- المشاركات
- 1,068
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- نابل
- م. الدّراسي
- جامعي
- الاختصاص
- علوم
- المهنة
- طالبة: عربية
هل من الحكمة أن ندعو طالب علم لكي يبحث عن المعقول في المنقول؟
المغالاة في وصف علمية ما ليس بعلمي
توفيق قريرة
أذكر أني درَّست في بداية حياتي المهنية، وأوّل عهدي بالتخرج مادة العربية لبكالوريا الآداب وكنّا وقتها مطالبين بتدريس المنزع العقلي، من خلال نصوص شعرية من لزوميات أبي العلاء المعرّي، وأخرى نثرية أظنّ أنّها من نصوص الجاحظ، كان علينا أن نبرز من النصّ المنزع العقلي في التفكير، لكي نصل مع التلميذ إلى استنتاجات تتعلق بميله إلى الملاحظة والاستنتاج واعتماد القياس والشك في الواهم من الأخبار، وغير ذلك من الأفكار التي كان علينا استخراجها وإبرازها، وبعضها كان مجذوبا بطرف سهم، وكنت أتوسم خيرا فيما يمكن أن يوصل إليه التفكير في أنّ النثر، أو الشعر يمكن أن نجد فيه أركانا متنوعة تدلّ على تعقّل للظواهر وإخضاعها للتجربة والمران وتنسيبها في بعض الأحيان.
مضى على هذا ثلاثة عقود، حين وجدتني وأنا أنظر إلى بعض صفحات التواصل الاجتماعي في عرض يقدمه بعض الأساتذة على المنزع العلمي، اعتمادا على كتاب «الحيوان» فتوقفت قليلا وعاد إليّ قلقي القديم، وحرجي الأوّل من وسم الأخبار التي قدّمها الجاحظ بالعلمية. فهل يكفي أن يقول الجاحظ تعلم الشكّ في المشكوك فيه تعلّما، حتى يكون أقرب إلى المنزع العلمي في تفكيره؟ وهل يكفي أن يلاحظ الجاحظ سلوك حيوان ويقدّمه، أو ينقل أخبارا عنه ليكون ذا منزع تجريبي؟ وبعبارة أدقّ هل يمكن للأخبار باعتبارها بنية خطابية مفتوحة وشفوية أن تكون ذات منزع علمي؟ ولنذهب مباشرة إلى علاقة ذلك باللغة الأدبية: هل يمكن أن تكون اللغة الأدبية لغة علمية؟ وهل يمكن لحدث التلفظ في الخطاب الإخباري، وفي اللغة الأدبية أن يحوي في ثناياه تفكيرا علميّا؟
في حديث الجاحظ عن الفيلة يذكر أنّه قرأ عنها في كتب أهل المنطق يقول: «وما أعجب ما قرأت في كتاب الحيوان لصاحب المنطق وجدته قد ذكر رأس الفيل وقصر عنقه، ولم يذكر انقلاب لسانه وذلك أعجب ما فيه، ولم يذكر في كم يضع ولا مقدار وزن أعظم الأنياب، وكيف يخرج من بطن أمه نابت الأسنان؟» (كتاب الحيوان ـ 7/ 226). هذه المعلومة تتعلق باطلاع الجاحظ على آثار السابقين وهو يعني هنا كتاب « تاريخ الحيوان «Historia animalium. ويبدو أنّ «كتاب الحيوان» هو منحوت من هذه التسمية، أو من تسميات أخرى يونانية، وربما فارسية وصلت إلى العرب والعربية، ولكنّ تاريخ الحيوان لم يكن غير رسالة من رسائل أخرى تحدّث فيها أرسطو عن الحيوان مثل، أجزاء الحيوان وحركات الحيوان ومشية الحيوان وتوليد الحيوان.
هذه الكتب كانت تنخرط في أنساق التفكير الفلسفي، ولاسيّما في نقد أرسطو لتصوّر أفلاطون حول المقولة والتصنيف، وهو فنّ غرضه تبويب الأفكار أو الأشياء بما فيها الكائنات إلى أصناف، حتى يتسنى لمن صنّفها أن يبيّن معرفته بها ويحيط بها إحاطة من جهة التعالق مثلا بين الجنس والنوع. وبما أنّ الحيوانات تقبل المقولة اعتمادا على خصائصها المتعلقة بالولادة، والمشي والحركة وغيرها، كان لا بدّ من أن يستنجد المنطقي بالمعارف التي على ملك علماء الحيوان والطبيعة والأطباء والمؤرخين، الذين لم تكن معارفهم في منأى عن الإفادة في الفلسفة والمنطق، فعلى سبيل المثال استفاد أرسطو في كتبه من المؤرخ هيرودوت، ومن أبقراط الطبيب اليوناني، وإليهما تعود الدقة في المعلومات التي قدّمها عن تطور الفرخ في البيضة، وكيف أنّ القلب وهو عبارة عن نقطة دم تنشأ في البياض هو أوّل ما يخلق في هذا الملكوت الصغير بعد ثلاثة أيام وثلاث ليال.
وبالعودة إلى تقييم الجاحظ لما اطلع عليه وهو يتحدث عن الفيل، يلحظ أنّه يركّز على «العجيب» من المعلومات، ويستغرب غياب بعضها عنه كانقلاب لسان الفيل وهو يعدّه «أعجب ما فيه». العجيب ممّا يشدّ اهتمام الجاحظ لأنّه منخرط في نسق من التفكير قديم، يبرز النادر ويكسره، لأنّ الله قادر على كلّ شيء. لذلك كان يبحث في الكتاب عن المفقود الذي يندرج في باب العجيب، ولا يبحث عن الغائب الذي يمكن أن يؤكّد مقْولة الفيل في صنف من الحيوان دون آخر.
العجيب في مبحث الجاحظ مقولة ليست علمية، بل أيديولوجية يريد بها أن يثبت في هذا العجيب قدرة الإله على أن يخلق من الحيوانات ما يكون شاهدا على تفرده وقدرته على أن يخلق ما يجاوز الطبيعة ويخرق العاديّ. لكنّنا قد نجده في مقطع لاحق يحدّثنا عن العلماء فيقول: «والفيلة لا تلد التوأم قال وهي تفِذُّ وتُفْرِدُ قال: وقال بعض العلماء لا يقال أفردت إلاّ لما يجوز أن يُتْئم» (7/227).
صحيح أنّ في كلامه حديثا عن الولادة، وهو من العناصر التي يمكن أن يهتم بها المنطقي، أو الطبيب غير أنّه يركّز على العجائبي فيها، أو ما خرج عن المألوف وهو الحمل الزوجي. تبدو عبارة علماء في هذا السياق مبهمة، ولكنّ الأكيد أنّها لا تعني العلماء بالمعنى الذي قد يفهمه دارس النصوص، في سياق منزع العقل في الأدب؛ قد يعرف المدرّس ذلك، لكنّه يمكن أن يترك الحبل على الغارب، بأن يدع التلميذ يستنتج مجاريا المنزع العقلي، اعتماد الجاحظ على العلماء في نقل معارفه وأنّ الكتاب يمكن أن يكون متنا محلّى بآراء العلماء وتجاربهم، ومعلوم أنّ هذه الاستنتاجات مغرضة أو ملبسة أو مغالطة.
العالم ههنا هو عالم بالعبارة (أفذّ بمعنى ولد فردا وأتأم بمعنى ولد توأما) والعلم بالعبارة ومعانيها يكون من جانب معجميّ، أو اصطلاحيّ ولا يمكن أن يكون الجاحظ قد قصد المعجمي دون الاصطلاحي، لأنّه لم يشرح المعنى مطلقا، بل شرحه من جهة استعمال الناس له في سياق وضع الحيوان، فالأفذّ الذي لا يلد فردا ما سمّي كذلك، إلاّ لأنّه يقبل في نوعه أن ينجب زوجا، ولذلك يميز «العلماء باللغة (أي المعجم)» فيه بين ما أنجب فردا وما أنجب زوجا وهذا ضرب من المقولة الحيوانية، التي تعتمد الإنجاب أو الولادة. العالم هنا صفة لا تنبئ بمرجعها العلميّ هل هو عالم بدلالات الألفاظ في السياق العلمي، أم في سياق التناسب بين اللفظ وانطباقه على طريقة في تصنيف الحيوان من جهة عدد ما ينجبه.
ليس العالم ولا العلم الذي يعرض في كتاب «الحيوان» شيئا يسيرا على ما يعتقد، لأنّ البحث عن علمية النصّ في سياق منزع عقلي هو بحث ينبغي أن يسبق بمعرفة راهنية العلم في عصر الجاحظ، وعلاقته بالعلوم الوافدة مثل المنطق والطبيعيات والطب، ولكن أيضا علاقته بالعقيدة، أو الأيديولوجيا الدينية التي لأجلها وضع الكتاب، فضلا عن طبيعة الجنس الذي ينخرط فيه الكتاب أهو منخرط في الأخبار العلمية، أم في الأخبار التي تريد أن تحصي كلّ شيء عن الحيوان، ما كان منها مبنيّ على الملاحظة، وما كان منها مرتبط بالمقولة، وما كان منها سليل أعراف طبية، ولا ينسى المصنّف للكتاب أن يعرف دور الأشعار والحكمة والانطباعات العامة، التي تجعل الأخبار بنية مفتوحة على كلّ ما يروى في شأن شيء معيّن.
من الخطأ الكبير أن نقارن بين ما ورد من أخبار حول الفيلة في كتاب «الحيوان» وما يقال عنها في العلوم الحديثة، فالمقارنة لا تليق بالأغراض التي وجد فيها الخطابان: الخطاب الخبري الموسوعي عن الحيوان والخطاب العلمي في علم الحيوان، أو في علم الأحياء عموما. يكفي أن تقرأ هذا المقطع حتى تفهم خصوصية خطاب كتاب «الحيوان» وخروجه عن التصنيف العلمي الذي يبحث عنه عبثا في نصوص من هذا النوع: «فأمّا صدق الحسّ فهو يفوق في ذلك جميع الحيوان وهو والجمل سواء إذا علما.. وإناث الفيلة وذكورها متقاربة في السنّ وكذلك النساء والرجال وهو بحريّ الطباع وهو أجرد الجلد، ولذلك يستد جزعه من البرد»، وأنت تقرأ هذا يمكن أن تسأل ماذا عن الماموث جدّ الفيل القديم؟
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية
المغالاة في وصف علمية ما ليس بعلمي
توفيق قريرة
أذكر أني درَّست في بداية حياتي المهنية، وأوّل عهدي بالتخرج مادة العربية لبكالوريا الآداب وكنّا وقتها مطالبين بتدريس المنزع العقلي، من خلال نصوص شعرية من لزوميات أبي العلاء المعرّي، وأخرى نثرية أظنّ أنّها من نصوص الجاحظ، كان علينا أن نبرز من النصّ المنزع العقلي في التفكير، لكي نصل مع التلميذ إلى استنتاجات تتعلق بميله إلى الملاحظة والاستنتاج واعتماد القياس والشك في الواهم من الأخبار، وغير ذلك من الأفكار التي كان علينا استخراجها وإبرازها، وبعضها كان مجذوبا بطرف سهم، وكنت أتوسم خيرا فيما يمكن أن يوصل إليه التفكير في أنّ النثر، أو الشعر يمكن أن نجد فيه أركانا متنوعة تدلّ على تعقّل للظواهر وإخضاعها للتجربة والمران وتنسيبها في بعض الأحيان.
مضى على هذا ثلاثة عقود، حين وجدتني وأنا أنظر إلى بعض صفحات التواصل الاجتماعي في عرض يقدمه بعض الأساتذة على المنزع العلمي، اعتمادا على كتاب «الحيوان» فتوقفت قليلا وعاد إليّ قلقي القديم، وحرجي الأوّل من وسم الأخبار التي قدّمها الجاحظ بالعلمية. فهل يكفي أن يقول الجاحظ تعلم الشكّ في المشكوك فيه تعلّما، حتى يكون أقرب إلى المنزع العلمي في تفكيره؟ وهل يكفي أن يلاحظ الجاحظ سلوك حيوان ويقدّمه، أو ينقل أخبارا عنه ليكون ذا منزع تجريبي؟ وبعبارة أدقّ هل يمكن للأخبار باعتبارها بنية خطابية مفتوحة وشفوية أن تكون ذات منزع علمي؟ ولنذهب مباشرة إلى علاقة ذلك باللغة الأدبية: هل يمكن أن تكون اللغة الأدبية لغة علمية؟ وهل يمكن لحدث التلفظ في الخطاب الإخباري، وفي اللغة الأدبية أن يحوي في ثناياه تفكيرا علميّا؟
في حديث الجاحظ عن الفيلة يذكر أنّه قرأ عنها في كتب أهل المنطق يقول: «وما أعجب ما قرأت في كتاب الحيوان لصاحب المنطق وجدته قد ذكر رأس الفيل وقصر عنقه، ولم يذكر انقلاب لسانه وذلك أعجب ما فيه، ولم يذكر في كم يضع ولا مقدار وزن أعظم الأنياب، وكيف يخرج من بطن أمه نابت الأسنان؟» (كتاب الحيوان ـ 7/ 226). هذه المعلومة تتعلق باطلاع الجاحظ على آثار السابقين وهو يعني هنا كتاب « تاريخ الحيوان «Historia animalium. ويبدو أنّ «كتاب الحيوان» هو منحوت من هذه التسمية، أو من تسميات أخرى يونانية، وربما فارسية وصلت إلى العرب والعربية، ولكنّ تاريخ الحيوان لم يكن غير رسالة من رسائل أخرى تحدّث فيها أرسطو عن الحيوان مثل، أجزاء الحيوان وحركات الحيوان ومشية الحيوان وتوليد الحيوان.
هذه الكتب كانت تنخرط في أنساق التفكير الفلسفي، ولاسيّما في نقد أرسطو لتصوّر أفلاطون حول المقولة والتصنيف، وهو فنّ غرضه تبويب الأفكار أو الأشياء بما فيها الكائنات إلى أصناف، حتى يتسنى لمن صنّفها أن يبيّن معرفته بها ويحيط بها إحاطة من جهة التعالق مثلا بين الجنس والنوع. وبما أنّ الحيوانات تقبل المقولة اعتمادا على خصائصها المتعلقة بالولادة، والمشي والحركة وغيرها، كان لا بدّ من أن يستنجد المنطقي بالمعارف التي على ملك علماء الحيوان والطبيعة والأطباء والمؤرخين، الذين لم تكن معارفهم في منأى عن الإفادة في الفلسفة والمنطق، فعلى سبيل المثال استفاد أرسطو في كتبه من المؤرخ هيرودوت، ومن أبقراط الطبيب اليوناني، وإليهما تعود الدقة في المعلومات التي قدّمها عن تطور الفرخ في البيضة، وكيف أنّ القلب وهو عبارة عن نقطة دم تنشأ في البياض هو أوّل ما يخلق في هذا الملكوت الصغير بعد ثلاثة أيام وثلاث ليال.
وبالعودة إلى تقييم الجاحظ لما اطلع عليه وهو يتحدث عن الفيل، يلحظ أنّه يركّز على «العجيب» من المعلومات، ويستغرب غياب بعضها عنه كانقلاب لسان الفيل وهو يعدّه «أعجب ما فيه». العجيب ممّا يشدّ اهتمام الجاحظ لأنّه منخرط في نسق من التفكير قديم، يبرز النادر ويكسره، لأنّ الله قادر على كلّ شيء. لذلك كان يبحث في الكتاب عن المفقود الذي يندرج في باب العجيب، ولا يبحث عن الغائب الذي يمكن أن يؤكّد مقْولة الفيل في صنف من الحيوان دون آخر.
العجيب في مبحث الجاحظ مقولة ليست علمية، بل أيديولوجية يريد بها أن يثبت في هذا العجيب قدرة الإله على أن يخلق من الحيوانات ما يكون شاهدا على تفرده وقدرته على أن يخلق ما يجاوز الطبيعة ويخرق العاديّ. لكنّنا قد نجده في مقطع لاحق يحدّثنا عن العلماء فيقول: «والفيلة لا تلد التوأم قال وهي تفِذُّ وتُفْرِدُ قال: وقال بعض العلماء لا يقال أفردت إلاّ لما يجوز أن يُتْئم» (7/227).
صحيح أنّ في كلامه حديثا عن الولادة، وهو من العناصر التي يمكن أن يهتم بها المنطقي، أو الطبيب غير أنّه يركّز على العجائبي فيها، أو ما خرج عن المألوف وهو الحمل الزوجي. تبدو عبارة علماء في هذا السياق مبهمة، ولكنّ الأكيد أنّها لا تعني العلماء بالمعنى الذي قد يفهمه دارس النصوص، في سياق منزع العقل في الأدب؛ قد يعرف المدرّس ذلك، لكنّه يمكن أن يترك الحبل على الغارب، بأن يدع التلميذ يستنتج مجاريا المنزع العقلي، اعتماد الجاحظ على العلماء في نقل معارفه وأنّ الكتاب يمكن أن يكون متنا محلّى بآراء العلماء وتجاربهم، ومعلوم أنّ هذه الاستنتاجات مغرضة أو ملبسة أو مغالطة.
العالم ههنا هو عالم بالعبارة (أفذّ بمعنى ولد فردا وأتأم بمعنى ولد توأما) والعلم بالعبارة ومعانيها يكون من جانب معجميّ، أو اصطلاحيّ ولا يمكن أن يكون الجاحظ قد قصد المعجمي دون الاصطلاحي، لأنّه لم يشرح المعنى مطلقا، بل شرحه من جهة استعمال الناس له في سياق وضع الحيوان، فالأفذّ الذي لا يلد فردا ما سمّي كذلك، إلاّ لأنّه يقبل في نوعه أن ينجب زوجا، ولذلك يميز «العلماء باللغة (أي المعجم)» فيه بين ما أنجب فردا وما أنجب زوجا وهذا ضرب من المقولة الحيوانية، التي تعتمد الإنجاب أو الولادة. العالم هنا صفة لا تنبئ بمرجعها العلميّ هل هو عالم بدلالات الألفاظ في السياق العلمي، أم في سياق التناسب بين اللفظ وانطباقه على طريقة في تصنيف الحيوان من جهة عدد ما ينجبه.
ليس العالم ولا العلم الذي يعرض في كتاب «الحيوان» شيئا يسيرا على ما يعتقد، لأنّ البحث عن علمية النصّ في سياق منزع عقلي هو بحث ينبغي أن يسبق بمعرفة راهنية العلم في عصر الجاحظ، وعلاقته بالعلوم الوافدة مثل المنطق والطبيعيات والطب، ولكن أيضا علاقته بالعقيدة، أو الأيديولوجيا الدينية التي لأجلها وضع الكتاب، فضلا عن طبيعة الجنس الذي ينخرط فيه الكتاب أهو منخرط في الأخبار العلمية، أم في الأخبار التي تريد أن تحصي كلّ شيء عن الحيوان، ما كان منها مبنيّ على الملاحظة، وما كان منها مرتبط بالمقولة، وما كان منها سليل أعراف طبية، ولا ينسى المصنّف للكتاب أن يعرف دور الأشعار والحكمة والانطباعات العامة، التي تجعل الأخبار بنية مفتوحة على كلّ ما يروى في شأن شيء معيّن.
من الخطأ الكبير أن نقارن بين ما ورد من أخبار حول الفيلة في كتاب «الحيوان» وما يقال عنها في العلوم الحديثة، فالمقارنة لا تليق بالأغراض التي وجد فيها الخطابان: الخطاب الخبري الموسوعي عن الحيوان والخطاب العلمي في علم الحيوان، أو في علم الأحياء عموما. يكفي أن تقرأ هذا المقطع حتى تفهم خصوصية خطاب كتاب «الحيوان» وخروجه عن التصنيف العلمي الذي يبحث عنه عبثا في نصوص من هذا النوع: «فأمّا صدق الحسّ فهو يفوق في ذلك جميع الحيوان وهو والجمل سواء إذا علما.. وإناث الفيلة وذكورها متقاربة في السنّ وكذلك النساء والرجال وهو بحريّ الطباع وهو أجرد الجلد، ولذلك يستد جزعه من البرد»، وأنت تقرأ هذا يمكن أن تسأل ماذا عن الماموث جدّ الفيل القديم؟
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية