بحوث و دراسات حدود النّزعة العقليّة عند الجاحظ

BAC2020

عضو
منتدى تونس التربوي
    حدود النّزعة العقليّة عند الجاحظ
  • #1
الــقسم : بحوث و دراسات
حدود النّزعة العقليّة عند الجاحظ

إذا كان العقل عند الجاحظ صورة للتحرّر والجرأة بخوضه في مسائل معرفيّة وعقديّة برؤية عقليّة معتمدا النقد والحجاج والشكّ المنهجي والتّجربة العلميّة فإن النّظر العقلي في هذه المسائل بقي محدودا وقد تجلّى ذلك في :

توظيف المعرفة لغايات دينية عقائدية :


تأثّر الجاحظ في كتاباته بالمنظومة الفكريّة والعقائديّة التي ينتمي إليها وهي منظومة المعتزلة فرغم خوضه في مسائل معرفيّة تتعلّق بالموجودات الدّنيويّة (إنسان /حيوان /جماد) فإنها بقيت منشدّة إلى غاياته العقائديّة المذهبيّة من خلال السّعي إلى إثبات قدرة اللّه في الكون وإثبات مقولة العدل الالهي فالعقل والطّبيعة وسائلُ لإدراك عظمة واجد الوجود وليست غاية تدرس لذاتها كاكتشاف قوانين الطّبيعة كما في الفلسفة الاغريقيّة

إذ أبان في مستهل كتابه السبب الأساسي الذي حفّزه إلى تأليف كتاب الحيوان وهو حرصه على إبراز ما في الحيوان من حُجج على حكمة الله العجيبة وقُدرته الباهرة، فالعامل الديني والفكري من خلال مذهبه الاعتزالي فيها كان مُنطلقه في تأليف هذا السِّفر الضخم وهذا يعني أنه رمى من وراء ذلك إلى إظهار عظمة الخالق من خلال عجائب مخلوقاته بل أنه نبّه إلى أن عظمة الخالق إنما تتجلى في أدق مخلوقاته وأحقرها تجلّيها في أكبر مخلوقاته وأضخمها :حيث يقول ” إعلم أن الجبل ليس بأدلّ على الله من الحصاة ولا الفلك المشتمل على عالمنا هذا بأدلّ على الله من بدن الإنسان، وأن صغير ذلك ودقيقة كعظيمه وجليله، ولم تفترق الأمور في حقائقها” وهذا يتفق مع منحى الجاحظ المعتزلي الذي يجنح إلى تأييد الدين بحجج العقل.

كتابات الجاحظ لا تخلو من نزعة ” فرقيّة ” من خلال انسياقه وراء انتمائه الاعتزالي ووراء الجدل الكلامي

كما وجدنا الجاحظ يقدّم الكتب المنزّلة على سائر كتب الأوّلين، يراها أنفع وأشرف رغم اشتمالها على منافع عديدة وحكم عجيبة : ” وأكثر من كتبهم نفعا وأشرف منها خطرا وأحسن موقعا كتب الله تعالى التي فيها الهدى والرحمة والإخبار عن كل حكمة وتعريف كل سيئة وحسنة”.


وبدا حرص الجاحظ على الدين جليّا في اعتقاده أن الخطأ في الدين أشد ضررا من الخطإ في كل علم من العلوم فقال في ذلك : ” والخطأ في الدين أضرّ من الخطإ في الرياضة والصناعة والفلسفة والكيمياء وفي بعض المعيشة التي يعيش بها بنو آدم.”

القول بأراء لا يقبلها العقل ولا يقرّها العلم :

سقوط الجاحظ أحيانا في تبريرات لا منطقيّة وخرافيّة لا تقوم على حجج

سقوطه أحيانا في التّناقض يقول الجاحظ في رسالة فضل الكلام على الصّمت ” ومنها انّك لا تؤدّي شكر اللّه …إلّا بالكلام ” ونجده يقول في نفس الرّسالة ص 231 تحقيق عبد السلام هارون ” لو كان الشّكر خاصّا بالنّاطق دون الصّامت لم يدخل الجنّة أبكم ” ويقول في رسالة فصل بين العداوة والحسد “الصّمت زين العالم وستر الجاهل “

لقد وقع الجاحظ في العديد من الأخطاء العلمية فقال مثلا بالتولّد الذاتي وله في هذا المعنى حكايات كثيرة منها قوله : ” والذباب من الخلق الذّي يكون مرة من السّفاد ومّرة من تعفّن الأجسام والفساد الحادث في الأجرام، والباقلاء إذا عُتّق شيئ منها في الأنبار استحال كلّه ذبابا ، والذباب الذي يُخلّق من الباقلاء يكون دودا ثم يعود ذبابا”.

كما يقر الجاحظ في كتابه الحيوان بحدوث الخلق من غير ذكر ولا أنثى مثل:خلق الديدان من الجيف وخلق القمل من العَرق والوسخ إذا علاهما ثوب أو ريش أو شعر.

وهو أمر يأباه التفكير السليم وفنّده العلم الحديث إذ دلت تجارب “باستور” على أن التولّد الذاتي أمر ممتنع، فكل حي لا يلده إلا حي مثله.


الميل غير العلمي إلى ناقل الخبر دون غيره يقول في الحيوان ج2 ص13 ” وزعم لي ابن أبي العجوز ، أنّ الدّسّاس تلد ، وكذلك خبّرني به محمّد بن أيّوب ابن جعفر عن أبيه ، وخبّرني به الفضل بن إسحاق بن سليمان فإن كان خبرهما عن إسحاق فقد كان إسحاق من معادن العلم ” فاطمأنّ إلى إسحاق وهو سياسي تولى الولاية وهو من رجال الدّولة العبّاسيّة ولم يطمئنّ إلى ابن أبي العجوز وهو الحوّاء العارف

أدب الجاحظ وإن خاطب العقل وحفّزه على التّفكير والنّظر في شؤون الإنسان وأحواله وفي عالم الحيوان وطبائعه فإنّه خاطب القلب وأمتعه ممّا أضفاه على أسلوبه من أساليب البيان والحكايات المتعدّدة والأمثال والمراوحة بين النّثر والشّعر وجمعه بين الجدّ والهزل يقول ابن العميد عن كتاب الحيوان ” كتاب علم في لباس أدب وأدب موضوعه العلم “

  1. الاستطـــــــــــــراد :
عُرف الجاحظ في مؤلفاته عامة والحيوان خاصة بالاستطراد وبعدم إلتزامه بالبقاء في إطار موضوعه المحدد أو تقيده بإطار بحثه المعالج فكان ينتقل أحيانا داخل الموضوع الأساسي إلى موضوعات أخرى ليست وثيقة الصّلة بما هو في صدده.

وكأننا بالجاحظ قد أدرك عيب هذا التشويش والنقص في التبويب والتنظيم فكتب معتذرا : ” وقد صادف هذا الكتاب مِنّي حالات تمْنعُ بلوغ الإرادة وأوّل ذلك العلّة الشديدة والثانية قلّة الأعوان والثالثة طول الكتاب”.

يبدو من ذلك أن الجاحظ قد فعل ما فعل عن اقتناع بضرورة التنويع والتلوين قاصدا إلى الترويح عن القارئ حتى لَيُمكننا القول أن الجاحظ قد التزم بالاستطراد التزاما وصار لديه مذهبا وفي ذلك يقول : “وقد عزمت والله الموّفق أن أوشّح هذا الكتاب وأفصّل أبوابه بنوادر من ضروب الشعر”.

ويحرص الجاحظ على تبرير منحاه هذا في التأليف فيقول :” وليس من الأبواب بابا إلا ويدخله نُتَفٌ من أبواب آخر على قدر ما يتعلق بها من الأسباب ويعرض فيه من التضمين ولعلك أن تكون به أشد انتفاعا” ثم يضيف : ” على أني ربما وشحّت هذا الكتاب وفصلت فيه الجزء والجزء بنوادر كلام وطرف وأخبار وغرر أشعار مع طُرف َمضاحيك.”

ومن هذا القبيل ما يعمد إليه الجاحظ نتيجة شعوره بأن وطأة الجدّ لا بد أن تكون قد اشتدت على قارئه : إذ يقول”وإن كنا قد أمللْناك بالجدّ والاحتجاجات الصحيحة فإننا سننشّطك ببعض البطالات فإن كنت ممّن يستعمل الملالة وتعجل إليه السامة كان هذا الباب تنشيطا لقلبك وجماما لقوتك…”

يقول المستشرق كارادفو : ” إن الموضوع عنده ليس إلا وسيلة للاستطراد فكأن الأمر لديه أصبح منقلبا بحيث غدا الاستثناء قاعدة والقاعدة استثناء”.

ولو أن الجاحظ بحث في موضوعات كتابه على حِدَةٍ ضمن الكتاب الواحد لهان الأمر ولكنه يُدخلها بعضها في بعض فبينما نراه يتحدث عن الكلب والديك في كتاب الحيوان ينتقل فجأة ليتكلم عن بشارات الأنبياء وعن الشياطين وعن المسخ وعن الحجّاج بن يوسف الثقفي وولايته إلى غير ذلك.

“ومهما كان من أمر فإن الجاحظ أساء إساءة كبيرة إلى قيمة كتبه عندما استسلم للاستطراد وإذا كان عصره يغفر له هذه الإساءة فإن المنهجية التأليفية في عصرنا لا تستسيغها مهما كانت المبررات”
 
  • المشاهدات
    20
  • الرّدود
    0
  • أعلى أسفل