- المشاركات
- 1,067
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- نابل
- م. الدّراسي
- جامعي
- الاختصاص
- علوم
- المهنة
- طالبة: عربية
اللامرئي في مهنة التعليم:
المعمار الداخلي للدرس
L’architecture intérieure du cours
يبدو الدرس، من منظور المتعلم، سلسلة بسيطة من الشروح والأمثلة والأسئلة. لكن داخل عقل المدرس، تجري عملية بناء معقدة تشبه هندسة مدينة تحت الأرض: شبكة من الممرات الزمنية، ونقاط للانتقال، وعتبات للفهم يجب عبورها في اللحظة المناسبة.
1- يقدر المدرس توقيت كل فقرة بدقة: متى يبدأ؟ متى يبطئ؟ متى يسرع؟
يحسب اللحظة التي يطرح فيها السؤال، واللحظة التي يتراجع فيها خطوة ليترك للتلاميذ مساحة للتفكير، ثم اللحظة التي يدعم فيها أحدهم كي لا ينهار إيقاع الدرس.
2- يعد وينظم سلاسل تقييم صغيرة مخفية داخل الشرح:
سؤال للتشخيص، مثال للتثبيت، تمرين للتفريق بين الفهم والحفظ، وكل ذلك يتم كأن المدرس يمسك بخيوط متعددة في يد واحدة، ويمنعها من التشابك.
3- وللدرس مفاصل حساسة يعرفها المدرس وحده:
لحظة انتقال قد تربك الصف،
مفهوم دقيق قد يسقط الفهم،
مصطلح يحتاج تبسيطا،
وموقف يستدعي مسايرة لا مواجهة..
يعبر المدرس هذه المفاصل بحذر معماري: لا يرفع سقف الدرس فجأة كي لا ينهار الجدار، ولا يخفضه كثيرا كي لا يختنق الهواء.
4- وله أيضا خطة (أ) وخطة (ب) وخطة (ج): وهي احتمالات جاهزة لحالات متعددة:
ازدحام الأذهان، ضعف التركيز،
سؤال غير متوقع، انقطاع في السند،
أو مزاج عام لا يساعد.
لذلك تجده يعدل خطته وهو يتكلم، ويعيد تركيب الدرس وهو يشرحه، كأن عقله يعمل بنظامين في الوقت نفسه: نظام يعلم ونظام ينقذ الدرس.
5- كما ان الحصة لا تخلو من مناطق خطرة
يعرفها المدرس كما يعرف البحار التيارات المتقلبة:
منطقة يمكن أن تضيع فيها المجموعة،
وأخرى قد تشتعل فيها الفوضى،
وثالثة تحتاج قدرا من الحزم كي لا تنهار الحدود.
هذه الهندسة كلها لا يراها أحد. يراها المدرس فقط، ويحملها وحده كسقف فوق غرفة مكتظة، يحافظ عليه دون أن يشعر أحد بأن الدرس كاد يسقط… لأن المعمار الخفي يؤمن الثبات حين يبدو كل شيء عاديا..
يظل المعمار الداخلي للدرس جزءا من تلك البنية الخفية للمهنة، ذلك الجهد الصامت الذي لا يظهر في تقارير الإدارة ولا في دفاتر التلاميذ. هو ممارسة تجمع بين الفطنة والانضباط والحدس، وتحول الحصة من زمن عابر إلى فعل تربوي محكم. وكلما ازدادت التجربة، اتخذ هذا المعمار شكلا أدق، كأن المدرس يشيد في كل يوم بناية جديدة فوق أرض تهتز، دون أن يسمح للصف أن يشعر بالزلزال. إن ما يبدو تعليما عاديا، هو في العمق هندسة يقظة تحمي المعرفة من الفوضى، وتمنح الدرس اتساقه، وتعيد للمدرس مكانته كمهندس صامت يضمن قيام البناء حين لا يراه أحد....
المعمار الداخلي للدرس
L’architecture intérieure du cours
يبدو الدرس، من منظور المتعلم، سلسلة بسيطة من الشروح والأمثلة والأسئلة. لكن داخل عقل المدرس، تجري عملية بناء معقدة تشبه هندسة مدينة تحت الأرض: شبكة من الممرات الزمنية، ونقاط للانتقال، وعتبات للفهم يجب عبورها في اللحظة المناسبة.
1- يقدر المدرس توقيت كل فقرة بدقة: متى يبدأ؟ متى يبطئ؟ متى يسرع؟
يحسب اللحظة التي يطرح فيها السؤال، واللحظة التي يتراجع فيها خطوة ليترك للتلاميذ مساحة للتفكير، ثم اللحظة التي يدعم فيها أحدهم كي لا ينهار إيقاع الدرس.
2- يعد وينظم سلاسل تقييم صغيرة مخفية داخل الشرح:
سؤال للتشخيص، مثال للتثبيت، تمرين للتفريق بين الفهم والحفظ، وكل ذلك يتم كأن المدرس يمسك بخيوط متعددة في يد واحدة، ويمنعها من التشابك.
3- وللدرس مفاصل حساسة يعرفها المدرس وحده:
لحظة انتقال قد تربك الصف،
مفهوم دقيق قد يسقط الفهم،
مصطلح يحتاج تبسيطا،
وموقف يستدعي مسايرة لا مواجهة..
يعبر المدرس هذه المفاصل بحذر معماري: لا يرفع سقف الدرس فجأة كي لا ينهار الجدار، ولا يخفضه كثيرا كي لا يختنق الهواء.
4- وله أيضا خطة (أ) وخطة (ب) وخطة (ج): وهي احتمالات جاهزة لحالات متعددة:
ازدحام الأذهان، ضعف التركيز،
سؤال غير متوقع، انقطاع في السند،
أو مزاج عام لا يساعد.
لذلك تجده يعدل خطته وهو يتكلم، ويعيد تركيب الدرس وهو يشرحه، كأن عقله يعمل بنظامين في الوقت نفسه: نظام يعلم ونظام ينقذ الدرس.
5- كما ان الحصة لا تخلو من مناطق خطرة
يعرفها المدرس كما يعرف البحار التيارات المتقلبة:
منطقة يمكن أن تضيع فيها المجموعة،
وأخرى قد تشتعل فيها الفوضى،
وثالثة تحتاج قدرا من الحزم كي لا تنهار الحدود.
هذه الهندسة كلها لا يراها أحد. يراها المدرس فقط، ويحملها وحده كسقف فوق غرفة مكتظة، يحافظ عليه دون أن يشعر أحد بأن الدرس كاد يسقط… لأن المعمار الخفي يؤمن الثبات حين يبدو كل شيء عاديا..
يظل المعمار الداخلي للدرس جزءا من تلك البنية الخفية للمهنة، ذلك الجهد الصامت الذي لا يظهر في تقارير الإدارة ولا في دفاتر التلاميذ. هو ممارسة تجمع بين الفطنة والانضباط والحدس، وتحول الحصة من زمن عابر إلى فعل تربوي محكم. وكلما ازدادت التجربة، اتخذ هذا المعمار شكلا أدق، كأن المدرس يشيد في كل يوم بناية جديدة فوق أرض تهتز، دون أن يسمح للصف أن يشعر بالزلزال. إن ما يبدو تعليما عاديا، هو في العمق هندسة يقظة تحمي المعرفة من الفوضى، وتمنح الدرس اتساقه، وتعيد للمدرس مكانته كمهندس صامت يضمن قيام البناء حين لا يراه أحد....