- المشاركات
- 1,068
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- نابل
- م. الدّراسي
- جامعي
- الاختصاص
- علوم
- المهنة
- طالبة: عربية
دلالات: الغير ذلك الأنا الذي ليس أنا.
الإنسان كائن اجتماعي، و اجتماعيّته هذه تعني و تقتضي التفاعل معالآخرين أي مع الغير. و إذا كان تفاعلي مع الأشياء و تمييز نفسي عنها لا يكاد يطرحمشكلة، فالأمر خلاف ذلك فيما يخصّ الغير، لأنّه ببساطة ذلك الشبيه المختلف: إنّهشبيهي ما دام يشاطرني كثيرا من الصفات العامة (الفيزيولوجية، النفسيّة، السلوكيّة...)،لكنّه لا يفتأ يؤكّد ـ ضمن هذا التشابه ـ اختلافه عنّي في مؤهّلاته و اختياراته و رغباتهو مشاريعه ...
إشكالية وجود الغير:
عرّف سارتر: بأنّه "الآخر، الأنا الذي ليس أنا" أي ذلك الوعي و تلك الذات المباينة، المنفصلة عن ذاتي و وعيي ؟ كيف يمكن لذاتي أن تدرك وجود الذوات الأخرى ؟ هل يمكن و الحالة هذه إثبات وجود مثل هذه
الذات (المفكّرة حتما) بواسطة الأسلوب الديكارتي الشهير مثلا ؟ ما علاقة وجوده بوجودي ؟ هل يرتبط و يتوفّق وعيي بوجودي على وعيي بوجود الغير أم ينفصل و يستغني عنه ؟
تنبيــه: يمكن استثمار معطيات هذا المحور لمعالجة قضايا و إشكالياتعديدة: الغير كأنا آخرـ مفهوم الوعي أو الذات المفكّرة ـ علاقة أو ضرورة وجود الغيربالنسبة لوجود الأنا ـ الوجود و الاعتراف بالوجود ـ مكانة الغير في عالم الذات ...
يلاحظ أنّ وجود الغير يمثّل بالنسبة للحسّ المشترك قضيّة بديهيّة مسلمابها. و كلّما تماهينا مع الحسّ المشترك بداخلنا و افتقدنا الخاصّية النقدية الاستفزازيّةللتفكير الفلسفي، إلاّ و صعب علينا إدراك جوهر إشكالية وجود الغير و مكامن الصعوبةو التعقيد بداخلها. و في الواقع فهذه إشكالية حديثة في تاريخ الفلسفة نفسه. و قد طرحتنفسها بحدّة انطلاقا من الفلسفة الديكارتية: ذلك أنّ اكتشاف الذات كمصدر للحقيقةو مرجع للحكم قد فجّر ـ ليس فقط إشكالية وجود العالم و الأشياء ـ بل و إشكالية وجودالذوات الأخرى (الغير) أيضا: من المعروف أنّ إثبات وجود الذات أو ما يعرف بالكوجيطويأتي تتويجا لمغامرة الشكّ الشامل. إنّ الشكّ هو الحقيقة الأولى التي لا نستطيع الشكّفيها دون أن نؤكّدها، و الشكّ يكشف إذن عن وجود الذات و طبيعتها المفكّرة. و لكن بما أنّالكوجيطو ترجمة لوعي الذات بنشاطها المفكّر وعيا مباشرا بواسطة حدس باطني، فهل يمكناستعمال الكوجيطو في غير ضمير المتكلّم و استغلال قوّته الإثباتيّة في إثبات وجود الغيركذات و أنا واعية ؟ إنّ ديكارت وهو ملتزم بالحذر المنهجي و بأن لا يعلن قضيّة على أنّهاحقّ قبل اجتيازها اختبار الشكّ الصارم، يعلن أنّه عندما ينظر من النافذة إلى الأسفليحكم بأنّه يرى أناسا يسيرون في الشارع رغم أنّه لا يدرك في الحقيقة غير قبّعات و معاطفقد تكون غطاءا لآلات تحرّكها لوالب !! و بالمثل فإنّ الإعلان عن وجود الغير كذات لا يمكنالنظر إليه إلاّ كاستدلال عقلي قائم على ملاحظة التماثل في الصفات بين الأنا و الغيركالكلام و السلوك التلقائي الذكي..، ثمّ الاستنتاج بأنّها تمظهرات دالّة على وجود ذاتمفكّرة واعية يستحيل إدراكها مباشرة لأنّ ذلك مناقض لمعنى الوعي باعتباره حضور الذاتإزاء نفسها. و لكن ما المشكلة في مثل هذا الاستدلال ؟ على عكس حكم الحدس يظلّ حكمالاستدلال ـ و من ثمّ وجود الغير ـ احتماليّا مفترضا و جائزا لا يبلغ درجة يقين وجود الأناأفكّر. نحن أمام مذهب فلسفي تنتهي نتائجه إلى "وحدانيّة الذات " التي لا تستطيع أنتجزم يقينا سوى بوجودها الخاصّ، و ذلك بسبب تبنّيها لمفهوم الوعي باعتباره تطابق الأنامع ذاته.
لكن هل يمكن حقا لفعل الوعي أن يستغني عن حضور الغير والعلاقة به بشكل من الأشكال؟ هل يمكن لكائن و لموجود وحيد في عزلة أنطلوجية مطلقة أن يعي ذاته و يشير إليها بضمير "أنا" ؟
يتناول هيغل التركة الديكارتية من زاوية مغايرة: فالوعي ليس كياناميتافيزيقيا مجرّدا ثابتا أو معطى أوّليا إنّه بالأحرى كيان ينمو و يتطوّر في علاقته بماعداه من الأشياء (الطبيعيّة) أوّل ثمّ الغير (وعي الذات الأخرى) ثانيا. كيف ذلك ؟ منالمعروف أن المنطق الجدلي عند هيغل يؤكّد على مبدأي التناقض و الصيرورة التي تتجلّىبوضوح في العمليّة الثلاثية المستمرّة: الأطروحة ـ النقيض ـ التركيب؛ و بعبارة أخرىفكلّ كائن يحمل بالضروة نقيضه كشرط لوجوده و من ثمّ فالوعي يحمل بالضرورة نقيضه كعنصرسلب و نفي متمثّل في ما سواه. يتّخد هذا الأخير شكل الطبيعة أوّلا: فمن خلال تغييرهاو ترك آثار عليها وإشباع الحاجات البيولوجية، يبدأ الوعي في اكتشاف نفسه
و "وعيها"، لكن هذا الاكتشاف لا يتجاوز درجة الإحساس المباشر بالذاتالتي تظلّ مع ذلك غارقة و منغمسة في الطبيعة لكون رغباتها لا تتجاوز الرغبات الطبيعية،لكن هذا يدلّنا على كلّ حال على أهميّة "التوسّط" في وعي الذات، و بعبارة أخرى لا يمكنللوعي أن ينبثق من خلال العلاقة المباشرة للأنا بذاته بل عبر آخر يتوسّط بينه و بينذاته و لن يكون هذا الآخر في المرحلة التالية سوى الغير أو الذات الأخرى التي يتعيّنأن يكتشف الأنا نفسه فيها من خلال اعترافها به. هكذا ينتقل الأنا من الرغبة في شيءطبيعي إلى الرغبة في رغبة أخرى هي هذا الاعتراف الذي لا يمنح بشكل سلمي لأنّه اعترافمنشود من الطرفين معا. على ضوء هذا التحليل يقرأ هيغل علاقة أو "جدلية السيّدو العبد" باعتبارها أوّل علاقة إنسانية مدشّنة للتاريخ البشري: إنّها علاقة فردينيغامران بحياتهما و يسموان فوق الطبيعة بدخولهما في صراع ينشدّ فيه كلّ طرف موت الآخر،بيد أنّ المنتصر في نهاية المطاف يبقي على حياة المنهزم لأنّ موته لا يحقّق الاعترافالمنشود. إنّ السيّد و العبد وجهان لعملة واحدة هي وعي الذات: الأوّل وعي لذاته خالص،و الثاني وعي تابع أو "وجود ـ من ـ أجل ـ الغير". صحيح أنّ علاقة الأنا بالغيرلا تتّخد دوما هذا الطابع الدراماتيكي، لكن الصراع الضمني أو المعلن يظلّ خاصّيتهاالمؤسّسة. لأنّ كلّ علاقة من هذا القبيل هي نشدان للاعتراف أو بالأحرى انتزاعله.
تدفعنا المقاربة الهيغيلية إلى القول بأنّ وعي الذات يقتضي وعيالغير، و أنّ الأنا و الغير ينبثقان من خلال علاقتهما و ليس قبلها. و نضيف تأكيدا لضرورةوجود الغير بالنسبة لوجود الأنا حالة " الأطفال المتوحّشين" الذين لاحظ إتيان مالسونأنّ بعضهم يشكو من ضعف أو غياب سيرورات الوعي بالذات كعدم التعرّف على النفس فيالمرآة و عدم القدرة على الإحساس بالفخر و الخجل... بسبب افتقادهم طيلة طفولتهم إلىالعلاقة مع الغير. إنّها إذن علاقة ضروريّة في سيرورة نموّ الوعي و ظهوره. و لنسألأنفسنا أخيرا: هل يستطيع الواحد منّا أن يعتبرنفسه ذكيّا أو بليدا، ودودا أو حقودا،جميلا أو ذميما، بطلا أو جبانا... من غير أنّ نكون قد استخلصنا ذلك من نظرة الغير أوشهادته ؟
إشكالية معرفة الغير:
تنبيــه: يمكن استثمار المعطيات اللاحقة لمعالجة إشكالات موازية مثل:التواصل مع الغير، الاعتراف بالغير و احترامه أو إقصاؤه، الغير و المشاركة الوجدانية،الغير كذات أو كموضوع، الاتّصال و الانفصال بين الذوات...
لنطرح قضية الغير بتجريد أقلّ: كيف يتبدّى الغير لذاتي ؟ كيف أعرف الغير ؟ و هل هذه المعرفة ممكنة أصلا ؟ إذا انطلقت من افتراض معرفتي لذاتي و لحالاتي النفسيّة الشعوريّة بواسطة إدراك و وعي باطني مباشر، فكيف السبيل لمعرفة الغير؟ ألا تحيله عملية المعرفة إلى موضوع و تنفيه كذات ؟ يبدو أنّ إثبات التلازم الجدلي بين الأنا و الغير عند هيغل لا يتمّ إلا ّمن خلال الطابع الصراعي لعلاقتهما، أفلا يحضر هذا الطابع الصراعي أيضا على مستوى العلاقة المعرفيّة ؟ إذا كنت في معرفتي لذاتي أؤكّدها من خلال وعيي المباشر بحالاتي النفسيّة الداخلية، أفلا تعني معرفة الغير تحويله إلى موضوع و من ثمّ نفيه كذات ؟
تحيل العلاقة المعرفية على ذات و موضوع: ذاتتمارس فعل المعرفة مكرّسة بذلك حرّيتها و تلقائيتها و فعاليتها، و موضوع خاضع لشتّىالعمليّات المعرفيّة كالإدراك و الحكم و التصنيف أو حتّى الشكّ و النفي. إنّه إذن تحت رحمةالذات أو "الأنا أفكّر" مجرّدا من صفات الذات كالتلقائية و الحرّية غارقا في العطالةكالأشياء. و هذا ما تؤكّده على نحو ملموس تحليلات سارتر لتجربة الخجل الناجمة عن نظرةالغير: فقبل الخجل يتصرّف الأنا في تطابق مع ذاته بحرّية و تلقائية، إنّه مركز عالمهالداخلي، و ما إن يحسّ الأنا حضور الغير من خلال نظرته، حتّى تتّجمد حرّيته و عفويته (التوتّر ـ الارتباك ـ الإحساس بالتفاهة ...) و ينسحب من مركز عالمه إلى هامشه،و قد تحوّل إلى موضوع أو شيء . يقول سارتر: "عندما ينظر إلى الغير فهو يفرض نفسه خارجاعنّي ليحوّلني إلى شيء قادرا على تأويل سلوكي و إعطائه معنى قد لا يكون هو المعنىنفسه الذي أقصده، و بذلك أسقط تحت رحمته و سلطته... " و ذلك لأنّي أحسّ أن صورتي كمايراها الآخر مستقلّة عنّي في وجودها كصورتي الفوتوغرافية، و يرجع سارتر الطبيعةالتشييئية لعلاقة الأنا بالغير إلى أنّ هذا الأخير هو "لا ـ أنا" ممّا يعني السّلبو النفي و الانفصال، هذا الانفصال الذي تؤكّده واقعة الانفصال الأمبريقي بين جسمينا.وهكذا لا يمكن للغير أن يتبدّى لي (و العكس صحيح) سوى كـــ"شيئ في ذاته" و لعلّ خير مايلخّص التصوّر السارتري السابق هو عبارته الشهيرة "الجحيم هم الأخرون."
في نفس السياق القائل باستحالة أو على الأقلّ صعوبة معرفة الغيريندرج تصوّر غاستون بيرجي حول عزلة كلّ ذات داخل عالمها الخاصّ بسبب استحالة التعبيرعن العالم الحميمي للذات، عندما يقول: " إنّ ما هو خاصّ به، ما هو حميمي و ما يميّزنيعن الأخرين يشكل أكبر عائق أمام كلّ محاولة للتواصل مع الغير: فأنا الوحيد الذي أملكروحي، لكنّي سجينها في نفس الوقت، و حتّى عندما أرغب في الخروج منها للتواصل أفشل، لأنّحركاتي و كلماتي ليست سوى تلميحات و إشارات إلى ما أحسّه لكن الآخر المستمع لا يعيشهذا الإحساس! إنّ ألم و معاناة الآخرين هي التي تكشف عزلة الذوات على بعضها ".هل يمكن و الحالة هذه أن نعلن استحالة معرفة الغير و أن نجعل من الذوات جزراو قلاعا حصينة مغلقة أو" مونادات " بتعبير لايبنز ؟ الواقع أنّ تحليلات فلسفية عديدةترى غير ذلك: فهذا ميرلوبونتي يقوم بوصف فينومينولوجي لعمليّة التواصل ليستدلّ بهاعلى إمكانيّة معرفة الغير معتبرا أنّ العلاقة مع الغير لا تحوّله إلى موضوع و تنفيه.و أنّ النظرة لا تشيّؤه إلاّ إذا كانت نظرة نافية لإنسانيته بإصرار مسبق: أي نظرة تفحّصو مراقبة لا نظرة تفهّم و تقّبل (كنظرة الأمّ وهي تتابع مشجّعة خطوات ابنها الأولى)،و إلاّ إذا انسحبت كلّ ذات إلى طبيعتها المفكّرة و تموقعت داخل تعالي الكوجيطو متّخدة ماعداها مجرّد موضوعات لعمليّاتها المعرفية. و بالمقابل فإنّ أبسط تجارب التواصل بعد صمتلا تنقل إلي بعض أفكار الغير وأصواته فحسب، بل وعالمه الذي كان يتبدّى لي من قبلمتعاليا غريبا منفصلا عن عالمي. إنّ التواصل يثبت أنّ الاختلاف و المغايرة بين الذواتليست من نمط الاختلاف الطبيعي ( كذاك القائم بين شيئين: طاولة و كرسي حيث الهوّة والانفصال) بل اختلاف إنساني لا يلغي التقاطع ضمن المجال "البينذاتي" المشترك.لهذا السبب لا يتحدّث ميرلوبونتي عن المعرفة (connaissance) بل عن الانبثاق المشترك (co-naissance ).
لكنّ الإقرار بإمكانيّة معرفة الغير لا يمنعني من البحث عن أنماطو طرائق هذه المعرفة، لأنّ التواصل يفترض وجود علامات، سنن و قنوات. و في هذا الإطاريبدو كما لو أنّ معرفتنا بالغير قائمة على نوع من الاستدلال الضمني هو "الاستدلالبالمماثلة"، فإذا كانت حالة الخجل تترافق عندي مع احمرار الوجه، و الألم مع البكاءو بعض الكلمات مع بعض المعاني أو المشاعر، فإنّي أسارع إلى تأويل احمرار الوجه كعلامةعلى خجل الغير، كما أنسب إلى كلماته المعاني و المشاعر المعهودة لديّ... و هكذا. إنّمعرفة الغير على هذا النحو قائم على افتراض أنّ الغير شبيه و مماثل للأنا، و أنّالعلامات الخارجية الصادرة عنه ( كلمات، حركات، تعابير الوجه...) تترافق مع حالاتنفسية داخلية معيّنة كما هو الحال لدى الذات، إنّنا ببساطة لا نعرف الغير مباشرة، بلعبر وساطة ما يصدر عنه من علامات. غير أنّ تناول معرفة الغير على هذا النحو يطرحصعوبات و استحالات: فقد يظهر الغير خلاف ما يبطن قاطعا الصلة بين الحالة النفسيةوعلاماتها المعهودة، و قد تفشل التعابير الخارجية (الكلمات مثلا ) في التصوير الدقيقلتلوينات المعاني و الأحاسيس و المشاعر، بل هناك ما هو أكبر من ذلك: عندما أدرك وراءاحمرار وجه الغير خجله، فأيّ خجل أدرك بالضبط ؟ ألا أستحضر هنا تجربة خجلي الخاصّةلفهم خجل الغير؟ ألا أدرك إذن خجلي الخاصّ فحسب ؟ إنّني ألتقي هنا مجدّدا بذاتي أناو ليس بذات الغير ما دمت أختزل خجل الغير إلى خجلي الذي سبق أن خبرته و عشته ؟
إنّ معرفة الغير من خلال استدلال المماثلة تنتهي إلى تناقضات كثيرةنعيها بدرجات مختلفة في حياتنا اليومية، لذلك يرى ماكس شيلر أنّه لتجاوز هذهالصعوبات، ينبغي تجاوز الخلفيات الميتافيزيقية للتحليل السابق الذي يتناول الغير منخلال ثنائيات النفس/ الجسم أو الظاهر / الباطن و اعتبار الغير كلّية أو كلاّ موحّدالا يقبل التجزئة و الانقسام ولا يحيل فيه ظاهر مادّي (جسدي) على باطن أو عمق مستحيلالمنال، بل إنّ حقيقته و هويّته مجسّدتان فيه كما يظهر و يتجلّى للأنا: إنّ حركاتالتعبير الجسدية لديه حاملة لمعناها و دلالاتها مباشرة كما تظهر. و ينبغي التشديد علىهذه الكلمة الأخيرة لأنّها تدلّ على أنّ التحليل الظاهراتي أو الفينومينولوجي (أي وصفالتجربة المعيشية مباشرة قبل خضوعها للمعالجة العقلية المجزّئة) يظهر أنّ معرفتناللغير هي معرفة كلّية مباشرة لا يمكن تجزئتها إلى عناصر و مراحل دون الإخلال بحقيقتها:فعندما أدرك فرح الغير، فإنّي لا أدرك ابتسامته أوّلا منفصلة عن فرحه الداخلي الذيأستنتجه لاحقا، بل أدرك الأمرين معا ككلّية متزامنة. و ممّا يدلّ على الطابع المباشرلعلاقتنا المعرفية بالغير، قدرة الرضيع على التجاوب مع أمّه و الردّ على ابتسامتهابابتسامة مماثلة مدركا مشاعر الأمان و الحنان و التشجيع الكامنة خلفها وهو غير قادربعد على القيام بأي نشاط استدلالي معقّد. ألا يشهد ذلك أنّ معرفتنا للغير تفترض نوعامن التعاطف و المشاركة الوجدانية بين الذوات. وهي مشاركة تبدو كمعطى شبه غريزيو كشرط لاندماج الكائن البشري ضمن جماعة الذوات الأخرى. و إذا استعملنا مصطلحاتدلتاي سنقول بأنّ معرفة الغير تنتمي إلى مجال الفهم لا إلى مجال التفسير.
هكذا تبدو معرفة الغير أكثر تعقيدا ممّا يتصوّر الحسّ المشترك، بحيثتصدق هنا مقولة التوحيدي: " لقد أشكل الإنسان على الإنسان" وهو تعقيد يتزايد عندمانتأمّل تعدّد وجوه الغير.
وجوه الغير: الصداقة و الغرابة:
و لنطرح القضية بتجريد أقلّ مما سبق: كيف أقرأ علاقاتي المختلفة بالغير؟ ألا تدلّني هذه العلاقات من جهة، على إمكانية التواصل و التماهي معه، كما في حالة الصداقة و الصديق؟ و على حقيقة الانفصال و الاختلاف الجذري و اللاتواصل و اللاتفاهم كما في حالة الغريب من جهة ثانية ؟ و عليه ألا يثير الغير بسبب تماثله و مغايرته مشاعر الاحترام و الاعتراف و أيضا الإقصاء و النفي ؟ و باختصار: كيف أتعرّف على غيريّة الغير و كيف أقرؤها ؟ !
تنبيــه: يمكن استثمار المعطيات اللاحقة كنماذجتطبيقية و أمثلة ملموسة أثناء الاشتغال على إشكاليات متعلّقة بوجود الغير أومعرفته.
ليست علاقتنا بالغير مجرّد علاقة معرفيّة، بل هي علاقة مركّبة:عاطفيّة، وجدانية، اقتصاديّة، سياسية... و لذلك لا يمكن فهمها في المجرّد و المطلق بلبالتخصيص و التمييز: إذ يختلف تناول إشكالية وجود الغير و علاقته بالأنا أو معرفته أوأشكال التواصل معه أو إمكانية احترامه أو نبذه... حسبما إذا كان هذا الغير صديقا أوغريبا مثلا.
من بين كلّ الأغيار، يمثّل الصديق نموذجا لكلّ القيم الإيجابية، فلاعجب أن تكون لفظة الصداقة ـ في اللغة العربية ـ مشتقّة من الصدق الذي يعني الحقيقةو القوّة و الكمال. بل لقد ذهب القدّيس أوغسطين إلى "أنّنا لا نعرف أحدا إلاّ بواسطةالصداقة"، ذلك أنّه مادام التواصل سبيلا للمعرفة بما يخلقه من مجال بينذاتي مشترك،فإنّ هذا المجال يبلغ أقصى درجات اتّساعه في علاقة الصداقة. و إذا كانت كل علاقة للأنابالغير هي ـ بطريقة ما ـ نشدان الاعتراف، فلربّما كانت الصداقة من الأنماط العلائقيّةالقليلة التي يمنح فيها هذا الاعتراف بشكل سلمي باعتبارها علاقة ودّ و حبّ خالصينبعيدا عن كلّ نزوع نحو امتلاك المحبوب و الاستحواذ عليه كملكية خاصّة. و لعلّ ما يميّزالصداقة حسب كانط هو جمعها بين مطلبين يصعب الجمع بينهما: الحبّ بما يعنيه من اقترابو تماه و الاحترام بما يعنيه من ابتعاد و تقدير.
و لكن أيّ نوع من الصداقة هذا الذي يحقّق هذه الشروط ؟ فالصداقة ثلاثةأنواع حسب أرسطو: صداقة المتعة حيث الجامع شيء أو موضوع للمتعة المشتركة؛ صداقةالمنفعة حيث الرابط هو المنفعة المتبادلة ثمّ الصداقة الحقيقية: صداقة الفضيلة التيتقوم على حبّ الخير لذاته و للأصدقاء، دون أن تلغي إمكانية حضور المتعة والفائدةكنتيجتين لا كغايتين. و قد ذهب أرسطو إلى حدّ القول بأنّ الصديق الجدير بهذا الاسم هوذاك الذي إن خاطبته كدت تقول: " يا أنا " من حيث أنّه " إنسان هو أنت، لكنّه بالشخصغيرك". و بعبارة أخرى، فإنّنا نعثر في الصديق على ذاتنا لما بيننا من تشابه و تطابق.لكن هل نحن فعلا نصادق الصديق لأنّه شبيهنا كما ذهب إلى ذلك أيضا أنبادوقليد ؟ أمّالأنّه ضدّنا و نقيضنا كما ذهب إلى ذلك هرقليط ؟.
لقد فحص أفلاطون في محاورة ليزيس كلا الاحتمالين و استبعدهما وانتهى إلى أنّ الصداقة علاقة محبّة و ميل و رغبة متبادلة بين الغير و الأنا أساسهاحالة وجوديّة وسط بين الكمال المطلق (الخير الأقصى) و النقص المطلق (الشرّ الأقصى)،لأنّ الخير مكتفٍ بذاته مستغنٍ بكماله عن غيره، و من يتّصف بالشرّ و النقص المطلقينلا يجد في نفسه الرغبة ولا الحاجة بل و لا يجد القدرة على إدراك الخير و الكمالو طلبهما. إذن فأساس الصداقة هو انطواء كلّ كائن على مبدإ نقص و عدم كفاية. لكن علينابالمقابل أن نستحضر على الدوام أنّ الصديق يظلّ غيرا مهمّا بلغة درجة التطابق والتماهي أي يظلّ دوما غير قابل جزئيّا إلى أن يردّ أو يختزل إلى الأنا و كلّ محاولةلفهمه تترك دوما بقيّة من عدم الفهم ممّا يجعل الصداقة تفاهما و وفاقا مستمرّين غيرمحدودين. إنّها "الغيريّة الجذريّة" بتعبير "غيوم و بودريار".
ذلك إذن هو الغير عندما يتّخذ وجه الصديق. فلْنرَ الآن وجها آخر علىالطرف النقيض وهو الغريبإذا كان الصديق عنوانا للثقة و المعرفة و الاقتراب والاحترام فإنّ الغير يبدو للوهلة الأولى عنوانا للحذر، للمجهول، للنكرة، للابتعادو الإقصاء. لكن من هو الغريب تحديدا ؟ إنّه مفهوم زئبقي لأنّه يتحدّد دوما كغريب بالنسبةلجماعة مرجعيّة ما؛ إنّه ذلك الذي لا يشاطر أعضاء الجماعة مرجعيّتهم المشتركة، ذلكالذي يجرّ خلفه ثقافة مغايرة مجهولة، إنّه الدخيل بكلّ بساطة، و باعتباره كذلك فقد نظرإليه عبر التاريخ كمسؤول عن كلّ شرور المدينة أو الجماعة و الذي يتعيّن القضاء عليهلإعادة السّلم إلى الجماعة. إنّ هذا الموقف الإقصائي حاضر بقوّة في كلّ مكان بدءا منساكن المدينة الذي يعتبر نفسه "مدينيا" أصيلا محمّلا جميع مشاكل المدينة إلى هؤلاءالغرباء "البدو" القادمين من البعيد، وصولا إلى الخطابات السياسية القائمة علىكراهية الأجنبي المهاجر و ضرورة طرده كحلّ للأزمات ... . لماذا و هل ينبغي أن يكونالغريب دائما اسما مستعارا للحقد و الإقصاء ؟
تقوم سيكولوجية الجماعة على تطابق الأنا أو الذوات الفرديّة معالنحن / الجماعة انطلاقا من آليات معقدّة للتنشئة الاجتماعية، مع اعتقاد راسخ فيالطابع الخالص لهوّية الجماعة و ثقافتها. ممّا يسهّل على أفراد الجماعة التعرّف علىبعضهم و استبعاد كلّ غريب و آخر، و هنا تتساءل الفرنسية ذات الأصل البلغاري "جولياكريستيفا": ألا تحمل كلّ جماعة غريبها في ذاتها قبل قدوم الغريب الأجنبي ؟ و ذلكعندما يشعر أفرادها بالرغبة في التمرّد على روابط و قيم جماعتهم و وضعها موضع تساؤل وتشكك أو عندما لا يستطيعون العثور على "أناهم" من خلال "نحن" الجماعة. و هل هناكجماعة ذات هوّية خالصة تبرّر استبعاد العناصر الأجنبية عنها ؟ ما الهوّية المغربيةمثلا ؟ أليست مزيجا من هوّيات أمازيغية، إفريقية، عربية، إسلامية، أندلسية،غربية... و اللائحة طويلة. إذا فالغريب أو الآخر ليس سوى ذلك الجزء أو القوّة الخفيّةلهويّتنا التى نحاول إنكارها باستمرار بحثا عن نقاء خالص موهوم. ثمّ ألا تحمل الذاتالفردية بدورها غريبها في ذاتها متمثّلا في ذلك الجزء المجهول ـ اللاشعورـ الذيلا يكاد الأنا يعلمه أو يعيه.
كخلاصة، ماذا ينبغي أن يعني الغريب بالنسبة إلى الأنا ؟ إنّه يحيل كلّهويّة فرديّة أو جماعيّة إلى هويّة إشكالية و ربّما مستحيلة. و الأهمّ من ذلك ـ كما تقولكريستيفا ـ فإنّنا عندما نتعرّف على الغريب في ذاتنا، نوفّر على أنفسنا أن نبغضه فيذاته فنتّخد حياله موقف الحوار و التسامح عوض العداء و الإقصاء.
أطروحة الأنا / الذات في مقابل الآخر/ المختلف تفرض ثباتًا حيث لاثبات، و تستدعي ترسانة من المفاهيم والتوابع ظلّت تنسب الشرّ إلى جهة متحيّزة، و رسمت لهـو للخير بالتالي ـ صورة بدائية بسيطة، و في الحقيقة أن مفهوم الخير و الشرّ أعمق منهذا و أكثر تركيبًا. و عليه فإنّ الفصل المتوهّم بين "أنا" ثابتة محدّدة متبلّورة، و "آخر"له نفس الثبات و التحديد و التبلّور، ليس إلاّ فصلاً متعسّفًا، لا يمكن تجاوزه إلاّ بشكّمستمرّ في الذات / الهويّة. ليس بهدف السقوط في نوع من الوسواس أو الفصام، و لكن لنرىالذات منزلة من منازل الآخر، و نرى الآخر منزلة من منازل الذات في دورة واحدة دائمةو دائبة لا تتوقّف، ولا تنفصل فيها منزلة عن منزلة إلاّ إلى حين،. و في إطار نفس التصوّريمكن أن نرى "الهويّة" كحالة متحركّة دينامية لا تكفّ عن التشكّل و التبلور، و التداخلو التشابك، و الانكماش و التمدّد الداخلي، و هذا مخالف للهويّة كمادّة صلبة تتراكم طبقاتهاأو تنكسر تحت الضغوطحيث يتبادلالرحالة و الأهالي موقع الغريب
الهويّة كائن حيّ ينمو و يتنفّس، و يكتسب خبرة و ثراء بالتفاعل و التنوّع،و يختنق بالعتمة و القيود، و الانغلاق و التضييق، و لو كانت كلّها مبرّرات حسنة النيّة،و تدابير حماية. و إذا كان التقدّم التاريخي للبشريّة قد تمّ بفضل تفاعل ثقافات مختلفةفي الهجرات و المبادلات و الحروب... حيث تلاقي الذات الغير و المختلف، فإنّ السلوكالمطلوب ـ حسب ليفي شتروس ـ تجاه ثقافة الآخر و التي هي مصدر غرابته هو الشعوربالعرفان و التواضع و محاولة المعرفة و الفهم بدل النبذ و التجاهل و الإقصاء
الإنسان كائن اجتماعي، و اجتماعيّته هذه تعني و تقتضي التفاعل معالآخرين أي مع الغير. و إذا كان تفاعلي مع الأشياء و تمييز نفسي عنها لا يكاد يطرحمشكلة، فالأمر خلاف ذلك فيما يخصّ الغير، لأنّه ببساطة ذلك الشبيه المختلف: إنّهشبيهي ما دام يشاطرني كثيرا من الصفات العامة (الفيزيولوجية، النفسيّة، السلوكيّة...)،لكنّه لا يفتأ يؤكّد ـ ضمن هذا التشابه ـ اختلافه عنّي في مؤهّلاته و اختياراته و رغباتهو مشاريعه ...
إشكالية وجود الغير:
عرّف سارتر: بأنّه "الآخر، الأنا الذي ليس أنا" أي ذلك الوعي و تلك الذات المباينة، المنفصلة عن ذاتي و وعيي ؟ كيف يمكن لذاتي أن تدرك وجود الذوات الأخرى ؟ هل يمكن و الحالة هذه إثبات وجود مثل هذه
الذات (المفكّرة حتما) بواسطة الأسلوب الديكارتي الشهير مثلا ؟ ما علاقة وجوده بوجودي ؟ هل يرتبط و يتوفّق وعيي بوجودي على وعيي بوجود الغير أم ينفصل و يستغني عنه ؟
تنبيــه: يمكن استثمار معطيات هذا المحور لمعالجة قضايا و إشكالياتعديدة: الغير كأنا آخرـ مفهوم الوعي أو الذات المفكّرة ـ علاقة أو ضرورة وجود الغيربالنسبة لوجود الأنا ـ الوجود و الاعتراف بالوجود ـ مكانة الغير في عالم الذات ...
يلاحظ أنّ وجود الغير يمثّل بالنسبة للحسّ المشترك قضيّة بديهيّة مسلمابها. و كلّما تماهينا مع الحسّ المشترك بداخلنا و افتقدنا الخاصّية النقدية الاستفزازيّةللتفكير الفلسفي، إلاّ و صعب علينا إدراك جوهر إشكالية وجود الغير و مكامن الصعوبةو التعقيد بداخلها. و في الواقع فهذه إشكالية حديثة في تاريخ الفلسفة نفسه. و قد طرحتنفسها بحدّة انطلاقا من الفلسفة الديكارتية: ذلك أنّ اكتشاف الذات كمصدر للحقيقةو مرجع للحكم قد فجّر ـ ليس فقط إشكالية وجود العالم و الأشياء ـ بل و إشكالية وجودالذوات الأخرى (الغير) أيضا: من المعروف أنّ إثبات وجود الذات أو ما يعرف بالكوجيطويأتي تتويجا لمغامرة الشكّ الشامل. إنّ الشكّ هو الحقيقة الأولى التي لا نستطيع الشكّفيها دون أن نؤكّدها، و الشكّ يكشف إذن عن وجود الذات و طبيعتها المفكّرة. و لكن بما أنّالكوجيطو ترجمة لوعي الذات بنشاطها المفكّر وعيا مباشرا بواسطة حدس باطني، فهل يمكناستعمال الكوجيطو في غير ضمير المتكلّم و استغلال قوّته الإثباتيّة في إثبات وجود الغيركذات و أنا واعية ؟ إنّ ديكارت وهو ملتزم بالحذر المنهجي و بأن لا يعلن قضيّة على أنّهاحقّ قبل اجتيازها اختبار الشكّ الصارم، يعلن أنّه عندما ينظر من النافذة إلى الأسفليحكم بأنّه يرى أناسا يسيرون في الشارع رغم أنّه لا يدرك في الحقيقة غير قبّعات و معاطفقد تكون غطاءا لآلات تحرّكها لوالب !! و بالمثل فإنّ الإعلان عن وجود الغير كذات لا يمكنالنظر إليه إلاّ كاستدلال عقلي قائم على ملاحظة التماثل في الصفات بين الأنا و الغيركالكلام و السلوك التلقائي الذكي..، ثمّ الاستنتاج بأنّها تمظهرات دالّة على وجود ذاتمفكّرة واعية يستحيل إدراكها مباشرة لأنّ ذلك مناقض لمعنى الوعي باعتباره حضور الذاتإزاء نفسها. و لكن ما المشكلة في مثل هذا الاستدلال ؟ على عكس حكم الحدس يظلّ حكمالاستدلال ـ و من ثمّ وجود الغير ـ احتماليّا مفترضا و جائزا لا يبلغ درجة يقين وجود الأناأفكّر. نحن أمام مذهب فلسفي تنتهي نتائجه إلى "وحدانيّة الذات " التي لا تستطيع أنتجزم يقينا سوى بوجودها الخاصّ، و ذلك بسبب تبنّيها لمفهوم الوعي باعتباره تطابق الأنامع ذاته.
لكن هل يمكن حقا لفعل الوعي أن يستغني عن حضور الغير والعلاقة به بشكل من الأشكال؟ هل يمكن لكائن و لموجود وحيد في عزلة أنطلوجية مطلقة أن يعي ذاته و يشير إليها بضمير "أنا" ؟
يتناول هيغل التركة الديكارتية من زاوية مغايرة: فالوعي ليس كياناميتافيزيقيا مجرّدا ثابتا أو معطى أوّليا إنّه بالأحرى كيان ينمو و يتطوّر في علاقته بماعداه من الأشياء (الطبيعيّة) أوّل ثمّ الغير (وعي الذات الأخرى) ثانيا. كيف ذلك ؟ منالمعروف أن المنطق الجدلي عند هيغل يؤكّد على مبدأي التناقض و الصيرورة التي تتجلّىبوضوح في العمليّة الثلاثية المستمرّة: الأطروحة ـ النقيض ـ التركيب؛ و بعبارة أخرىفكلّ كائن يحمل بالضروة نقيضه كشرط لوجوده و من ثمّ فالوعي يحمل بالضرورة نقيضه كعنصرسلب و نفي متمثّل في ما سواه. يتّخد هذا الأخير شكل الطبيعة أوّلا: فمن خلال تغييرهاو ترك آثار عليها وإشباع الحاجات البيولوجية، يبدأ الوعي في اكتشاف نفسه
و "وعيها"، لكن هذا الاكتشاف لا يتجاوز درجة الإحساس المباشر بالذاتالتي تظلّ مع ذلك غارقة و منغمسة في الطبيعة لكون رغباتها لا تتجاوز الرغبات الطبيعية،لكن هذا يدلّنا على كلّ حال على أهميّة "التوسّط" في وعي الذات، و بعبارة أخرى لا يمكنللوعي أن ينبثق من خلال العلاقة المباشرة للأنا بذاته بل عبر آخر يتوسّط بينه و بينذاته و لن يكون هذا الآخر في المرحلة التالية سوى الغير أو الذات الأخرى التي يتعيّنأن يكتشف الأنا نفسه فيها من خلال اعترافها به. هكذا ينتقل الأنا من الرغبة في شيءطبيعي إلى الرغبة في رغبة أخرى هي هذا الاعتراف الذي لا يمنح بشكل سلمي لأنّه اعترافمنشود من الطرفين معا. على ضوء هذا التحليل يقرأ هيغل علاقة أو "جدلية السيّدو العبد" باعتبارها أوّل علاقة إنسانية مدشّنة للتاريخ البشري: إنّها علاقة فردينيغامران بحياتهما و يسموان فوق الطبيعة بدخولهما في صراع ينشدّ فيه كلّ طرف موت الآخر،بيد أنّ المنتصر في نهاية المطاف يبقي على حياة المنهزم لأنّ موته لا يحقّق الاعترافالمنشود. إنّ السيّد و العبد وجهان لعملة واحدة هي وعي الذات: الأوّل وعي لذاته خالص،و الثاني وعي تابع أو "وجود ـ من ـ أجل ـ الغير". صحيح أنّ علاقة الأنا بالغيرلا تتّخد دوما هذا الطابع الدراماتيكي، لكن الصراع الضمني أو المعلن يظلّ خاصّيتهاالمؤسّسة. لأنّ كلّ علاقة من هذا القبيل هي نشدان للاعتراف أو بالأحرى انتزاعله.
تدفعنا المقاربة الهيغيلية إلى القول بأنّ وعي الذات يقتضي وعيالغير، و أنّ الأنا و الغير ينبثقان من خلال علاقتهما و ليس قبلها. و نضيف تأكيدا لضرورةوجود الغير بالنسبة لوجود الأنا حالة " الأطفال المتوحّشين" الذين لاحظ إتيان مالسونأنّ بعضهم يشكو من ضعف أو غياب سيرورات الوعي بالذات كعدم التعرّف على النفس فيالمرآة و عدم القدرة على الإحساس بالفخر و الخجل... بسبب افتقادهم طيلة طفولتهم إلىالعلاقة مع الغير. إنّها إذن علاقة ضروريّة في سيرورة نموّ الوعي و ظهوره. و لنسألأنفسنا أخيرا: هل يستطيع الواحد منّا أن يعتبرنفسه ذكيّا أو بليدا، ودودا أو حقودا،جميلا أو ذميما، بطلا أو جبانا... من غير أنّ نكون قد استخلصنا ذلك من نظرة الغير أوشهادته ؟
إشكالية معرفة الغير:
تنبيــه: يمكن استثمار المعطيات اللاحقة لمعالجة إشكالات موازية مثل:التواصل مع الغير، الاعتراف بالغير و احترامه أو إقصاؤه، الغير و المشاركة الوجدانية،الغير كذات أو كموضوع، الاتّصال و الانفصال بين الذوات...
لنطرح قضية الغير بتجريد أقلّ: كيف يتبدّى الغير لذاتي ؟ كيف أعرف الغير ؟ و هل هذه المعرفة ممكنة أصلا ؟ إذا انطلقت من افتراض معرفتي لذاتي و لحالاتي النفسيّة الشعوريّة بواسطة إدراك و وعي باطني مباشر، فكيف السبيل لمعرفة الغير؟ ألا تحيله عملية المعرفة إلى موضوع و تنفيه كذات ؟ يبدو أنّ إثبات التلازم الجدلي بين الأنا و الغير عند هيغل لا يتمّ إلا ّمن خلال الطابع الصراعي لعلاقتهما، أفلا يحضر هذا الطابع الصراعي أيضا على مستوى العلاقة المعرفيّة ؟ إذا كنت في معرفتي لذاتي أؤكّدها من خلال وعيي المباشر بحالاتي النفسيّة الداخلية، أفلا تعني معرفة الغير تحويله إلى موضوع و من ثمّ نفيه كذات ؟
تحيل العلاقة المعرفية على ذات و موضوع: ذاتتمارس فعل المعرفة مكرّسة بذلك حرّيتها و تلقائيتها و فعاليتها، و موضوع خاضع لشتّىالعمليّات المعرفيّة كالإدراك و الحكم و التصنيف أو حتّى الشكّ و النفي. إنّه إذن تحت رحمةالذات أو "الأنا أفكّر" مجرّدا من صفات الذات كالتلقائية و الحرّية غارقا في العطالةكالأشياء. و هذا ما تؤكّده على نحو ملموس تحليلات سارتر لتجربة الخجل الناجمة عن نظرةالغير: فقبل الخجل يتصرّف الأنا في تطابق مع ذاته بحرّية و تلقائية، إنّه مركز عالمهالداخلي، و ما إن يحسّ الأنا حضور الغير من خلال نظرته، حتّى تتّجمد حرّيته و عفويته (التوتّر ـ الارتباك ـ الإحساس بالتفاهة ...) و ينسحب من مركز عالمه إلى هامشه،و قد تحوّل إلى موضوع أو شيء . يقول سارتر: "عندما ينظر إلى الغير فهو يفرض نفسه خارجاعنّي ليحوّلني إلى شيء قادرا على تأويل سلوكي و إعطائه معنى قد لا يكون هو المعنىنفسه الذي أقصده، و بذلك أسقط تحت رحمته و سلطته... " و ذلك لأنّي أحسّ أن صورتي كمايراها الآخر مستقلّة عنّي في وجودها كصورتي الفوتوغرافية، و يرجع سارتر الطبيعةالتشييئية لعلاقة الأنا بالغير إلى أنّ هذا الأخير هو "لا ـ أنا" ممّا يعني السّلبو النفي و الانفصال، هذا الانفصال الذي تؤكّده واقعة الانفصال الأمبريقي بين جسمينا.وهكذا لا يمكن للغير أن يتبدّى لي (و العكس صحيح) سوى كـــ"شيئ في ذاته" و لعلّ خير مايلخّص التصوّر السارتري السابق هو عبارته الشهيرة "الجحيم هم الأخرون."
في نفس السياق القائل باستحالة أو على الأقلّ صعوبة معرفة الغيريندرج تصوّر غاستون بيرجي حول عزلة كلّ ذات داخل عالمها الخاصّ بسبب استحالة التعبيرعن العالم الحميمي للذات، عندما يقول: " إنّ ما هو خاصّ به، ما هو حميمي و ما يميّزنيعن الأخرين يشكل أكبر عائق أمام كلّ محاولة للتواصل مع الغير: فأنا الوحيد الذي أملكروحي، لكنّي سجينها في نفس الوقت، و حتّى عندما أرغب في الخروج منها للتواصل أفشل، لأنّحركاتي و كلماتي ليست سوى تلميحات و إشارات إلى ما أحسّه لكن الآخر المستمع لا يعيشهذا الإحساس! إنّ ألم و معاناة الآخرين هي التي تكشف عزلة الذوات على بعضها ".هل يمكن و الحالة هذه أن نعلن استحالة معرفة الغير و أن نجعل من الذوات جزراو قلاعا حصينة مغلقة أو" مونادات " بتعبير لايبنز ؟ الواقع أنّ تحليلات فلسفية عديدةترى غير ذلك: فهذا ميرلوبونتي يقوم بوصف فينومينولوجي لعمليّة التواصل ليستدلّ بهاعلى إمكانيّة معرفة الغير معتبرا أنّ العلاقة مع الغير لا تحوّله إلى موضوع و تنفيه.و أنّ النظرة لا تشيّؤه إلاّ إذا كانت نظرة نافية لإنسانيته بإصرار مسبق: أي نظرة تفحّصو مراقبة لا نظرة تفهّم و تقّبل (كنظرة الأمّ وهي تتابع مشجّعة خطوات ابنها الأولى)،و إلاّ إذا انسحبت كلّ ذات إلى طبيعتها المفكّرة و تموقعت داخل تعالي الكوجيطو متّخدة ماعداها مجرّد موضوعات لعمليّاتها المعرفية. و بالمقابل فإنّ أبسط تجارب التواصل بعد صمتلا تنقل إلي بعض أفكار الغير وأصواته فحسب، بل وعالمه الذي كان يتبدّى لي من قبلمتعاليا غريبا منفصلا عن عالمي. إنّ التواصل يثبت أنّ الاختلاف و المغايرة بين الذواتليست من نمط الاختلاف الطبيعي ( كذاك القائم بين شيئين: طاولة و كرسي حيث الهوّة والانفصال) بل اختلاف إنساني لا يلغي التقاطع ضمن المجال "البينذاتي" المشترك.لهذا السبب لا يتحدّث ميرلوبونتي عن المعرفة (connaissance) بل عن الانبثاق المشترك (co-naissance ).
لكنّ الإقرار بإمكانيّة معرفة الغير لا يمنعني من البحث عن أنماطو طرائق هذه المعرفة، لأنّ التواصل يفترض وجود علامات، سنن و قنوات. و في هذا الإطاريبدو كما لو أنّ معرفتنا بالغير قائمة على نوع من الاستدلال الضمني هو "الاستدلالبالمماثلة"، فإذا كانت حالة الخجل تترافق عندي مع احمرار الوجه، و الألم مع البكاءو بعض الكلمات مع بعض المعاني أو المشاعر، فإنّي أسارع إلى تأويل احمرار الوجه كعلامةعلى خجل الغير، كما أنسب إلى كلماته المعاني و المشاعر المعهودة لديّ... و هكذا. إنّمعرفة الغير على هذا النحو قائم على افتراض أنّ الغير شبيه و مماثل للأنا، و أنّالعلامات الخارجية الصادرة عنه ( كلمات، حركات، تعابير الوجه...) تترافق مع حالاتنفسية داخلية معيّنة كما هو الحال لدى الذات، إنّنا ببساطة لا نعرف الغير مباشرة، بلعبر وساطة ما يصدر عنه من علامات. غير أنّ تناول معرفة الغير على هذا النحو يطرحصعوبات و استحالات: فقد يظهر الغير خلاف ما يبطن قاطعا الصلة بين الحالة النفسيةوعلاماتها المعهودة، و قد تفشل التعابير الخارجية (الكلمات مثلا ) في التصوير الدقيقلتلوينات المعاني و الأحاسيس و المشاعر، بل هناك ما هو أكبر من ذلك: عندما أدرك وراءاحمرار وجه الغير خجله، فأيّ خجل أدرك بالضبط ؟ ألا أستحضر هنا تجربة خجلي الخاصّةلفهم خجل الغير؟ ألا أدرك إذن خجلي الخاصّ فحسب ؟ إنّني ألتقي هنا مجدّدا بذاتي أناو ليس بذات الغير ما دمت أختزل خجل الغير إلى خجلي الذي سبق أن خبرته و عشته ؟
إنّ معرفة الغير من خلال استدلال المماثلة تنتهي إلى تناقضات كثيرةنعيها بدرجات مختلفة في حياتنا اليومية، لذلك يرى ماكس شيلر أنّه لتجاوز هذهالصعوبات، ينبغي تجاوز الخلفيات الميتافيزيقية للتحليل السابق الذي يتناول الغير منخلال ثنائيات النفس/ الجسم أو الظاهر / الباطن و اعتبار الغير كلّية أو كلاّ موحّدالا يقبل التجزئة و الانقسام ولا يحيل فيه ظاهر مادّي (جسدي) على باطن أو عمق مستحيلالمنال، بل إنّ حقيقته و هويّته مجسّدتان فيه كما يظهر و يتجلّى للأنا: إنّ حركاتالتعبير الجسدية لديه حاملة لمعناها و دلالاتها مباشرة كما تظهر. و ينبغي التشديد علىهذه الكلمة الأخيرة لأنّها تدلّ على أنّ التحليل الظاهراتي أو الفينومينولوجي (أي وصفالتجربة المعيشية مباشرة قبل خضوعها للمعالجة العقلية المجزّئة) يظهر أنّ معرفتناللغير هي معرفة كلّية مباشرة لا يمكن تجزئتها إلى عناصر و مراحل دون الإخلال بحقيقتها:فعندما أدرك فرح الغير، فإنّي لا أدرك ابتسامته أوّلا منفصلة عن فرحه الداخلي الذيأستنتجه لاحقا، بل أدرك الأمرين معا ككلّية متزامنة. و ممّا يدلّ على الطابع المباشرلعلاقتنا المعرفية بالغير، قدرة الرضيع على التجاوب مع أمّه و الردّ على ابتسامتهابابتسامة مماثلة مدركا مشاعر الأمان و الحنان و التشجيع الكامنة خلفها وهو غير قادربعد على القيام بأي نشاط استدلالي معقّد. ألا يشهد ذلك أنّ معرفتنا للغير تفترض نوعامن التعاطف و المشاركة الوجدانية بين الذوات. وهي مشاركة تبدو كمعطى شبه غريزيو كشرط لاندماج الكائن البشري ضمن جماعة الذوات الأخرى. و إذا استعملنا مصطلحاتدلتاي سنقول بأنّ معرفة الغير تنتمي إلى مجال الفهم لا إلى مجال التفسير.
هكذا تبدو معرفة الغير أكثر تعقيدا ممّا يتصوّر الحسّ المشترك، بحيثتصدق هنا مقولة التوحيدي: " لقد أشكل الإنسان على الإنسان" وهو تعقيد يتزايد عندمانتأمّل تعدّد وجوه الغير.
وجوه الغير: الصداقة و الغرابة:
و لنطرح القضية بتجريد أقلّ مما سبق: كيف أقرأ علاقاتي المختلفة بالغير؟ ألا تدلّني هذه العلاقات من جهة، على إمكانية التواصل و التماهي معه، كما في حالة الصداقة و الصديق؟ و على حقيقة الانفصال و الاختلاف الجذري و اللاتواصل و اللاتفاهم كما في حالة الغريب من جهة ثانية ؟ و عليه ألا يثير الغير بسبب تماثله و مغايرته مشاعر الاحترام و الاعتراف و أيضا الإقصاء و النفي ؟ و باختصار: كيف أتعرّف على غيريّة الغير و كيف أقرؤها ؟ !
تنبيــه: يمكن استثمار المعطيات اللاحقة كنماذجتطبيقية و أمثلة ملموسة أثناء الاشتغال على إشكاليات متعلّقة بوجود الغير أومعرفته.
ليست علاقتنا بالغير مجرّد علاقة معرفيّة، بل هي علاقة مركّبة:عاطفيّة، وجدانية، اقتصاديّة، سياسية... و لذلك لا يمكن فهمها في المجرّد و المطلق بلبالتخصيص و التمييز: إذ يختلف تناول إشكالية وجود الغير و علاقته بالأنا أو معرفته أوأشكال التواصل معه أو إمكانية احترامه أو نبذه... حسبما إذا كان هذا الغير صديقا أوغريبا مثلا.
من بين كلّ الأغيار، يمثّل الصديق نموذجا لكلّ القيم الإيجابية، فلاعجب أن تكون لفظة الصداقة ـ في اللغة العربية ـ مشتقّة من الصدق الذي يعني الحقيقةو القوّة و الكمال. بل لقد ذهب القدّيس أوغسطين إلى "أنّنا لا نعرف أحدا إلاّ بواسطةالصداقة"، ذلك أنّه مادام التواصل سبيلا للمعرفة بما يخلقه من مجال بينذاتي مشترك،فإنّ هذا المجال يبلغ أقصى درجات اتّساعه في علاقة الصداقة. و إذا كانت كل علاقة للأنابالغير هي ـ بطريقة ما ـ نشدان الاعتراف، فلربّما كانت الصداقة من الأنماط العلائقيّةالقليلة التي يمنح فيها هذا الاعتراف بشكل سلمي باعتبارها علاقة ودّ و حبّ خالصينبعيدا عن كلّ نزوع نحو امتلاك المحبوب و الاستحواذ عليه كملكية خاصّة. و لعلّ ما يميّزالصداقة حسب كانط هو جمعها بين مطلبين يصعب الجمع بينهما: الحبّ بما يعنيه من اقترابو تماه و الاحترام بما يعنيه من ابتعاد و تقدير.
و لكن أيّ نوع من الصداقة هذا الذي يحقّق هذه الشروط ؟ فالصداقة ثلاثةأنواع حسب أرسطو: صداقة المتعة حيث الجامع شيء أو موضوع للمتعة المشتركة؛ صداقةالمنفعة حيث الرابط هو المنفعة المتبادلة ثمّ الصداقة الحقيقية: صداقة الفضيلة التيتقوم على حبّ الخير لذاته و للأصدقاء، دون أن تلغي إمكانية حضور المتعة والفائدةكنتيجتين لا كغايتين. و قد ذهب أرسطو إلى حدّ القول بأنّ الصديق الجدير بهذا الاسم هوذاك الذي إن خاطبته كدت تقول: " يا أنا " من حيث أنّه " إنسان هو أنت، لكنّه بالشخصغيرك". و بعبارة أخرى، فإنّنا نعثر في الصديق على ذاتنا لما بيننا من تشابه و تطابق.لكن هل نحن فعلا نصادق الصديق لأنّه شبيهنا كما ذهب إلى ذلك أيضا أنبادوقليد ؟ أمّالأنّه ضدّنا و نقيضنا كما ذهب إلى ذلك هرقليط ؟.
لقد فحص أفلاطون في محاورة ليزيس كلا الاحتمالين و استبعدهما وانتهى إلى أنّ الصداقة علاقة محبّة و ميل و رغبة متبادلة بين الغير و الأنا أساسهاحالة وجوديّة وسط بين الكمال المطلق (الخير الأقصى) و النقص المطلق (الشرّ الأقصى)،لأنّ الخير مكتفٍ بذاته مستغنٍ بكماله عن غيره، و من يتّصف بالشرّ و النقص المطلقينلا يجد في نفسه الرغبة ولا الحاجة بل و لا يجد القدرة على إدراك الخير و الكمالو طلبهما. إذن فأساس الصداقة هو انطواء كلّ كائن على مبدإ نقص و عدم كفاية. لكن علينابالمقابل أن نستحضر على الدوام أنّ الصديق يظلّ غيرا مهمّا بلغة درجة التطابق والتماهي أي يظلّ دوما غير قابل جزئيّا إلى أن يردّ أو يختزل إلى الأنا و كلّ محاولةلفهمه تترك دوما بقيّة من عدم الفهم ممّا يجعل الصداقة تفاهما و وفاقا مستمرّين غيرمحدودين. إنّها "الغيريّة الجذريّة" بتعبير "غيوم و بودريار".
ذلك إذن هو الغير عندما يتّخذ وجه الصديق. فلْنرَ الآن وجها آخر علىالطرف النقيض وهو الغريبإذا كان الصديق عنوانا للثقة و المعرفة و الاقتراب والاحترام فإنّ الغير يبدو للوهلة الأولى عنوانا للحذر، للمجهول، للنكرة، للابتعادو الإقصاء. لكن من هو الغريب تحديدا ؟ إنّه مفهوم زئبقي لأنّه يتحدّد دوما كغريب بالنسبةلجماعة مرجعيّة ما؛ إنّه ذلك الذي لا يشاطر أعضاء الجماعة مرجعيّتهم المشتركة، ذلكالذي يجرّ خلفه ثقافة مغايرة مجهولة، إنّه الدخيل بكلّ بساطة، و باعتباره كذلك فقد نظرإليه عبر التاريخ كمسؤول عن كلّ شرور المدينة أو الجماعة و الذي يتعيّن القضاء عليهلإعادة السّلم إلى الجماعة. إنّ هذا الموقف الإقصائي حاضر بقوّة في كلّ مكان بدءا منساكن المدينة الذي يعتبر نفسه "مدينيا" أصيلا محمّلا جميع مشاكل المدينة إلى هؤلاءالغرباء "البدو" القادمين من البعيد، وصولا إلى الخطابات السياسية القائمة علىكراهية الأجنبي المهاجر و ضرورة طرده كحلّ للأزمات ... . لماذا و هل ينبغي أن يكونالغريب دائما اسما مستعارا للحقد و الإقصاء ؟
تقوم سيكولوجية الجماعة على تطابق الأنا أو الذوات الفرديّة معالنحن / الجماعة انطلاقا من آليات معقدّة للتنشئة الاجتماعية، مع اعتقاد راسخ فيالطابع الخالص لهوّية الجماعة و ثقافتها. ممّا يسهّل على أفراد الجماعة التعرّف علىبعضهم و استبعاد كلّ غريب و آخر، و هنا تتساءل الفرنسية ذات الأصل البلغاري "جولياكريستيفا": ألا تحمل كلّ جماعة غريبها في ذاتها قبل قدوم الغريب الأجنبي ؟ و ذلكعندما يشعر أفرادها بالرغبة في التمرّد على روابط و قيم جماعتهم و وضعها موضع تساؤل وتشكك أو عندما لا يستطيعون العثور على "أناهم" من خلال "نحن" الجماعة. و هل هناكجماعة ذات هوّية خالصة تبرّر استبعاد العناصر الأجنبية عنها ؟ ما الهوّية المغربيةمثلا ؟ أليست مزيجا من هوّيات أمازيغية، إفريقية، عربية، إسلامية، أندلسية،غربية... و اللائحة طويلة. إذا فالغريب أو الآخر ليس سوى ذلك الجزء أو القوّة الخفيّةلهويّتنا التى نحاول إنكارها باستمرار بحثا عن نقاء خالص موهوم. ثمّ ألا تحمل الذاتالفردية بدورها غريبها في ذاتها متمثّلا في ذلك الجزء المجهول ـ اللاشعورـ الذيلا يكاد الأنا يعلمه أو يعيه.
كخلاصة، ماذا ينبغي أن يعني الغريب بالنسبة إلى الأنا ؟ إنّه يحيل كلّهويّة فرديّة أو جماعيّة إلى هويّة إشكالية و ربّما مستحيلة. و الأهمّ من ذلك ـ كما تقولكريستيفا ـ فإنّنا عندما نتعرّف على الغريب في ذاتنا، نوفّر على أنفسنا أن نبغضه فيذاته فنتّخد حياله موقف الحوار و التسامح عوض العداء و الإقصاء.
أطروحة الأنا / الذات في مقابل الآخر/ المختلف تفرض ثباتًا حيث لاثبات، و تستدعي ترسانة من المفاهيم والتوابع ظلّت تنسب الشرّ إلى جهة متحيّزة، و رسمت لهـو للخير بالتالي ـ صورة بدائية بسيطة، و في الحقيقة أن مفهوم الخير و الشرّ أعمق منهذا و أكثر تركيبًا. و عليه فإنّ الفصل المتوهّم بين "أنا" ثابتة محدّدة متبلّورة، و "آخر"له نفس الثبات و التحديد و التبلّور، ليس إلاّ فصلاً متعسّفًا، لا يمكن تجاوزه إلاّ بشكّمستمرّ في الذات / الهويّة. ليس بهدف السقوط في نوع من الوسواس أو الفصام، و لكن لنرىالذات منزلة من منازل الآخر، و نرى الآخر منزلة من منازل الذات في دورة واحدة دائمةو دائبة لا تتوقّف، ولا تنفصل فيها منزلة عن منزلة إلاّ إلى حين،. و في إطار نفس التصوّريمكن أن نرى "الهويّة" كحالة متحركّة دينامية لا تكفّ عن التشكّل و التبلور، و التداخلو التشابك، و الانكماش و التمدّد الداخلي، و هذا مخالف للهويّة كمادّة صلبة تتراكم طبقاتهاأو تنكسر تحت الضغوطحيث يتبادلالرحالة و الأهالي موقع الغريب
الهويّة كائن حيّ ينمو و يتنفّس، و يكتسب خبرة و ثراء بالتفاعل و التنوّع،و يختنق بالعتمة و القيود، و الانغلاق و التضييق، و لو كانت كلّها مبرّرات حسنة النيّة،و تدابير حماية. و إذا كان التقدّم التاريخي للبشريّة قد تمّ بفضل تفاعل ثقافات مختلفةفي الهجرات و المبادلات و الحروب... حيث تلاقي الذات الغير و المختلف، فإنّ السلوكالمطلوب ـ حسب ليفي شتروس ـ تجاه ثقافة الآخر و التي هي مصدر غرابته هو الشعوربالعرفان و التواضع و محاولة المعرفة و الفهم بدل النبذ و التجاهل و الإقصاء
التعديل الأخير بواسطة المشرف: