- المشاركات
- 1,773
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- بنزرت
- م. الدّراسي
- دراسات معمّقة
- الاختصاص
- أدب عربي
- المهنة
- أستاذ
النصّ السّند: نصّ مقتطف من مدرسة التّحليل النّفسي
( منقول )
" هي كلّ من الأفعال التّي لا تحصى في حياتنا اليوميّة و التّي تعترضنا عند الأسوياء و عند المصابين بالعصاب على حدّ سواء و تتميّز هذه الأفعال بكونها تخطئ هدفها: و يمكن لنا أن نجمعها تحت اسم: الهفوات في الأفعال،. و نحن لا نوليها في العادة أيّة أهميّة. فقد ننسى أشياء دون أن نستطيع لذلك تفسيرا ( كأن ننسى إلى حين بعض أسماء الأعلام ) و قد نقع في سبق لسان أو زلّة قلم و قد نخطئ في القراءة أو نتعثّر و قد نضيع أمتعة أو نكسرها... و ما إلى ذلك من الأشياء التّي لا تعزى عادة إلى ايّ سبب نفسيّ و إنّما تعتبر مجرّد أحداث ناتجة عن الصدفة أو مترتبة عن الغفلة و قلّة الانتباه إلخ... يضاف إلى ذلك الأعمال و الحركات التّي يقوم بها النّاس دون أن يشعروا بها، و من باب أولى و أحرى دون أن يعطوها أهميّة نفسيّة: كأن يلعب الواحد ببعض الأشياء بصفة آليّة أو يدندن ألحانا أو يقلب أصابعه أو يتلمّس ثيابه إلخ. فهذه الأحداث البسيطة و الهفوات في الأفعال و كذلك الأفعال الدّالة على الأعراض و الأفعال الناتجة عن الصدفة ليست عديمة الأهميّة، كما قد يميل البعض إلى القول استنادا إلى ضرب من الاتّفاق الضّمني، بل إنّ لها معنى و يسهل في أغلب الأحيان تأويلها. و عند ذلك نكتشف أنّها تعبّر هي الأخرى عن دوافع و نوايا نريد إخفاءها عن شعورنا، و أنّ منبعها رغبات و عقد مكبوتة كالتّي وجدناها في الأعراض و الأحلام. فلنعتبرها إذن أعراضا، و سيمكننا النّظر فيها مليّا من معرفة أدقّ بحياتنا الدّاخليّة. هذه الهفوات هي التّي بها يفضح الإنسان، في الغالب، أعمق أسراره الشخصيّة. ثمّ إنّها إذا ما صدرت بصفة عاديّة متكرّرة، حتّى من أناس أصحّاء نجحوا في كبت نزعاتهم اللاّشعوريّة، فذلك راجع إلى تفاهتها و قلّة بروزها. لكن قيمتها النظريّة كبيرة بما أنّها تبرهن لنا عن وجود الكبت و البدائل حتّى عند أناس متمتّعين بصحّة جيّدة.
فرويد - خمسة دروس في التحليل النفسي
مشكل النّصّ:
ما قيمة الهفوات في الأفعال داخل الحياة النّفسيّة؟
هل هي عديمة الأهميّة و ليس لها معنى أم أنّها تعبّر عن عمق أسرار الشخصيّة و تمكّننا من معرفة أدقّ بحياتنا الداخليّة؟
عناصر النّصّ:
- وهم تحديد الإنيّة بما هي وعي
- التعرّف إلى بنية الجهاز النّفسي بما هو المعبر الحقيقي عن الإنيّة
- استتباعات القول باللاّوعي
القسم التحليلي:
- وهم الاعتقاد بأنّ الإنيّة وعي خالص:
إذا سلّمنا مع ديكارت القول بالكوجيتو " أنا أفكّر إذن أنا موجود "، فمن تبعات هذا القول أن تكون إنيّتي عاقلة/ واعية/ مدركة/ تنبع عنها أفعال و أقوال إراديّة، اختياريّة، قصديّة، بمعنى إذا كانت الإنيّة عاقلة فإنّها بالضّرورة إنيّة حرّة. فكلّما زادت معارفنا زادت حريّتنا
زيف هذا القول:
إذا كانت ثمّة بديهيّة ديكارتيّة تقرذ أنّ الإنسان هو كائن الوعي و أنّ كلّ ما هو نفسي واعي و كلّ ما هو واعي نفسي. بمعنى ثمّة مماهاة بين النفس و الوعي فإن فرويد بما هو قطب الظنّة يكشف عن زيف و خداع هذا القول و يتظنّن و يتشكّك و يرتاب في هذه البديهيّة معتمدا أسلوبا حجاجيّا علميّا قائما على دراسة موضوعيّة تجريبيّة للحياة النفسيّة يقطع بموجبها مع الموروث الفلسفي المبني على مفهوم " النّفس " و يؤسّس كبديل لها مفهوم " الجهاز النّفسي "
النّفس = جوهر ميتافيزيقي و معطى إلهي و هبة ربّانيّة و خاصيّتها التفكيك و هي مطلق الإنيّة.
مبرّرات تخلّي فرويد عن هذا المفهوم:
إنّ النفس هي مفهوم ميتافيزيقي لا تقبل الملاحظة أو الترييض أو إخضاعها للدّراسة الموضوعيّة العلميّة، النفس مفهوم متعالي، لذلك يتخلّى عنها فرويد و يقدّم بديلا علميّا لها هو " الجهاز النفسي "
الجهاز النفسي = بنيته ديناميكيّة متصارعة، متناقضة المطالب و لا تهدأ و لا تكفّ عن تحقيق مطالبها
بنية متصارعة بين الهو و الأنا الأعلى، بين ما ينعته فرويد بالحصان الجامح الذّي لا يهمّه زمان و لا مكان و منطق و لا أخلاق و يسلك وفق مبدأ اللذّة و بين ما ينعته فرويد بالقاسي الذّي يردع و يعاقب و يزجر و يشعرنا بالدونيّة و الذّنب.
و الأمر أدهى و أسوأ للأنا الخادم المسكين الذّي يطالب بالتوفيق بين رغبة لا أخلاقيّة و أخلاق لا تحبّ الرغبة، لذلك يلتجئ إلى الحيل و المكر و النفاق و الدبلوماسيّة و الرّياء. و أهمّ وسائله " الكبت " أي إبعاد الرّغبة عن الشعور و الوعي و إخفاؤها إلى حين غفلة العالم الخارجي ( القانون، العادات، القيم، الأعراف... ) و الأنا الأعلى.
إنّ الحياة النفسيّة حركيّة و ديناميكيّة لا تهدأ ابدا و هو ما يدعونا إلى مراجعة تصوّرنا للإنيّة الثابتة و الدّائمة.
إذا سلّمنا بأنّ الغيريّة هي شرط تحقّق الإنيّة
فهل لا تفهم الغيريّة إلاّ على معنى خارجي؟ ( الأخر، أشياء العالم، الجسم )
ألا يكشف التحليل النفسي الفرويدي عن غيريّة الأنا ( غيريّة باطنيّة )؟
إنّ ما يكشف عنه التحليل النفسي أنّ الذات ليست الأنا فحسب، الأنا مجرّد جزء، الأنا مجرّد جزء ضئيل، الأنا غيابه أكثر بكثير من حضوره.
" إن الأنا لم تعد سيّدا حتّى في بيته "
" إنّ الأنا مجرّد صفة من الحياة النفسيّة "
" إنّ تجربتنا اليوميّة تضعنا أمام أفكار تخطر ببالنا دون أن يكون لنا علم بأصلها "
إنّ غيريّة الأنا، الغيريّة الباطنيّة، الأنا المغاير لذاته هي غيريّة تتوارى عن الأنظار، لكنّها تكتشف و تتجلّى عبر الصراع النفسي بين الهو و الأنا الأعلى و تأثير العالم الخارجي و وساطة الانا.
إنّنا مع فرويد نقيم تصورا جديدا للإنسان و نؤسّس تعريفا جديدا للإنيّة و الغيريّة و العلاقة بينهما. و إنّ تجدّد و تغيّر هذه العلاقة يفضي ضرورة إلى تجدّد المعاني و تغيّرها.
إنّ هذه الرّؤية الأنتروبولوجيّة الفرويديّة انبنت على أساس اكتشاف اللاّوعي.
ما معنى اللاّوعي؟
نقصد باللاّوعي الرّغبات المكبوتة التّي رفضها المجتمع لاعتبارات لا أخلاقيّة و دينيّة، فاختفت و ترسّبت في أعماق النسيان، في أعماق الحياة النفسيّة داخل منظّمة الهو.
الإنيّة: من منظور فرويدي هي الحياة النفسيّة و خاصّة بنية الجهاز النفسي حيث يتحقّق وجوده بالصّراع و التناقض و الحركيّة و التاريخيّة و التغيّر و التكثر. فالإنيّة بنية متصارعة متناقضة تاريخية.
الغيريّة: إنّ ما كنّا نسمّيه و نعتبره و ننظر إليه على أنّه غيريّة ليس إلاّ الإنيّة ذاتها، فالجسد و التاريخ و العالم الخارجي و الآخر و اللاّمعقول هو ما يحدّد تحقّق الإنيّة
إنّ الغيريّة تسكن الإنيّة و هي عمقها و فضاؤها و قوامها و شرطها
الوعي: من منظور فرويد هو ما نصل إليه و هو نتاج و مهمّة و مطلب يقوم به المحلّل النفسي الذّي له القدرة عبر جلسات حرّة على تحويل المسارات اللاّواعية إلى مسارات واعية.
" أنا لا أوجد حين أكون لعبة لتفكيري و إنّما أوجد حين أوجد في يد لاشعوري " ( لاكين )
إنّ اكتشاف اللاّوعي يعني القطيعة، نقطة اللاّعودة مع فلسفات الوعي، مدرسة التحليل النفسي رجّة زعزعت اليقين الميتافيزيقي: لم يعد الإنسان واحدا، لم تعد الإنيّة متعالية و لم يعد الأنا سيّدا، بل الإنيّة كثرة و بنية و الأنا جزء ضئيل. بل إنّنا مع مدرسة التحليل النفسي نبرّر و نشرّع لكينونات لم يألفها تاريخ الفلسفة و العلم و كنّا نلحقها باللاّمعقول و الغيريّة كزلاّت اللّسان و الهفوات و الأخطاء و الأحلام و النّسيان...
هذه السلوكات يمارسها كلّ شخص و إن كنّا نحتقرها ما قبل الفرويديّة و نعتبرها ثانويّة و لا قيمة لها و دالة على الشذوذ. فقد بيّن فرويد أنّ هذه السلوكات هي المعبر الحقيقيّ عن ذاتيّة الإنسان، عن إنيّة متخفّية متوارية عن الأنظار، فقد انتقلنا في حقيقة الأمر من الحديث عن الأنا - الآخر إلى التشريع للقول بآخر - الأنا
" إنّ المحلّل النّفسي لا يمكنه إلاّ ان يبدي استغرابا عندما يقال إنّ الوعي هو الخاصيّة الملازمة لكلّ ما هو نفسي "
" لكي نفهم الحياة النفسيّة جيّدا يجب أن نكفّ عن الإطراء و المبالغة في تقدير الوعي و أن نعتبر اللاّوعي عمق كلّ حياة نفسيّة "
" إنّ اللاّوعي هو النفسي ذاته "
مع مدرسة التحليل النفسي تتغيّر النظرة الأنتروبولوجيّة و الإبستمولوجيّة للإنسان من اعتباره واحدا، واعيا، إلى كونه كثرة و صراع بين الوعي و اللاّوعي، بمعنى لقد أصبح الإنسان متناقضا
إنّ الكينونات التّي تشرّع مدرسة التحليل النفسي الحديثة عنها ( مثل الأخطاء و الهفوات و الجنس ) و تعتبرها الإنيّة ذاتها، كنّا نعتبرها غيريّة اعتبارا للا عقلانيّتها و إنّ إدراك معناها و قيمتها علميّا معناه ضرورة الكفّ عن القول بالإنيّة العاقلة و أن نتحدّث عن الإنيّة اللاّعاقلة.
إنّ شرط الوعي بالذّات و تحقّق الوجود لا يجب أن يقف عند حدّ الغيريّة الخارجيّة ( أشياء العالم و الجسد و الآخرين ) و إنّما يجب أن يرتدّ و يلج و ينفذ إلى أعماق الحياة النفسيّة حيث تختلي و تنام و تترسّب أنا - مغايرة، باطنيّة تُختزل في معنى المكبوت، النسيان
بهذا تتغيّر دلالات المعاني و سياقاتها و قيمتها.
- الوعي: هو السّطح، زائف، جزء ضئيل، ظاهر
- اللاّوعي: العمق، الحقيقة، الجزء الأكبر، الخفيّ
" إنّك لتجد فرويد غير بعيد عن نيتشه و لا عن ماركس، يقف ثلاثتهم أقطابا للظنّة و كاشفوا الأقنعة و دعاة التأويل، فنتحدّث معهم عن مشكل جديد هو زيف الوعي و الوعي باعتباره زائف " ( بول ريكور )
الـتأويل: تجاوز المعنى الظاهر الخادع إلى المعنى الباطن الحقيقي
أقطاب الظنّة هم دعاة الـتأويل، إذ تجاوزوا المعنى الظاهر للإنسان ( إنّ الإنسان هو كائن الوعي ) إلى بيان زيفه و خداعه، فالوعي نتاج
- ماركس: الوعي نتاج اجتماعي
- نيتشه: الوعي نتاج جسدي
- فرويد: الوعي نتاج اللاّوعي
إنّ اللاّوعي له خاصيّة ديناميكيّة ( حركيّة ) دائمة و مستمرّة يبحث عن التحقّق و الإشباع و اللذّة، و لكن قد تكون هذه الرغبة الجسديّة لا اجتماعيّة و لا أخلاقيّة و لا دينيّة عدوانيّة فيقع صدّها و ردعها إمّا من العالم الخارجي أو الأنا الأعلى فتبحث عن تصريف و عن منافذ أخرى تجدها في ما يسمّيه فرويد التصعيد أي تحويل وجهة الرغبة من صورتها العدوانيّة و الجنسيّة الأولى إلى صورة مهذّبة يقبلها المجتمع كالفنّ الذّي يرى فرويد أنّه وسيلة و أداة للخلق و الإبداع بناء عن اللاّشعور و إنّ لوحة ديفنشي حجّة على ذلك، فالتصعيد تحويل الجنسي إلى الثقافي
يتجلّى اللاّوعي في أشكال مختلفة يقبلها المجتمع كزلاّت اللسان و الأخطاء و الهفوات و الأحلام
النّقاش:
المكاسب:
إنّ قيمة فرويد العلميّة أنّه حرّرنا من التصوّر الثبوتي و المجرّد للإنيّة و تعاليها و انغلاقها، حيث قام بانفتاحها و توسيعها نحو أبعاد كنّا نعتبرها ثانويّة و عرضيّة و هامشيّة و نلحقها باللاّمعقول. فبيّن لنا فرويد أنّها الإنيّة ذاتها و أنّ الوعي زائف و خادع
ما نكتسبه من فرويد ضرورة الشكّ و الارتباك و التظنّن حتّى في البديهيّات التّي كنّا نعتقد أنّها يقينيّة جدّ اليقين فكشف عن زيفها و خداعها، و هو ما يسمح و يوفّر لنا إمكانيّة تأسيس أنتروبولوجيّة جديدة للإنسان.
ما نتعلّمه من مدرسة التحليل النفسي ضرورة الفصل و التمييز بين الأمراض الجسديّة و الأمراض النفسيّة. فقيمة فرويد أنّه اكتشف تقنية و آليّة معالجة المرضى النفسيين من خلال اكتشافه لمفهوم اللاّوعي.
الحدود:
كان فرويد يبالغ في تقدير الماضي و تعظيمه ( النسيان ) إذ يجعل الإنيّة سجينة الماضي مرتهنة بالطفولة حبيسة لعقدة أوديب. و هو ما يجعل التعرّف على شخصيّة الإنسان يقتضي الارتداد و إقامة حفريات و نبش في أعماق الشخصيّة و ترسّباتها، فيصبح عمل المحلّل هو عمل أركيولوجي ( علم الحفريات )
يكشف " سارتر " في نقده لفرويد أنّ الإنسان ليس سجين الماضي، بل هو " إنّ الإنسان هو مشروع وجود " بمعنى أنّه يصنع ذاته باستمرار و لا يكفّ عن التغيّر و التبدّل و التجدّد، فالذات تاريخيّة و التاريخ ذاتيّ. و هو ما يؤدّي بنا إلى تغيير فهمنا لمعنى التاريخ و الزمن.
ليس التاريخ تعاقبا أو تسلسلا أو تواترا بين الماضي و الحاضر و المستقبل، بل لمّا كانت الإنيّة مشروع وجود يصبح المستقبل ماضيا و الزمن زمانية و الدّهر ديمومة. فالإنسان لا يفرض عليه الزمن من الخارج، الزمن ليس حتميّة أو ضرورة و ليس قضاء و لا قدرا، بل للإنسان القدرة حتّى الفعل داخل الزمن، فيجسم إنسانيته. فالطاولة هي الطاولة و الكرسي هو الكرسي وجوده هُوَ هُوَ و الحيوان سلوكه غريزيّ نمطي و الميتافيزيقا تجعل الماهيّة تسبق الوجود. أمّا سارتر فيعلّمنا أنّه على قدر تجربة الوجود على قدر الخوض في تجارب الوجود و معاناة الوجود و قلق الوجود تكون شخصيّة الإنسان فلا قدر، و حتّى إن كان ثمّة قدر، فقدر الإنسان أن يكون حرّا. فأنا حرّ إذن أنا موجود و الوجود يسبق الماهيّة
لهذا ينتهي سارتر و فلسفته الوجودية أنّ التعرّف إلى الذات لا يتمّ بعزلة بل في الشارع و في المقهى و في الحافلة و مع الآخرين... فالآخر شرط ضروريّ لمعرفتي بذاتي.
--------
ما قامت به مدرسة التحليل النفسي أنّها ضخّمت البعد الجنسي و جعلته محدّدا للإنيّة و جعلت للفرد علاقة عدائيّة صداميّة مع الحضارة التّي لا تكفّ عن منعه من اللذّة. في حين يثبت تلامذة فرويد أنّ المجتمع و إن كان لا يرضينا إلاّ قليلا فهذا لا يمنع أن يصبح إطارا و مجالا و أفقا للتهذيب و التربية و الصقل و التنشئة و هو ما يبرّر مزاوجة علم النفس بالاجتماع بالحديث عن علم النفس الاجتماعي مع إيريك فروم
( منقول )
" هي كلّ من الأفعال التّي لا تحصى في حياتنا اليوميّة و التّي تعترضنا عند الأسوياء و عند المصابين بالعصاب على حدّ سواء و تتميّز هذه الأفعال بكونها تخطئ هدفها: و يمكن لنا أن نجمعها تحت اسم: الهفوات في الأفعال،. و نحن لا نوليها في العادة أيّة أهميّة. فقد ننسى أشياء دون أن نستطيع لذلك تفسيرا ( كأن ننسى إلى حين بعض أسماء الأعلام ) و قد نقع في سبق لسان أو زلّة قلم و قد نخطئ في القراءة أو نتعثّر و قد نضيع أمتعة أو نكسرها... و ما إلى ذلك من الأشياء التّي لا تعزى عادة إلى ايّ سبب نفسيّ و إنّما تعتبر مجرّد أحداث ناتجة عن الصدفة أو مترتبة عن الغفلة و قلّة الانتباه إلخ... يضاف إلى ذلك الأعمال و الحركات التّي يقوم بها النّاس دون أن يشعروا بها، و من باب أولى و أحرى دون أن يعطوها أهميّة نفسيّة: كأن يلعب الواحد ببعض الأشياء بصفة آليّة أو يدندن ألحانا أو يقلب أصابعه أو يتلمّس ثيابه إلخ. فهذه الأحداث البسيطة و الهفوات في الأفعال و كذلك الأفعال الدّالة على الأعراض و الأفعال الناتجة عن الصدفة ليست عديمة الأهميّة، كما قد يميل البعض إلى القول استنادا إلى ضرب من الاتّفاق الضّمني، بل إنّ لها معنى و يسهل في أغلب الأحيان تأويلها. و عند ذلك نكتشف أنّها تعبّر هي الأخرى عن دوافع و نوايا نريد إخفاءها عن شعورنا، و أنّ منبعها رغبات و عقد مكبوتة كالتّي وجدناها في الأعراض و الأحلام. فلنعتبرها إذن أعراضا، و سيمكننا النّظر فيها مليّا من معرفة أدقّ بحياتنا الدّاخليّة. هذه الهفوات هي التّي بها يفضح الإنسان، في الغالب، أعمق أسراره الشخصيّة. ثمّ إنّها إذا ما صدرت بصفة عاديّة متكرّرة، حتّى من أناس أصحّاء نجحوا في كبت نزعاتهم اللاّشعوريّة، فذلك راجع إلى تفاهتها و قلّة بروزها. لكن قيمتها النظريّة كبيرة بما أنّها تبرهن لنا عن وجود الكبت و البدائل حتّى عند أناس متمتّعين بصحّة جيّدة.
فرويد - خمسة دروس في التحليل النفسي
مشكل النّصّ:
ما قيمة الهفوات في الأفعال داخل الحياة النّفسيّة؟
هل هي عديمة الأهميّة و ليس لها معنى أم أنّها تعبّر عن عمق أسرار الشخصيّة و تمكّننا من معرفة أدقّ بحياتنا الداخليّة؟
عناصر النّصّ:
- وهم تحديد الإنيّة بما هي وعي
- التعرّف إلى بنية الجهاز النّفسي بما هو المعبر الحقيقي عن الإنيّة
- استتباعات القول باللاّوعي
القسم التحليلي:
- وهم الاعتقاد بأنّ الإنيّة وعي خالص:
إذا سلّمنا مع ديكارت القول بالكوجيتو " أنا أفكّر إذن أنا موجود "، فمن تبعات هذا القول أن تكون إنيّتي عاقلة/ واعية/ مدركة/ تنبع عنها أفعال و أقوال إراديّة، اختياريّة، قصديّة، بمعنى إذا كانت الإنيّة عاقلة فإنّها بالضّرورة إنيّة حرّة. فكلّما زادت معارفنا زادت حريّتنا
زيف هذا القول:
إذا كانت ثمّة بديهيّة ديكارتيّة تقرذ أنّ الإنسان هو كائن الوعي و أنّ كلّ ما هو نفسي واعي و كلّ ما هو واعي نفسي. بمعنى ثمّة مماهاة بين النفس و الوعي فإن فرويد بما هو قطب الظنّة يكشف عن زيف و خداع هذا القول و يتظنّن و يتشكّك و يرتاب في هذه البديهيّة معتمدا أسلوبا حجاجيّا علميّا قائما على دراسة موضوعيّة تجريبيّة للحياة النفسيّة يقطع بموجبها مع الموروث الفلسفي المبني على مفهوم " النّفس " و يؤسّس كبديل لها مفهوم " الجهاز النّفسي "
النّفس = جوهر ميتافيزيقي و معطى إلهي و هبة ربّانيّة و خاصيّتها التفكيك و هي مطلق الإنيّة.
مبرّرات تخلّي فرويد عن هذا المفهوم:
إنّ النفس هي مفهوم ميتافيزيقي لا تقبل الملاحظة أو الترييض أو إخضاعها للدّراسة الموضوعيّة العلميّة، النفس مفهوم متعالي، لذلك يتخلّى عنها فرويد و يقدّم بديلا علميّا لها هو " الجهاز النفسي "
الجهاز النفسي = بنيته ديناميكيّة متصارعة، متناقضة المطالب و لا تهدأ و لا تكفّ عن تحقيق مطالبها
بنية متصارعة بين الهو و الأنا الأعلى، بين ما ينعته فرويد بالحصان الجامح الذّي لا يهمّه زمان و لا مكان و منطق و لا أخلاق و يسلك وفق مبدأ اللذّة و بين ما ينعته فرويد بالقاسي الذّي يردع و يعاقب و يزجر و يشعرنا بالدونيّة و الذّنب.
و الأمر أدهى و أسوأ للأنا الخادم المسكين الذّي يطالب بالتوفيق بين رغبة لا أخلاقيّة و أخلاق لا تحبّ الرغبة، لذلك يلتجئ إلى الحيل و المكر و النفاق و الدبلوماسيّة و الرّياء. و أهمّ وسائله " الكبت " أي إبعاد الرّغبة عن الشعور و الوعي و إخفاؤها إلى حين غفلة العالم الخارجي ( القانون، العادات، القيم، الأعراف... ) و الأنا الأعلى.
إنّ الحياة النفسيّة حركيّة و ديناميكيّة لا تهدأ ابدا و هو ما يدعونا إلى مراجعة تصوّرنا للإنيّة الثابتة و الدّائمة.
إذا سلّمنا بأنّ الغيريّة هي شرط تحقّق الإنيّة
فهل لا تفهم الغيريّة إلاّ على معنى خارجي؟ ( الأخر، أشياء العالم، الجسم )
ألا يكشف التحليل النفسي الفرويدي عن غيريّة الأنا ( غيريّة باطنيّة )؟
إنّ ما يكشف عنه التحليل النفسي أنّ الذات ليست الأنا فحسب، الأنا مجرّد جزء، الأنا مجرّد جزء ضئيل، الأنا غيابه أكثر بكثير من حضوره.
" إن الأنا لم تعد سيّدا حتّى في بيته "
" إنّ الأنا مجرّد صفة من الحياة النفسيّة "
" إنّ تجربتنا اليوميّة تضعنا أمام أفكار تخطر ببالنا دون أن يكون لنا علم بأصلها "
إنّ غيريّة الأنا، الغيريّة الباطنيّة، الأنا المغاير لذاته هي غيريّة تتوارى عن الأنظار، لكنّها تكتشف و تتجلّى عبر الصراع النفسي بين الهو و الأنا الأعلى و تأثير العالم الخارجي و وساطة الانا.
إنّنا مع فرويد نقيم تصورا جديدا للإنسان و نؤسّس تعريفا جديدا للإنيّة و الغيريّة و العلاقة بينهما. و إنّ تجدّد و تغيّر هذه العلاقة يفضي ضرورة إلى تجدّد المعاني و تغيّرها.
إنّ هذه الرّؤية الأنتروبولوجيّة الفرويديّة انبنت على أساس اكتشاف اللاّوعي.
ما معنى اللاّوعي؟
نقصد باللاّوعي الرّغبات المكبوتة التّي رفضها المجتمع لاعتبارات لا أخلاقيّة و دينيّة، فاختفت و ترسّبت في أعماق النسيان، في أعماق الحياة النفسيّة داخل منظّمة الهو.
الإنيّة: من منظور فرويدي هي الحياة النفسيّة و خاصّة بنية الجهاز النفسي حيث يتحقّق وجوده بالصّراع و التناقض و الحركيّة و التاريخيّة و التغيّر و التكثر. فالإنيّة بنية متصارعة متناقضة تاريخية.
الغيريّة: إنّ ما كنّا نسمّيه و نعتبره و ننظر إليه على أنّه غيريّة ليس إلاّ الإنيّة ذاتها، فالجسد و التاريخ و العالم الخارجي و الآخر و اللاّمعقول هو ما يحدّد تحقّق الإنيّة
إنّ الغيريّة تسكن الإنيّة و هي عمقها و فضاؤها و قوامها و شرطها
الوعي: من منظور فرويد هو ما نصل إليه و هو نتاج و مهمّة و مطلب يقوم به المحلّل النفسي الذّي له القدرة عبر جلسات حرّة على تحويل المسارات اللاّواعية إلى مسارات واعية.
" أنا لا أوجد حين أكون لعبة لتفكيري و إنّما أوجد حين أوجد في يد لاشعوري " ( لاكين )
إنّ اكتشاف اللاّوعي يعني القطيعة، نقطة اللاّعودة مع فلسفات الوعي، مدرسة التحليل النفسي رجّة زعزعت اليقين الميتافيزيقي: لم يعد الإنسان واحدا، لم تعد الإنيّة متعالية و لم يعد الأنا سيّدا، بل الإنيّة كثرة و بنية و الأنا جزء ضئيل. بل إنّنا مع مدرسة التحليل النفسي نبرّر و نشرّع لكينونات لم يألفها تاريخ الفلسفة و العلم و كنّا نلحقها باللاّمعقول و الغيريّة كزلاّت اللّسان و الهفوات و الأخطاء و الأحلام و النّسيان...
هذه السلوكات يمارسها كلّ شخص و إن كنّا نحتقرها ما قبل الفرويديّة و نعتبرها ثانويّة و لا قيمة لها و دالة على الشذوذ. فقد بيّن فرويد أنّ هذه السلوكات هي المعبر الحقيقيّ عن ذاتيّة الإنسان، عن إنيّة متخفّية متوارية عن الأنظار، فقد انتقلنا في حقيقة الأمر من الحديث عن الأنا - الآخر إلى التشريع للقول بآخر - الأنا
" إنّ المحلّل النّفسي لا يمكنه إلاّ ان يبدي استغرابا عندما يقال إنّ الوعي هو الخاصيّة الملازمة لكلّ ما هو نفسي "
" لكي نفهم الحياة النفسيّة جيّدا يجب أن نكفّ عن الإطراء و المبالغة في تقدير الوعي و أن نعتبر اللاّوعي عمق كلّ حياة نفسيّة "
" إنّ اللاّوعي هو النفسي ذاته "
مع مدرسة التحليل النفسي تتغيّر النظرة الأنتروبولوجيّة و الإبستمولوجيّة للإنسان من اعتباره واحدا، واعيا، إلى كونه كثرة و صراع بين الوعي و اللاّوعي، بمعنى لقد أصبح الإنسان متناقضا
إنّ الكينونات التّي تشرّع مدرسة التحليل النفسي الحديثة عنها ( مثل الأخطاء و الهفوات و الجنس ) و تعتبرها الإنيّة ذاتها، كنّا نعتبرها غيريّة اعتبارا للا عقلانيّتها و إنّ إدراك معناها و قيمتها علميّا معناه ضرورة الكفّ عن القول بالإنيّة العاقلة و أن نتحدّث عن الإنيّة اللاّعاقلة.
إنّ شرط الوعي بالذّات و تحقّق الوجود لا يجب أن يقف عند حدّ الغيريّة الخارجيّة ( أشياء العالم و الجسد و الآخرين ) و إنّما يجب أن يرتدّ و يلج و ينفذ إلى أعماق الحياة النفسيّة حيث تختلي و تنام و تترسّب أنا - مغايرة، باطنيّة تُختزل في معنى المكبوت، النسيان
بهذا تتغيّر دلالات المعاني و سياقاتها و قيمتها.
- الوعي: هو السّطح، زائف، جزء ضئيل، ظاهر
- اللاّوعي: العمق، الحقيقة، الجزء الأكبر، الخفيّ
" إنّك لتجد فرويد غير بعيد عن نيتشه و لا عن ماركس، يقف ثلاثتهم أقطابا للظنّة و كاشفوا الأقنعة و دعاة التأويل، فنتحدّث معهم عن مشكل جديد هو زيف الوعي و الوعي باعتباره زائف " ( بول ريكور )
الـتأويل: تجاوز المعنى الظاهر الخادع إلى المعنى الباطن الحقيقي
أقطاب الظنّة هم دعاة الـتأويل، إذ تجاوزوا المعنى الظاهر للإنسان ( إنّ الإنسان هو كائن الوعي ) إلى بيان زيفه و خداعه، فالوعي نتاج
- ماركس: الوعي نتاج اجتماعي
- نيتشه: الوعي نتاج جسدي
- فرويد: الوعي نتاج اللاّوعي
إنّ اللاّوعي له خاصيّة ديناميكيّة ( حركيّة ) دائمة و مستمرّة يبحث عن التحقّق و الإشباع و اللذّة، و لكن قد تكون هذه الرغبة الجسديّة لا اجتماعيّة و لا أخلاقيّة و لا دينيّة عدوانيّة فيقع صدّها و ردعها إمّا من العالم الخارجي أو الأنا الأعلى فتبحث عن تصريف و عن منافذ أخرى تجدها في ما يسمّيه فرويد التصعيد أي تحويل وجهة الرغبة من صورتها العدوانيّة و الجنسيّة الأولى إلى صورة مهذّبة يقبلها المجتمع كالفنّ الذّي يرى فرويد أنّه وسيلة و أداة للخلق و الإبداع بناء عن اللاّشعور و إنّ لوحة ديفنشي حجّة على ذلك، فالتصعيد تحويل الجنسي إلى الثقافي
يتجلّى اللاّوعي في أشكال مختلفة يقبلها المجتمع كزلاّت اللسان و الأخطاء و الهفوات و الأحلام
النّقاش:
المكاسب:
إنّ قيمة فرويد العلميّة أنّه حرّرنا من التصوّر الثبوتي و المجرّد للإنيّة و تعاليها و انغلاقها، حيث قام بانفتاحها و توسيعها نحو أبعاد كنّا نعتبرها ثانويّة و عرضيّة و هامشيّة و نلحقها باللاّمعقول. فبيّن لنا فرويد أنّها الإنيّة ذاتها و أنّ الوعي زائف و خادع
ما نكتسبه من فرويد ضرورة الشكّ و الارتباك و التظنّن حتّى في البديهيّات التّي كنّا نعتقد أنّها يقينيّة جدّ اليقين فكشف عن زيفها و خداعها، و هو ما يسمح و يوفّر لنا إمكانيّة تأسيس أنتروبولوجيّة جديدة للإنسان.
ما نتعلّمه من مدرسة التحليل النفسي ضرورة الفصل و التمييز بين الأمراض الجسديّة و الأمراض النفسيّة. فقيمة فرويد أنّه اكتشف تقنية و آليّة معالجة المرضى النفسيين من خلال اكتشافه لمفهوم اللاّوعي.
الحدود:
كان فرويد يبالغ في تقدير الماضي و تعظيمه ( النسيان ) إذ يجعل الإنيّة سجينة الماضي مرتهنة بالطفولة حبيسة لعقدة أوديب. و هو ما يجعل التعرّف على شخصيّة الإنسان يقتضي الارتداد و إقامة حفريات و نبش في أعماق الشخصيّة و ترسّباتها، فيصبح عمل المحلّل هو عمل أركيولوجي ( علم الحفريات )
يكشف " سارتر " في نقده لفرويد أنّ الإنسان ليس سجين الماضي، بل هو " إنّ الإنسان هو مشروع وجود " بمعنى أنّه يصنع ذاته باستمرار و لا يكفّ عن التغيّر و التبدّل و التجدّد، فالذات تاريخيّة و التاريخ ذاتيّ. و هو ما يؤدّي بنا إلى تغيير فهمنا لمعنى التاريخ و الزمن.
ليس التاريخ تعاقبا أو تسلسلا أو تواترا بين الماضي و الحاضر و المستقبل، بل لمّا كانت الإنيّة مشروع وجود يصبح المستقبل ماضيا و الزمن زمانية و الدّهر ديمومة. فالإنسان لا يفرض عليه الزمن من الخارج، الزمن ليس حتميّة أو ضرورة و ليس قضاء و لا قدرا، بل للإنسان القدرة حتّى الفعل داخل الزمن، فيجسم إنسانيته. فالطاولة هي الطاولة و الكرسي هو الكرسي وجوده هُوَ هُوَ و الحيوان سلوكه غريزيّ نمطي و الميتافيزيقا تجعل الماهيّة تسبق الوجود. أمّا سارتر فيعلّمنا أنّه على قدر تجربة الوجود على قدر الخوض في تجارب الوجود و معاناة الوجود و قلق الوجود تكون شخصيّة الإنسان فلا قدر، و حتّى إن كان ثمّة قدر، فقدر الإنسان أن يكون حرّا. فأنا حرّ إذن أنا موجود و الوجود يسبق الماهيّة
لهذا ينتهي سارتر و فلسفته الوجودية أنّ التعرّف إلى الذات لا يتمّ بعزلة بل في الشارع و في المقهى و في الحافلة و مع الآخرين... فالآخر شرط ضروريّ لمعرفتي بذاتي.
--------
ما قامت به مدرسة التحليل النفسي أنّها ضخّمت البعد الجنسي و جعلته محدّدا للإنيّة و جعلت للفرد علاقة عدائيّة صداميّة مع الحضارة التّي لا تكفّ عن منعه من اللذّة. في حين يثبت تلامذة فرويد أنّ المجتمع و إن كان لا يرضينا إلاّ قليلا فهذا لا يمنع أن يصبح إطارا و مجالا و أفقا للتهذيب و التربية و الصقل و التنشئة و هو ما يبرّر مزاوجة علم النفس بالاجتماع بالحديث عن علم النفس الاجتماعي مع إيريك فروم