جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
المشاركات
1,526
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
    شرح نصّ: المقامة الحرزيّة
  • #1
الــقسم : شرح نصّ
شرح نصّ: المقامة الحرزيّة
النصّ
حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: لَمَّا بَلَغَتِ بِيَ الغُرْبَةُ بَابَ الأَبْوَابِ، وَرَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإِيَابِ، وَدُونَهُ منِ َالبَحْرِ وَثَّابٌ بِغَاربِهِ، وَمِنَ السُّفُنِ عَسَّافٌ بِراكِبِهِ، اسْتَخَرْتُ اللهَ فِي القُفُولِ، وَقَعَدْتُ مِنَ الفُلْكِ، بِمَثَابَةِ الهُلْكِ، وَلَمَّا مَلَكْنَا البَحْرُ وَجَنَّ عَلَيْنَا الَّلْيلُ غَشِيَتْنَا سَحابَةٌ تَمُدُّ مِنَ الأَمْطَارِ حِبَالاً، وتحوذ مِنَ الغَيْمِ جِبَالاً، بِرِيحٍ تُرْسِلُ الأَمْواجَ أَزْوَاجاً، وَالأَمْطَارَ أَفْوَاجاً، وَبَقِينا فِي يَدِ الحِينِ، بَيْنَ البَحْرَيْنِ، لاَ نَمْلِكُ عُدَّةً غَيْرَ الدُّعَاءِ، وَلا حِيلَةً إِلاَّ البُكَاءَ وَلا عِصْمَةً غَيْرَ الرَّجَاءِ، وَطَوَيْنَاهَا لَيْلةً نَابِغِيَّةً، وَأَصْبَحْنَا نَتَباكَى وَنَتَشاكَى،

وَفِينَا رَجُلٌ لا يَخْضَلُّ جَفْنُهُ، وَلا تَبْتَلُّ عَيْنُهُ، رَخِيُّ الصَّدْرِ مُنْشَرِحُهُ، نَشِيطُ القَلْبِ فَرِخُهُ، فَعَجِبْنَا واللهِ كُلَّ العَجَبِ، وَقُلْنَا لَهُ: مَا الَّذِي أَمَّنَكَ مِنَ العَطَبِ؟ فَقَالَ: حِرْزٌ لا يَغْرَقُ صَاحِبُهُ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَمْنَحَ كُلاًّ مِنْكُمْ حِرْزاً لَفَعْلتُ، فَكُلُّ رَغِبَ إِلَيْهِ، وَأَلَحَّ فِي المَسْأَلَةِ عَليْهِ، فَقَالَ: لَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ حَتَّى يُعْطِيَنِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ دِيناراً الآنَ، وَيَعِدَنِي دِيناراً إِذا سِلِمَ،

قاَلَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَنَقَدْنَاهُ مَا طَلَبَ، وَوَعَدْنَاهُ مَا خَطَبَ، وَآبَتْ يَدُهُ إِلَى جَيْبِهِ، فَأَخْرَجَ قُطْعَةَ دِيْبَاجٍ، فِيْهَا حُقَّةُ عَاجٍ، قَدْ ضُمِّنَ صَدْرُها رِقَاعاً، وَحَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا،

فَلمَّا سَلَمتِ السَّفِينَةِ، وَأَحَلَّتْنَا المَدِينَةَ، افْتَضَى النَّاسَ ما وَعَدُوهُ، فَنَقَدُوهُ، وَانْتَهَى الأَمْرُ إِليَّ فَقَالَ: دَعُوهُ، فَقُلْتُ: لَكَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تُعْلِمَنِي سِرَّ حَالِكَ، قَالَ: أَنَا مِنْ بِلادِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ نَصَرَكَ الصَبْرُ وَخَذَلَنَا؟،

فَأَنْشَأَ يَقُولُ:

وَيْكَ لَوْلاَ الصَّبْرُ مَا كُنْ

.................................... ـتُ مَلأَتُ الكِيسَ تِبْرَا

لَنْ يَنالَ المَجْدَ منْ ضَا

...................................قَ بِما يَغْشاهُ صَـدْرا

ثُمَّ مَا أَعْقَبَنِـي الـسَّـا

........................................ عَةَ مَا أُعْطِيتُ ضَرَّا

بَلْ بِـهِ أَشْـتَـدُّ أَزْراً

...................................... وَبِهِ أُجْبُـرُ كَـسْـرَا

وَلَوَ أَنِّيَ اليَوْمَ في الغَرْ

.........................................قَى لَمَا كُلِّفْتُ عُـذْراً

بديع الزمان الهمذاني

الشّرح
شرح الأستاذ: جلال البحري
الموضوع:
استغلال الإسكندريّ مصيبة ركّاب السفينة و احتياله عليهم
المقاطع: حسب معيار بنية المقامة
- من البداية ------------ العجب: المقام
- من قلنا له---------- بواحدة منها: المقال
- البقيّة: المنال

ظاهرة العنوان:
العنوان: المقامة الحرزيّة
هذه المقامة نسبت إلى " الحرز ": عنوان المقامة يرتبط بالموضوع الذي قامت عليه حيلة المكدّي
تعريف الحرز:
- لغة:
هذا النصّ المصاحب له علاقة تركيبيّة و معنويّة بالمقامة
- تركيبيّا: " المقامة الموصليّة ": مركّب نعتي: خبر // المبتدأ: هذه
هذه: اسم إشارة تجذّر ذلك المعنى الذي يُوهمنا به السند ( الإيهام بالواقعيّة )
- معنويّا:
يضطلع العنوان بوظيفتين:
وظيفة تعبيريّة:العنوان تكثيف معنويّ للعنصر الناظم للمقامة ( الحرز )
هذه المقامة نسبت إلى " الحرز ": عنوان المقامة يرتبط بالموضوع الذي قامت عليه حيلة المكدّي
تعريف الحرز:
- لغة: هو الوعاء الحصينُ يُحفظ فيه الشيء - المكان المنيع يُلجأ إليه
- اصطلاحا: عوذة أو رقية تكتب وتعلق في العنق لوقاية المرء من الخطر أو المرض
وظيفة تأثيريّة: تتقصّد المتقبّل ( القارئ المفترض ): تحفيز ( إغراء ) فعل القراءة
المقطع الأوّل: المقام
حدّث / قال: فعلا قول و حكاية
أركان الخطاب:
عيسى بن هشام: الباث ( الرّاوي ): مفرد
ــنــا: المخاطب ( المروي له ): جمع

تبنى المقامة على ثنائيّة السّند و المتن
السّند هو: سلسلة الروّاة التّي نقلت الخبر
هذه السّلسلة في المقامة تتكوّن من راو واحد هو عيسى بن هشام، و هذا ينسجم مع موقع هذا الرّاوي في نسيج الحكاية
الرّاوي يتجاوز دور السّرد ليكون مشاركا في الأحداث ( راو شخصيّة ) شاهدا على الحكاية
عيسى بن هشام لا ينقل الرّواية عن طريق السّماع بل عن طريق المعاينة المباشرة، و هو ما يُكسب كلامه ضربا من الواقعيّة
هذه الواقعيّة تترسّخ أكثر عند تحليل أسباب تلك التسمية التي اختارها الهمذاني لراوي المقامة، فعيسى بن هشام: مركّب من جزأين: عيسى ( العقيدة المسيحيّة: النبيّ عيسى ) و ابن هشام ( العقيدة الإسلاميّة: ابن هشام: من أشهر رواة سيرة الرسول محمّد صلّى الله عليه و سلّم )
ينسجم السّند إذن مع ذلك السياق الثقافي الذي كان يحدّد الحضارة العربيّة الإسلاميّة في ذلك العهد، و قد كان يُحقّق عدّة أهداف منها:
- الإيهام بواقعيّة القصّ
- الرّغبة في مشاكلة الحديث النبوي الشريف
- الخضوع إلى تلك السنّة التّي كانت تحدّد عمليّة النقل في المجتمعات التّي كانت تسيطر عليها ثقافة المشافهة ( ذكر مصدر الخبر )
هذا الخضوع إلى ثقافة المشافهة ( رغم بداية خروج العرب من هذه الثقافة في ذلك العهد: حركة التدوين ) افترض خضوعا مماثلا إلى مقام القول، و هو الرواية في مجلس ( عادة ما كانت المعرفة تتناقل، في تلك المجتمعات التي تسيطر عليها ثقافة المشافهة، في مجالس )
المقامة إذن مشتقة من الجذر ( ق.و.ل و هو جذر مرتبط بفعل القول ( فعل قول و حكاية ) و يجري في مقام معيّن هو مقام القول أو مقام المقال ( المجلس )
المقامة إذن خطاب قوليّ يقع في مجلس و يُعبّر عن سلطة ثقافة المشافهة، و بالتّالي سلطة الكلمة في هذا المجتمع
لمّا بلغت: ظرفيّة زمنيّة
باب الأبواب: مركّب إضافي

تأطير للحكاية:
إطار زماني: زمن العودة إلى الدّيار بعد غربة
إطار مكاني: باب الأبواب ( بلاد الغربة )- البحر- السفينة
الشخصيّات: عيسى بن هشام - الإسكندريّ - ركّاب السفينة
الأحداث: قرار العودة إلى الدّيار / ركوب السفينة / حدوث العاصفة...
توفّر مقوّمات القصّ في هذا النصّ
النصّ ذو بنية قصصيّة
بنية المقامة هي بنية قصصيّة
يُمكن تتبّع مراحل هذه القصّة استنادا إلى البنية الثلاثيّة للسّرد:
1- وضع الانطلاق:
حدّد فيه الرّاوي معلومات أوّليّة عن الحكاية: الإطار المكاني + الزماني / الشخصيّات / مشروع الشخصيّة
مشروع 1: الكسب: ربح المال ------ كانت نتيجته سلبيّة ( الفشل في التجارة )
مشروع 2: قرار العودة إلى الدّيار ( و رضيتُ من الغنيمة بالإياب )
وثّاب / عسّاف: صيغتا مبالغة
بمثابة الهلك: مركّب بالجرّ: حال
كان هناك تمهيد متميّز بين هذا التمهيد السّردي ( وضع الانطلاق ) و ما سيأتي لاحقا من كلام
يظهر هذا التمهيد لسياق التحوّل في تلميح الرّاوي إلى صعوبة الرّحلة ( البحر الهائج / السّفن التّي تسير على غير الطريق المطلوب ) و إلى تلك الهواجس التّي انتابته عند قعوده في الفلك ( وَقَعَدْتُ مِنَ الفُلْكِ، بِمَثَابَةِ الهُلْكِ )
تمهيد يعكس هذه البراعة الفنيّة من طرف الكاتب في إخراج مقامته، و هو ما يجعل المقامة ترتقي إلى مصاف الصنعة الفنيّة التّي تنفي عنها التفكّك و التشظّي ( المقامة خطاب مُتماسك )
2- سياق التحوّل
 

المنصف الحامدي

عضو نشيط
منتدى تونس التربوي
    شرح نصّ: المقامة الحرزيّة
  • #2
عميق ما قرأت و حقيق بالإعجاب
بارك بكم وما تكتبون
 

أعلى أسفل