• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

موضوع في الفن مع الإصلاح

  • بادئ الموضوع بادئ الموضوع hala
  • تاريخ البدء تاريخ البدء

hala

عضو نشيط
منتدى تونس التّربوي
المشاركات
585
الدّولة
TUNISIE
الولاية
TUNIS
م. الدّراسي
ماجستير
الاختصاص
تاريخ
المهنة
طالبة
موضوع في الفن مع الإصلاح
________________________________________
الموضوع:إذا كان الفنان لا يكترث بالحقيقة، فما الذي يبرّر إبداعه لحقيقة ؟
لئن أصبح تقليدا منذ بواكير الخطاب الفلسفي الأوّل قائما أساسا على مطلب الحقيقة والسّعي إلى بلوغها، فإنّ ما يجذب الفيلسوف والعالم والسياسي والإنسان عامّة إنّما هي الرغبة الشديدة من أجل معرفة الحقيقة لكن هذه المعرفة تقتضي أولا استخدام العقل، في حين يسحب الفنان هذه الغاية من أجل تأصيل حقيقة قائمة على خياله ووجدانه وربما حدسه أيضا، إلى درجة أنّ البعض افترض أنّ الفنّان لا يكترث بالحقيقة ولكنّه رغم ذلك يبتدعها.
فهل نحن في الفن أمام مجال التنصّل من الحقيقة أم تثبيتها ؟ وما هو نوع الحقيقة التي لا يبالي بها الفنان ؟ وأيّة حقيقة يبتدع؟

إنّ في تحليلنا لأبعاد هذه الإشكاليّة ولأهمّ الرهانات الداعية إليها، نعيّن موقع الحقيقة من نشاط بشري مميّز وفريد اصطلح عليه بالفن، إذ ما يشدّ الانتباه هنا ليست الحقيقة القطاعيّة وإنّما هي الحقيقة الواحدة والمخصوصة أي الحقيقة التي تختلف شكلا ومضمونا مع أجناس الحقائق الأخرى وهي التي يخلقها الفنّان.
إذا كان هدف الفنان ليس معرفي أساسا ولا يتلخّص أبدا في معرفة الحقيقة بقدر ما يسعى هذا الأخير إلى الابتكار والإنشاء وهذا هو المعنى الدال في صيغة السؤال نفسه الذي ورد في شكل افتراض قائما على أداة نفي "إذا كان... لا" فهذه الصيغة تهدف أساسا إلى تثبيت نوع الحقيقة التي لا يبالي بها الفنان وبيان الحقيقة التي يراهن عليها، نستنتج إذن أنّ صيغة السؤال القائمة على الافتراض تطالب الفنّان بتحديد *** الحقيقة التي تتناقض مع الحقيقة التي لا يكترث بها أصلا، فعدم الاكتراث قائم على اللامبالاة والتجاهل واللاّ اعتراف وينسحب هذا بدوره على اللاّ مرونة في مصطلح الحقيقة ذاته. فهذا المصطلح يحمل في دلالات متنوّعة وثريّة جدّا إلى حدّ أنّنا لا نستطيع معرفة معنى الحقيقة. فالمطلوب هنا الانتقال من سؤال، ما الحقيقة؟ إلى سؤال ما حقيقة؟ هذا السؤال هو الذي يجعلنا نتوقف على معنى الحقيقة كما يذهب إليها الفنان الذي يخلّص هذا المعنى من جملة التصوّرات فتصوّر أوّل باسم الفيلسوف حيث الحقيقة عنده هي في مقابل الخطأ وهي اليقين الذي نتوصّل إليه حينما نستبعد فلسفيّا الرأي الوثوقي القائم على التصديق، وتصوّر ثاني باسم العالم سواء في مجال الرياضيّات حيث الحقيقة صوريّة صرفة نتوصّل إليها بالافتراض والاستنتاج والعلوم التجريبيّة حيث تتعلّق الحقيقة بالظواهر الطبيعيّة والوقائع وتحصل الحقيقة بتآلف النظري بالتجريبي. نلاحظ إذن تجانس معنى الحقيقة القائمة على مبادئ العقل إذ متى تطابق العقل مع الواقع الخارجي نكون إزاء الحقيقة الموضوعيّة. وهذا صراحة ما لا يبالي به الفنان، فلماذا ؟ حين يبحث الفنان عن الحقيقة يتجنّب قدر الإمكان استخدام العقل لأنّ الخيال هو دعامة الفن فلو تقيّد الفنان أو التزم بالحقيقة الموضوعيّة لأضاع منه كل ما ميزة له، بمعنى أنّ الالتزام بالحقيقة الذي هو فضيلة لا يمكن الاستغناء عنها في حالة السعي للمعقوليّة ضمن مجال العلم والفلسفة، فذلك قد يبدو علامة نقص ومظهر ضعف حين يكون هدف الفنان خلق عمل فني يتّسم بالجمال بما هو نتاج لخيالاته وأحاسيسه وحالاته الوجدانيّة. فالفنان صاحب خيال واسع بل يضفي على صور العالم رؤى خياليّة ويجسّم في النهاية هذه الرؤى على أنّها حقائق بإمكاننا مشاهدتها في آثاره الفنيّة لذلك علّق برقسن "للفنان عين ميتافيزيقيّة" يترتّب عن الفارق السابق أنّ إلتزام الفنان بالحقيقة الموضوعيّة أو العينيّة يجعله مقيّدا وملتزما بما هو موجود في حين أنّ سعيه للجمال من خلال الخيال سعي حرّ وطليق لا تتحكّم فيه ضوابط ولا جبريّات ولا قضاء ولا قدرة، إنّه يتعمّد مخالفة النظام الفعلي للأشياء لأنّه يصوّر الأشياء على نحو مغاير لما هو موجود، أو ربما خلق لنفسه في مجال فني ما عالما خاصا به، وكمثال على ذلك الفنان الموسيقي يخلق لنفسه عالما خاصا من الأصوات المتآلفة عن طريق آلاته الموسيقيّة التي تصدر أصواتا لا وجود لها أو لمثلها في الطبيعة فيتحرّر بذلك من قيود الصمت الطبيعي أنّه بذلك ليس حبيس الطبيعة وإنما يخلق لنفسه حقيقة خاصّة، هذه الحقيقة الذاتيّة هي التي تجعلنا نتحرّك دون ضوابط فلا أحد في النهاية يرغمه على خلق هذه الحقيقة أو كيفيّة خلقها، فهو السيّد الأوحد والخالق الوحيد لهذه الحقيقة في هذا المجال. فضمن هذا العالم التي تحكمه الضرورة والحتميّة يتعين على كل من يسعى لكشف الحقيقة أن يكون موضوعي في تفكيره وفي نظرته للظواهر وعل عكس ذلك نجد الفنان منحازا عاطفيّا وحدسيّا وحسيّا للحقيقة التي يتلذذها لا بعقله بل بحواسه لذلك قال دي فينشي "العين تخطئ أقل مما يخطئ الفكر" فالعمل الفني إذن هو الذي يصوّر الحقيقة من خلال جملة من الخطوط والأشكال والألوان والمساحات بل أشكال هندسيّة تتخذ صورة المكعّبات كما هو الشأن لدى المدرسة التكعيبيّة.
إن ما تكشف عنه هذه الأطروحة ضمنيّا هو خاصّة في بيان قدرة العقل على تغليف الحقيقة و إخفائها، فبواسطة مخيال الفنان يقع كشفها ورصدها لأنّها حقيقة مبتكرة ومبتدعة. كما أنّ الفنان هو الوحيد القادر على استبعاد الحقيقة كمفهوم تمّ تجريده بواسطة العقل ليثبت الحقيقة الحسيّة التي يتمّ رؤيتها في مستوى الأثر الفني بما هو لغة الفنان الذي يحمل مقاصده وتصوّراته .
فقيمة الفن لا تكمن في تجميل ما يظهر بل في إظهار ما لا يظهر، إذ من استتبعات اعتبار أنّ قيمة الفن تكمن في تجميل ما يظهر الانزلاق في مجرّد المحاكاة والاكتفاء بنسخ ما يوجد من جمال في الطبيعة في حين علّمنا هيغل أنّ الجمال الفني يسمو دائما على الطبيعي إذ في هذا المجال تأكيد عل استقلاليّة الفنان وتحريره من القانون الطبيعي أو الجبريّة الطبيعيّة فهو ليس مطالب بأن يلتزم في أعماله بتقليد الطبيعة تقليدا كاملا، الشيء الذي يلغي قيمة الإبداع والحال أنّ الموضوع يطالبنا بضرورة إبراز الحقيقة التي يقدّمها لنا الفنان.