلهما من الركود، ودلّهما على الفردوس، وتبع هذا التحوّل الخطير تغيير شامل في عناصر السرد، فتغيّر هيكل المادّة الحكائيّة، وتناثر الحدث شذرات من الوقائع والصور، ورُكّب الزمن من فوضى التداخلات الاسترجاعيّة والاستباقيّة في ثنائية متشابكة، وأصبح المكان محطات رحيل نحو اكتشاف لا نهاية له.
توغل "أبو هريرة" في عالم مملوء بالشخصيّات التي كانت ترافقه مدّة من الزمن، قبل أن يفترق عنها، وينصرف إلى غيرها، وحيثما حلّ، وأينما ارتحل، كان موضوعًا لأخبار وأحاديثه مسندة إلى رواة يدقّقون في تتبّع خطاه، ويتقصّون أثره، فقد أصبح مركز السرد ومآله ومحوره الأوحد.
تطرح رواية "حدث أبو هريرة قال" إشكالية الجسد طرحا عميقا إرتقى به المسعدي إلى مرتبة الوجودية القاهرة للموت وإن انتهى اختباره إلى الفشل الذريع . ومن الشخصيات المهمة في تجربة الحس نجد "ريحانة" التي تمثل وجها مزدوج الصورة للمرأة العربية التقليدية وللمرأة المعاصرة المتفتحة على العالم في الغرب. فريحانة شهوة لا تنضب في عيون المجتمع الشرقي، لعوب، عصية صارخة الجمال، فهي راضية باكية إذا لمت بها الخطوب لا تسأل ولا تحتار، وإنما تعيش مكتفيةً بذاتها فهي لا غاية لها ولا مسعى كما هو الحال بالنسبة إلى أبي هريرة. تتمثل قيمة "ريحانة" في أنها أهم شخصية تحيل على تجربة "البعث" التي عاشها "أبو هريرة" في بداية مسيرته ورحلته في طلب معنى الوجود وتحقيق الكيان، وقد انتهت العلاقة بينهما إلى قطيعة حين صار "أبو هريرة" فريسة للحيرة وأحرقته الأسئلة وعاوده الحنين إلى السير بعد أن عاشر "ريحانة" مدة من الزمن وأدرك أنه إن اكتفى بها انقطع رحيله وتوقف سيره.
تعددت التجارب واختلفت منذ البعث الأول حتى البعث الآخر، لكن النهاية واحدة.
فماذا حدث لأبي هريرة؟ وأين ذهب؟ هل انتحر أو صعد إلى العالم العلوي؟ أم أنه اتحد باللّه والطبيعة؟
 
  • المشاهدات
    51
  • الرّدود
    0
  • كاتب الموضوع المواضيع المتشابهة المنتدى الرّدود تاريخ النّشر
    الوفاء الدّائم المدوّنة 0
    أعلى أسفل