• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

بحوث و دراسات المحور التجاوزي في شعر المتنبي

hind

عضو نشيط
منتدى تونس التّربوي
المشاركات
487
الدّولة
تونس
الولاية
تونس
م. الدّراسي
جامعي
الاختصاص
آداب
المهنة
طالبة
المحور التجاوزي في شعر المتنبي
د.أحمد علي محمّد - دراسة في النَّقد التطبيقي

مجاوزة النسق

1 ـــ من الغنائية إلى الملحمية:

يذكر الباحثون أن الشعر العربي بطبيعته غنائي, ينحل عن العواطف الذاتية والمشاعر الشخصية, فهو لهذا السبب معرض لخطرات الوجدان وتأملات النفس, وقلما يخطر ببال الشاعر العربي أن يحول نشيده الشعري إلى باب يتصل بعواطف الجماعة وآمال الأمة, أو يعرضه للخوض في غمار التصارع أو الكفاح الذي تخوضه الجماعات حفاظاً على وجودها, كما أن الشعر العربي عند كثير ممن تأمل هذه الناحية لم يعمد إلى ذكر سير الأبطال وسرد الأحداث الكبار التي هزت تاريخ الأمة, من أجل ذلك قالوا إن العرب لم تعرف الملحمات الشعرية التي عرفتها سائر الأمم كاليونان والفرس والهند, وحجتهم في ذلك أن الشعراء العرب لم ينجزوا نصوصاً طويلة تنطوي على الصراع من أجل الوجود, ولم يعرفوا تلك التقنية الفنية التي تتسم بها الملحمات عامة.

والواقع أن المتنبي من الشعراء القلائل الذين تركوا قصائد شبيهة بالملحمات الشعرية من حيث الموضوع لا من حيث الشكل, فالمتنبي كغيره من شعراء العربية لم يقل شعراً قصصياً يبلغ من الطول ما بلغته الملحمات الشعرية, لكنه قد أسهم في رسم صور للصراع بين العرب والأمم الأخرى كما هو الشأن في ميميته المشهورة التي يقول فيها ([1]):

على قَدْرِ أهل العزم تأتيالعزائمُ

وتأتي على قَدْرِ الكرامِ المكارمُ

. وتعظمُ في عينِ الصغيرِ صغارُها

وتصغرُ في عينِ العظيمِ العظائم

. يكلِّف سيفُ الدّولةِ الجيشَ همَّهُ

وقد عجزت عنهُ الجيوش الخضارم

. ويطلبُ عند الناس ما عند نفسِهِ

وذلك ما لا تدَّعيه الضَّراغم

. يُفدِّي أتَمُّ الطّيرِ عمراً سلاحَهُ

نسُورُ الملا أحداثُها والقشاعمُ

. وما ضرَّها خَلْقٌ بغيرِ مخالبٍ

وقد خُلقتْ أسيافُهُ والقوائم

. هل الحَدَثُ الحمراءُ تعرفُ لونَها

وتعلمُ أيُّ الساقيينِ الغمائمُ

. سقتها الغمامُ الغُرُّ قبلَ نزولِهِ

فلَّما دنا منها سقتْهَا الجماجمُ

. بناها فأعلى والقنا تقرعُ القنا

وموجُ المنايا حولَها متلاطمُ

. وكان بها مثلُ الجنونِ فأصبحت

ومن جثث القتلى عليها تمائم

. طريدةُ دهرٍ ساقها فرددتها

على الدِّينِ بالخطِّيّ والدَّهرُ راغمُ

. تُفيتُ اللّيالي كلَّ شيءٍ أخذتَهُ

وَهُنَّ لما يأخذنَ منكَ غوارمُ

. إذا كان ما تنويه فعلاً مضارعاً

مضى قبلَ أن تُلقى عليه الجوازمُ

. وكيفَ تُرَجِّي الرُّومُ والرّوسُ هدمَهَا

وذا الطّعنُ آساسٌ لها ودعائم

. وقد حاكموها والمنايا حواكمٌ

فما ماتَ مظلومٌ ولا عاشَ ظالمُ

. أتَوْكَ يجرونَ الحديدَ كأنَّهم

سروا بجيادٍ ما لَهُنَّ قوائمُ

. إذا بَرقُوا لم تُعْرَفِ البيضُ مِنْهُمُ

ثيابُهُمُ من مثلِها والعمائمُ

.خميسٌ بشرقِ الأرضِ والغربِ زحفُهُ

وفي أُذُنِ الجوزاءِ منهُ زمازمُ

. تَجَمَّعَ فيهِ كُلُّ لَسْنٍ وأُمَّةٍ

فما تُفْهِمُ الحُدّاثَ إلا التراجِمُ

. فللهِ وقتٌ ذوَّبَ الغِشَّ نارُهُ

فلم يبقَ إلا صارم أو ضُبَارِمُ

. تقطَّعَ ما لا يقطعُ الدرعَ والقنا

وفرَّ من الأبطال من لا يُصَادِمُ

. وقفتَ وما في الموتِ شكٌّ لواقفٍ

كأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهو نائمُ

. تَمُرُّ بكَ الأبطالُ كلمى هزيمةً

ووجهُكَ وضَّاحٌ وثغرُكَ باسمُ

. تجاوزتَ مقدارَ الشَّجاعةِ والنُّهى


إلى قولِ قومٍ أنتَ بالغيبِ عالمُ

. ضممتَ جناحيهم على القلبِ ضمَّةَ

تموتُ الخوافي تحتها والقوادمُ

بضربٍ أتى الهاماتِ والنّصرُ
غائبٌ


وصار إلى اللّباتِ والنصرُ قادمُ

. حقرتَ الرُّدينياتِ حتّى طرحتَهَا

وحتّى كأنَّ السّيفَ للرّمحِ شاتمُ

.ومن طلبَ الفتحَ الجليلَ فإنّما

مفاتيحُهُ البيضُ الخِفَافُ الصوارم

نثرتَهُمُ فوقَ الأُحَيْدِبِ نثرةً

كما نُثِرَتْ فوقَ العروسِ الدّراهم

. تدوسُ بكَ الخيلُ الوكورَ على الذُّرا

وقد كَثُرتَ حولَ الوكورِ المطاعمُ

. تظن فراخُ الفُتْخِ أنَّكَ زرتها

بأُمَّاتها وهي العتاقُ الصلادمُ

. إذا زَلِقَتْ مشَّيتَها ببطونها

كما تتمشَّى في الصعيدِ الأراقم

. أفي كلّ يومٍ ذا الدُّمُسْتُقُ مُقْدِمٌ

قفاهُ على الإقدام للوجه لائمُ

. أينكرُ ريحَ الليث حتى يذوقه

وقد عرفت ريح الليوث البهائم

. وقد فجعته بابنه وابن صهره

وبالصهر حملات الأمير الغواشم

. مضى يشكرُ الأصحابَ في فوته الظبا

بما شغلتها هامُهم والمعاصمُ

. ويفْهَمُ صوتَ المشرفيةِ فيهمُ

على أنَّ أصواتَ السيوف أعاجمُ

. يُسرُّ بما أعطاكَ لا عن جهالةٍ

ولكنَّ مغنوماً نجا منكَ غانمُ

ولستَ مليكاً هازماً لنظيره

ولكنَّكَ التوحيدُ للشرك هازمُ

. تشرَّف عدنانٌ به لا ربيعةٌ

وتفتخرُ الدنيا به لا العواصمُ

. لك الحمدُ في الدُّرِّ الذي لي لفظُهُ

فإنّك معطيِه وإنّي ناظمُ

. وإنّي لتعدو بي عطاياكَ في الوغى

فلا أنا مذمومٌ ولا أنت نادمُ

. على كلّ طيارٍ إليها برجلِهِ

إذا وقعتْ في مسمعيه الغماغم

. ألا أيَّها السيفُ الذي لستَ مغمداً

ولا فيكَ مُرتابٌ ولا منكَ عاصمُ

. هنيئاً لضرب الهام والمجد والعُلا

وراجيكَ والإسلامِ أنّكَ سالمُ

. وَلِمْ لا يقي الرّحمن حدَّيك ما وقى

وتفليقُهُ هامَ العدا بكَ دائمُ

2 ـــ البنية النصية ومسوغات التجاوز:

يشكّل النّص في عمومه بنية تؤسس في الأدب العربي صورة قريبة من الملحمات الشعرية, تخرج في واقع الحال عن حدود التصنيفات النقدية الحديثة التي لم ترَ في شعر العرب عامة سوى الجانب الغنائي الذي ينحلُّ عن عواطف فردية, وأحاسيس ذاتية, فإذا تجاوزنا صفة الامتداد في الملحمات الشعرية المعروفة لدى الأمم, وجدنا القصيدة تعبر عن أبرز الموضوعات الملحمية, التي تجسد الصراع بين أمتين: العرب والروم, وتخلّد سير الأبطال كسيف الدولة الذي جاز حدود التصاوير المعروفة للممدوحين الذين خلع عليهم الشعراء صفات الشجاعة والكرم والعفة والعقل وغيرها, رغبة في العطاء, فسيف الدولة هنا رمز للبطل الذي تتجسد فيه طموحات الأمة, وأماني الناس, ويلبي تطلعاتهم نحو حياة عزيزة آمنة بعيدة عن التهديدات الخارجية التي تستهدف وجودهم. وهو بعد ذلك كما تقول القصيدة ليس مجرد ملك هزم ملكاً آخر, وإنما كان انتصاره على الروم انتصاراً لثقافة الأمة وحضارتها وعقيدتها يقول:

ولست مليكاً هازماً لنظيره

ولكنك التوحيد للشرك هازم

والمتنبي في هذه القصيدة لا يصور عواطف العرب الظافرين فحسب, وإنما يُعنى بتصوير أحوال المغلوبين, وعلى هذا الأساس جرت القصيدة في سبيلين متضادين في عواطفها, كما صورت جانبين من جوانب الفكر مختلفين, ولهذا جعل أسلوب التضاد القصيدة مكينة في الباب الملحمي.

لم يكن التضاد يستهدف في هذا النص المقابلة بين المفهومات فحسب, وإنما توزعت البنى اللغوية والفنية والفكرية على أساسه, ليستحيل أسلوباً في بناء النص عامة, ويمكن تبيان ذلك على النحو الآتي:

ـ لقد بدأت القصيدة بإقرار فكرة هي أدخل ما تكون في باب الحكمة, إذ نصت على أن العزائم تكون بقدر الهمم, وعلى هذا النحو تتعاظم إنجازات صاحب الهمة العالية, وهذا الكلام فيه إحالة على سيف الدولة صاحب العزم والإصرار على تحقيق الصنائع العظيمة التي لا يرجوها من فترت همته وخاف عواقب الأمور, والذي حرّك هذا المعنى في نفس المتنبي هو إقدام سيف الدولة لاسترداد ثغر الحدث بعد أن سلمه أهله للدمستق بالأمان, والمستطلع أحوال التاريخ في القرن الرابع الهجري يجد أنّ قوة العباسيين قد تراجعت بعدما تمزقت دولتهم وانقسمت إلى إمارات, ولم يعد هنالك من يرى في نفسه الرجل القادر على حماية الثغور من هجمات الروم التي ازدادت شراسة مع ما حدث للخلافة العباسية من انهيار, غير أن بطلاً كسيف الدولة أراد أن يحيي الصراع الطويل بين العرب والروم, الذي لم تؤذن لـه الظروف السابقة أن يحسم, إذ العرب لم يستطيعوا إنهاء حكم الروم في الأرض, كما أنهوا حكم الفرس, وكذلك لم تستطع الروم أن تطفىء جذوة العرب, من أجل ذلك ظل الصراع يشتد ويضعف بحسب قوة أحد الطرفين, فبعد إخراج العربِ الرّومَ من الشام لم تقم لهم قائمة, حتى تفتت الخلافة العباسية إلى دويلات متعددة, بعد انقضاء العهد العباسي الأول بمقتل الخليفة المتوكل في نهاية القرن الثالث الهجري, فعادت الروم إلى التخوم, وقد سجل لنا التاريخ حادثة شهيرة سبقت القرن الهجري الرابع يوم جرد المعتصم بالله جيشاً كبيراً ليحرز نصراً عظيماً على الروم في موقعة عمورية, وكان أبو تمام قد خلّد ذلك النصر في قصيدته البائية الرائعة, وبعد تلك الموقعة لم يسجل التاريخ صراعاً ذا شأن بين العرب والروم, بسبب انشغال العباسيين في أمور الدولة الداخلية, حتى إذا ما برز سيف الدولة على مسرح الأحداث عاد الصراع العربي الرومي من جديد, فخاض حروباً طاحنة, وأحرز انتصارات باهرة أجلّها ما كان في موقعة الحدث.

قيل إنّ سيف الدولة قد خرج لملاقاة الروم في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة للهجرة, حتى إذا ما وصل إلى ثغر الحدث بدأ يومه بخط أساس قلعته, فحفر أوله بيده, ثم بدأ البناء على مرأى الروم, فطلب الدمستق منازلته وتعداد جيشه يومذاك يزيد على خمسين ألفاً من الروم والبلغر والصقلب, فحمل عليه سيف الدولة في خمسمائة من جنده فهزمه وقتل من جنود الدمستق ثلاثة آلاف, وأسر خلقاً كثيراً منهم ابنه وصهره, ثم عاد إلى القلعة فأتم بناءها وقد وضع آخر شرفة من شرفاتها بيده.

هذا الصنيع الباهر كما يقول النص لم يكن من بين الصنائع العظيمة في عين سيف الدولة؛ لأنه كان يرنو إلى ما هو أعظم, وقد صاغ المتنبي هذه الصفة في نفس سيف الدولة على جهة التضاد معبراً عن خصلة تميز بها بطله هنا, إذ من شأن الصغير تعظيم الصغائر, في حين يتسامى العظيم على صنائعه العظيمة ليراها صغيرة وضيعة, وبعد ذلك تترى المفهومات التي تؤسس بنية التضاد على النحو الآتي:

ب4: بين (أحداثها) و(القشاعم) يريد صغار النسور وكبارها.

ب10 بين (الجنون) و(التمائم) حيث جعل الاضطراب بالفتنة بمنزلة الجنون الذي ألم بالحدث من جراء هجمات الروم المتكررة عليها, حتى إذا ما جاءها سيف الدولة أخمد الفتن, وأنهى ما كانت عليه من جنون, فكان مجيئه إليها وقتله الروم ونشره جثثهم بمقام التمائم التي أذهبت الرّوع عن البلدة, فعادت إلى هدوئها وسكينتها.

ب14. بين (هدمها) و(دعائم).

ب15 بين (مظلوم) و(ظالم).

ب18. بين (بشرق) و(غرب).

ب21. بين (تقطع) و(لا يقطعُ)

ب26. بين (النصر غائب) و(النصر قادم)

ب33. بين (قفاه) و(للوجه)

ب37. بين (يفهم) و(أعاجم)

ب38. بين (مغنوماً) و(غانم)

ب39. بين (التوحيد) و(الشرك)

ويجد الدارس أنّ هذه البنى المتقابلة تحيل على جانب واسع في التضاد يشمل العواطف في النص, إذ الشاعر فيه لم يهتم بإبراز عواطف المنتصرين فحسب بل رصد مقابلها عواطف المغلوبين, وفي تجسيده أحاسيس الظافرين يذكر:

ألا أيها السيف الذي لست مغمداً

لا فيك مرتاب ولا منك عاصم

هنيئاً لضرب الهام والمجد والعلا

وراجيك والإسلام أنك سالم

ب29: رصد المتنبي صورة للمعركة لا يراها سوى الظافر المنتصر حين جعل سيف الدولة ينثر الروم فوق الجبل كما تنثر الدراهم فوق العروس, وينطوي هذا المعنى على إحساس بالظفر والسرور البالغ. ـ ب30: يتابع المتنبي رسم مشهد الانتصار فإذا بسيف الدولة وجنده يتعقبون فلول الروم على قمم الجبال لقتلهم وجعل جثثهم طعاماً للطيور.

ب31: لقد سُرّت فراخ العقبان؛ لأنّ سيف الدولة أمدها بطعام وفير من جراء قتله جند الروم حول أوكارها.

وبالمقابل يرسم المتنبي صورة بائسة للروم, وهم يتجرعون كؤوس الهزيمة, ويتحسرون على قتلاهم:

ب33: إنّ الدمستق قد خانته شجاعته أمام سيف الدولة مرات عدة, فغدا وجهه يلوم قفاه على تسرعه في مواجهة الأمير, وهزيمته بسرعة في الوقت نفسه.

ب34: كان جنود الدمستق يستحقون منه الشكر لأن رقابهم كانت قد افتدته من القتل, فولى هارباً لا يلوي على شيء.

ب37. كان الدمستق يدرك مسبقاً ما تتركه سيوف العرب من آثار وخيمة على الخصم قبل أن يسمع صليلها, فصوت السيوف لا يفهم عادة غير أن الدمستق يعي أثرها في جنده, من هذه الجهة فهم أصواتها بطريق الاعتياد لا بطريق السماع.

ب38. لقد كان الدمستق بعد المعركة على غاية السرور, ولم يكن مسروراً بطبيعة الحال من جراء ما خسره من جند, أو بلاد؛ لأن ذلك عنده من الأمور الكبيرة, وإنما سُرَّ حين ظفر بسلامته, لأن شخصاً مهما بدا قوياً فسيف الدولة قاتله لا محالة.

ومن الواضح أن النص في رصده هذين الجانبين من العواطف المتضادة, عمد إلى تلوين معان مخصوصة بألوان التضاد بحسب مجريات سياقاتها, فلو وقفنا عند معنى السرور في الأبيات الآنفة الذي توسل إليه بعبارات مختلفة مثل نثر القتلى فوق الأحيدب كما تنثر الدراهم فوق العروس, إذ المنظر يبعث في نفس الشاعر سروراً, يعدل ما يشي به تعبير (تظن فراخ الفتخ أنك زرتها) إذ دلالة الزيارة تدور هنا حول السرور أيضاً, بوصفه حمل لها الطعام كما كانت تتوقع الفراخ حين تزورها أماتها, وهنالك سرور من نوع آخر وهو السرور الذي خامر فؤاد الدمستق حين ظفر بسلامته, وهنا يكمن تضاد يرجحه السياق مع ما يوجد فيه من تشابه في اللفظ, إذ سرور الشاعر وسرور العقبان مناقض لسرور الدمستق, ونجد أن الشاعر لم يعمد إلى المقابلة بين المواقف والصفات والعواطف فحسب, وإنما عمد إلى تلوين المعاني بأصباغ التضاد على مستوى السياق, وبذلك يخرج هذا الأسلوب عن كونه مجرد تعبير يجسد وضعين متعاكسين على مستوى البنى الصغرى للنص فحسب.

3 ـــ التضاد بوصفه تجاوزاً:

لقد أجرى المتنبي الأفعال في النص مجرى التضاد أيضاً, إذ عمد إلى المقابلة بين الفعل المضارع والماضي على نحو يدل على حالين مختلفين من أحوال الصراع: حال بائسة كانت فيه قلعة الحدث عرضة لعبث الروم, وحال حاضرة تنفست فيها ريح الحرية والظفر, وقد تركز ذلك الأسلوب في الأبيات:

ب16: بين (أتوك ـ يجرون), و(سروا)

ب17: بين (برقوا) و(تعرف)

ب19: بين (تجمّع) و(تُفهم)

ب20: بين (ذوّب) و(فلم يبقَ)

ب21: بين (تقطَّعَ) و(لا يقطعُ)

ب25: بين (ضممت) و(تموت)

ب30: بين (تدوس) و(كثرت)

ب32: بين (مشيّتها) و(تتمشى)

ب36: بين (مضى) و(يشكر)

إن استخدام الصيغ الفعلية بأزمنة مختلفة ضرب من التضاد يُحدث عناصر منكسرة تؤثر في الأسلوب على نحو واضح, على اعتبار أن دلالة الماضي مضادة لدلالة الحاضر, ومن الطبيعي أن تختلف المعاني باختلاف الأزمنة, ذلك لأن الحدث لا يتحول إلى الفعلية إلا إذا اقترن بزمن معين, ومن هنا يحدث التضاد فيما بين الأفعال من جهة إشارتها إلى الماضي أو الحاضر, ثم يحدث تضاد آخر في النص بين الأفعال بوجه عام والأسماء, من جهة اختصاص كل منها بحال من أحوال الدلالة, فالأفعال تختص بالدلالة على الحركة على اعتبارها أحداثاً مقترنة بأزمنة, وتختص الأسماء بالدلالة على حال الثبات والسكون وتحيل على الوصفية والتأمل لكونها أحداثاً معزولة عن الزمان, والنص الذي بين أيدينا عمد إلى هذا النوع من المقابلة بين الفعلية والاسمية كما في قوله:

خميسٌ بشرق الأرض والغرب زحفه

وفي أذن الجوزاء منه زمازم

وقوله:

لك الحمد في الدر الذي لي لفظه

فإنك معطيه وإني ناظم

 
التعديل الأخير بواسطة المشرف: