- المشاركات
- 1,773
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- بنزرت
- م. الدّراسي
- دراسات معمّقة
- الاختصاص
- أدب عربي
- المهنة
- أستاذ
النصّ
الشّرح
شرح الأستاذ: جلال البحري
الموضوع: تحيّل الاسكندي على أهل الميّت و أهل القرية للظّفر بقوته
المقاطع:
حسب معيار المضمون
- من البداية____ يكفي الله: التمهيد للحكايتين
- من و دُفعنا____ هاربينا: الحكاية الأولى: التحيّل على أهل الميّت
- البقيّة: الحكاية الثّانية: التحيّل على أهل القرية
المقطع الأوّل: التمهيد للحكايتين
حدّث / قال : فعل قول و حكاية
عيسى بن هشام: مركّب بدلي: فاعل
قال: (...... ): نصّ مقول القول: مفعول به
يضطلع الرّاوي في هذا النصّ بوظيفتين:
- سرد الأحداث
- المشاركة فيها
راو شخصيّة
السّرد في هذا النصّ هو سرد ذاتيّ
الهمذاني ( الكاتب ) أخرج هذه الحكاية من حيّز المشافهة إلى حيّز التدوين
يتأسّس هذا النصّ على ثنائيّة: السند و المتن
السّند هو سُنّة أدبيّة مُتّبعة في القصّ القديم، و يضطلع بعدّة وظائف:
- إضفاء مصداقيّة على الأحداث: الإيهام بواقعيّة الأحداث
- الرّغبة في مُشاكلة الحديث النّبوي الشريف
- تأرجح الثقافة العربيّة في ذلك الوقت بين المُشافهة و التدوين
ثنائيّة السّند و المتن خاصيّة من خصائص المقامة
أطراف الخطاب
ـــنا: جمع: مفعول به_____ المتقبّل
عيسى بن هشام: الباث
من خصائص المقامة: أنّها تُقال في مجلس و هي مُوجّهة لمجموعة
الغاية: الاستمتاع و الاعتبار
لمّا: ظرفيّة زمنيّة
الإطار الزماني: العودة من الموصل
الإطار المكاني: الموصل - المنزل ( الدّيار )
الشخصيّات: عيسى بن هشام- الإسكندري...
الأحداث: تواتر الأفعال التّي تدلّ على الحركة
توفّر مقوّمات القصّ في هذا النصّ: النصّ ذو بنية قصصيّة
بنية المقامة هي: بنية قصصيّة
يبدأ النصّ بوضع انطلاق ( مرحلة هدوء ): الخروج من الموصل و العزم على الوصول إلى الدّيار ( رحلة )
- سياق التحوّل:
1- مرحلة الاضطراب:
الحدث القادح: ظهور قطّاع الطّرق
حدث 1: سيزيد من تدهور الأوضاع: فقدان الدواب
حدث2: سيزيد من تدهور الأوضاع: فقدان المؤونة
و: واو المعيّة
هناك تحوّل من الجمع إلى المثنّى ( عيسى بن هشام و الإسكندريّ )
شخصيّة الإسكندري تكاد تغزو كلّ مقامات الهمذاني ( 37 مقامة )
لحظة التعرّف في هذه المقامة بين الرّاوي ( عيسى بن هشام ) و الإسكندري كانت في بداية المقامة ( 7 مقامات اتّبعت هذا المسار )
2- مرحلة اختلال التوازن: الحيرة + الاضطراب
فقلت... قال: نمط الكتابة: الحوار
أين: اسم استفهام
استفهام يخرج عن معناه الأصلي و هو الاستخبار عن شيء مجهول ليفيد التمنّي و الحيرة
وظائف الحوار هنا:
الوظيفة التصويريّة الاستبطانيّة: كشف الحوار عن شخصيّتين متناقضتين:
شخصيّة عيسى بن هشام: الحيرة + الاضطراب + تعطّل ملكة التفكير
شخصيّة الإسكندريّ: رباطة الجأش + الهدوء + التجلّد + الثقة برحمة الله
تبدو شخصيّة الإسكندريّ شخصيّة ورعة تقيّة لا تيأس من رحمة الله مؤمنة بقضائه و قدره
3- مرحلة الاضطراب المعاكس:
البحث عن حلّ: الحيلتان
المقطع الثّاني: الحكاية الأولى: التحيّل على أهل الميّت
دُفِع: فعل مبني للمجهول
يُنزّل الرّاوي ما سيقع للشخصيّتين من أحداث منزلة الرّحلة المقدّسة التّي تخضع لقضاء الله و قدره
النّفس الدّيني يطغى على هذا النصّ في سياق بنيته التركيبيّة و سياقه الحجاجي
هناك تحوّل في المكان: النزول في دار مات صاحبها
- مرحلة اختيار المُتحيّل عليه أي الضحيّة: نمط الكتابة هو الوصف الذّي يتخلّله بعض السّرد
الوصف هنا يضطلع بوظيفة تصويريّة:
سيرسم تلك البيئة المساعدة على فعل التحيّل
ظرف مناسب للاحتيال: استغلال مصيبة القوم
حدث الموت ستنجرّ عنه فاجعة و مصيبة، و هذا ما سيجعل هناك فائضا في المشاعر_____ تغييب ملكة العقل
أرضيّة ملائمة لفعل التحيّل لأنّ الحيلة تقتضي الغفلة و عطالة الفكر
- مرحلة نصب الفخّ: المراوحة بين الحوار و السّرد
يا قوم: نداء
ابقوا -دعوه: أمر
لا تدفنوه - لا تروّعوه - لا تجيبوه: نهي
أسلوب إنشائي طلبي
الإسكندريّ يضطلع بدور الفاعليّة في هذه المرحلة و الجماعة بدور المفعوليّة
الإسكندريّ: فاعليّة ( أقوال + أعمال )
الإسكندريّ يُريد أن يُسيطر على الجماعة بهذه الأعمال القوليّة ( النداء - الأمر - النهي ) بعد أن غيّبت المصيبة آليّات التفكير فيهم
هم سيتشبّثون بهذا الوهم الذّي يعتقدون أنّه سيُزيل مصيبتهم و سيُعيد عقارب السّاعة إلى الوراء
الإسكندريّ: يبدو شخصيّة ذكيّة و فطنة و قادرة على النفاذ إلى بواطن الشخصيّات، فيترصّد نقاط ضعفها و يقتنص آمالها و أحلامها و هواجسها
حيلة الإسكندريّ كانت استقراء لتلك الرّغبة الدّفينة في أهل الميّت ( تمنّي عودته إلى الحياة )
هذه الحيلة إذن هي مُجانبة للواقع و مُنسجمة مع تلك الرّغبة الدّفينة الكامنة في أهل الميّت: الموت لم يحدث ( نقض الواقع )
سيحتجّ الإسكندريّ بحجّة علميّة للإقناع بأطروحته ( حدث الموت لم يحصل )
____ حرارة الحيّ و برودة الميّت
حجّة منطقيّة علميّة و لكنّها غير واقعيّة ( الحرارة ناتجة عن عامل خارجيّ : الإسكندريّ )
احتيال مزدوج: في الأطروحة و في السيرورة الحجاجيّة
- نتيجة الحيلة: المراوحة بين السّرد و الحوار
حتّى: انتهاء الغاية الزمانيّة
واو: التعداد
الحصول على الطلبة:
المكافأة الماديّة: الهدايا: الفضّة + التبر + الأجبان...
المكافأة المعنويّة: الثناء + الشكر
فــأخذه الكفّ: فاء النتيجة
عدم القدرة على الهرب قبل انكشاف الحيلة: خلل سيصيب هذه الحيلة في الصّميم
هذا الخلل سيتضخّم بعدم تمكّن الإسكندريّ من تنفيذ وعده الذّي نال من أجله المكافأة، فانكشفت حيلته و أخذت منه المكافأة و عُوقب شرّ عقاب ( " فأخذه الخفّ و ملكته الأكفّ " )
تقوم التكدية على مجموعة من المراحل المترابطة: إن فشلت إحداها فشلت الحيلة
- مرحلة اختيار المُتحيّل عليه أي الضحيّة ( شرط الغفلة ضروريّ هنا )
- مرحلة تنفيذ الحيلة ببراعة شديدة
- مرحلة إيجاد خطّة مُحكمة للهروب
فهل ستنجح حيلة الإسكندريّ الثّانية في الحكاية الثّانية؟
المقطع الثّالث: الحكاية الثّانية: التحيّل على أهل القرية
و أتينا قرية: تحوّل في المكان
على شفير واد: مركّب بالجرّ: نعت
مغتمّون: خبر
من خشية السّيل: مركّب بالجرّ: مفعول لأجله
* الموصوف 1: القرية
الصّفات:
- تقع على شفير واد
- يُحيط بها الماء الجاري من كلّ نواحيها
الموصوف 2: أهل القرية
الصّفات:
- الاغتمام ( اغتمّ الشّخص: حزن و تكدّر )
- الخوف و الجزع
سبب حالة أهل القرية:
موقع القرية ( الخوف من السّيل: غرق القرية )
فقال: فعل قول ( نمط الكتابة = الحوار )
يا قوم: نداء ( للقريب )
المُنادِي: الإسكندريّ ( مفرد )
المُنادَى: القوم ( جمع )
أطيعوني / اذبحوا / أتوني / صلّوا: أمر
لا تُبرموا: نهي
يُفيدان النّصح و الإرشاد
ما أمرك؟: استفهام ( الاستخبار عن شيء مجهول )
أسلوب إنشائي طلبي
صلّوا / ركعتين / الله / حلال: معجم ديني
البقرة الصّفراء: تحيل إلى سورة البقرة و قصّة البقرة الصفراء
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ(67)قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ(68)قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ(69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ(70)قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ(71)وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ(72)فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(73)}.
الإسكندريّ سيُحاول استغلال مُصيبة القوم و غفلتهم بعد أن تمكّن من ترصّد مكامن الضّعف فيهم.
هو رجل انتهازيّ: " مَنْ يقتنص الفرص ويستغل أيّة وسائل للمنفعة الشَّخصيّة "
هناك مقابلة بين المفرد و الجمع
المفرد ( الإسكندريّ ): يحتلّ موقع الفاعليّة ( في المستوى القولي: هو المُبادر بالكلام و هو الذي يحتلّ الحيّز الأكبر من الخطاب ( كمّ الملفوظ ) )
الجمع ( القوم ): يحتلّ موقع المفعوليّة ( التقبّل + الانفعال + الرّضوح )
إنّ خطاب الإسكندي يشي بقدرة المكدّي على الاحتيال ، فهو قد استطاع ببراعة أن يستدرج القوم إلى الفخّ الذي نصبه لهم عن طريق استنهاض العامل الديني فيهم. فقدّم نفسه شخصيّة ورعة مؤمنة بالله و قدرته... بل إنّه تقمّص دور الإمام الذّي تُنصتُ لتعاليمه الجماعة و تقتدي بهديه ( استعمال المعجم الدّيني / استغلال رمزيّة البقرة الصّفراء + رمزيّة الشيخ المنقذ: " المهدي المنتظر " / بناء الخطاب معجما و تركيبا على شاكلة خطب أئمّة المسلمين )
الإسكنديّ: رجل سريع البديهة شديد الفطنة و الذكاء و الخبث
القوم: السذاجة + البلاهة + التفكير الأسطوري و الغيبي
ثنائيّة: الطلب ( الإسكندي ) و الاستجابة ( القوم ) تُسيّج هذا المقطع و تؤكّد نجاح الحيلة
البقرة / الجارية
تحقّق الملذّات الحسيّة: المكافأة ( نجاح الحيلة )
احفظوا / اصبروا: أمر
لا: نهي
نصح + إرشاد
بعد أن كان الإسكنديّ ناصحا للجماعة في أمور دنياها ( التغلّب على السّيل ) أصبح ناصحا لها في أمور دينها ( كيفيّة أداء الصّلاة بطريقة سليمة )
أومأ إليّ: أشار إليّ
ساجدين: حال
ينغلق النصّ بحدث الهروب بعد أن تحقّق الظّفر المادّي ( الأكل + الجارية )
المقطع الشعريّ الذّي انغلق به النصّ خاصيّة من خاصيّات شكل المقامة
هناك علاقة تقاطع معنويّ بين هذا المقطع الشعريّ و ما سبقه من أحداث طرائق الإضحاك في هذا النصّ:
- المفارقة بين الظاهر و الباطن:
الظّاهر: يبدو الإسكندريّ شخصيّة ورعة مؤمنة بالله و عاملة على إرشاد الجماعة في أمور دنياها و آخرتها
الباطن: شخصيّة انتهازيّة تستغلّ مصائب الآخرين لتحقيق أهدافها و هي مستعدّة لتوسّل مختلف الوسائل في مشروعها ذلك " الغاية تبرّر الوسيلة "
- الإضحاك عن طريق الأقوال:
خطاب الإسكندريّ في سجلاّته و مرجعيّاته و رمزيّاته لا يستجيب لمقام القول
- الإضحاك عن طريق الأحوال
طريقة أداء الصّلاة " انتصب انتصاب الجذع حتّى شكوْا وجع الضّلع " " و سجد حتّى ظنّوا أنّه هَجَدَ "
- الإضحاك عن طريق الأفعال: تلك الطّقوس التّي قام بها الإسكندريّ مع الميّت في القصّة الأولى
التأليف
نصّ نموذجيّ يثبت لنا هذا الحضور المزدوج لثنائيّة الهزل و الجدّ في ثنايا الخطاب
فالنصّ يتأسّس ظاهرا على خطاب هزليّ يعبث بالمجموعة بعد أن فقدت العقل الرّاجح و المنطق السّليم
و هو يتأسّس باطنا على خطاب نقديّ يستهدف عطالة العقل و غيبوبته أمام سلطان التفكير الغيبي و الأسطوريّ، كما نجد نقدا لظاهرة استغلال الدّين و استعماله للتكسّب و تحقيق المصالح الخاصّة.
حدَّثَنا عيسَى بْنُ هِشَامٍ قالَ: لَمَّا قَفِلْنَا مِنَ المُوصِلِ، وَهَمَمْنَا بِالْمَنْزَلِ، وَمُلِكَتْ عَلَينا القَافِلةُ، وَأَخَذَ مِنَّا الرَّحْلُ والرَّاحِلةُ، جَرَتْ ِبي الحُشَاشَةُ إِلَى بَعْضِ قُرَاهَا، وَمَعِي الإِسْكَنْدَِيُّ أَبُو الفَتْحِ، فَقُلْتُ: أَيْنَ نَحْنُ مِنَ الحِيلَةِ? فَقَالَ: يَكْفِي اللهُ، وَدُفِعْنَا إِلَى دَارٍ قَدْ مَاتَ صَاحِبُها، وَقَامَتْ نَوادِبُهَا، واحْتَفَلتْ بِقَوْمٍ قَدْ كَوَى الجَزعُ قلوبَهُمْ، وَشَقَّتِ الفَجِيعَةُ جُيُوبَهُمْ، ونِسَاءٍ قد نَشَرْنَ شعُورَهُنَّ، يَضْرِبْنَ صُدُورَهُنَّ، وَشَدَدْنَ عقُوُدَهُنَّ، يَلْطِمْنَ خدُودَهُنَّ، فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: لَنَا فِي هَذا السَّوادِ نَخْلَةٌ، وَفِي هذا القَطِيعِ سَخْلَةٌ، وَدَخَلَ الدَّارَ لِيَنْظُرَ إِلى المَيِّتِ وَقَدُ شُدَّتْ عِصَابَتُهُ لِيُنْقَلَ، وَسُخِّنَ ماؤُهُ لِيُغْسَلَ، وهُيِّئَ تَابُوتُهُ لِيُحْمَلَ، وَخِيطَتْ أَثْوَابُهُ لِيُكَفَّنَ، وَحُفِرَتُ حُفْرَتُهُ لِيُدْفَنَ، فَلَمَّا رَآهُ الإِسْكَنْدَرِيُّ أَخَذَ حَلْقَهُ، فَجَسَّ عِرْقَهُ، فَقَالَ: يَا قَوْمُ اتَّقُوا اللهَ لا تَدْفِنُوهُ فَهْوَ حَيٌّ، وإِنَّمَا عَرَتْهُ بَهْتَةٌ، وَعَلتهُ سَكتَةٌ، وَأَنَا أُسَلِّمُهُ مَفْتُوحَ العَيْنَيْنِ، بَعْدَ يَوْمَيْنِ، فَقَالُوا: مِنْ أَيْنَ لَكَ ذَلِكْ؟ فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذا ماتَ بَرَدَ اسْتُهُ، وَهذَا الرَّجُلُ قَدْ لَمْستُهُ فعَلِمْتُ أَنَّهُ حَيٌّ، فَجَعَلوا أَيْدِيَهُمْ فِي اسْتِهِ، فَقَالوا: الأَمْرُ على مَا ذَكَرَ، فَافْعَلُوا كَمَا أَمَرَ، وَقَامَ الإِسْكَنْدَرِيُّ إِلى المَيِّتِ، فَنَزَع ثِيابَهُ ثُمَّ شَدَّ لهُ العَمَائِمَ، وَعَلَّقَ عَليْهِ تَمائِمَ، وَأَلعَقَهُ الزَّيْتَ، وَأَخْلَى لَهُ البَيْتَ، وَقَالَ: دَعُوهُ وَلا تُرَوِّعُوهُ، وَإِنْ سَمِعْتُمْ لَهُ أَنِيناً فَلاَ تُجِيبُوهُ، وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَقَدْ شَاعَ الخَبَرُ وانْتَشَرَ، بِأَنَّ المَيِّتَ قَدْ نُشِرَ، وَأَخَذَتْنَا المَبارُّ، مِنْ كُلِّ دَارٍ، وَانْثَالَتْ عَلَيْنا الهَدَايا مِنْ كُلِّ جَار، حَتَّى وَرِمَ كِيسُنَا فِضَّةً وَتِبْراً وامْتَلأَ رَحْلُنَا أَقِطاً وَتَمْراً، وَجَهَدْنا أَنْ نَنْتَهِزَ فُرْصَة في الهَرَبِ فَلَمْ نَجِدْهَا، حَتَّى حَلَّ الأَجَلُ المَضْرُوبُ، واسْتُنْجِزَ الوَعْدُ المَكْذُوبُ فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: هَلْ سَمِعْتُمْ لِهَذَا العُلَيِلِ رِكْزاً، أَوْ رَأَيْتُمْ مِنْهُ رَمْزاً؟ فَقَالوا: لا، فَقالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ صَوَّتَ مُذْ فَارَقْتُهُ، فَلَمْ يَجِيئْ بَعْدُ وَقْتُهُ، دَعُوهُ إِلَى غَدٍ فَإِنَّكُمْ إِذا سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ، أَمِنْتُمْ مَوْتَهُ، ثُمَّ عَرِّفُونِي لأَحْتَالَ في عِلاجِهِ، وإِصْلاحِ ما فَسَدَ مِنْ مِرَاجِهِ، فَقَالوا: لا تُؤَخِّرْ ذَلِكَ عَنْ غَدٍ، قَالَ: لا، فَلَمَّا ابْتَسَمَ ثَغْرُ الصُّبْحِ وانْتَشَر جَناحُ الضَّوِّ، في أُفُقِ الجَوِّ، جاءَهُ الرِّجَالُ أَفْوَاجاً، والنِّساءُ أَزْوَاجاً، وَقَالوا: نُحِبُّ أَنْ تَشْفِيَ العَلِيلَ، وَتَدَعَ القَالَ والقِيلَ، فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: قُومُوا بِنا إِلَيْهِ، ثُمَّ حَدَرَ التَّمَائِمَ عَنْ يَدِهِ، وَحَلَّ العَمائِمَ عنْ جَسَدِهِ، وَقَالَ: أَنِيمُوهُ على وَجْهِهِ، فَأُنِيمَ، ثُمَّ قَالَ: أَقِيمُوهُ على رِجْلَيْهِ، فَأُقِيمُ، ثُمَّ قَالَ: خَلُّوا عَنْ يَدَيْهِ، فَسَقَطَ رأَسْاً، وَطَنَّ الإِسْكَنْدَرِيُّ بِفِيهِ وَقَالَ: هُوَ مَيِّتٌ كَيْفَ أُحْيِيهِ؟ فَأَخَذَهُ الخُفُّ، وَمَلَكَتُهُ الأَكُفُّ، وَصَارَ إِذَا رُفِعَتْ عَنْهُ يَدٌ وَقَعَتْ عَلَيْهِ أُخْرَى، ثُمَّ تَشَاغَلوا بِتَجْهيزِ المَيِّتِ، فانْسَللْنَا هَارِبينَ حَتَّى أَتَيْنَا قَرْيةً على شَفِيرِ وَادٍ السَّيْلُ يُطَرِّفُها وَالمَاءُ يَتَحَيَّفُها. وأَهْلُهَا مغْتَمُّونَ لا َيمْلِكُهُم غُمْضُ الَّليْلِ، مِنْ خَشْيَةِ السَّيْلِ، فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: يَا قَوْمُ أَنَا أَكْفِيكمْ هَذا المَاءَ وَمَعَرَّتَهُ، وأَرَدُّ عَنْ هذهِ القَرْيَةِ مَضَرَّتَهُ، فَأَطيعوني، ولا تُبْرِمُوا أَمْراً دُونِي، فَقَالوا: ومَا أَمْرُكَ؟ فَقَالَ: أذْبَحُوا في مَجْرَى هَذا المَاءِ بَقَرَةً صَفْرَاءَ، وأَتُونِي بِجَارِيةٍ عَذْراءَ، وَصَلُّوا خَلْفِي رَكْعَتَيْنِ يَثْنِ اللهُ عَنْكُمْ عِنان هذا المَاءِ، إِلى هَذِهِ الصَّحْراءِ، فَإِنْ لَمْ يَنْثَنِ المَاءُ فَدَمِي عَلَيْكُمْ حَلالٌ، قَالوا: نَفْعَلُ ذَلِكَ، فَذَبَحُوا البَقَرَةَ، وَزَوَّجُوهُ الجَارِيَةَ، وَقَامَ إِلى الرَّكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِما، وَقَالَ: يَا قَوْمُ احْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ لاَ يَقَعْ مِنْكُمْ فِي القِيامِ كَبْوٌ، أَوْ فِي الرُّكُوعِ هَفْوٌ، أَوْ في السُّجُودِ سَهْوٌ، أَوْ فِي القُعُودِ لَغْوٌ، فَمَتَى سَهَوْنَا خَرَجَ أَمَلُنَا عَاطِلاً، وَذَهَبَ عَمَلُنا بَاطِلاً، وَاصْبِرُوا عَلى الرَّكْعَتَينِ فَمَسَافَتُهُمَا طَوِيلَةٌ، وَقَامَ لِلْرَكْعَةِ الأُولَى فَانْتَصَبَ انْتِصَابَ الجِذْعِ، حَتَّى شَكَوا وَجَعَ الضِّلْعِ، وَسَجَدَ، حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ هَجَدَ ولمْ يَشْجُعُوا لِرَفْعِ الرُّؤُوسِ، حَتَّى كَبَّرَ لِلْجُلُوسِ، ثُمَّ عَادَ إِلى السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَوْمَأَ إِلَيَّ، فَأَخَذْنَا الوَادِيَ وَتَرَكْنَا القَوْمَ سَاجِدينَ، لاَ نَعْلَمُ مَا صَنَعَ الدَّهْرُ بِهِمْ، فَأَنْشَأَ أَبُو الفَتْحِ يقُولُ:
لاَ يُبْعِدُ اللهُ مِثْلـي *** وَأَيْنَ مثْلِي أَيْنَـا؟
للهِ غَـفْـلَةُ قَـوْمٍ *** غَنِمْتُهَا بِالْهُوَيْنَـا!
اكْتَلْتُ خَيْراً عَلَيْهِمْ *** وَكِلْتُ زُوراً وَمَيْناً
بديع الزمان الهمذاني
لاَ يُبْعِدُ اللهُ مِثْلـي *** وَأَيْنَ مثْلِي أَيْنَـا؟
للهِ غَـفْـلَةُ قَـوْمٍ *** غَنِمْتُهَا بِالْهُوَيْنَـا!
اكْتَلْتُ خَيْراً عَلَيْهِمْ *** وَكِلْتُ زُوراً وَمَيْناً
بديع الزمان الهمذاني
الشّرح
شرح الأستاذ: جلال البحري
الموضوع: تحيّل الاسكندي على أهل الميّت و أهل القرية للظّفر بقوته
المقاطع:
حسب معيار المضمون
- من البداية____ يكفي الله: التمهيد للحكايتين
- من و دُفعنا____ هاربينا: الحكاية الأولى: التحيّل على أهل الميّت
- البقيّة: الحكاية الثّانية: التحيّل على أهل القرية
المقطع الأوّل: التمهيد للحكايتين
حدّث / قال : فعل قول و حكاية
عيسى بن هشام: مركّب بدلي: فاعل
قال: (...... ): نصّ مقول القول: مفعول به
يضطلع الرّاوي في هذا النصّ بوظيفتين:
- سرد الأحداث
- المشاركة فيها
راو شخصيّة
السّرد في هذا النصّ هو سرد ذاتيّ
الهمذاني ( الكاتب ) أخرج هذه الحكاية من حيّز المشافهة إلى حيّز التدوين
يتأسّس هذا النصّ على ثنائيّة: السند و المتن
السّند هو سُنّة أدبيّة مُتّبعة في القصّ القديم، و يضطلع بعدّة وظائف:
- إضفاء مصداقيّة على الأحداث: الإيهام بواقعيّة الأحداث
- الرّغبة في مُشاكلة الحديث النّبوي الشريف
- تأرجح الثقافة العربيّة في ذلك الوقت بين المُشافهة و التدوين
ثنائيّة السّند و المتن خاصيّة من خصائص المقامة
أطراف الخطاب
ـــنا: جمع: مفعول به_____ المتقبّل
عيسى بن هشام: الباث
من خصائص المقامة: أنّها تُقال في مجلس و هي مُوجّهة لمجموعة
الغاية: الاستمتاع و الاعتبار
لمّا: ظرفيّة زمنيّة
الإطار الزماني: العودة من الموصل
الإطار المكاني: الموصل - المنزل ( الدّيار )
الشخصيّات: عيسى بن هشام- الإسكندري...
الأحداث: تواتر الأفعال التّي تدلّ على الحركة
توفّر مقوّمات القصّ في هذا النصّ: النصّ ذو بنية قصصيّة
بنية المقامة هي: بنية قصصيّة
يبدأ النصّ بوضع انطلاق ( مرحلة هدوء ): الخروج من الموصل و العزم على الوصول إلى الدّيار ( رحلة )
- سياق التحوّل:
1- مرحلة الاضطراب:
الحدث القادح: ظهور قطّاع الطّرق
حدث 1: سيزيد من تدهور الأوضاع: فقدان الدواب
حدث2: سيزيد من تدهور الأوضاع: فقدان المؤونة
و: واو المعيّة
هناك تحوّل من الجمع إلى المثنّى ( عيسى بن هشام و الإسكندريّ )
شخصيّة الإسكندري تكاد تغزو كلّ مقامات الهمذاني ( 37 مقامة )
لحظة التعرّف في هذه المقامة بين الرّاوي ( عيسى بن هشام ) و الإسكندري كانت في بداية المقامة ( 7 مقامات اتّبعت هذا المسار )
2- مرحلة اختلال التوازن: الحيرة + الاضطراب
فقلت... قال: نمط الكتابة: الحوار
أين: اسم استفهام
استفهام يخرج عن معناه الأصلي و هو الاستخبار عن شيء مجهول ليفيد التمنّي و الحيرة
وظائف الحوار هنا:
الوظيفة التصويريّة الاستبطانيّة: كشف الحوار عن شخصيّتين متناقضتين:
شخصيّة عيسى بن هشام: الحيرة + الاضطراب + تعطّل ملكة التفكير
شخصيّة الإسكندريّ: رباطة الجأش + الهدوء + التجلّد + الثقة برحمة الله
تبدو شخصيّة الإسكندريّ شخصيّة ورعة تقيّة لا تيأس من رحمة الله مؤمنة بقضائه و قدره
3- مرحلة الاضطراب المعاكس:
البحث عن حلّ: الحيلتان
المقطع الثّاني: الحكاية الأولى: التحيّل على أهل الميّت
دُفِع: فعل مبني للمجهول
يُنزّل الرّاوي ما سيقع للشخصيّتين من أحداث منزلة الرّحلة المقدّسة التّي تخضع لقضاء الله و قدره
النّفس الدّيني يطغى على هذا النصّ في سياق بنيته التركيبيّة و سياقه الحجاجي
هناك تحوّل في المكان: النزول في دار مات صاحبها
- مرحلة اختيار المُتحيّل عليه أي الضحيّة: نمط الكتابة هو الوصف الذّي يتخلّله بعض السّرد
الوصف هنا يضطلع بوظيفة تصويريّة:
سيرسم تلك البيئة المساعدة على فعل التحيّل
ظرف مناسب للاحتيال: استغلال مصيبة القوم
حدث الموت ستنجرّ عنه فاجعة و مصيبة، و هذا ما سيجعل هناك فائضا في المشاعر_____ تغييب ملكة العقل
أرضيّة ملائمة لفعل التحيّل لأنّ الحيلة تقتضي الغفلة و عطالة الفكر
- مرحلة نصب الفخّ: المراوحة بين الحوار و السّرد
يا قوم: نداء
ابقوا -دعوه: أمر
لا تدفنوه - لا تروّعوه - لا تجيبوه: نهي
أسلوب إنشائي طلبي
الإسكندريّ يضطلع بدور الفاعليّة في هذه المرحلة و الجماعة بدور المفعوليّة
الإسكندريّ: فاعليّة ( أقوال + أعمال )
الإسكندريّ يُريد أن يُسيطر على الجماعة بهذه الأعمال القوليّة ( النداء - الأمر - النهي ) بعد أن غيّبت المصيبة آليّات التفكير فيهم
هم سيتشبّثون بهذا الوهم الذّي يعتقدون أنّه سيُزيل مصيبتهم و سيُعيد عقارب السّاعة إلى الوراء
الإسكندريّ: يبدو شخصيّة ذكيّة و فطنة و قادرة على النفاذ إلى بواطن الشخصيّات، فيترصّد نقاط ضعفها و يقتنص آمالها و أحلامها و هواجسها
حيلة الإسكندريّ كانت استقراء لتلك الرّغبة الدّفينة في أهل الميّت ( تمنّي عودته إلى الحياة )
هذه الحيلة إذن هي مُجانبة للواقع و مُنسجمة مع تلك الرّغبة الدّفينة الكامنة في أهل الميّت: الموت لم يحدث ( نقض الواقع )
سيحتجّ الإسكندريّ بحجّة علميّة للإقناع بأطروحته ( حدث الموت لم يحصل )
____ حرارة الحيّ و برودة الميّت
حجّة منطقيّة علميّة و لكنّها غير واقعيّة ( الحرارة ناتجة عن عامل خارجيّ : الإسكندريّ )
احتيال مزدوج: في الأطروحة و في السيرورة الحجاجيّة
- نتيجة الحيلة: المراوحة بين السّرد و الحوار
حتّى: انتهاء الغاية الزمانيّة
واو: التعداد
الحصول على الطلبة:
المكافأة الماديّة: الهدايا: الفضّة + التبر + الأجبان...
المكافأة المعنويّة: الثناء + الشكر
فــأخذه الكفّ: فاء النتيجة
عدم القدرة على الهرب قبل انكشاف الحيلة: خلل سيصيب هذه الحيلة في الصّميم
هذا الخلل سيتضخّم بعدم تمكّن الإسكندريّ من تنفيذ وعده الذّي نال من أجله المكافأة، فانكشفت حيلته و أخذت منه المكافأة و عُوقب شرّ عقاب ( " فأخذه الخفّ و ملكته الأكفّ " )
تقوم التكدية على مجموعة من المراحل المترابطة: إن فشلت إحداها فشلت الحيلة
- مرحلة اختيار المُتحيّل عليه أي الضحيّة ( شرط الغفلة ضروريّ هنا )
- مرحلة تنفيذ الحيلة ببراعة شديدة
- مرحلة إيجاد خطّة مُحكمة للهروب
فهل ستنجح حيلة الإسكندريّ الثّانية في الحكاية الثّانية؟
المقطع الثّالث: الحكاية الثّانية: التحيّل على أهل القرية
و أتينا قرية: تحوّل في المكان
على شفير واد: مركّب بالجرّ: نعت
مغتمّون: خبر
من خشية السّيل: مركّب بالجرّ: مفعول لأجله
* الموصوف 1: القرية
الصّفات:
- تقع على شفير واد
- يُحيط بها الماء الجاري من كلّ نواحيها
الموصوف 2: أهل القرية
الصّفات:
- الاغتمام ( اغتمّ الشّخص: حزن و تكدّر )
- الخوف و الجزع
سبب حالة أهل القرية:
موقع القرية ( الخوف من السّيل: غرق القرية )
فقال: فعل قول ( نمط الكتابة = الحوار )
يا قوم: نداء ( للقريب )
المُنادِي: الإسكندريّ ( مفرد )
المُنادَى: القوم ( جمع )
أطيعوني / اذبحوا / أتوني / صلّوا: أمر
لا تُبرموا: نهي
يُفيدان النّصح و الإرشاد
ما أمرك؟: استفهام ( الاستخبار عن شيء مجهول )
أسلوب إنشائي طلبي
صلّوا / ركعتين / الله / حلال: معجم ديني
البقرة الصّفراء: تحيل إلى سورة البقرة و قصّة البقرة الصفراء
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ(67)قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ(68)قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ(69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ(70)قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ(71)وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ(72)فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(73)}.
الإسكندريّ سيُحاول استغلال مُصيبة القوم و غفلتهم بعد أن تمكّن من ترصّد مكامن الضّعف فيهم.
هو رجل انتهازيّ: " مَنْ يقتنص الفرص ويستغل أيّة وسائل للمنفعة الشَّخصيّة "
هناك مقابلة بين المفرد و الجمع
المفرد ( الإسكندريّ ): يحتلّ موقع الفاعليّة ( في المستوى القولي: هو المُبادر بالكلام و هو الذي يحتلّ الحيّز الأكبر من الخطاب ( كمّ الملفوظ ) )
الجمع ( القوم ): يحتلّ موقع المفعوليّة ( التقبّل + الانفعال + الرّضوح )
إنّ خطاب الإسكندي يشي بقدرة المكدّي على الاحتيال ، فهو قد استطاع ببراعة أن يستدرج القوم إلى الفخّ الذي نصبه لهم عن طريق استنهاض العامل الديني فيهم. فقدّم نفسه شخصيّة ورعة مؤمنة بالله و قدرته... بل إنّه تقمّص دور الإمام الذّي تُنصتُ لتعاليمه الجماعة و تقتدي بهديه ( استعمال المعجم الدّيني / استغلال رمزيّة البقرة الصّفراء + رمزيّة الشيخ المنقذ: " المهدي المنتظر " / بناء الخطاب معجما و تركيبا على شاكلة خطب أئمّة المسلمين )
الإسكنديّ: رجل سريع البديهة شديد الفطنة و الذكاء و الخبث
القوم: السذاجة + البلاهة + التفكير الأسطوري و الغيبي
ثنائيّة: الطلب ( الإسكندي ) و الاستجابة ( القوم ) تُسيّج هذا المقطع و تؤكّد نجاح الحيلة
البقرة / الجارية
تحقّق الملذّات الحسيّة: المكافأة ( نجاح الحيلة )
احفظوا / اصبروا: أمر
لا: نهي
نصح + إرشاد
بعد أن كان الإسكنديّ ناصحا للجماعة في أمور دنياها ( التغلّب على السّيل ) أصبح ناصحا لها في أمور دينها ( كيفيّة أداء الصّلاة بطريقة سليمة )
أومأ إليّ: أشار إليّ
ساجدين: حال
ينغلق النصّ بحدث الهروب بعد أن تحقّق الظّفر المادّي ( الأكل + الجارية )
المقطع الشعريّ الذّي انغلق به النصّ خاصيّة من خاصيّات شكل المقامة
هناك علاقة تقاطع معنويّ بين هذا المقطع الشعريّ و ما سبقه من أحداث طرائق الإضحاك في هذا النصّ:
- المفارقة بين الظاهر و الباطن:
الظّاهر: يبدو الإسكندريّ شخصيّة ورعة مؤمنة بالله و عاملة على إرشاد الجماعة في أمور دنياها و آخرتها
الباطن: شخصيّة انتهازيّة تستغلّ مصائب الآخرين لتحقيق أهدافها و هي مستعدّة لتوسّل مختلف الوسائل في مشروعها ذلك " الغاية تبرّر الوسيلة "
- الإضحاك عن طريق الأقوال:
خطاب الإسكندريّ في سجلاّته و مرجعيّاته و رمزيّاته لا يستجيب لمقام القول
- الإضحاك عن طريق الأحوال
طريقة أداء الصّلاة " انتصب انتصاب الجذع حتّى شكوْا وجع الضّلع " " و سجد حتّى ظنّوا أنّه هَجَدَ "
- الإضحاك عن طريق الأفعال: تلك الطّقوس التّي قام بها الإسكندريّ مع الميّت في القصّة الأولى
التأليف
نصّ نموذجيّ يثبت لنا هذا الحضور المزدوج لثنائيّة الهزل و الجدّ في ثنايا الخطاب
فالنصّ يتأسّس ظاهرا على خطاب هزليّ يعبث بالمجموعة بعد أن فقدت العقل الرّاجح و المنطق السّليم
و هو يتأسّس باطنا على خطاب نقديّ يستهدف عطالة العقل و غيبوبته أمام سلطان التفكير الغيبي و الأسطوريّ، كما نجد نقدا لظاهرة استغلال الدّين و استعماله للتكسّب و تحقيق المصالح الخاصّة.
التعديل الأخير بواسطة المشرف: