جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
    أشكال التّواصل و مستوياته: التّواصل بما هو نظام دلالات ( اللّغة )
  • #1
الــقسم : دروس
أشكال التّواصل و مستوياته:
التّواصل بما هو نظام دلالات ( اللّغة )

( منقول )
تمهيد:
إنّ هاجس المعنى و الدّلالة و الرّمز يظلّ مطلبا إنسانيّا طالما أراد الإنسان أن يخلق و يحقّق إنسانيّته و يرتفع و يتجاوز عالم الأشياء و الحيوانيّة بعيدا عن الشيئيّة و النمطيّة و الضّرورة. فعالم الإنسان هو ملكوت الحريّة. و تعتبر اللّغة أهمّ خصائصه لأنّها خلق لعالم مغاير لعالم الأشياء، هو عالم الإنسان كما هو الشّأن لبقيّة رؤى العالم يُقيم فيها و يتواصل بها.
ما اللّغة؟
كيف تكون اللّغة نظاما رمزيّا؟
كيف يُجسّم بها الإنسان إنسانيّته؟
كيف يجسّم بها الإنسان تواصله مع الآخرين؟
هل للغة حدود؟
بمعنى هل تعجز اللّغة فيحتاج الإنسان إلى نظام رمزي آخر؟
النّصّ السّند: الإنسان و اللّغة
( إيميل بنفينست )


(... ) لم يخلق الإنسان مرّتين، الأولى بدون لغة، و الثّانية مع اللّغة. يمكن أن يكون انبثاق الـ homo ضمن السّلسلة الحيوانيّة قد يَسَرته بنيته الجسميّة أو تنظيمه العصبي و يرجع انبثاقه أساسا إلى ملكة التّمثيل الرّمزيّ لديه، هذه الملَكة التّي هي المنبع المشترك للفكر و للسان و المجتمع.
هذه القدرة الرمزيّة هي أساس الوظائف المفهوميّة، ليس التفكير شيئا آخر غير هذه القدرة على إنشاء تمثّلات للأشياء و الاشتغال على هذه التمثّلات، إنّها في جوهرها قدرة رمزيّة. إنّ التّحوّل الرّمزي لعناصر الواقع أو للتجربة إلى مفاهيم هي العمليّة التّي يتمّ بواسطتها اكتمال القدرة المعقلنة للفكر.
إنّ الفكر ليس مجرّد انعكاس للعالم، فهو يحلّل الواقع مقوليّا و في هذه الوظيفة المنظّمة يرتبط الفكر شديد الارتباط باللّغة، إلى حدّ أنّه يمكن مماثلة الفكر و اللّغة من زاوية النّظر هاته (...) فحين نضع الإنسان في علاقته بالطّبيعة أو في علاقته بالإنسان بواسطة اللّغة، نضع المجتمع، و ليس ذلك مجرّد مصادفة تاريخيّة، بل هو تسلسل ضروريّ لأنّ اللّغة تتحقّق دوما في لسان، في بنية لسانيّة محدّدة و مخصوصة، غير منفصلة عن مجتمع محدّد و خاصّ.
لا يمكن تصوّر المجتمع و اللّغة، أحدهما بدون الآخر، كلاهما معطى، و لكن كليهما يُتعلّم من طرف الكائن الإنساني، الذّي لا يملك معرفة فطريّة بهما، فالطّفل يولد و يتطوّر في مجتمع إنساني، و إنّما يلقّنه استعمال الكلام كائنان بشريان كهلان، هما الأبوان. إنّ اكتساب اللّغة تجربة تسير بمحاذاة تشكل الرّمز و إنشاء الموضوع لدى الطّفل، إنّه يتعلّم الأشياء من خلال أسمائها و يكتشف أنّ لكلّ شيء اسما و أنّ تعلّم الأسماء يمكنه من تدبّرها، و لكنّه يكتشف أيضا أنّ له هو ذاته اسما و أنّه من ثمّة يتواصل مع محيطه. و هكذا يولد لديه الوعي بالوسط الاجتماعي الذّي يسبح فيه، و الذّي يشكّل تدريجيّا فكره بواسطة اللّغة.

بنفنيست
مشاكل الألسنيّة العامّة

إشكاليّة النّصّ:
ما منزلة اللّغة في الوجود الإنساني؟
هل هي عرض و ثانويّة و وجود الإنسان مباشر لا يحتاج إلى الوساطة مماثلة بالحيوان؟ أم أنّ اللّغة هي ما بها يكون الإنسان إنسانا و تفعّل الفكر و تحقّق التّواصل؟
عناصر النّصّ:
- اللّغة بما هي شرط ( و فضاء ) إنسانيّة الإنسان
- علاقة الفكر باللّغة بما هي ضرورة
- اللّغة بما هي مؤسّسة اجتماعيّة و شرط التّواصل
القسم التّحليلي:
- اللّغة بما هي شرط ( و فضاء ) إنسانيّة الإنسان:
" لم يخلق الإنسان مرّتين، الأولى بدون لغة و الثانية مع اللّغة "
يهتمّ إيميل بنفينست في هذا النّصّ بالبحث في منزلة اللّغة و يكشف عن مرتبتها و موقعها من خلال المقارنة بين نمط وجود الحيوان و طريقة تحقّق إنسانيّة الإنسان.
هذه المقارنة تتحوّل إلى مفاضلة، إذ ينفي و يستبعد بنفينست أن يكون تحقّق وجود الإنسان مثيلا/ شبيها بالنّمظ الحيواني، بالدّائرة الوظيفيّة و النمطيّة و الغريزيّة و المعطى و المباشر، الإنسان لم يخلق مرّتين لأنّ إنسانيّته ليست مشدودة أو مقترنة بالفيزيقي/ المادّي/ الأشياء
الإنسان ليس سجين الطّبيعة و ما تهبه الطّبيعة، بل لحظة إنسانيّته تنطلق من لحظة قدرته على تحويل المادّي إلى رموز و الطّبيعي إلى مفهومي و العالم إلى رموز. تلك اللّحظة سمّاها كاسيرار " التّمثيل الرّمزي " هذا التّمثيل يعني خلق عالم مغاير لعالم الأشياء، لحظة التحرّر من الضّرورة و الحتميّة و إنشاء الرّموز بمعنى آخر لحظة إنسانيّة الإنسان هي لحظة التّمثيل الرّمزي.
" إنّ الإنسان يُقيم في اللّغة و باللّغة "
إنّ القدرة على التّمثيل الرّمزي يعني تغيّر فهمنا للعالم و علاقتنا به، فنحن نعيش في العالم و في ذهننا عالم، الإنسان لا يسكن عالم الأشياء بل يقيم في عالم الرّموز. فالعالم ها هنا ليس هو العالم المادّي بل العالم الإنساني.
- علاقة الفكر باللّغة بما هي ضرورة:
يقرّ إيميل بنفينست أنّ علاقة اللّغة بالتّفكير هي علاقة تداخل/ تشابك/ تماهي، علاقة بنيويّة إذ لا يمكن فصل الذّهني عن الكلامي و لا الكلامي عن الذّهني، فكلّما فكّر الإنسان تكلّم و كلّما تكلّم حقّق الفكر. فالعلامة الألسنيّة هي تداخل و ترابط بين الدّال و المدلول، الصّورة الصوتيّة و الصّورة الذهنيّة، اللّفظ و المفهوم. و هو بذلك يدحض الفلسفة الديكارتيّة بما هي إقر ار بالتّعالي و إطلاقيّة الوعي و مركزيّته، فديكارت ينظر إلى اللّغة على أنّها مجرّد أداة و وسيلة ( أداتيّة اللّغة )
اللّغة غيريّة و الإنسان لا يحتاج في وجوده و تفكيره إلى اللّغة. الإنسان يُفكّر خارج اللّغة و بمعزل عنها، إنّها خادمة للفكر.
إنّ اللّغة إذن شرط إمكان الفكر، فالإنسان عندما ينقل العالم إلى رموز باللّغة فإنّه يخلق عالما من الأفكار و التمثّلات.
اللّغة هي وسيط رمزيّ بين عالم الأشياء و عالم التمثّلات
- اللّغة بما هي مؤسّسة اجتماعيّة و شرط تواصل:
إنّ اللّغة بما هي وسيط لا تخصّ علاقة الإنسان بالعالم فحسب، بل اللّغة وسيط بين الذّات و الآخر. فالإنيّة لا تحقّق وجودها و كمالها في العزلة، عبر التقوقع بل تحتاج إلى الخروج و الانفتاح على الآخرين تجاوزا للفرديّة الضيّقة إلى أفق من البينذاتيّة. فباللّغة نحقّق التّواصل و إنسانيّة الإنسان، إذ يؤكّد قوزدورف أنّ الارتقاء إلى الإنسانيّة مشروط بلقاء الآخر عبر وساطة اللّغة، فأن أتكلّم معناه أنّي لست وحيدا في العالم و حتّى إن تكلّمت أو تحدّثت باطنيّا فذاتي تنشطر إلى أنا و آخر- الأنا، أعود إلى ذاتي بما هي الآخر.
و الفكرة الضمنيّة هي أنّ الفرد لا ينتج اللّغة، الفرد يتكلّم أمّا " اللّسان " فهو مؤسّسة كلاميّة ( يميّز علماء الألسنيّة بين الكلام كمؤسّس فردي و بين اللّسان كمؤسّسة اجتماعيّة )
" إنّ اللّغة لا تأتي من الواحد بل من الكثرة "
اللّغة تخرج الإنسان من البدائيّة إلى الاجتماعيّة و من الانغلاق إلى الحوار.
الحوار لا يعني نقل المعلومة فحسب بل هو شاهد على التّفاعل و الحجاج بين الذّوات
إنّ الإنسان يتكلّم و ينصت، و اللّقاء بالآخر و فهمه معناه أنّ الذّات تضع نفسها موضع الآخر، الذّات تحسّ إحساس الآخر. فداخل الكلمات تختفي و تشحن و تعلق الأحاسيس و المشاعر.
المساءلة النقديّة:
- المكاسب:
علّمنا الكاتب مكانة اللّغة و منزلتها في الوجود الإنساني بما هي شرط إنسانيّته و بلورة فكره و تحقّق تواصله.
إنّ اللّغة هي فضاء إنسانيّ و الوسيط الرّمزي بين الذّات و ذاتها و الذّات و العالم و الذّات و الآخر
قيمة اللّغة بما هي تحرّرنا من سلطة العالم الخارجي و تخلق عالما من المعنى و الدّلالة.
الحدود:
قد تنقلب اللّغة و تحيدُ عن قيمتها و وظيفتها، فتنحرف من التّواصل إلى اللاّتواصل. فاللّغة فاشية، فأن تخطب معناه أن تهيمن و أن تتحكّم، و هي قدرة مغالطة و إخفاء و تمويه و تزييف و كذب. فالإنسان حين يقول لا يقول و إنّما اللّغة تخفي الحقيقة و تحجبها بل قد تعجز عن التّعبير عن بعض الحالات النّفسيّة التّي تستبدّ بنا، و هو ما يبرّر لجوء الإنسان إلى الأنظمة الرمزيّة الأخرى كالدّين و الفنّ و الصّورة، بل أنّ الفلاسفة اليوم يرفضون نعت اللّغة بملكة الترميز إذ نحن نعيش صنميّة الصّورة.
 

tlili khalil

ضيف جديد
منتدى تونس التربوي
    أشكال التّواصل و مستوياته: التّواصل بما هو نظام دلالات ( اللّغة )
  • #2
trés interressant
 

tlili khalil

ضيف جديد
منتدى تونس التربوي
    أشكال التّواصل و مستوياته: التّواصل بما هو نظام دلالات ( اللّغة )
  • #3
  • المشاهدات
    4,798
  • الرّدود
    2

  • أعلى أسفل