سمر

عضو نشيط
منتدى تونس التربوي
    مقاربة سيميائية للتشخيص في خطاب روائي
  • #1
الــقسم : بحوث و دراسات

مقاربة سيميائيّة للتـّشخيص في خطاب روائيّ
"الدراويش يعودون إلى المنفى" و " مجرّد لعبة حظّ " لابراهيم درغوثي أنموذجا.

د.نجوى الرياحي القسنطيني
جامعة تونس


مدخل
لاقت سيميائيّة السّرد (Sémiotique narrative ) حظوة كبرى في الوطن العربي حفزت على دراسة أشكال التـّعبير اللـّغويّة وغير اللـّغويّة في ضوئها. وأفاد منها بصورة خاصّة النص الأدبي .
ولمّا كان أ.ج. غريماس(A .J.Greimas) هو من وضّح معالم سيميائيّة السّرد، فقد مثلت نظريّته في علم الدّلالة محورا في دراسة النـّصوص الأدبيّة النثريّة. وكان أن تجسّد ذلك في معالجة الباحثين العرب بنية النـّصوص الحكائيّة على منوال النـّموذج العاملي (modèle Actantiel) الذي اقترحه غريماس.
ولئن نبّه ذلك إلى أهميّة الوظائف والأدوار الفاعليّة في تكوين البنية النصّية ومجراها الحكائي في نصّ روائي، فقد وجّه الباحثين إلى العناية بكيفيّة إنتاج النـّص وصياغته أكثر من العناية بكيفيّة قراءته. وهو ما يُفسّر قلـّة اهتمام الدّراسات السيميائيّة السّردية بالتـّواصل متجسّدا في المستويات الخطابيّة والأصوات المتحدّثة عبرها وما للمتلقـّي من دور تأويلي .
وترتـّب عن ذلك أن سيطرت على قراءة النص الأدبي سيميائيّا، طبيعة سرديّة تتبع شفراته وتترجمها إلى نسق حكائي تـُسند فيه الأفعال إلى فواعل وفق ترتيب زمنيّ متعاقب. وصار عمل الباحث يقتصر أو يكاد على فهم المتواليات الزمنيّة وإقامة الرّوابط السببيّة.
وقد كرّست مثل هذه القراءة السّيميا – حكائيّة أولويّة السّرد الحكائي بمعنى تتالي الأحداث في صياغة النص القصصيّ واعتـُبرت مكوّنات خطابيّة أخرى مثل الملفوظ التـّشخيصي (énoncé représentatif ) أقلّ قدرة على تجسيم الفعل السّيميائي بصورة عامّة وكما اقترحه غريماس في نموذجه العاملي بصورة خاصّة.
ولمّا كان نموذج غريماس لا يدعم هذا الرّأي ، ولما كان التـشخيص كذلك يتجاوز مجرّد تمثيل الواقع ونقله إلى توليد الدّلالة عبر طرق في الصّياغة والمناورة، وجب البحث فيه من منظور سيميائي خاصّ. هذا المنظور الذي سنعتمده في مقالنا يقودنا إلى مساءلة التشخيص في خطاب روائيّ من حيث هو علامة أدبيّة من سماتها الإنشاء والإيحاء. لذلك اخترنا مدوّنة لبحثنا روايتي الدراويش يعودون إلى المنفى و مجرّد لعبة حظّ للكاتب التونسي ابراهيم درغوثي (1955) .
وسنعمد بعد التـّعريف بالسّيميائيّة في وجهيها العامّ والسّردي الخاصّ إلى البحث في مدى استجابة الخطاب الرّوائي لشروط العلامة ثم ننظر فيه باعتباره بنية نصّية ذات قيمة تواصليّة لا تخلو صياغتها من تأثير متلقّ مفترض. كما نركّز بعد ذلك على البحث في عتبات الرّوايتين باعتبار أنّ موقعها المركزي في الخطاب الإبلاغي الرّوائي يجعلها تـُؤسّس أنظمة النـّص الدّلاليّة وتكشف عن مساره التأويلي وطريقته في تشخيص العالم تصريحا بالمعنى أو دفعا إلى تخمينه وتوقـّعه.
I- السّيميائيّة منهجا في قراءة التـّشخيص.
1- السّيميائيّة والنصّ الأدبي.
والأصل في السّيميائيّة عبارة سيميا ويُقال سيما. والمقصود بها العلامة المقابلة في اليونانيّة لـSemeion. أضيفت إليها اللاّحقة " ئيّة" فصارت في هيئة اشتقاقيّة دالـّة على إطار نظريّ عامّ يندرج فيه العلم الباحث في الأنساق اللفظيّة وغير اللفظيّة باعتبارها علامات دالـّة يبثـّها مرسِلٌ ويتلقاها مرسَل إليه وفق مرجعيات مشتركة.
ولئن حصل الاتفاق حول اختصاص السّيميائيّة بأنظمة التـّواصل وآليّة إنتاج الدّلالة عبرها، فقد اختلفت تسمياتها. فسمّيت علم العلامات والعلاميّة وعلم الدلالة والدّلاليّة. ورادف كثيرون – وهو الأغلب – بينها وبين السّيميولوجيا (Sémiologie). يقول صاحبا المعجم الموسوعي في علوم اللغة " السّيميائيّة (أو السّيميولوجيا) هي علم العلامات" .
وما يُفسّر هذا التعدّد في تسميات السّيميائيّة وكذلك في منطلقات أصحابها النظريّة والتـّطبيقيّة، هو امتداد الفكر السّيميولوجي من العصور الوسطى إلى عصرنا ونـُقلته بين مختلف حقول المعرفة فلسفيّة ولسانيّة وسرديّة . وهو أمر يبرّره كون العلامة ومختلف وسائطها مثـّلت هاجسا شغلت الإنسان دائما كيفيّة تشكيلها وتحصيل الدّلالة عبرها.
وقد نشأت السّيميائيّة نشأة مزدوجة حتى حين اتـّخذت شكل المشروع العلمي مع الألسني السويسري فردينان دي سوسير(Ferdinand de Saussure) (1857- 1913) والفيلسوف الأمريكي شارل ساندرس بيرس ( Charles Senders Peirce)( 1839- 1914).
أما سوسير ، فقد درس اللغة باعتبارها علامة ثنائية أوّلها صورة صوتيّة تمثل الدّال(Signifiant) وثانيها صورة ذهنيّة تمثل المدلول(Signifié) . واعتبر العلامة اللغويّة جزءا من علم أكبر سمّاه السّيميولوجيا مهمّته دراسة الدّلائل في الحياة الاجتماعيّة كلّها. ومن ثمّة اعتبر سوسير اللسانيّات من مشاغل السّيميولوجيا واعتبر السيميولوجيا على اتـّساعها لغير المشغل اللغوي مستعينة بمبادئ اللسانيّات ومفاهيمها.
وكان شارل ساندرس بيرس بالتـّوازي تقريبا مع سوسير يوسّع نطاق السّيميائيّة فيجعلها مستقلـّة عن النظريّة العامّة في اللغة ويعتبرها إطارا مرجعيّا أشمل يضمّ كلّ المباحث والعلوم الطبيعيّة والإنسانيّة. يقول " لم يكن في استطاعتي أبدا أن أدرس شيئا إلاّ باعتباره مبحثا سيميائيّا سواء أكان ذلك رياضيّات أم علم أخلاق أم ميتافيزيقا أم جاذبيّة أم ديناميكا أم علم بصريّات أم كيميا أم علم تشريح مقارني أم علم فلك أم علم نفس..." .
ولما كان بيرس اعتبر أنّ كلّ التـّجربة الإنسانيّة منتظمة وفق مستويات ثلاثة تـُدرك في كلّ عمل، فقد فهم العلامة المتكوّنة عنده من عناصر ثلاثة باعتبارها علاقة ثلاثيّة شكلها :
الإشارة
(Signe ou représentamen)



الموضوع المفسِّر أو المؤوِّل
(Objet) (interprétant)
وهذه العلاقة متسلسلة في نظر بيرس لأنّ المؤوِّل أو المفسِّر بمفهوم عامّ ، دلالة للإشارة. وهو بمفهوم ضيّق، علاقة نموذجيّة بين إشارة وأخرى. بل إنّ المؤوِّل أو المفسِّر يصبح بدوره إشارة يرتبط بها مؤوّل آخر... وهكذا دواليك.
وقد أصبح مجال السّيميائيّة بذلك متشعّبا متـّسعا لكلّ أنظمة الدلالة بمختلف تجلّياتها: علم الأصوات وأنواع الخطاب والصّور والألوان والموسيقى واللّباس وإشارات المرور والرّوائح والمسرح والرّقص... إلى غير ذلك من الوقائع والمعطيات القابلة كلّها من منظور سيميائي لأن تـُحلّل باعتبارها علامات فتـُرصَد حركيّة الدّلالة فيها وتـُوصف القوانين المتحكِّمة في إنتاجها بدقـّة.
وكانت هذه الممارسة السيميائيّة بمثابة الحافز على تغيير النـّظرة إلى مفهوم النـّص بأنواعه، وإلى وضع آليّة جديدة في مقاربته وتأويله . وهو ما أسهم في تبلور ما سُميّ بالسّيميائيات السرديّة(Sémiotiques narratives) التي تـُعدّ الأشكال الأدبيّة جزءا منها.
وتبدو السيميائيّة السرديّة الأكثر انتشارا وتطوّرا من بين أصناف السّيميائيّة وفروعها. عرّفها غريماس أبرز أعلامها بأنّها " المجال السّيميائي الذي عرف في السّنوات الأخيرة التطوّرات الأبرز أو على الأقلّ الأبحاث النظريّة والتـّطبيقات الأكثر عددا" .
وقد نشأت السيميائيّة السّرديّة في إطار انفصلت فيه مقاربة النـّصوص عن الدراسة البلاغيّة المقتصرة على أوجه البيان وعن الدراسة المضمونيّة الباحثة في المعنى عبر المفردات معزولة عن أسيقتها. وكان ذلك بتأثير من نظريّة الروسي فلاديمير بروب (Vladimir Propp) في الأبنية السّرديّة وخواصّها الوظائفيّة.
وقد عمد بروب في كتابه مورفولوجيّة الخرافة ( Morphologie du conte) إلى تحليل مائة خرافة روسيّة عجائبيّة فانتهى إلى جملة من المقولات والاستنتاجات أبرزها في الفصول : الثالث والسّادس والسّابع أنّ العناصر الأساسيّة المكوّنة للقصّة هي الوظائف (Fonctions). وهي أعمال ثابتة ومؤثـّرة في مجرى الحبكة القصصيّة. واعتبر برووپ أنّ الشخصيّة غير مهمّة إلاّ من حيث الفعل الذي تنجزه. ولذلك هي لاتوجد في القصّة إلاّ ضمن ما يسمّيه بروپ دوائر فعل (Sphères d’action ) كل دائرة منها مرتبطة بجملة من الوظائف . وقد استنتج بروپ من ذلك أن كلّ قصّة بنية سرديّة متعالقة وفق نظام تراتبي دال ومستقلّ بذاته ، بحيث لا تّدرَك الوحدة في القصّة بمعزل عن بقيّة الوحدات ولا تُفهَم خارج ما يسمّيه بروپ " نظاما من العلامات التركيبية والبنيويّة " وهذا وغيره ممّا كشفت عنه دراسة بروپ للخرافة ، أبرز أنّه وإن لم تكن من غاية بروپ إنتاج سيميائيّة سرديّة ، فقد كان له الدّور الأكبر في توجيه الباحثين في مجال السرديّات إليها. يقول غريماس وهو أحد الذين صاغوا نظرياتهم في ضوء عمل بروپ " لا تكمن قيمة المنوال البروپي كما أعتقد في عمق التحاليل المسندة إليه ولا في دقـّة قواعده بل في قوّته على الإثارة وقدرته على ابتعاث الفرضيّات" . وقد وسّع ذلك من دوائر التحليل السّيميائي للنـّصوص وهيَّأ منظومة بحث في السّرديّات تجاوزت بنية الحكاية الشعبيّة وعناصرها الثابتة كما تجلّت عند بروپ إلى بنية السّرد عموما وعناصرها اللسانيّة وغير اللسانيّة. وكان منطلق ذلك أنّ السّرد إبلاغ عن خبر حقيقي أو خيالي يتوسّل باللغة أو بغيرها. فالرّقص والقصّ والتاريخ والحركات ولغة الصمّ... كلـّها نصوص سرديّة مرتبطة في تماسكها واتساقها بكفاءة المرسِل في تركيب الدّلالة وتوصيلها وكفاءة المرسَل إليه في تفكيكها وتأويل بياناتها الدلاليّة.
ولما كان يُذكر لغريماس دوره في الكشف عن معالم السّيميائيّة السّرديّة وبلورة مبادئها، وجب التـّعريف بنموذجه العاملي في السّرد .
هذا النـّموذج يختزل سعي الشخصيّة إلى الحصول على موضوع رغبتها. وتـُصنـّف الشخصيّة حسبه إلى عوامل ستـّة وفق علاقتها بموضوع الرّغبة وموقعها من مسار الحكاية وما تنجز من فعل. فعامل المرسِل ( Destinateur) يُقنع بالفعل وأهمّيته. ويقابله عامل المرسَل إليه ( Destinataire). وعامل الذات (sujet) يضطلع بذلك الفعل باعتبار حيازته كفاءة تعدّه لإنجازه. وعامل الموضوع (objet) محور الرّغبة والدّافع إلى سَعي في طلبها ييسّره عامل المساعد (Adjuvant) ويعوقه عامل المعارض(opposant). وقد بلور غريماس ذلك في نموذج عاملي مشخـّص بوصفه موضوعا للتـّواصل بين مرسِل ومرسَل إليه على النـّحو التالي:
المرسِل ـــــــــــــــــــــــــــ الموضوع ـــــــــــــــــــــــــــ المرسَل إليه
المساعد ـــــــــــــــــــــــــــ الذات ــــــــــــــــــــــــــــ المعارض
وقد اعتبر غريماس في ضوء نموذجه العاملي هذا أنّ تحليل البرنامج السّردي سيميائيّا يقتضي التـّمييز فيه بين عوامل ثلاثة تركيبية هي :
+ ملفوظات الحالة (énoncés d’états) تمنح الذات وجودها سيميائيّا وتكشف علاقات انفصالها أو اتـّصالها بموضوعات رغبتها.
+ ملفوظات الفعل (énoncés de faire) الكاشفة عن التحولات في حالات الاتصال والانفصال.
+ التركيبة العاملية (syntaxe actantielle) وهي وحدات سردية قاعدتها أن يُولّد الفعلُ الحالةَ.
وقد لاحظ غريماس قابليّة ملفوظات الفعل وملفوظات الحالة لأن تـُغيّر مواقعها وأدوارها ضمن البرنامج السّردي واستنتج من ذلك إمكان تطبيق البرنامج السّردي على كلّ أصناف الخطاب وإمكان جعله متشعبا ومركبّا بفعل ازدياد الاختبارات (Epreuves) التي تخوضها الذات في سعيها أو بفعل ازدياد في مواضيع القيمة أو تفرّع في البرامج السرديّة نفسها إلى خطط أصليّة وخطط فرعيّة.
ويبرز بالنظر في سيميائيّة غريماس للسّرد أنّ النص يصبح بتأثير من النموذج العاملي، شبَكة من العوامل تتشكل عبر العلاقات بينها آليّة مولِّدة للمعنى في النّص السّردي. وقد مثل هذا التصوّر للنص وخصوصيّة تولّد المعنى فيه، أساس مشروع منهجيّ في قراءة النّصوص الأدبية وتحليلها في ضوء مبادئ أساسيّة أبرزها أنّ النص الأدبي نسيج لغويّ تُشكّله العلاقات بين علامات حاملة للمعنى. وأنّه لا يمكننا إدراك تلك العلامات إلاّ باعتبارها نسقا وبنية تنتظمهما قوانين وقواعد. ولا يمكننا إدراك المعنى إلاّ باعتباره عنصرا نسقيّا داخليا لا يظهر على سطح النص ولا يكون أبدا من وجوه انعكاسه المرجعي الاجتماعي أو النّفسي أو التاريخي.
ويمكن بالنّظر في مقاربات تحليليّة كثيرة للنّص الأدبي، إدراك أثر السّيميائيّة فيها عامّة والسّيميائيّات السّردية خاصّة. فقد سعى باحثون إلى قراءة النـّص الأدبي في ضوء سيميائيّة غريماس السّرديّة ومنظوره العاملي أساسا. فعمدوا إلى التركيز على بنية النّص الحكائيّة بمعناها الضيّق. واعتبروا أنّ الخاصّية الوظيفيّة في النّص رهينة تتابع أحداثه. ذلك أنّ الأحداث مجال تتحدّد عبره، كما في ترسيمة غريماس، حركة الشخصيّة بحثا عن موضوعها وفق مدار تداوليّ مخصوص.
ولم تقف إفادة الدّارسين من السّيميائيّة عند ذلك الحدّ فتلوّنت واتـّسعت خاصّة. وكان الانطلاق في دراسات كثيرة من كون النـّص القصصي متنا تنكشف الأحداث عبره ومبنى يرسم كيفيّة ظهورها، صادرا عن فكرة أنّ النص كلام يتبادله اثنان وأنّ فيه علامات دالّة على ذلك. والانطلاق كذلك من أنّ المتكلّم في النّص القصصي ليس الرّوائي حقيقة، حفـّز على تعميق النّظر في عناصر كثيرة متـّصلة بأنساق النـّص الدّاخليّة من قبيل عنصري الصّوت والرّؤية... إلى غير ذلك من الدّراسات التي استضاء أصحابها بالسّيميائيّة من دون ذكرها صراحة أو داخلوا بينها وبين مناهج أخرى في قراءة النّص وتأويله بشكل جعل أثر المنظور السيميائي وفعله في النص الأدبي غير متـّضحين تماما.
2- التـّشخيص حدثا سيميائيّا .
لما كان التـّشخيص تصوّرا وممارسة فنّية قد رافق الإبداع الرّوائي في رحلة تحوّله من حقبة إلى أخرى، كان له وجهان. في الأوّل ارتبط التـّشخيص بمحاكاة للواقع أساسها التزام السّارد بما يسم الموجودات على وجه الحقيقة محاولة في تجسيدها وحرصا على أن تصحّ المطابقة بينها وبين الصّور المنقولة عنها. ثمّ تحوّل التـّشخيص عن هذا الوجه إلى آخر نفى أن يكون مطابقة حرفيّة للواقع وإن أقرّ بما بين الموجودات وتسمياتها من علاقة تناسب وتقارب. وصار التـّشخيص هنا فعلا تخييليّا أساسه قدرة السّارد على التصوّر وبالتـّالي على ترجمة صور الأشياء المرتسمة في ذهنه إلى إشارات نصّية ينكشف عبرها انفعاله بالأشياء.وهو ما يُتيح للتـّشخيص أن يتجاوز حدود التـّوضيح والإبانة إلى ضرب من التـّبديل في صور الأشياء واختراع صور لها أخرى. فما قام من خطاب أدبيّ على التـّشخيص بصورته هذه، تعلـّق به أمران : أوّلهما اندراج الكلام ضمن سياق سيميائي تحضر فيه المظاهر اللغوية والشكلية والفنّية بصفتها إشارات إلى صور الشخصيات والأحداث والأشياء. وهي الإشارات ذاتها التي يحوّلها القارئ إلى بنى دالّة فيفهم الخطابَ الأدبي ويدرك مقاصده. وثانيهما انبناء العبارة والتراكيب بحيث تـُولـّد في الذهن دلالات معيّنة يقود السّاردُ القارئ إليها صراحة أو ضمنا.
ويصبح للتـّشخيص إذ يتعلق في الخطاب الأدبي بالطريقة في إخراج المعنى وتركيب الدّلالة وجه جماليّ ووجه إخباريّ وإقناعيّ يتوسّل السّارد لأدائهما بجملة من الإجراءات منها اختيار خاصّيات الواقعة موضوع التـّشخيص وهيآتها ، ومنها حسن التـّأليف بين مايُفهمُ ويُفحم نسجا على سبل معهودة ومسالك مألوفة في ذلك أو إبداعا وإغرابا... وغير ذلك ممّا يُحدّد نواحيه ودرجاته القصدُ من التـّشخيص : إثارة الصّورة لدى القارئ وإحداث الوهم في ذهنه أو إثارة انفعاله وحمله على موقف مّا شعوريّ أو سلوكيّ.
وهو ما يسمح بالحديث عن سلوك تشخيصي لا علاقة له بتمثيل الواقع وحسن محاكاته. بل بفاعليّة في توليد المعاني وتنظيمها موصولة في نصّ أدبي بتجربة السّارد الانفعاليّة والإدراكيّة واختياراته التـّعبيريّة والتشكيليّة وأغراضه القصديّة. وهو ما يصلنا بمسألة الإبلاغ والتـّوصيل في الخطاب الأدبي ويُتيح اعتباره ملتقى علامات متشابكة يتحوّل السّرد التـّشخيصيّ بها إلى فضاء علاميّ مقروء محوره الأساس المعرفة المتجسِّدة في أشكال ووجوه مختلفة.
ويكون النص الروائي بناء على ذلك وحدة تلفظيّة كبرى عناصرها المرسِل وموضوع الإرسال الممنوح للمعرفة والمرسَل إليه. وهي أقطاب في ترسيمة هيّأها ر. جاكبسون(R. Jakobson) لعمليّة التـّواصل وكان لها هذا الشكل :
السّياق

المرسِل ـــــــــــــــــــــــ الرّسالة ـــــــــــــــــــــــ المرسَل إليه
(موضوع المعرفة)

قناة الاتّصال
فالمرسِل حائز على المعرفة بموضوع الإرسال مدعوّ إلى صياغتها وتنسيقها ووظيفته بناءً على ذلك إخباريّة وتثقيفيّة.
والمعرفة موضوع الرّسالة صنفان : معرفة عامّة محورها العالم الذي يصدر عنه المرسِل ومعرفة خاصّة متـّصلة بسياق النص الروائي وما ورد فيه عن الشخصيات والفضاءات والأحداث.
والمرسَل إليه يتلقـّى المعرفة عبر شبكات لغويّة ودلاليّة هو مدعوّ إلى أن يستخلص بياناتها ويفهم إشاراتها ليدرك المعرفة موضوع الإرسال. ولما كانت لا تقوم مبادلةٌ في معرفة من دون شراكة، قام بين طرفي الإرسال عقد ضمنيّ مفاده أنّ المرسِل مانحَ المعرفة هو الأكثرُ اطلاعا والأكثر قدرة على صياغة المعلومات وتوجيه ذهن القارئ إليها، وأنّ المرسَل إليه يطلب العلم بالشيء وصفاته حفزا على الحدث المعرفيّ وضمانا لتحقـّقه.
ويمكن أن نستدلّ على ذلك كلـّه بهذا المثال من رواية مجرّد لعبة حظّ (ص 9) " أنا بثينة زوجة فائز الرّابحي. أنا امرأة مصنوعة من نار البراكين ونور الشـّمس . امرأة عصريّة جدّا تلبس التـّايور والميني جيب والدّجين الكابس على الرّدفين والمضغوط على الفخذين. ولا تخجل من النظرات التي تعرّي لحمها كلـّما هبطت من سيّارتها لقضاء شأن من شؤون الحياة. أنا امرأة تصرخ في وجه العالم ولا يطرف لها جفن".
إنّ البثّ في هذه الوحدة النصّية الأولى التي تـُفتتح بها الرّواية، من قبيل الإخبارمن جهة، والمكاشفة بدواخل النّفس والفكر من جهة أخرى. فالكلام تعريف بصورة امرأة وتعريف بمشهد لباسها وحركاتها وتعريف بماهية أشياء متعلـّقة بتلك المرأة كما أنّه تعريف بشيء من سماتها النفسية والفكريّة. وموضوع الكلام بناء على ذلك، واقع موقع الكشف والإظهار باعتبار أنّ الباث يعرضه في شكل حقيقة غير محتملة. والموضوع من هذه الزّاوية جدير بأن يكون محور معرفة ومجال تواصل بين المرسِل والمرسَل إليه. بل إنّ ما في الكلام من إشارات إلى السّياق الثقافي (اللباس والسلوك والعلاقات) وأحكام تقييميّة دليل على أنّ الموضوع ذو قيمة هي كما يذكر غريماس مبعث مواجهات حادّة أو هادئة بين طرفين هما المرسِل والمرسَل إليه . وهو ما يعكسه المثال المذكور فعلا على ضبابيّة حضور المرسَل إليه فيه خلافا لحضور المرسِل.
والمرسِل في المثال امرأة تُصرّح بهويّتها باعتبارها ناقلة للخبر وموضوعا له " أنا بثينة زوجة فائز الرّابحي... امرأة عصريّة... ولا تخجل". فلا فاصل بين الذّات المضطلِعة بالكلام المخبِرة عن المعرفة أو عن شيء من عالم النصّ التخييلي من جهة، والمعرّفة بنفسها من جهة أخرى. وهذا مظهر يتـّحد فيه المرسِل وموضوع إرساله تماما كما يكون في السّرد ذي الطابع السّيري خاصّة. وهو ما جعل المرأة المرسِلة أعرف بموضوع إرسالها ما خصّ منه الملبس (التـّايور والميني جيب والدّجين) والحالة والهيئة ( الكبس على الرّدفين والضـّغط على الفخذين) والهويّة (أنا بثينة زوجة...) والمشاعر( لاتخجل... نظرات تعرّي لحمها) والطـّبع والمزاج ( مصنوعة من نار البراكين ونور الشمس) والموقف والسّلوك ( تصرخ... ولا يَطرف لها جفن). وهذه كلّها تـُعادل في منطق التـّشخيص فعل تسمية للشيء موضوع الحديث يـُوهم الساردُ المتلقي بوجوده على صورة معيّنة ويحفزه على أن يتمثـّله. وتكون المرأة المرسِلة هنا بمنطق السّيميائيّين حائزة على كفاءة معرفيّة ولسانيّة مكّنتها من إعادة إنتاج متصوّر، له في ثقافتنا نظير والسّعي إلى الإخبار والإقناع به.
ولم تكن الباثـّة كما يدلّ على ذلك المثال النصّي مقتصرة على الإخبار بمعرفة، إنّما كان لها مقصد آخر لعلّه يكون سابقا لموضوع بثـّها أو يكون منبثقا عنه ومتـّصلا في الحالتين بوجود المتلقّي أو افتراض وجوده. هذا المقصد هو الإقناع والمحاجّة. ذلك أنّ موضوع الخبر واحد وهو المرأة والصّور عنها أربع صيغت وفق مستويات متدرّجة يُسلم الواحد منها إلى الآخر:
فالخبر في المستوى الأوّل محايد لا لبس فيه عُرّفت فيه المرأة بصفتها زوجة. فهُويّتها من انتسابها إلى زوج.
أمّا المستوى الثاني فأُدرجت فيه المرأة بصفتها امرأة لا زوجة، ضمن فئة من البشر موسومة بسمات خاصّة يصعب مع ذلك حصرها وتحديدها، منها الجرأة والحدّة والعنفوان والشـّبق (نار البراكين) ومنها الجمال والأنوثة والرقّة ( نور الشمس).
وبدا المستوى الثالث أشبه مقارنة بسابقه بما يُبنى على الاستنتاج ذلك أنّ ملبس المرأة وسلوكها (امرأة عصريّة جدّا ... تلبس... ولا تخجل...) مناسبان لطبعها ومزاجها.
و بُني كذلك المستوى الرّابع على الاستنتاج فكان أقرب وهو يرسم جرأة المرأة، إلى أن يكون نتيجة للمستويين الثاني والثالث.
والخبر المبثوث هنا بناء مخصوص لصيغ الكلام بحيث يتـّضح لاحقـُه بسابقه فيتشكل من الجمع بينهما المعنى ويكون مبرّرا معللا في سياق الخطاب نفسه مؤثرا في المتلقي يُوجّهه إلى فهم مّا أو موقف مّا.
فلئن لم تـُبن صياغةُ الخبر في المثال النصّي على شاكلة النصوص الحجاجيّة في قياس العنصر بعنصر آخر استنادا إلى حجّة جامعة، فقد انتظمتها مقاربة في الإقناع دالّة على أنّ الباثة المرأة توجّه كلامها إلى متلقّ مّا.
وإنّ هذا المتلقـّي لينكشف في ثنايا مستويات المعرفة المقدّمة عن المرأة في موقع مفتـَرض بين المستويين الثالث والرّابع.
ولئن لم يكشف عن حضور المتلقـّي دالٌّ لغويٌّ ونصّيٌ فإنّه فاعل في الكلام موجّه له. ذلك أنّ ما أحوج الباثـّة بعد الإخبار عن عصرّيتها وملبسها المثير وعدم خجلها، إلى إضافة أنّها تتحدّى العالم، هو افتراض صوت غيريّ يعارضها الرّأي. وهو ما يًُفسِّر نبرة التحدّي والإصرار في إضافتها تلك " أنا امرأة تصرخ في وجه العالم ولا يطرف لها جفن". فهذا الصّوت الغيريّ صورة لوعي آخر مواجه لم تحرص الباثة على طمسه، ممّا يُعدّ بمنظور سيميائي علامي سمة دلاليّة على علاقة بآليّة في توليد الدلالة صورتها مواجهة الصّوت للصّوت. وهو ما يُفسّر أنّ الخطاب في نصّ روائي ، يرتبط في معجمه وكيفيّة صياغته بنوعيّة استجابة المتلقي القيميّة والجماليّة سواء أكان كان هذا المتلقي حاضرا في خطاب السّرد أو مفترضا كما ظهر من المثال النصّي. ومن دون ذلك لا يُمثـّل النّص الأدبي والسّرد التـّشخيصي ضمنه حدثا اتـّصاليا منتجا تـُبنى عبره الدّلالة مهما اتـّسع الخطاب وتشعّبت مسالكه.
وتـُبرز قراءة المثال النصي المذكور سالفا من هذا المنظور، استقلاله سيميائيّا من حيث توفّره على بعد تشكيليّ دلاليّ يُنزّهه عن مجرّد محاكاة الواقع. فثمّة في ذلك المثال دلالة غير جاهزة أو معطاة في الخطاب. وهي دلالة كلـية ليست المعاني المنثورة على سطح الكلام سوى إشارات تنبّه إليها ذهن المؤوِّل،ممّا يعني أنّ البنية الدلالية الكامنة في خطاب روائي مّا مهما بلغت من البساطة تتشكل عبر مستويات تراتبيّة تحكمها مقاصد المرسِل الواعية. وهي طريقة في توليد المعنى في نصّ روائي لا يمنع طوله من تحقـّقها. بل هي تكون فيه من البواعث على التنويع في علامات الدلالة ووسائطها: لغة تـُبلغ وتـُقنع وهيآت وإشارات وحركات وألوان... تـُوصف فتكون من تمام البيان والتواصل .
وإنّ ذلك من مناحي الرّواية الرمزيّة وحتى الواقعيّة. ذلك أنّ الأولى تنكر على التـّشخيص البعدَ الإشاري إلى العالم وتستبدله بمعادلات له رمزية. والثانية وإن أوهمت بالواقع فإنّها تستند في تصويره إلى حركة البثّ وطرقها وإلى تقلّبات المتكلّم الفكريّة والشعوريّة. بحيث يُدرَك المعنى رمزيّا كان أو واقعيا في خطاب الأدب عبر العلامة التي تنهض على مبدإ المشابهة، وعبر العلامة التي تنهض على نسق من المناورة والمرواغة في إنتاج الدلالة. وإنّ في عتبات روايتي درغوثي الدراويش... ومجرّد لعبة... نماذج من ذلك.

II- عتبات النص الروائي: فاعليّة في التـّشكيل والتـّأويل.
لمّا كان النّص، كما أبرزت سيميائيّات السّرد، بنية خطابية كبرى للتواصل في إنتاجها الدّور الأكبر، فقد مثلت العلاقة التـّفاعلية بين مرسِل ومرسَل إليه، فاعلا أساسيا في صياغة ذلك النّص، وكانت كتابته وقراءته مرتهنة الواحدة بالأخرى في إطار تداوليّ يقضي بأن يضمّن المرسِل لغته ما يُقال صراحة وما لا يُقال. ويجتهد المتلقي في فهم آليّة تركيب ذلك وإدراك دلالته على المعنى صريحا ومضمرا.
وقد لاحظنا أنّ هذه الآليّة في بناء الخطاب وانكشاف الدلالة عبر ضرب من الحوار المتجدّد بين الباث والمتلقي، تبدو أوضح في نصّ أدبيّ منها في نصوص أخرى . ذلك أنّ صاحب الخطاب في النصّ الأدبي يحيط نصّه بنصوص بقدر ما تفضح ممارسته فعل الكتابة، تفضح استنفاره في المتلقي فعل القراءة. والكتابة والقراءة إذ تقومان في نصّ مكتوب مقام بثّ الكلام واستقباله في نصّ منطوق، تـُعلنان عن بدء النّشاط السّيميائي من قبل أن يبدأ الخطابُ التخييليّ موضوعُ الإبداع أصلا. فالنصوص الأولى المسمّاة في مدوّنة النّقد العربي عتبات أو نصوص موازية أو خطاب مقدّماتي، تحمل أنظمة علاميّة ثلاثة يتشكّل وفقها النّصُ ويشتمل عليها وهي:
- نظام في تحويل التجربة المحكيّة إلى سياق جمالي مفترض يُتيح استكشاف الواقع ولا ينقله.
- نظام في افتراض وجود القارئ ثنايا النّص فاعلا في التقاط الإشارات الدالّة وتفكيك الرّموز.
- نظام في بلورة استراتيجيّة النّص وفق إشارات ورموز بقدر ما تقترح رؤية كلّية للنّص، تـُتيح للقارئ أن يتوقـّع رؤية له أخرى مماثلة أو مخالفة.
هذه الأنظمة الثلاثة تدعونا إلى اعتبار النّصوص الأولى، أولى الملفوظات التي يصوغ عبرها المتكلم الأوّل بنية النّص الدلاليّة المحتملة. فيدعو قارئه إلى التواصل بمعنى تأويل الرموز والعلامات وافتراض الممكن وتخمين المحتمل.
1- الصّوت الأوّل في النصّ الروائيّ.
لما كانت الرواية كما بينّا بنية علاميّة كبرى، فقد جاء النّص فيها من أوّل كلمة فيه إلى آخر كلمة خطابا ممتدّا يتبادله متكلّم أوّل مع القارئ. ويحتوي هذا الخطاب بدوره على خطابات صغرى تتنوّع محكيّاتها وتظلّ مع ذلك موضوع تبادل بين باثّ هو السّارد أو غيره من الشخصيات المتناوبة على الكلام، ومرسَل إليه.
ونجد عندما نقارب بين خطاب المتكلّم الأوّل وخطاب غيره من السّردة والشخصيّات داخل النّص الرّوائي، أنّ الأوّل مثـّل مثار جدل والتباس. فلمّا لم يُشخّص المتكلّم الأوّل على مستوى الخطاب ولم تتجسّد علاقته بالقارئ، التبس أمره بشخصيّة المؤلف الواقعيّ. وهو أمر رفضته السّيميائيّة النصّية باعتبارأن النّص يقوم عندها بمعزل عن مقاصد المؤلّف وتتداخل الأصوات فيه وتتفاعل وفق سنن كثيرة من بينها سنن الكتابة.
والحقيقة أنّ ذلك وغيره ممّا حفز على تغييب صوت الرّوائي وتقليص سلطته على نصّه، لا ينفي وجودَ المتكلم الأوّل باعتبار أن النص قائم مقام خطاب تعلـّته الكتابة فلا بدّ له من فاعل ينجزه.

هذا الفاعل هو المتكلّم الذي يختلف شكلُ حضوره من نصّ سيريّ إلى نصّ تخييليّ. فإن كان في النّص الأوّل يُحيل إلى شخصيّة المؤلّف الحقيقيّة، فإنه لا يحيل في النص الثاني إلاّ إلى مخاطِب افتراضيّ يتحدّد وجودُه في فضاء النّص التخييليّ وتتعيّن مواقعه وفق درجات من الكشف أو السّتر. وهو ما يعني أنّ المتكلم الأوّل كائن نصّي لا أهمّية للجزم بوجود نظير له خارج حدود النّص.
ويفترض ذلك أنّ غياب الصّيغ الصّريحة الدّالة على وجود هذا المتكلّم في نصّ أدبيّ لا ينفي حضوره وأهميّة دوره. وهو ما ينبّه إلى أنّ علاقته بالنّص تتحدّد في ضوء علاقته بالمتلقّي وأشكال توجّهه إليه.
هذا أمر. الأمر الآخر صورته أنّ المتكلم بوصفه من مقتضيات النّص، تحوّل بدوره إلى علامة بالمفهوم السّيميائي. فلما كان المتكلم وما يصدر عنه من وضع الكاتب، صحّ اعتباره عنصرا من ضمن عناصر استراتيجيّة أخرى يُعوِّل عليها الكاتبُ في بناء النّص وتشكيل دلالته. وهو ما يُفسِّر تعلّق جملة من الأدوار الإنشائيّة والدلالية بالمتكلّم الأوّل.
وهي أدوار لئن قيّدتها مقتضياتُ الحكي ودعمتها ذاكرة نصّية معطاة، تـُثبت للمتكلّم الأوّل السّلطة الأولى الجماليّة والمعرفيّة في النّص.
وإذا نظرنا في رواية الدراويش ، لاحظنا أنّ المتكلم الأوّل أبرزُ في الفاتحة منه في أواسط الرّواية. ولذلك تفسيران، الأوّل أنّ التوغّل في النّص وسّع دائرة المتكلمين وداخل بين ضمائرهم. فالسّارد وشخصيّات كثيرة منها درويش والرّجال والأهالي والشيخ... تداولوا على اللفظ فامتدت بهم بنيات التواصل وتشابكت . والثاني أنّ محتوى الفاتحة الرّوائيّة وهي من صنف ميتاروائي يدلّ على أنّ آليّة تشكّل الرّواية وتأسيس أنظمتها الدّالة يقومان في جانب كبير منهما على فاعليّة المتلقي. لذلك كان الحديث موجّها إليه صراحة وموهِما بدوره في نشأة النص. يقول الصّوت الأوّل: " مارأيك صديقي القارئ؟ ... وستكون الشاهد " (ص 15-16) .
ولمّا كان حضور المتلقي موازيا لحضور الباث، وُجدت في الافتتاحيّة دلالات واضحة على وجود المتكلـّم الأوّل. نذكر من ذلك تزامن حدثي الكتابة أو سرد الحكاية ووقوع الأحداث. وهو شكل من أشكال إعلان المتكلم مسؤوليّته في ما يروي وصحّته خاصّة. وصورة ذلك أنّ المتكلم يأتيه درويش أكثر من مرّة يلحّ عليه في أن يكتب الرّواية. وحين يقبل طلبه بعد معاناة، يوهمنا أنّ الرّواية ستبدأ بعد الافتتاحية مباشرة في حين أنّها بدأت منها ومعها تخصيصا . بدأت منذ دخل درويش على المتكلم غرفة نومه فحدّثه ورغـّبه ورهّبه. وسنرى حين نُحلل افتتاحية الرّواية كيف احتوت من العناصر التخييلية ما يخوّل استقلالها بنيويّا ودلاليّا. أضف إلى ذلك أنّ المتكلـّم الأوّل إذ يسرد هذا الذي حدث له مع درويش يجمع إليه انشغاله بهاجس الكتابة. وفي النص قرائن تبرز تزامن الحكاية وكتابتها في ضرب من الآليّة الكاشفة عن حضور المتكلم الأوّل صاحب الحكاية الكاتب لها والشاهد على انبثاقها . نذكر من تلك القرائن: بالطبع وكما توقعتُ، وكما في الحكايات الأخرى، كان الطارق درويشا (ص 16)-لقد شتتت أفكارنا هذه الشخصيات الغريبة، ولم ندر أين نضعها، في الميثولوجيا أم في الواقع الأغرب من الميثولوجيا(ص24) – ولكنني أقول لكم يا أحبّائي إنّ كلّ ما في هذه الرّواية هو حقيقة الحقيقة (ص 24).
وقد كان للمتكلم الأوّل بصفته شخصيّة تعيش الحدث وترويه، صنفان من المتلقين. واحد من عالمه التـّخييلي وهو درويش " ياصاحبي أنا لستُ رجل علم " (ص 19) والآخر من غير عالمه التـّخييلي . وقد خاطبه المتكلم الأوّل مباشرة: يوضّح له أمرا ويعلمه به ( سامحوني لم أقل لكم منذ البداية أن درويش هو بطل هذه الرّواية) (ص 15) أو يعترف ويعتذر له ( أريد أن تعذروني ... وها أنا أعترف لكم الآن) (ص25) أو يُشركه في نسيج الحكاية ويُورّطه في صناعتها ( ما رأيك صديقي القارئ؟) (ص 15) أو يتوقـّع احتجاجه فيردّ عليه (قد يقول بعضكم هذا وأكثر، ولكنّني أقول لكم...) (ص24). وهكذا تـُوازي الإشاراتُ النصّية بين دلالتها على المتلقي ودلالتها على المتكلم. وقد رأينا أنّه مثلما أنشأ الكاتبُ المتكلّمَ الأوّل، أنشأ المتكلّم الأوّل متلقـّيا من خارج فضاء السّرد التخييلي. ودلّ ذلك على أنّ افتتاحيّة الدراويش ... وحتى متن النّص بعدها مشدودان إلى عمليّة الإبلاغ وتفاعلها بين مرسِل ومرسَل إليه.
2- العناوين أصليّة وفرعيّة وملحقاتها الأجناسيّة.
يُعتبر العنوان من أبرز ما يُفتتح به النّص الرّوائي. فهو العبارة الأولى في ما يُسمّيه جيرار جنيت "نظاما افتراضيّا العنصر الأوّل منه فحسب ضروريّ في ثقافتنا الرّاهنة" .
والحقيقة أنّ جنيت إذ يتحدّث عن عنوان النصّ ويُقرّ بأهميّته، يُدرجه ضمن " جهاز تعيينيّ "(appareil titulaire ) يضمّ العنوان(Titre) والعنوان الفرعي (sous-titre) والتـّحديد الأجناسي (indication générique). وقد ظهر في نصوص كثيرة أنّ العنصرين الأخيرين يًُمكن مقارنة بالعنوان، أن لا يُثبتا على غلاف الأثر ويمكن أن يكونا من وضع النـّاشر لا الكاتب. وهو ما يقلـّص من علاقتهما بالنـّص ويحُدّ من بعديهما التـّأويلي أو يجعل مأتاه الظنّ والتـّرجيح. هذا إضافة إلى أنّ العنوان بحكم تصدّره أوّل الأثر وإحالته إلى محتواه غالبا يكون في معقد الصّلة مع المتلقّي. وهي صلة من صنفين:
الأولى تنبّه المتلقي إلى العنوان ذاته باعتباره حاملا لرسالة أو موحيا بها. فتركيب اللفظ في عنوان مّا يكشف عن معنى فيه وعن معنى آخر يخمّنه القارئ فيه. والعنوان هنا أشبه بخطاب يمنح نفسه للقراءة والتـّأويل.
الصلة الثانية تنبّه المتلقي إلى محتوى الأثر وموضوعه فإذا قرأ العنوان تجمّع في ذهنه ما ورد مبعثرا في متن النـّص وساعده ذلك على القراءة والفهم.
والعنوان بصلتيه هاتين مع المتلقي، بقدر ما يقترح وعدا بدلالات ، يفتح على أكثر من أفق في التأويل. وهو ما يُفسّر اعتبار جنيت أنّ العلاقة بين العنوان ومحتوى النّص الإجمالي" متقلّبة للغاية... وتتوقف دائما على مشاركة المتلقي التـّأويليّة" .
والملاحظ بالنظر في عناوين النّصوص الروائيّة، خلوّها من الثوابت في وظائفها وعلاقاتها الدلاليّة بالنـّص. ذلك أنّ العنوان يمكن أن يدلّ على النـّص بوضوح ويمكن أن يُوهم بالوضوح وهو يوحي ويغمض .
وإذا نظرنا في عنواني درغوثي الدّراويش يعودون إلى المنفى ومجرّد لعبة حظّ ، وجدنا أنّهما أشبه بالعناوين التقليديّة وضوحا في اللغة واكتمالا في المضمون. فالدراويش يعودون إلى المنفى، جملة كاملة لا تتعلّق دلالتها ببلاغة في القول أو التصوير ويتحقـّق فيها المعنى عبر عوامل ثلاثة هي:
عامل الفاعل ( الدراويش) وهو محور يرتبط الحكي به .
عامل الحدث( العودة) وهو مؤشّر على الحركة والتحوّل.
عامل المكان وهو فضاء محدّد بالصّفة (النفي) حاضر باعتبار احتضانه للحدث.
وهذه العوامل تتصل بموضوع الرّواية وتوجّه من ثمّة فعل قراءتها من دون أن تفرضه.
ولم يَكن مجرّد لعبة حظّ عنوانا بمثل اتـّساع العنوان في الدراويش من حيث العناصر والمكوّنات. فقد ورد في شكل جملة اسميّة حُذف أحد عناصرها ( المبتدأ في هي مجرّد لعبة حظّ أو الخبر في مجرّد لعبة حظ هي) وذلك بغاية اختصار العنوان أساسا وليس لخلق ما يشبه النـّشاز في تركيب الكلام وإسناده يحفز القارئ على اقتناص الدّلالة البعيدة. بل إنّ اللغة في مجرّد لعبة من الصّنف المتداول وتـُسندها مثلما هو الأمر في الدراويش، خلفيّة ثقافيّة تَقضي بأن يكون المتلقي ممتلكا معرفة معيّنة تتيح له فهم المقصود بلعبة الحظ ومعرفة من هم الدّراويش. وذلك حتى يتيسّر له فهم ما يتعلـّق بهما في متن النّص . وهو ما يدلّ على أنّ العناوين تُصاغ في ضوء رؤية إجماليّة للنّص ويحكُم عمليّة وضعها قصد إلى استثارة معارف وتخييلات في ذهن المتلقي. وهو أمر لا يمنع إمكان أن يتوسّع المتلقي في التـّأويل وتخمين الدّلالة. فلئن لم يتوجّه درغوثي في صياغة عناوينه توجّها بلاغيّا، فإنّ المعنى فيها يتولّد عبر سياقين حاضر وغائب متقاطعين. ولئن أشار العنوانان وهما وحدتان نصّيتان إلى النصّين الروائيين واختزلا بعض معانيهما، فإنّهما لم يستوفيا المحتوى ولا حتّى المعنى الكلّي. ولذلك نجد أنفسنا أمام مجرّد لعبة... عاجزين عن إدراجها في سياق تخييلي محدّد خاصّة وهي إذ ترسم صورة لا اعتبار فيها لشخصيّة ولا لواقعة، تثير السّؤال وتفتح الباب لدلالات متعدّدة يعسر معها الجزم بموضوع الرّواية ومحتواها. وذاك في اعتقادنا من الأدلّة على أنّ العناوين مهما بلغت من الوضوح، ومهما أشارت إلى النّص موضوعها، تظلّ بمثابة شبكة لسانيّة تُبنى عبرها الدّلالة وفق طرق عديدة. فحين نبحث في جملة الدّراويش يعودون إلى المنفى عن سمات نركّز عليها الذهن لنقتنص الدّلالة، تنفتح أمامنا إمكانات دلاليّة منها أنّ عامل الفاعل الدرويش معرّف وله في ثقافتنا صورة جاهزة إلاّ أنّه يُوضع في سياق غامض غير معرّف (يعود إلى المنفى). ومنها أنّ الدّرويش استنادا إلى المرجع الواقعي والثقافي إنسان ذكر وراشد ومتديّن فسياق وصفه إنساني واجتماعي لا علاقة له حتميّة بسياق النصّ التـّخييلي.
ويُمكن بالنّظر إلى ما تقدّم اعتبار أنّ العودة إلى المنفى هي السّمة المميّزة في العنوان وهي الأجدر بأن تُؤوَّل وتُعيّن دلالتها. وقد بدت هذه السّمة في العنوان أشبه بالومضة واحتضنتها الفاتحة فكشفت بعض وجوهها ممّا ينفتح به المعنى ولا ينغلق: درويش يقتحم مختارا (يعود) على السارد بيته الذي انقطع فيه عن العالم (المنفى).
وإنّ ازدحام العنوان بالدلالة وانكشاف بعضها في الفاتحة يدلّ على أنّ النّصوص الموازية لا تتفاعل مع النص الأصلي فحسب بل تتفاعل أيضا مع بعضها البعض. وهو ما يجعل المعنى يقود إلى المعنى الذي يقود بدوره إلى معنى آخر: فمن العنوان إلى الفاتحة إلى النّص، كلّ إشارة كما يقول الفيلسوف الأمريكي شارل ساندرس بيرس تجد قيمتها في كونها إشارة إلى غيرها وهو ما يتكرّر في العناوين الدّاخلية المدرجة داخل روايتي درغوثي.
والعناوين الدّاخلية ( intertitre ou titres intérieurs) تثير في نظر جنيت الملاحظات نفسها التي تثيرها العناوين الأصليّة وإن كان بعضها على خلاف هذه لا يحمل معنى إلاّ بالنسبة إلى قارئ تورّط في قراءة النـّص. وهو ما يُبرز أنّ العنوان الدّاخلي أكثر تمثيليّة للمعنى الكلّي في النّص من العنوان الأصلي.
ولا يعني ذلك أنّ العناوين الدّاخليّة تبسيطيّة يُكتَفى فيها بتلخيص مضامين الفصول واستباق أحداثها ذلك أنّها هي الأخرى من البنيات النصّية الفاتحة التي تُستثمَر بحكم مواقعها في إثارة مخيّلة المتلقّي وحفزه على إدراك معان وتوقـّع أخرى قد لا تُصادق عليها الفصول بعد ذلك.
ولمثل ذلك بدت عناوين فصول رواية الدراويش بعيدة عن المعنى الأوّلي الذي اقترحه العنوان الأصلي عودة الدّراويش إلى المنفى. بل إنّ واحدا منها هو: درويش يعود من المنفى، يخلق مفارقة مع عنوان الرّواية فيكسر بذلك هيمنته ويردّه عن وجهته ويردّنا بالتالي عن وجهتنا في تأويله. وقد شرّعت النـّزعة البلاغيّة في بعض العناوين الدّاخلية لأفق حكائيّ واضح: درويش يشتري قدر حاتم الطّائي – بدع الخليفة – الثـّعابين – صاحبة الكهف – النـّجوم التي انكدرت... وأبرزَ ذلك أنّ الدّلالة قائمة في نسق داع إلى استحضار المعاني الغائبة وأنّه يُعوّل فيها على جعل المتلقي يُخمِّن المعنى ويصنعه. وهو أمر على غاية الأهميّة من منظور سيميائي ربط النّص باحتمالات التـّأويل وأنساق المعرفة الممكنة والمفترضة. وفي رواية مجرّد لعبة حظّ صورة لعناوين داخليّة تـُوهم بالبساطة والوضوح وهي خلومنهما. فقد تداول على رواية أحداثها الشـّخصان الرّئيسيّان في النّص: بثينة تكلّفت برواية خمسة عشر فصلا تكرّر فيها العنوان: أنا بثينة، وفائز تكلّف برواية خمسة عشر فصلا كذلك تكرّر فيها العنوان: أنا فائز الرّابحي.
ودلّ توزيع الفصول ومحتوياتها أنّ العناوين الموضوعة لها تؤدّي وظيفتين: وظيفة تنظيميّة وصفيّة تـُعلن عن آليّة تكوين النّص وما اختصّ به الجزءُ من دون الآخر. وقد نحت العناوين هنا بمادّة الرّواية منحى أوتوبيوغرافيّا إذ أنّ الشخصيّة التي يُعنون بها الفصل تتحدّث عن نفسها وما أحاط بها.
وظيفة سرديّة تتعلّق كما يقول جنيت:" ببنية الأثر وتطوّره" بحيث يتبعُ التحوّلَ من سارد إلى سارد، تحوّلٌ في أطوار الحكاية وتعكس النـّقلةُ في الأصوات منطقـَها. ويمكن ملاحظة أنّ هاتين الوظيفتين الواسمتين للعناوين تتـّخذان في أعمال روائيّة أخرى شكلَ التلاخيص الكاشفة عن محتوى الفصول، اما في رواية مجرّد لعبة فقد جاءت أقرب إلى وسائط تخمين واستكشاف تـُقترح على القارئ فتورّطه في مغامرة بحث عن المعنى. ولذلك فإنّنا نقرأ العناوين الداخلية في هذه الرواية وتنشدّ عيوننا إلى تجلّيها الخطّي موزّعا بين هي \بثينة... وهو \فائز فيخطر على أذهاننا أنّ علاقة جامعة بين الطّرفين ستجد تجسيدها في مجريات الأحداث والأشياء.
وإن لم تنف مضامين الفصول هذه العلاقة، فإنّها لا توافق بالضّرورة ما يذهب إليه كلّ قارئ في تأويلها. وهو ما يعني أنّ العناوين الدّاخلية في مجرّد لعبة حظّ حتى حين يُخاطب واضعُها المتلقي استنادا إلى مشترك مرجعي بينهما، تظلّ أشبه بنصّ صامت على كثافته، ينطلق القارئ منه لتصوّر حكاية يتوقـّع أنّ الرّواية ستدور حولها أو يريدها أن تدور حولها. وذاك ممّا يُبرز أنّ العناوين الدّاخليّة على اتـّصالها أكثر من الأصليّة بمجريات النـّص، ملفوظات استراتيجيّة تـُغري قارئها بالدّلالة ولا تمنحه إيّاها.
وربّما صحّ في هذا الإطار اعتبار المحدّد الأجناسي المرفق بعنوان مجرّد لعبة من المغريات بوضوح الوجهة في نوع الحكاية وأسلوب صياغتها وطريقة قراءتها. فإثبات عبارة" رواية تاريخيّة من التراث . صياغة إبراهيم درغوثي"، ذات بعد وظيفي أساسا غايته كما ذكر جنيت" التـّعريف بالوضع الأجناسي القصدي في الأثر" .
والقصد واضح جليّ من موقعة التحديد الأجناسي على صفحة الغلاف الأولى. إلاّ أنّ ذلك يحمل إلى المتلقي أكثر من وعد صريح. يحمل إليه:
- وعدا بحكاية واقعيّة. فالتحديد الأجناسي هنا يقترح رؤية عن العمل كلّه يُتوقـّع معها أن تكون الشخصيات والأحداث وسجلاّت اللغة ومصادرها واقعيّة وتراثيّة.
- وعدا بأسلوب مخصوص في التشخيص سيكون فيه الواقع مذكورا على وجه الحقيقة المعدول بها عن المشابهة والمطابقة إلى ضرب من الصّياغة التخييليّة.
وما يحصل إذ يوعَد المتلقي بهذين الوعدين، أنّ ذاكرتين اثنتين تنشطان في ذهنه: واحدة معرفيّة تهيّئه لأن يستعيد أجواء مخصوصة والثانية نصّية تهيّئه لأن يتقبَّل النّص ويفهمه في ضوء نصوص تاريخيّة قرأها ومقاييس في تقييمها عرفها.
ويبدو من ذلك طبعا كأنّما التحديد الأجناسي المفتتح لرواية مجرّد لعبة حدّد أفق قراءتها وهيأ لها القارئ كذلك. وهو أمر ينبني على خيبة جزئيّة أو كليّة. ذلك أنّ المتلقي يمكن أن لا ينساق إلى أفق في القراءة مقترح عليه رفضا له أو عجزا عن إدراكه. فإن فعل ووفـّق في ذلك، وجد أنّ الرّواية وقد أعادت شخصيّات بثينة وجميل وعمر أبي ربيعة وهند من أعماق التّاريخ ، ألبستها لباسا عصريّا وجالت بها من المعهد إلى المستشفى إلى فرنسا إلى المرقص في الحمّامات... وجعل ذلك الرّواية الزّاعمة أنّها " تاريخيّة من التـّراث " مشدودة إلى العصر بأواصر متينة.
ولا يعني ذلك أنّ الرّواية عجزت بصفتها إنجازا عن تمثيل متصوّر الجنس الأدبي المعلن عنه. وإنّما يعني أنّها تـُعوّل في التعامل مع المتلقي وفي بناء الدّلالة وتوليد المعنى على إشاعة الاحتمال والتوقع. وهو أمر يُدرج المعنى في سيرورة ديناميّة يتـّسع معها المعنى في فواتح النّص من بنية خطابيّة إلى أخرى.
3- الفاتحة في النصّ الرّوائيّ.
الفاتحة (incipit) ويُقال لها التمهيد أو المطلع أو الاستهلال... تندرج ضمن ما سمّي بالفرنسيّة (paratexte) . وهي النّصوص التي ترد في شكل عناوين وحواش وفهارس ومقدّمات وخواتم... فتحيط بمتن النّص تـُقدّم له وتوجّه قراءته.
وقد بدت فاتحة النّص من بين تلك النّصوص الموازية أو المصاحبة للنّص الأصل، على درجة كبرى من الأهمّية في الدراسات اللسانيّة والسّيميائيّة خاصّة . وذكر باحثون في شأنها اضطلاع صاحبها بالكشف عن جوانب ملتبسة في نصّه وتوضيحه رؤيته فيه وطريقته في إنشائه... وغير ذلك ممّا يَكشف عن أهميّة الفاتحة في النّص بقدر ما يُثبت كونها علامة إبلاغيّة تواصليّة. ذلك أنّ الفاتحة تصل من جهة ما بين المرسِل واقعيّا أو متخيّلا، والمتلقي. وتصل من جهة أخرى ما بين المتلقي واقعيّا أو متخيّلا، والنّص.
ويتخذ الإبلاغ المتحقق في الفاتحة بناء على ذلك، شكل نسق سيميائيّ من وجهين متلازمين:
الأوّل مفاده انّ الفاتحة لمّا كانت بعبارة أ.د. لانقو (A.Del Lungo) نقطة عبور " استراتيجيّة" "إلى النّص وإلى التّخييل" ، فإنّها تـُعلن عن تحوّل الوجود الواقعي إلى نسيج لغويّ وجماليّ يُعتبر علامة دالـّة على ذلك الواقع.
الثاني أنّ الفاتحة لمّا كانت تقديما لنصّ يقترح صورة افتراضيّة للواقع، فإنّها تـُعلن عن التحوّل بالمتلقي من عالم الأعيان إلى عالم الألفاظ والصّور والخيالات.
وتصبح الفاتحة إذ تضطلع بهذين النّسقين الفاتحين على النّص ومرجعه، بنية نصّية أوّليّة عميقة قائمة على آلية داخليّة ومنتظمة وفق طرق مخصوصة في تشكيل المعنى وتوليد الدّلالة. وهو مجال يتّضح فيه الجهد الإبداعيّ الأوّل الذي يُنجزه صاحب النّص.
وربّما كان هذا الجهد وما يصحبه من معاناة ما دعا الباحث د. لنقو إلى اعتبار أنّ الكلمات الأولى في النّص " كلمات محتشمة ومتهيّبة: فهم يعلمون جيّدا [يقصد الكتـّاب] أنّهم سيُقيَّمون عبرها " .
وإذا تجاوزنا انشغال الكاتب بما تثيره الفاتحة في نصّه من رضى أو نفور، لفت انتباهنا ما يجده من عسر في صياغة خطاب مقدّماتي يجمع بين تقديم الرّؤية عن كليّة النّص من جهة، وإثارة السّؤال حول ذلك النّص من جهة أخرى. وهما عملان داعيان إلى أن يجمع الكاتب في خطاب واحد هو خطاب الفاتحة بين وظائف عديدة منها استدراج المتلقي وإخباره وتنبيهه ومنها التـّوضيح والتّفسير واختزال المتن أو بعضه وإثارة المتلقي وتشويقه ومناورته ومراوغته وتوجيه عمليّة القراءة والإرشاد إلى مسالكها ... وغير ذلك ممّا يدلّ على أنّ الفاتحة خطاب قصديّ يوليه الكاتب أهميّة ويشتغل ضمنه باللغة وبالمعنى وبمتن النّص وبالفاتحة ذاتها. لذلك نعتبر الفاتحة مقارنة بالعنوان وبالتحديد الأجناسي الملحق به، صورة تبادل معرفيّ فعليّ بين المرسِل والمرسَل إليه. وهو تبادل قائم على مستويات ومستند إلى وسائط من ضربين: وسائط معجميّة مشتركة بين الباثّ والمتلقي ووسائط جماليّة تتجلّى عبرها قدرة الباث بصفته مبدعا على تضمين الفاتحة دعوة إلى المتلقي، دعوته إلى أن ينشط ذهنه فيقتنص بؤرة الدلالة ويلتقط رموزها اللغويّة وإشاراتها النصّية ويهتدي إلى مكامن توليدها مهما تعدّدت مسالك المناورة والمغالطة.
وقد بدا ونحن نقرأ رواية الدراويش. أنّ فاتحتها من الصّنف الذي يعتدّ فيه الخطاب بذاته بنيويّا ودلاليّا فكأنّه خارج عن النّص وهو فيه. فقد جاءت الفاتحة مستقلة بمساحة نصّية مبرزة تمتدّ إلى حدود الفصل وتستقلّ بعنوان خاصّ هو " قبل البداية" دالّة بذلك على أنّ الكاتب يقصد تمييزها عن متن النّص بصفتها فاتحة.
وهذه الفاتحة تـُحقق المفارقة من جهة اتصالها بالنّص وانفصالها عنه في الوقت نفسه. فساردها هو سارد الرواية ويرد على لسانه حديث عن شخصيّات ووقائع ستـُذكَر في متن النّص وتتعلّق بها أحداثه . نذكر منها: نمرة وطائرات الورق وفرنسوا مارتال وآبار النّفط ودرويش خاصّة الذي سيكون موضوع المحكيّ الرّئيس. والفاتحة بذلك أقرب إلى أن تكون بعبارة جنيت في تعريفه للخطاب المقدّماتي " خطابا حول نصّ يليه أو يسبقه" .
ولئن جعل ذلك فاتحة الدراويش ... من النصوص الموازية للنّص المخبرة عنه المقدِّمة له، فإنّه لم ينف عنها خاصّية "الاستقلال" حتى كأنّها حكاية في الحكاية. فسارد هذه الفاتحة – والسّارد في نظر جنيت المحدّد الرّئيسي للفروق بين المقدّمات - خياليّ يروي حكاية ذات طابع درامي لاصلة لها بالمحكي في النّص الرّوائي. فباستثناء ذكره أسماء بعض الشخصيات والوقائع، لا نجد علاقة حميميّة بالنّص تنبّه القارئ إلى القصّة أو تسهّل عليه فهمها وإدراك معطياتها أو غير ذلك ممّا يمكن بناء عليه اعتبار الفاتحة على صلة عضويّة بسياق الرواية التـّخييلي . بحيث يمكننا أن نقتطع الفاتحة ونفردها وحدها بالقراءة فلا نشعر مع ذلك بنقص فيها أو خلل.
وذلك في نظرنا من وجوه الطّرافة في الدّراويش باعتبار أنّ الفاتحة فيها إذ تقوم بموازاة المتن، تنطلق مثله من زاوية مخصوصة في توليد الدّلالة وتوريط القارئ. ومعنى ذلك أنّ الفاتحة لازالت وهي تستبق نصّ الرّواية، على صلة به كما سنبرز ذلك، إلاّ أنّها تبادر قبله وتخوض بالقارئ غمار التـّخييل. لهذا وجدنا أنّ فاتحة الدراويش ممّا يُقرَأ بذهنيّة نقديّة تنظر في نسقها التـّوليفي السّيميائي أساسا وفي علاقتها بالنّص الرّوائي عبر ذلك.
والنّاظر في ما حدّث عنه السّارد من أحداث وأوضاع في الفاتحة ، يدرِك أنّ وضوح بنيتها الدّلاليّة لا يمنع خصوصيّة بعدها التـّكويني . فهذا البعد تتوزّعه علاقات متناقضة يُشكّل تفاعلها مجرى الخطاب في الفاتحة. وتلك من أبرز سمات القصص من منظور سيميائيّ .
فقد اعتبرت السّيميائية أنّ القصّة مهما كان نوعها، سعي إلى غاية أو رغبة تطلب تلبية. ويمكننا باعتبار طبيعة الفاتحة في الدراويش أن نعتمد تصوّر السّيميائيين هذا للعمل القصصي. فنصوغ لها مخطّطا يُعرّفنا بآليّة تكوينها وتكوين المعنى فيها. ويكون ذلك على النّحو التالي:
المرسِل ــــــــــــــــــــــــــــ الموضوع ـــــــــــــــــــــــــــ المرسَل إليه
(درويش) (الرواية وكتابتها) ( المتلقـّي)

المساعد ـــــــــــــــــــــــــ الذات ــــــــــــــــــــــــــــــــــ المعارض
(درويش من دون (السّارد (أطراف تعادي
أن يتحول عن البطل) الكتابة والإبداع)
صورته الأولى)
ويناسب هذا المخطّط في فاتحة الدراويش مسارا اتـّصاليّا انفصاليا في الآن نفسه، انتظمت عبره مواقع الشخصيات وعلاقاتها وأعمالها صريحة ومضمرة. فبين درويش والسّارد علاقة مدّ وجزر موضوعها الرّواية : يتجاوران ويتحاكيان ويتـّفقان مرّة ويتعارضان ويتنافران مرّة أخرى. كلّ ذلك حسب علاقتهما بالرّغبة في كتابة الرّواية اتصالا وانفصالا.
ويُسوّغ اختلافـُهما ذاك موقعا وموقفا وعلاقة، الحديثَ عن العوامل المحدّدة في المخطّط المرسوم آنفا باعتبارها عناصر قطبيّة:
● فدرويش يحتلّ موقع المرسِل لكونه اختار السّارد فاقتحم عليه غرفة نومه وكلّفه بمهمّة كتابة رواية"قال: إن لم تكتب هذه الرّواية سأقتلك شرّ قتلة" (ص13).
ودرويش وإن كان طلبه موصولا بحاجة يُضمرها، فإنّ لإلحاحه على السّارد في تحقيقها سببين: أوّلهما اعتقاده في كفاءة السّارد وقدرته على إنجاز المهمّة من دون غيره " لهذا اخترتك... أنا في حاجة إلى واحد من أمثالك مازال في بداية الطّريق. أكيِّفه حسب إرادتي "(ص19).
وثانيهما معرفة درويش بالرّواية وبأهمّيتها. وهو ما يُفسّر مراوحته في دفع السّارد إلى كتابتها بين القوّة والتهديد مرّة والإغراء واللّطف مرّة أخرى.
● والسّارد يحتل موقع الذات المدعوّة إلى إنجاز مشروع كتابة الرّواية. وقد قطع منذ التقى بدرويش وكلّفه بالمهمّة مراحل ثلاثا هيّأته للفعل وكان قبلها غير قادر عليه:
في المرحلة الأولى فـُرضت عليه المهمّة فرضا وكان في ما ذكره عن نفسه غير ممتلك لآليات إنجازها " قلتُ ياصاحبي أنا لست رجل علم ولا أدب. كلّ ما في الأمر أنّني كاتب هاو" (ص19) . فرفض المهمّة وحاول الإفلات من درويش فلم ينجح.
المرحلة الثانية سمتـُها النّزاع بين درويش والسّارد. وقد سام الأوّل الثاني من العذاب ما غيّر موقفه وعدّل من رأيه وكأنّه بذلك يجتاز من التجارب والاختبارات ما يمنحه كفاءة لم تكن له.
وبالفعل تحوّل السّارد إلى مرحلة ثالثة هي مرحلة الفعل والمبادرة.
وثمّة أطراف أخرى متـّصلة بالعاملين السّابقين ( مرسل، ذات) أو بمسار المشروع ومدى تحققه.
●أوّلها المتلقي في موقع المرسل إليه وهو كما ذكرنا سابقا صنفان. واحد حاضر في مستوى الخطاب خاطبه السّارد وكنا استخرجنا العلامات الدالة على ذلك وسيلي ما يُبرز أثره في صياغة الفاتحة. والثاني لم يحضر في مستوى النص فهو القارئ وقد خاطبه درويش افتراضا باعتبار أنّ درويش صاحب مشروع الرّواية والحريص على كتابتها. وهو في هذه الحالة يستعين لتحقيق المشروع بالسّارد بحيث يمكن اعتبار أنّ هدف المرسِل (درويش) ليس الذات (السّارد) بل المرسَل إليه (المتلقي) وأنّ الموضوع (كتابة الرواية) هو موضع الاتصال والإبلاغ بينهما كما يعكسه هذا الرّسم:
المرسِل الموضوع المرسَل إليه
(درويش) (الرّواية) ( المتلقي)

المساعد
(السّارد البطل)
والطرفان اللذان لهما التـّأثير الأكبر في ما بين المرسِل (درويش) والذات (السّارد) من انسجام أو تنافر وفي مدى نجاح مشروع كتابة الرّواية أو فشله هما عاملا المعارض للذات المعيق لمسيرتها والمساعد لها في مهمّتها.وقد كانت لكلّ عامل منهما وجوه في فاتحة الدراويش.
●عامل المعارض بدا أشدّ وهدّد بحضوره تحقـّق مشروع الرّواية ونشأة النّص. وقد كان له مصدران داخلي وخارجيّ .
أمّا المصدر الدّاخلي للمعارضة فهو السّارد نفسه وقد حوّله عجزه عن الكتابة (ص19) وخوفه ( أنا بطبعي رجل جبان) (ص 20) إلى ذات سلبيّة مضادّة لنفسها تقرّها على القعود وتصدّها عن الكتابة. وقد كان السّارد إلى ذلك يتناول "حبّات دواء" يخاف معها " الإدمان". وكان درويش يأتيه ليلا إذا كان نائما فيحدّثه ويأتي من الأفعال ما لايعلم السّارد إن كانت من حلمه أم من يقظته، كأن يَطرق الباب ويُسمع له صوت ويشرب ويجرح السّارد في عنقه ويمسح بيديه على عينيه فيجد نفسه في مدينة سامرّاء. وذلك بقدر ما يُثير السّؤال حول صحّة مدارك السّارد المدعوّ إلى إنجاز المهمّة، فإنّه يشكّك في وجود درويش وبالتالي في مشروع كتابة الرّواية وإمكان تحقـّقه ووجودها أصلا.
وأمّا المصدر الخارجي للمعارضة الذي منع السّارد من أن يُقبل على مشروع درويش ويكتب الرّواية، فصورته أنّ درويش يطلب من السّارد أن يُنجز فعلا – هو الكتابة – خبر خيبة أصحابه منذ عصور خلت وعلم ما أُلحق بهم من اتهام بالزّندقة والكفر وما حلّ بهم من ويل وعقاب (ص13). وهذا وغيره ممّا اختزنته ذاكرة السّارد، صار عندها بمثابة الرّادع عن فعل الكتابة المهدِّد لتحقق مشروع الرّواية.
●أمّا عامل المساعد على تحقق مشروع الكتابة فقد كان مصدره واحدا هو درويش ومع ذلك تعدّدت أنواعه ووسائله بحسب المراحل التي قطعها السّارد في إدباره عن مشروع الكتابة أو إقباله عليه. ففي الأوّل والسّارد رافض للمشروع عمد درويش إلى التهديد والوعيد والعقاب: هدّده بالقتل والحرق والدّفن حيّا والسّجن (صص 13، 15) وأراه مشاهد المعذبين والمقطوعة رؤوسهم (صص17،18) وجرحه في عنقه (ص18). وحين قبل السّارد بمشروع الكتابة تغيّر سلوك درويش فاقترح عليه مساعدة من نمطين واحدة معقولة صورتها أنّ السّارد لن يتعب في اقتناص فكرة أو عبارة لأنّ درويش سيُملي عليه الرّواية (ص19) ويمدّه بكتب كثيرة تساعده إذا قرأها على الكتابة (ص 20).
والثانية سحريّة غير معقولة يقوم بها درويش مقام الواهب (Donateur) الذي يمنح البطل في برنامج بروپ السّردي، شيئا سحريّا يساعده على إتمام مهمّته والنجاح فيها . ذلك أنّ درويش يهب السّارد القدرة على قراءة "رزم الكتب" ومجلّداتها في أقصر وقت " كنت أمرّ على السّطور بسرعة عجيبة أدهشتني " (ص22) . فيكتسب من ذلك كفاءة معرفيّة تحفزه على القبول بمشروع الكتابة والإقدام عليه.
●وتكون كتابة الرّواية بهذا، في موقع الموضوع المنشود في خطاب الفاتحة باعتباره موضوع رغبة وذا قيمة. وتحقيق هذه الرّغبة تمّ وفق شروط فرضها وضع طارئ غيّر في محاور الإرسال فتحوّلت عما رسمناه لها في المخططين السّابقين ضمن هذا البحث. ذلك أن ّ الذات المحيلة إلى السّارد انتقلت من وضع الذات المدفوعة إلى الفعل والمضادّة لنفسها خوفا وعجزا إلى وضع الذات الفاعلة تبنّيا لمشروع الكتابة ودفاعا عنه. وقد صارت للسّارد هنا كفاءة معرفيّة ولفظيّة كذلك تحوّلت على إثرها منزلته التلفظيّة فأصبح بدلا من درويش، مرسِلا يتوجّه بالحديث إلى المتلقي حول موضوع الرّواية. وأصبح درويش في موقع المساعد، وهو ما يمكن رسمه على النـّحو التـّالي:
المرسِل الموضوع المرسَل إليه
(السّارد البطل) (الرّواية) (المتلقـّي)

المساعد
(درويش )
ومثل هذا التحوّل في أقطاب الإرسال وعوامل القصّ في فاتحة الدراويش يعبثان بتوقعات القارئ ويُنشئان ضربا من التـّضاد بين ما ظهر (درويش (مرسِل) يدفع بالسّارد (الذات) إلى الفعل (كتابة الرّواية) والمتلقي (مرسَل إليه) يتلقى الخبر من درويش ) وما انكشف (السّارد هو المرسِل والمتلقي يتلقى الخبر منه ودرويش يساعد على ذلك لا غير).
ومهما تبدّلت العوامل وتغيّرت فواعلها، يظلّ تحقـّق الرّواية بصفتها موضوعا، مشروطا بمدى التغلـّب على عوامل المعارضة وتظل قيمة الرّواية وأهميّة إنجازها بقدر شدّة تلك العوامل وبأسها . لذلك نجد السّارد بمجرّد تخطـّيه العراقيل الذاتية والخارجيّة وقبوله مشروع الرّواية يقول" هذه الرّواية العجيبة والغريبة والتي لو كتبت بالإبر على مآقي البصر لكانت عبرة لمن يعتبر" (ص 15).
ونجد عندما ننظر في مشروع كتابة الرّواية باعتباره ذا قيمة في الفاتحة، أنّ تحققه عند السّارد مرتبط بمواجهة سلط ثلاث كما يلي بيانه :
●مواجهة سلطة الإرهاب.ولئن احتلـّت سلطة الإرهاب موقع العامل المؤثـّر في بنية الفاتحة القصصيّة، فقد تجاوزت أبعادها العلاقة ما بين السّارد وأطراف تعوق فعل الكتابة. فإذا بالإرهاب الذي يحيط بالسّارد حضورا وذكرى يمتدّ من عصور قديمة إلى أواخر القرن العشرين (ص 13) ويتخذ صورة سلطة متنفـّذة تتلوّن وجوهها بين علميّة وسياسيّة ودينيّة والفعل واحد . فـ" علماء الأزهر " حارقو كتاب ألف ليلة وليلة و" الرّعاع حارقو كتب ابن رشد وأمير المؤمنين "القاهر لمعارضيه" (ص15)... كلّهم صورة للبطش بفئات تناضل بالفكرة والكلمة : ابن رشد ، مدوّنو كتاب ألف ليلة وليلة والمعارضون القرامطة وصاحب الشامة أحد قوّادهم والشاعر طرفة بن العبد ومعين بسيسو وبابلو نيرودا، والسّارد ذاته وقد تشرّبت نفسه ذلك فانتكست" لم أكن أريد قبل هذا اليوم كتابة هذه الروايّة لأنّه وكما تعلمون ومنذ أن أحرق... وأنا أخاف القلم والقرطاس" (ص13).
وليس جعل السّارد مسار تحقق مشروع الكتابة على إيقاع ألف ليلة وليلة عديم الدّلالة " في الليلة الثانية عاود التهديد... وجاءت الليلة الثالثة... وفي الليلة الرّابعة... في الليلة التي تلت... ليلة واحدة !ثلاث ليال! سبع ليل! ...". فالإبداع صنو الحياة والسّارد يُسمّي شهرزاد فعلا (ص 15) ويحتل مكانها. فقد كانت تروي لتنقذ حياتها وهو مدعوّ إلى أن يفعل فعلها لينقذ كذلك حياته بحيث تتماثل ظروف القهر ووجوه القمع من شهريار إلى بعض علماء الإسلام وخلفائه وساسته. وتـُصرّ فاتحة الدراويش إذ تـُعلِّق سيرورة الأحداث بتحقق مشروع الكتابة، على أنّ الإبداع مشروع نقيض للإرهاب.
●مواجهة سلطة درويش يتحوّل معها السّارد من سعي إلى تلبية رغبة درويش إلى تمرّد عليه. وكانت لذلك مظاهر في نصّ الفاتحة منها أنّ السّارد انخرط في مشروع الرّواية من قبل أن يُمليها عليه درويش أصلا. فذكر من صفات درويش وشخصيات أخرى غيره ما يُعدّ من قبيل الاستباق لمتن النّص. بل لقد أقحم السّارد وهو المكلف بكتابة حياة درويش، قصّته الخاصّة فعرّف بطبعه ومهنته وما علم من مصير المبدعين. وحين قبل مشروع الرّواية وكان من قبلها خائفا متردّدا، استبعد درويش وتكلف من دونه بتوضيح ما يتـّصل بكيفيّة نشأة نصّ الرّواية ( ص13) ومصاردها النصّية والتاريخيّة" القرآن، التوراة، ألف ليلة وليلة... " (ص 21) وبنيتها التركيبية "أوراق رتبها فصولا وأبوابا" (ص 23) وموضوعها ومحتواها ممّا عاشه السّارد أو اطّلع عليه في المجلّدات (ص 24) أو قصّه عليه درويش.
● مواجهة سلطة القارئ ذلك أنّ السّارد وقد صار يستلهم من ذاته وليس من درويش مشروعيّة كتابة الرّواية ، صار يتوجّه إلى المتلقي مباشرة بالحديث. واتخذ ذلك في الفاتحة صورة حوار أشبه بتبادل السّؤال والجواب بين المتكلم وهو السّارد والقارئ المفترض. وكان السّارد في كلامه يجمع بين تأسيس أنظمة لمتخيّله الرّوائي وفتح باب الأسئلة عليه وذلك عبر ضربين من العلاقة بالمتلقي:
العلاقة الأولى سمتها التجانس والـتـّعاضد ومبدؤها كيفيّة مساعدة المتلقـّي على إدراك المتخيّل الرّوائي وكيفيّة توريطه في فعل القراءة وحفزه على التأويل . وقد عمد السّارد لتحقيق ذلك إلى طرق منها دفع المتلقي إلى تمثل صور الشخصيات والأحداث " لكم أن تتصوّروا...تأمّلوا... انظروا... تخيّلوا معي" (ص 14). ومنها منح القارئ بعض الوسائط لفهم مضمون النص ورموزه مثل أن تـُذكر له بطولة درويش في الرّواية ومنها لفت انتباه المتلقي وإثارة حيرته إزاء النّص عبر إشارات وإيحاءات من قبيل ذكر السّارد ما سيعتمد عليه في صياغته من كتب مختلفة الأغراض والمشارب وذكره عددا من الشخصيات والمعطيات لا يتـّضح سبب الجمع بينها " قطر النّدى وآدم والبراق وملك الحيرة وآبار النفط والسيّاح الأمريكان... " (ص 24) .
أما العلاقة الثانية التي جمعت بين السّارد والمتلقي فقد تغيّرت فيها صورتاهما وانعطفت الفاتحة بفعل ذلك من نصّ كُتب قبل نهاية الرّواية إلى نصّ كتب بعدها فحمل استفسارات المتلقي واحتجاجاته على هذا النحو :


تنبيه المتلقي السّاردَ إلى غموض شخصية درويش وإقراره بالعجز عن فهمها (ص 24) سؤاله مستنكرا عن طبيعة الشخصيّة وخصوصيّتها " ودرويش صنيعة الكاتب؟ ... أم هو نوع جديد من الدّراويش ؟" (ص24) اتهام المتلقي السّاردَ بـ" الخبط ذات اليمين وذات الشمال" (ص24) ووصفه الرّواية بأنّها تشتت الفكر (ص24) تكذيبه ما فيها " يحكيها حشاش " (ص24).
وبدا من قول السّارد في ردّه على المتلقي "إن كلّ ما في الرّواية هو حقيقة الحقيقة" (ص24) أنّ الفاتحة كما صاغتها رواية الدراويش خطاب يهدف صاحبه إلى إقناع المتلقـّي وحمله على التصديق. وذاك من جملة الأدوار الفكريّة والانفعاليّة التي يؤدّيها الباثّ في نصّه فتـُسهم في جعله واقعة سيميائيّة متسعة.

لقد لاحظنا أنّ فاتحة الدراويش ذات طابع قصصيّ دراميّ تتعدّد فيه العلاقات وأوجه تفاعلها. ووجدنا أن لهذه العلاقات تأثيرافي عملية الإرسال بين متكلم ومتلق. فعمدنا إلى المخطط العواملي السّيميولوجي لإبراز كيف يمكن أن يتشكل المعنى وتتولّد الدلالة في الفاتحة. واتضح لنا أنّ ذلك توقـّف على اختلاف مواقع شخصيّات (درويش والمتلقّي والسّارد ومن يعاونه ومن يعارضه) باعتبارها عوامل فاعلة وعلى العلاقات الجامعة بينها وعلى أهميّة موضوع كتابة الرواية وقد مثل مشروع إنجازها محور الفاتحة.
وبرز من ذلك كلّه أنّ الفاتحة باعتبارها الوجه الأوّل من النّص الروائي انبنت في ضوء البعد الاتصالي بين باثّ ومتلقّ وانبنى تركيب المعنى فيها على منطق في التـّوالد لئن لم يقطع أواصر الفاتحة بكليّة النّص، فقد أثبت قدرتها على إثارة ذهن المتلقي ودفعه إلى تخمين المعنى وافتراض الدّلالة.



خاتمة عامّة
مثلت النظريّة العامليّة التي أرستها سيميائيّات غريماس محورا أساسا في دراسات أدبية عربيّة أفادت منها في تأويل العلامات ودلالاتها الصّريحة والخفيّة.
وقد بدا لنا أنّ بعض من اهتمّ في تلك الدّراسات بالنّصوص الروائيّة ، أولى الحكائيّة باعتبارها مخطط أفعال الأهميّة القصوى . وهو أمر وإن ناسب خصوصيّة النّص الرّوائي التـّخييليّة، قام على طمس عناصر أخرى جديرة بالاهتمام من منظور حداثي وسيميائيّ . فالنّص الرّوائي الحديث بلغ من ضروب التطوّر والتنويع ما ينفي اعتبار مجرى الحكاية وأحداثها، البنية التـّكوينية الأَوْلى من غيرها بالأهمّية. هذا علاوة على أنّ غريماس نفسه لم يُهمل عناصر فنّية أخرى تؤدي إلى جانب الأفعال دورا فاعلا في النّص نعني بذلك ما سمّاه ملفوظات الحالة (énoncés d’état) وكنا أبرزنا اتـّصالها في نظامه العاملي بمحوري العلاقات بين العوامل وتحوّلاتها. وقد استنرنا بهذا وغيره ممّا ذكره غريماس وسيميائيّون آخرون أمثال ج. جنيت ورولان بارت(Rolands Barthes) وجوليا كريستيفا (Julia Kristeva) ... فبينّا اعتمادا على روايتي ابراهيم درغوثي أنّ السّرد التشخيصي يشكل في النّص الروائي نسقا خطابيا تواصليّا بين مرسِل ومرسَل إليه وأنّه يحمل بسبب ذلك جملة من الإرساليّات والعلامات والإشارات الدالّة على الموجودات دلالة للإيحاء والمناورة والمراوغة فيها دور كبير.
وقد اعتبرنا العتبات النصية المجال الأبرز الذي يتضح فيه الفعل السّيميائي فركّزنا عليها البحث باعتبارها الخطاب الأوّل في نصّ روائي وباعتبارها علامة سيميائيّة من جهتين:
- جهة أنّ العتبات علامة على نسق سيميائي أكبر هو النّص الذي يليها مباشرة والنّص الذي يختزنه ذهن القارئ من حيث نوعيهما الأجناسيّين ومعاييرهما ومصادرهما التخييليّة. وقد أبرزنا هنا كيف أشارت العتبات إلى متني روايتي درغوثي ووافقت معرفة المتلقي بالنّصوص وثقافته مرّة وخرقتهما أخرى.
- من جهة أنّ العتبات علامة سيميائيّة على ذاتها أصلا بحيث يحتوي العنصر منها إشارة مشفـّرة تحيل إلى العنصر الآخر إحالة إثبات أو نقض كأن يُبشـّر العنوان أو المحدّد الأجناسي بصنف من الكتابة فتنقضه الفاتحة. وذلك وغيره برهنت عليه فعلا روايتا درغوثي ودعمته فاتحة الدراويش بالأخصّ بسبب قابليّتها لأن تستقل بنائيّا ودلاليّا.
وقد حفزنا ذلك على تحليل هذه الفاتحة في ضوء بنية غريماس العامليّة فرصدنا مسارها السّردي ووقفنا فيها خاصّة على ضروب من التنويع والمخاتلة في توليد المعنى وتركيب الدلالة حفزا للقارئ على إعمال المخيّلة والتوقـّع والتـّخمين.





قائمة المصادر والمراجع
I – المصادر
- ابراهيم درغوثي: - الدّراويش يعودون إلى المنفى. رياض الريّس للكتب والنشر . لندن – قبرص. 1992.
- مجرّد لعبة حظّ. المدينة للنشر . تونس . 2003.
II – المراجع
العربيّة
- الدّاهي (محمد): سيميائيّة الكلام الرّوائي. شركة النشر والتوزيع. المدارس. الدّار البيضاء. 2006.
- سويدان (سامي): "مقاربة سيميائيّة قصصيّة" اللّص والكلاب لنجيب محفوظ." الفكر العربي المعاصر .ع 18 ، 19 . شباط 1982.
- مرتاض (عبد الملك): تحليل الخطاب السّردي – معالجة تفكيكية سيميائيّة مركـّبة لرواية " زقاق المدق". ديوان المطبوعات الجامعيّة. الجزائر 1995.
- يوسف ( أحمد): السّيميائيّات الواصفة. المنطق السّيميائي وجبر العلامات. الدار العربية للعلوم... بيروت 2005.
الأجنبية
- Del lungo (Andrea) : « pour une poétique de l’incipit » Poétique n° 94. 1993.
- Ducrot (Oswald) – Todorov (Tzvetan) : Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage. Seuil 1972.
- Genette (Gérard) : Seuils. Seuil 1987.
- Greimas( Algirdas Julien) :
٭Dusens. Essais sémiotique. Seuil. Paris 1970.
٭ « les acquis et les projets » Préface in : J.Courtes : introduction à la sémiotique narrative et discursive. Hachette. 1976.
٭Sémantique structurale . Recherche de méthode. P.U.F. Paris 1986.
- Hamon (Philippe) : Introduction à l’analyse du descriptif. Hachette 1981.
- Jakobson (Roman) : essais de linguistique générale. Ed minuit. 1963.
- Propp (Vladimir) : morphologie du conte. Seuil. 1970.
- Raymond (Jean) : « ouvertures, phrases, seuils » critique n° 288. 1971.

 
  • المشاهدات
    2,373
  • الرّدود
    0

  • أعلى أسفل