• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

بين البنيويّة والتوليديّة: من وصف البنية اللغويّة إلى تفسير القدرة على إنتاج اللغة

جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
المشاركات
1,773
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
م. الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
بين البنيويّة والتوليديّة: من وصف البنية اللغويّة إلى تفسير القدرة على إنتاج اللغة

تمهيد

شكّلت البنيوية والتوليدية مرحلتين حاسمتين في تاريخ اللسانيات الحديثة، وإن كان من غير الدقيق النظر إليهما بوصفهما مجرد نموذجين متعارضين تعارضًا مطلقًا. فقد انطلقت البنيوية، في صورتها السوسيرية، من النظر إلى اللغة باعتبارها نظامًا من العلاقات، بينما نقلت التوليدية مركز الاهتمام من وصف النظام اللغوي القائم إلى البحث في القواعد والآليات التي تمكّن المتكلم من إنتاج عدد غير محدود من الجمل وفهمها.

وقد ارتبط التحول البنيوي أساسًا بكتاب فرديناند دي سوسير دروس في اللسانيات العامة، في حين مثّل كتاب نعوم تشومسكي البنى التركيبية (1957) نقطة مفصلية في نشأة النحو التوليدي التحويلي. ومع ذلك، فالعلاقة بين الاتجاهين أكثر تعقيدًا من قصة "قطيعة" بسيطة؛ إذ تشير دراسات تاريخية حديثة إلى وجود تقاطعات واستمراريات بين بعض مبادئ البنيوية والمشروع التوليدي.

أولًا: البنيوية وتأسيس اللغة بوصفها نظامًا

جاءت البنيوية لتعيد تحديد موضوع اللسانيات ومنهجها. فاللغة، في التصور السوسيري، ليست مجموعة من الكلمات المتناثرة، وإنما نظام من العلامات تتحدد قيمة عناصره من خلال العلاقات التي تربط بعضها ببعض.

ومن هنا برزت مفاهيم مركزية مثل:

- اللغة والكلام.
- الدال والمدلول.
- العلاقات التركيبية والاستبدالية.
- التزامن والتعاقب.
- قيمة العنصر داخل النظام.

وبهذا أصبحت اللسانيات مطالبة بدراسة اللغة باعتبارها بنية منظمة، لا باعتبارها مجرد قائمة من المفردات أو قواعد معيارية جاهزة.

وقد أسهم هذا التصور في تطوير دراسة الأصوات والصرف والتركيب والدلالة، كما أدى إلى ترسيخ فكرة أن الوحدة اللغوية لا تكتسب قيمتها بصورة معزولة، وإنما من موقعها داخل شبكة العلاقات التي تشكل النظام اللغوي.

ثانيًا: من الوصف إلى التفسير

رغم الأهمية العلمية الكبيرة للبنيوية، فإن التركيز على الوصف والتصنيف أثار سؤالًا جديدًا: هل يكفي أن نصف البنى التي تنتجها اللغة، أم ينبغي أن نفسر قدرة المتكلم على إنتاج وفهم عدد لا متناهٍ من الجمل؟

هنا يظهر المشروع التوليدي عند تشومسكي.

فاللساني التوليدي لا يكتفي بتسجيل الجمل التي ينطق بها المتكلم، وإنما يبحث عن النظام القاعدي الكامن الذي يجعل المتكلم قادرًا على توليد جمل جديدة لم يسمعها من قبل.

ولهذا أصبحت مهمة النظرية اللسانية بناء نموذج صوري للقواعد التي تفسر القدرة اللغوية.

وقد مثّل Syntactic Structures المنشور سنة 1957 إحدى اللحظات المؤسسة لهذا التحول، إذ قدم تشومسكي تصورًا صوريًا لبنية الجملة وقواعدها، وأدخل مفهوم النحو التوليدي التحويلي في مركز النقاش اللساني.

ثالثًا: مفهوم البنية في البنيوية والتوليدية

قد يبدو لأول وهلة أن مفهوم "البنية" واحد في الاتجاهين، لكنه يؤدي وظيفة مختلفة.

في البنيوية، تشير البنية إلى شبكة العلاقات التي تنتظم داخل النظام اللغوي. فالعنصر اللغوي لا يُدرس بمعزل عن العناصر الأخرى، وإنما باعتباره جزءًا من كلٍّ منظم.

أما في التوليدية، فالبنية ترتبط أساسًا بالعمليات والقواعد التي تسمح ببناء الجمل. ولذلك لا تكون الجملة مجرد سلسلة خطية من الكلمات، بل بنية هرمية يمكن تمثيلها بواسطة قواعد تركيبية.

ومن هنا انتقلت اللسانيات من السؤال:

«ما الوحدات التي يتكون منها النظام اللغوي؟»

إلى سؤال أكثر تفسيرية:

«ما القواعد التي تمكّن المتكلم من بناء عدد لا محدود من التراكيب اللغوية؟»

وهذا التحول من الجرد والوصف إلى التفسير والتوليد هو أحد أبرز وجوه الاختلاف بين المدرستين.

رابعًا: المنهج البنيوي والمنهج التوليدي

اعتمدت البنيوية على التحليل الوصفي للعناصر اللغوية والعلاقات التي تنتظم بينها، بينما اتجهت التوليدية نحو بناء نموذج نظري قادر على تفسير الأحكام التي يصدرها المتكلم بشأن صحة الجمل.

وبعبارة أخرى، كان البنيوي يسأل:

كيف تنتظم العناصر داخل النظام؟

في حين أصبح التوليدي يسأل:

ما القواعد التي تجعل هذه البنية ممكنة، وتمنع بنى أخرى؟

وهذا لا يعني أن البنيوية كانت خالية من النظرية أو أن التوليدية تخلت عن الوصف، وإنما يتعلق الأمر باختلاف في مركز الثقل المنهجي.

خامسًا: السلوك اللغوي والقدرة اللغوية

من أهم التحولات التي أحدثها تشومسكي إعادة الاعتبار إلى الجانب الذهني للغة.

فاللغة ليست مجرد سلوك قابل للملاحظة في المدونات أو الكلام المنجز، بل هي أيضًا معرفة ضمنية يمتلكها المتكلم وتمكنه من إنتاج تراكيب جديدة.

وهنا يظهر التمييز الشهير بين:

الكفاية Competence
و
الأداء Performance.

فالكفاية تحيل إلى المعرفة اللغوية التي يمتلكها المتكلم، أما الأداء فيتصل بالاستعمال الفعلي للغة وما قد يعتريه من تردد ونسيان وتشويش وغير ذلك.

ومن هذه الزاوية، تختلف التوليدية عن التصورات السلوكية والوصفية الصارمة التي جعلت المادة اللغوية المنجزة نقطة انطلاق أساسية للتحليل.

سادسًا: التركيب في مركز النظرية

أعطت التوليدية للتركيب مكانة مركزية، خصوصًا في مراحلها الأولى. وقد كان تشومسكي يرى أن معرفة المتكلم باللغة لا يمكن اختزالها في حفظ قائمة من الجمل، لأن المتكلم يستطيع فهم وإنتاج جمل لم يسبق له أن سمعها.

ومن هنا ظهرت أهمية الإبداعية اللغوية والتوليد والبنية الهرمية والتكرار.

وقد أصبحت الجملة في النحو التوليدي موضوعًا للتحليل باعتبارها بنية منظمة، لا مجرد تسلسل خطي للكلمات. ويظهر ذلك بوضوح في المشروع الذي قدمه تشومسكي في Syntactic Structures.

سابعًا: هل التوليدية قطيعة مع البنيوية؟

من الشائع في تاريخ اللسانيات تقديم التوليدية باعتبارها ثورة أطاحت بالبنيوية. وهذه الصورة صحيحة جزئيًا، لكنها تحتاج إلى شيء من التعديل.

فالتوليدية رفضت جوانب مهمة من المنهج البنيوي، ولا سيما حين تحول الوصف إلى غاية نهائية، لكنها لم تتخل عن فكرة أن اللغة نظام منظم وأن العلاقات البنيوية أساسية في فهمها.

بل إن بعض الدراسات التاريخية الحديثة ترى أن العلاقة بين سوسير وتشومسكي ليست علاقة قطيعة كاملة؛ فقد كانت هناك عناصر بنيوية استمرت، بأشكال مختلفة، داخل المشروع التوليدي نفسه. ويشير جون جوزيف إلى أن الرواية التقليدية التي تجعل تشومسكي مجرد قطيعة مع سوسير تبسط التاريخ اللساني أكثر مما ينبغي.

كما يرى جون أندرسون أن مفهوم الاستقلالية الذي ظهر في البنيوية وجد امتدادًا في التوليدية، وخصوصًا في فكرة استقلالية التركيب.

ثامنًا: أوجه الاتفاق والاختلاف

يمكن تلخيص العلاقة بين المدرستين في العناصر الآتية:

المجال. | البنيوية| التوليدية
تصور اللغة| نظام من العلاقات| نظام معرفي/قواعدي مولِّد
مركز الاهتمام| البنية والعلاقات| القواعد والقدرة اللغوية
المنهج| وصفي تحليلي| و تفسيري صوري
موضوع الدراسة| النظام اللغوي| المعرفة اللغوية وآليات التوليد
الجملة| وحدة داخل بنية لغوية|. بنية هرمية قابلة للتوليد
المتكلم| مستعمل للنظام|. يمتلك معرفة لغوية ضمنية
الهدف| وصف انتظام اللغة| تفسير القدرة على إنتاج اللغة
مفهوم البنية| علاقات داخل النظام| تمثيل بنيوي تنتجه قواعد

لكن ينبغي الحذر من اختزال "البنيوية" في نموذج واحد؛ فالبنيوية الأوروبية والأمريكية لم تكونا متطابقتين، كما أن "التوليدية" نفسها تطورت عبر مراحل متعددة، من النحو التحويلي المبكر إلى نماذج ومقاربات لاحقة.

تاسعًا: من البنية إلى التوليد

يمكن النظر إلى تاريخ الانتقال من البنيوية إلى التوليدية بوصفه انتقالًا من سؤال "ممّ يتكون النظام؟" إلى سؤال "كيف يعمل النظام؟".

فإذا كانت البنيوية قد أسست لفكرة النظام والعلاقات الداخلية، فإن التوليدية حاولت أن تجعل هذا النظام موضوعًا لنظرية صورية قادرة على تفسير قدرة المتكلم.

وبذلك لم يعد الهدف مجرد تحديد أن الجملة صحيحة أو غير صحيحة، بل البحث عن السبب النظري الذي يجعلها كذلك.

إن الفرق، إذن، ليس بين "بنية" و"لا بنية"، وإنما بين بنية بوصفها نظامًا من العلاقات وبنية بوصفها نتيجة لآليات وقواعد توليدية.

عاشرًا: نحو قراءة تكاملية

إن تجاوز الثنائية الحادة بين البنيوية والتوليدية يتيح قراءة أكثر دقة لتاريخ اللسانيات الحديثة. فالبنيوية قدمت الأساس المنهجي الذي جعل اللغة موضوعًا علميًا مستقلًا، ورسخت مفاهيم النظام والعلاقة والقيمة والبنية. أما التوليدية فقد دفعت بالسؤال اللساني نحو مستوى آخر، هو مستوى تفسير المعرفة اللغوية والقدرة على التوليد.

ولهذا يمكن القول إن التحول من البنيوية إلى التوليدية لم يكن انتقالًا من "علم صحيح" إلى "علم صحيح آخر"، وإنما كان تحولًا في السؤال العلمي نفسه.

فالبنيوية تسأل عن انتظام النظام، والتوليدية تسأل عن الآليات التي تجعل هذا الانتظام ممكنًا في ذهن المتكلم.

خاتمة

تمثل البنيوية والتوليدية محطتين أساسيتين في تشكل اللسانيات الحديثة. وإذا كانت البنيوية قد جعلت من العلاقات والبنية والنظام مفاهيم مركزية، فإن التوليدية جعلت من القدرة اللغوية والتوليد والبنية العميقة للقواعد موضوعًا رئيسًا للبحث.

ومن ثم يمكن صياغة العلاقة بينهما في عبارة مكثفة:

البنيوية اكتشفت اللغة بوصفها نظامًا، والتوليدية حاولت تفسير القدرة التي تمكّن المتكلم من تشغيل هذا النظام وتوليد تراكيب جديدة.

غير أن الفصل بينهما ينبغي ألا يتحول إلى قطيعة تاريخية مطلقة؛ فبعض المبادئ البنيوية استمرت داخل التفكير التوليدي، كما أن التحول إلى التوليدية كان، في جانب منه، إعادة صياغة للسؤال البنيوي في إطار أكثر تفسيرية وصورية. وهذا ما يجعل العلاقة بين سوسير وتشومسكي موضوعًا خصبًا لإعادة قراءة تاريخ اللسانيات الحديثة.

FB_IMG_1787133667674.jpg


مراجع

1. Saussure, Ferdinand de. Cours de linguistique générale. Paris: Payot, 1916.
2. Chomsky, Noam. Syntactic Structures. The Hague: Mouton, 1957.
3. Chomsky, Noam. Aspects of the Theory of Syntax. MIT Press, 1965.
4. Anderson, John M. “Structuralism and Autonomy: From Saussure to Chomsky.” Historiographia Linguistica, 2005.
5. Joseph, John E. “Saussure's Universal Grammar, Chomsky's Structuralism.” In Saussure and Chomsky: Converging and Diverging, Peter Lang, 2022.
6. Muzaffar, Faisal. “Noam Chomsky and Ferdinand de Saussure: A Comparative Analysis of the Paternity of Modern Linguistics.” ACADEMIA International Journal for Social Sciences, 2026.