Monji Selmi

ضيف جديد
منتدى تونس التربوي
    ملـفّ في غـيـر مكانه ( قـصّـة قصيـرة ) الأستـاذ: منجي السّالمي
  • #1
الــقسم : إبداعات نثريّة
رميـت صنّارتي في البحر، و أخذت أنـتظر لعـلّ سمكة تأكـل الطعم، و ينغـرس الشّـصّ في فكهـا، فتصبح طعاما لي و لأسرتي.
قبل قلـيـل، أتيت إلى الميناء، و اخترت مكانا أتوقّع أن يكون في سمك كثـيـر. خبرتي بصيد السّمـك متواضعة، لكنّني استعمل حدسي، و كثـيـرا ما أعود إلى البـيـت حاملا في سلـتي سمكات يفرح بها أفـراد أسرتي، و تجعلـني أحسّ بالفخر. إذ لا شيء يسعد الإنسان أكـثـر من الشّعـور بأنّـه محظوظ.
ها أنا أنتظر أوّل سمكة، و أنظر إلى سطح ماء البحر، و أراقب العوّامة. إنّ البحر هادئ اليوم، و سطحه ذي الموجات الصغـيرة يشبه موجات الرّمل في كثـبان الصّحراء. و الـنّسيم عليل ينعش البدن. نظرت أمامي بعيدا، فرأيت الأفـق خطا مستـقـيما يربط بيـن زرقة البحر الدّاكنة و زرقة السّماء الفاتحة كالحدّ الفاصل بـيـن الفـرح و الحزن، و لكـنّـني لم أغـفـل عن صنّـارتي. إنّـني الآن أتمتّع بأحد مباهـج الحياة و هو صيد السمك بالصنارة. لأنّه يجمع متعا عديدة. فأنا أمتّع نظري بمشاهدة البحر و السّماء و الشّاطئ و ما فيها من عناصر طبـيعـيّة متـناغـمة. و أمتّع سمعي بهدير البحر و أصوات الطيور. و أمتّع لمسي بالنّسمات العلـيلة الـتي تداعب جسدي. و أمتّع ذوقي بالقهوة التي أرشفها و بأكل السّمك الذي أصطاده.
فالحياة عندي مهرجان من الألوان الجميلة، مثل ألوان قوس السّماء في يوم ممطر أطلـت فـيه الشمس من وراء السّحاب.
في الماضي كنت أرى الحياة بدون طعم، أعيش أيامي دون هدف و لا أتمتع بما فيها من أفراح. حياة رمادية يملؤها القـلق و الملـل، إلى حـدّ الـيوم الذي وقعـت لي فـيه تجربة قاسـية فظيعة هزّت كـياني و قلبت نظرتي إلى الحياة، تجربة جعلتـني أكره نفسي، تجربة جعلت جمـيع الألوان تخـتـفي و لم يـبـق منها إلا الـلون الأسـود. لون الحـزن، لون الموت. و أصبحت حـياتي رحلة قـلـق و تعـب و عـذاب.
كان ذلـك قـبل خمسة شهـور، لمّا أصبـت بوعكة صحّـية حادّة، و أغـميّ عـليّ. حاول أفـراد أسرتي علاجي فلم يفلحوا، فحملوني إلى المستـشفى المحلي، و بعد فحص سريع، نقـلوني بسـيّارة الإسعاف إلى المستـشفى الكبـيـر بالمدينة المجاورة. أجرى لي الأطـبّاء الفحوصات و التحالـيل اللازمة، و قرّروا الاحتـفاظ بي في إحدى الغرف عدّة أيّـام. و لمّا سمع الأقـارب و الأصدقـاء بمرضي المفاجئ، أقـبـلوا لزيارتي. لم أكـن أتوقع أن شعـبـيّـتي كبـيـرة بذلـك الشكـل. فقد زارني أناس لم أتوقع قـدومهم، كان الزّوار يـبتسمون لي، و يشجّعونـني، و يدعـون لي بالشـفـاء و عـودة الصّحة في أسـرع وقـت. منهم من أحضر لي قارورة ماء و بعض الأطعمة، و منهم من أعطى أخي وورقة نقـديّة تعبيـرا عـن تضامنه.
في الليـلة الثانـية، أقام في السّريـر المجاور، رجل في حالة سيّـئة جدّا. فـقـد كان شاحـب الوجه، نحـيـل البدن، بـطيء الحركة كان يحتـاج إلى عـناية فائـقة، لذلـك اهـتـمّ به الأطبّاء و الممرّضون اهتماما خاصّا، و أجروا له العديـد من التحالـيـل و صور الأشعّة. و لـمّـا رأيـت حالـته المتدهورة، حمدت الله كـثـيـرا، لأنّ من يـرى مصائب غيره، تهون علـيه مصيـبـته. بعد يوميـن، تحسّـن جاري قـليلان و أصبح قادرا على الكلام، فـتحدثـت معه لتـشجيعه، لأنّ الكلام الطيّـب مع المريض نصف العلاج. كان رجلا مثـقـفا، جلـبـني بحسن حديثه. سألـته مرّة:
- لقد رافـقـتـني في هذه الغرفة عـدّة أيّـام، و لم أسألـك عن اسمك ألـيس هـذا غـريـبا ؟!
- اسمي صابـر عـبد العلـيم.
- يا لها من صدفة ! أنا اسمي صابـر عـبد العظـيم، الفرق بيـن لقـبـيـنا حرف واحد.
فردّ مبـتـسما:
- صحيح، يسعدني ذلـك. شكرا لـك على عاطفـتـك النبـيـلة نحوي. أحبّ أن نصبح أصدقاء بعـد شفائـنا بحول الله.
في اليوم الموالي، زارني أحد أقاربي، و هو طبيب، ففرحت بقدومه فرحا عظيما. سألني عن حالـتي، و دعا لي بالشفاء. و عـند قدوم طبـيـب المستـشفى للاطمئـنان على حالـتي و حالة جاري، خطر بـبال الطبـيـب الزّائـر الاطلاع على ملفـّي الطبّي فقـال له:
- أنا طبـيب، و أريـد أن أطلع على ملف قريـبي صابـر لو سـمحت.
- أنا من عادتي ألا أسلم ملفـات مرضاي لأحد، لكن بما أنـّـك طبـيـب يمكنـك ذلـك.
- أيـن الملـفّ ؟
- إنّـه هناك، على تـلـك الطاولة.
فأخذ الطبـيـب الزّائـر الملفّ، و فـتحه، و أخـذ يـتصفـّح ما فـيه من وثائـق، و يقـرؤها. ركـزت نظري على وجهه، كان هادئا أوّل الأمـر، ثمّ بدأت ملامح وجهه تـتغـيّـر شيـئـا فـشـيـئا، فأصبح مكفهـرّا كالـسّـماء في يوم عاصف، أو كجـبـل صخريّ مليء بالأشـواك. بدأ القـلق يساورني، و تسارعـت دقـات قـلـبي. أعاد الطبـيـب الزّائـر الملـفّ إلى مكانه، سألـته في قـلـق:
- ما هو مرضي؟ هل هو خطيـر؟ صارحني يا دكـتور.
فأجابني متـلعـثما:
- لا شيء، لا شيء البتة، لا تـقـلق، إنـّه الإرهاق، أنـت تجهـد نفـسك في العـمل و شؤون الأسرة أكـثـر من اللازم، علـيـك بالرّاحة.
لم اقـتـنع بكلامه، و لكـنـّـني توقـفـت عن طرح الأسئـلة، و بقـيت أراقـبه خفـية. بعـد قـلـيل، أشار الطبـيـب الزّائـر إلى أخي، و طـلـب منه أن يتـبعه، ثمّ وقـف معه في الممرّ و تحـدّث معه، فضرب أخي كـفـّا بكـفّ و قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله». ازداد قـلقي، و تضاعف شكـّي، إنّ مرضي خطيـر بكـلّ تأكـيـد.
في مساء ذلـك اليوم، جاء أفـراد أسرتي لزيارتي، لاحظت أنـّهم ينظرون إليّ نظرة شفـقة، فعرفـت أنّ أخي أخبـرهم. قرّرت ألا أسألهم حتى لا أضاعـف حزنهم، أنا إنـسان صبـور و لا أحبّ أن يحمل هـمّي أحد. لذلـك، تـظاهرت بعـدم الاكتـراث، و أخـذت أمازحهـم.
بعـد مرور أسبوع، سمح لي الطبـيـب بمغادرة المستـشفى و قال لي:
- ستغـادرنا اليوم، صحّـتـك تحسّـنـت كثـيـرا، واظـب على الرّاحة، و تـناول الدواء بنـظام، يمكـنـك القـيام بجولات قصيـرة. فالمشي ينـشـط جسـدك، و يعجّـل بالشـفـاء.
- هل مرضي خطيـر يا دكـتور؟ صارحني بالله، أنا قـويّ الشخصية و أومن بـقضاء الله و قـدره.
- لا، هـو مجرّد إرهـاق شديـد مصحوب بارتـفـاع كـبـيـر في ضغط الـدّمّ، و الحمد لله، كدت تصاب بجلطة، لكنّ إحضارك إلى المستـشـفى في الوقـت المناسب أنقـذك.
عدت إلى داري، و اهـتمّ بي أفراد الأسرة اهتماما كبـيـرا، لكن قلـقي تضاعف حتى بلغ حدّا لا يطاق، فألححت على أخي ليخـبرني بحقيـقة الأمر، فـقـال لي:
- "عـدني أوّلا أن تـتماسك لأنّ الأمر خطيـر، لم نرد إخبارك حتى لا ترفض العلاج.
- أعدك بذلـك. أنا رأيت تأثـر الطبـيـب الزائر و هو يطلع على الملفّ، و سمعتك في الممرّ تقول: " لا حول ولا قوة إلا بالله" من هول الخـبـر.
- إنّـك ... إنّـك مريض بالسّرطان، الطبـيـب الزّائـر اطلع على ملفـك و ما فـيه من صور و تحالـيـل، و قال لي: أنّـك لن تعـيش إلا شهريـن أو ثلاثة.
نزل الخبـر عليّ كالصّاعـقة، و كدت أفـقـد صوابي، لكنّـني تظاهرت بالتماسك.
في الأيّـام الموالية، عوض أن أكثر من الصلاة و الدّعاء،و أن أحرص على تـناول الأدوية و الأطعمة، أهملت نفسي، و ضعـفـت شهيّـتي للطعام، و لا زمت غرفـتي. فـندم أخي على إخباري. بعد أيّـام غادرت الدّار بعد أن شارفـت على الجنون، و انطلقت أهـيم على وجهي في طرقات المدينة أحيانا، و على شاطئ البحر أحيانا أخرى. رآني النّاس على تلك الحالة، مهمل الثـياب، أمشي بدون هدف، فظنوا أنّـني فقدت عقلي. و لكنّـني في الحقـيقة، كرهت نفسي و فـقـدت لذة الحيـاة.
بعد ثلاثة شهور، جاءني أخي و أنـا منعـزل في غرفـتي، و أخبرني أنّ جاري في غرفة المستـشفى صابـر عبد العلـيم توفي بسبـب السّرطان. فـترحّمت علـيه، و أنـا أكاد أبكي، و فجأة، خطر بـبالي أن أقـرأ ما كتـب على الأدوية التي كنت أتـنـاولها، فاكتـشفـت أنّه لا يوجد بـينها ما يعالج ذلـك الدّاء الخبـيث. فعاد الأمل إليّ، و خجلت من نفسي لأنّـني فرحت لموت شخص آخر. و أنا معذور كـنت أظنّ أنّـني سأموت خلال شهور قليلة، لكنّ صحّـتي تحسّـنـت كثيرا رغم تدهور حالتي النّـفـسيّـة. ناديت أخي، و طلبت منه يكلم طبـيـب المستـشفى بالهاتـف، و يحدّد معه موعدا لمقابلـته في أسرع وقت. في مساء ذلك اليوم، التـقـيـت بالطبـيـب في مكتـبه فـسألـني:
- لماذا تريـد مقابلتي؟ الموعد الذي اتـفـقـنا عليه قريـب، و كان بالإمكان انتظاره، لكن مرحبا بك على كلّ حال.
- سمعت أن زميلي في الغرفة السّـيّـد صابر عبد العلـيم توفي بالسّرطان، هل هذا صحيح؟
- نعم للأسف، حاولت علاجه مستعيـنا باثـنـيـن من أفضل الأطـبّاء، لكنّ حالته بلغت درجة خطيـرة، و لم يعد العلاج ينفعه. رحمه الله. إنّ السّرطان لا يقـتـل إذا بدأ المريض العلاج مبكرا، و إذا كان بدنه قـويّـا قادرا على الدّفـاع عـن نفسه.
- كنت أظنّ أنّـني مصاب بالسّرطان أيضا.
- و لماذا تظـنّ ذلك ؟ لقد بـيّـنت لـك حالـتـك، و توقعـت شفاءك بسرعة، لكـنّـني أراك نحيلا، لماذا أهملت نفسك؟
قصصت له ما حدث، فضحك الطبـيـب و قـال:
- يـبدو أن قريـبك الطبـيـب أخطأ في الملفّ، فعوض أن يطـلع على ملفـك الطبيّ، اطـلع على ملف جارك. سامحه الله، لم يتـثـبّـت في قراءة الاسم و اللـقـب.
- سامحه الله، كاد يقـتـلـني دون أن يشعر. بسببه عشت شهورا بطعم العلـقم.
بعد تلك التجربة، قرّرت أن أبدأ حياتي بداية جديدة، و أن أتمتع بما فـيها من مباهج. يكفي أن يكون الإنسان متفائلا قويّ الشّخصية، ليعـيش سعيـدا و قادرا على مواجهة مصاعـب الحياة.
... أحسست بالصنّـارة تضطرب في يـديّ، و رأيت العوّامة تغـوص في الماء، فجذبـت الصنّـارة جذبة قوية. يا لسعادتي! لقد اصطدت سمكة كبـيـرة، و ها هي تـلمع تحـت أشعّة الشمس ...

* الأسـتـاذ: مـنجي السّالـمي / ميـدون في: 22 جـوان 2020
 
  • المشاهدات
    97
  • الرّدود
    0
  • أعلى أسفل