- المشاركات
- 1,773
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- بنزرت
- م. الدّراسي
- دراسات معمّقة
- الاختصاص
- أدب عربي
- المهنة
- أستاذ
الخصوصيّة و كوني الموت
( منقول )
وضعيّة استكشاف:
في الوقت الذّي تتزايد فيه الأصوات الدّاعية إلى احترام حقوق الإنسان الكونيّة و حقّ المختلف في اختيار نمط حياته، تنمو في المقابل السّلطة التّقنيّة و الاقتصاديّة بروافدها الإعلاميّة. فيحدث توتّر بين قطب فكري يُدافع عن الحريّة و الكرامة الإنسانيّة و قطب اقتصادي بضائعي يدفع بسكّان العالم قاطبة إلى مماثلة نمطيّة مع الأمركة. فتزول و تذوب و تتلاشى الخصوصيّات و يغيب معنى الكوني و يتجسّد كوني الموت.
ماذا نعني بكوني الموت؟
ما نمط علاقة الخصوصيّات و حضورها مع هذا الكوني؟
هل تتحقّق و تثرى أم تتشظّى و تتلاشى؟
النّصّ السّند:
عنف العالمي: جون بودريار
إشكاليّة النّصّ:
ما طبيعة العلاقة بين العولمي و الكوني؟
هل هي علاقة مماهاة و تماثل من حيث أنّ العولمي هو الكوني محقّقا لإنسانيّة الإنسان؟ أم هي علاقة فصل من حيث أنّ العولمي يهلك الكوني و يفقر الإنسان من إنسانيّته؟
عناصر النّصّ:
- علاقة العولمي بالكوني
( تحديد دلالة كلّ منهما )
- مخاطر العولمي على الخصوصيّة و الكوني
القسم التّحليلي:
- علاقة العولمي بالكوني:
إنّ مفهوم ( الاشتغال على المفهوم يقتضي الاشتغال على دلالته و علاقاته بالمفاهيم الأخرى و معانيه المجاورة و المعاني المناقضة أو المجال و السجلّ الذّي ينتمي إليه ) هو أكثر المعاني إشكاليّة في تاريخ الفلسفة من حيث تنوّع دلالته و تجدّدها و تناقضها.
فهي البداية و هي النّهاية و هي بداية النّهاية و نهاية البداية، و هي مفهوم ليس مستحدثا. إنّه مفهوم قديم، فأولى المجتمعات البشريّة عرفت هذا المفهوم، لكن بأشكال مختلفة تاريخيّا من عولمة عسكريّة ( الرّوْمنة ) إلى عولمة دينيّة: الأوهدة، النّصرنه و الأسلمة، و عولمة ثقافيّة ( أوْرَبة ). أمّا عصرنا هذا فهو زمن العولمة الاقتصاديّة " الأمركة "، لذلك يقتضي الأمر منّا استشكال هذا المفهوم الذّي يبدو منذ الوهلة الأولى على أنّه من سلالة الكوني و الكلّي و الإنساني، أنصار العولمة يقدّمونها على أنّها الكوني و أنّها حلّ لمشاكل الإنسانيّة و أنّها " ديانة الإنسانيّة ".
فإذا كانت الطائفيّة و التعصّب ميزة الشّرائع الدينيّة، فإنّ العولمة ديانة الجميع، وحدة المصير، وحدة الإنسان، وحدة القدر المشترك، إنّها على حدّ تعبير " فوكوياما " " نهاية الإنسان و نهاية التّاريخ و نهاية المعرفة "
نهاية الإنسان بتحقيق إنسانيّته و حريّاته
و نهاية التّاريخ: زمن الأمركة، زمن سيادة الإنسان على الطّبيعة يُسخّرها و يُفسّرها و يتحكّم فيها. لقد اكتمل التّاريخ بالأمركة و وصل إلى نهاياته المطلقة و الكليّة التّي بشّر بها هيجل و الرّومنسيّون: إنّه الزّمن الذّي تنحلّ فيه و تزول التناقضات و الصّراعات الإيديولوجيّة.
لم يعد ثمّة غنيّ و فقير أو عالم و جاهل أو قويّ و ضعيف أو سيّد و عبد، كلّ ما هنالك الديمقراطيّة و حقوق الإنسان و الحريّات التّي قد تلجأ أمريكا إلى تسويقها و فرضها على الهويّات الأخرى بالحروب و الاحتلال.
لذلك: ألا يجب أن نتظنّن و نشكّ و نرتاب في مفهوم العلولمة؟
ألا يجب أن نتأوّل؟
ألا يجب أن نتجاوز الظّاهر الخادع إلى الباطن الحقيقي؟
أليست العولمة " مقبرة "، " محرقة "، " هلاك" للكوني؟
ألا يجب أن نُميّز بين كوني عولمي و كوني قيمي؟
* الاشتغال على معان مجاورة:
العولمة: رَومنة، أوهدة، نصرنة، أسلمة، أوربة، أمركة، كوني، موت، هيمنة، خداع، ادّعاء، مغالطة، إيديولوجي، تدجين، تمويه، تشريط، تنميط
" كلّ الطّرق تؤدّي إلى روما "
" نحن شعب الله المختار "
" نحن أبناء الله و أحبّاؤه "
" أمطر حيث شئت، فإنّ خراجك راجع لي " ( هارون الرّشيد )
إنّ هذه النّماذج القوليّة تؤكّد سعي هويّة ما/ ثقافة ما/ خصوصيّة ما/ دين ما/ قوّة ما إلى بسط نفوذها على الكون، لتصبح النّموذج و المثال و القدوة لكلّ الهويّات الأخرى ادّعاءا أنّها الأحسن و الأفضل و الأكمل و الأشمل و الأقوى. إنّها نماذج تجعل الكوني متماثلا/ متجانسا/ متطابقا في هويّة واحدة هي هويّة الأقوى.
إنّها ما يُسمّيها سمير أمين " المركز و الأطراف " " إمبراطوريّة الفوضى "، و إذا أردنا أن نلتمس شاهدا على ذلك واقعيّا لعُدنا إلى ما كانت تدّعيه الثّقافة الغربيّة الأوروبيّة أنّها " الثّقافة " " الحضارة " " التقدّم " " التطوّر " " التمدّن " " العلم " " الفلسفة " " الحكمة " " القوّة " " الإنسانيّ " و تنعت أو تصف الشّعوب الأخرى بــ: " الهمجيّة " " المتوحّشة " " البربريّة " " اللاّإنسانيّة " " الحيوانيّة ". و هو ما يبرّر و يشرّع للثّقافة الغربيّة أن تحتلّ و تستعمر تلك الشّعوب ادّعاء أنّها الكوني و الإنساني و الكلّي و أنّها تنقل إليهم أسباب التمدّن و التطوّر. ذلك ما يسمّى " عبء الرّجل الأبيض " كذلك فعلت أمريكا بالعراق ادّعاء أنّها تنقل إليهم الديمقراطيّة و الحريّات و حقوق الإنسان و تحرّرهم من الطّاغية، أمّا ما حدث فعلا فهو استنزاف الثروات الطبيعيّة و قتل الكفاءات البشريّة.
إنّ تأويل مفهوم العولمة إذن كشف أنّها هويّة واحدة تحوّلت إلى إمبراطوريّة/ إمبرياليّة/ قوّة توسّعيّة، و أحلّت لنفسها الاستثمار و الاستعمار. لذلك يُميّز بودريار بين كوني عولمي و كوني قيمي.
_ كوني عولمي: عولمة الصّورة/ عولمة السّوق و التّبادل التّجاري و العلامات و الرّموز الثقافيّة للمنتصر و الأقوى اقتصاديّا و سياسيّا و عسكريّا و إعلاميّا. و للعولمة أبعاد مختلفة أهمّها البعد الاقتصادي ( الاقتصاد الرّأسمالي ) و البعد الثّقافي ( عولمة الثّقافة الأمريكيّة ) و البعد السّياسي ( عولمة الدّيمقراطيّة الغربيّة ) و البعد الإعلامي ( عولمة البرامج ): إنّ الكوني يهلك بالعولمي
_ كوني قيمي: هي كونيّة القيم الإنسانيّة التّي يشترك فيها الجميع و لا تتعارض و الخصوصيّات لأنّها تتّصل بجوهر إنسانيّة الإنسان مثل قيم حقوق الإنسان ( الحريّة و الكرامة و الأمن و العمل و التّعبير... ) هذه قيم كونيّة و أفق و مطلب إنساني تتقاطع فيه و من خلاله الثّقافات فتتوحّد إيتيقيّا: أخلاقيّا، إنّهم تُدعّم و تعزّز و تنمّي الخصوصيّة: إنّ الكوني هو أفق/ مطلب الخصوصيّة.
إنّ الكونيّة التّي تحقّقت في ظلّ العولمة ليست إذن كونيّة حقيقيّة، إنّما ادّعاء الكونيّة. إنّها العولمة المتنكّرة في ثوب الكونيّة، إنّها عولمة تسلب من الإنسان كلّ ما هو إنسانيّ فيه و لا تُنتج إلاّ إنسانا ذا " بعد واحد " ( بعد استهلاكيّ ). فالعولمة ليست حلاّ لمشاكل الإنسانيّة بل حلاّ لأزمة الرّأسماليّة التّي تنتج كثيرا و تحتاج إلى أسواق جديدة. فأن نتحدّث عن عالم بلا حدود معناه حقيقة هيمنة الشّركات الأمريكيّة العابرة للقارّات، فالعولمة هي كوني موت.
معاني مجاورة لكوني حياة: كوني الحياة، الكوني الأخلاقي، الكوني الإيتيقي، الكوني الإنساني، الكوني الكلّي
" و هناك بين لفظتي الكوني و العالمي تشابه خادع " ( بودريار )
" إنّ العولمة تؤسّس لديانة توحيديّة كونيّة جديدة هي إعلام السّوق "
" ليست العولمة هي المنشئة لسيطرة ثقافة على ثقافة أخرى و لكنّها منشئة لنمط جديد من السّيطرة الثّقافيّة " ( برهان غليون )
" رسالة التّلفزة ليس ما تنقله لنا من صور بل ما تفرضه علينا من أنماط جديدة من العلاقات و الإدراكات " ( روجي غارد بودريار )
تدعيم النّصّ بالصّفحة 202
تعريف العولمة و العالميّة
ص: 207
تعريف موجز بكتاب بر هان غليون و سمير أمين: ثقافة العولمة و عولمة الثّقافة
" إنّ الإمبرياليّة هي نتيجة منطقيّة لادّعاء الكونيّة " ( روجي غارودي )
" إنّ الكوني يهلك بالعولمة " ( بودريار )
إنّ تأوّل مفهوم العولمة و الكشف عن حقيقتها يُبيّن لنا كذلك نمط تأثيرها على الكوني، ففي حضور العولمة يغيب كلّ إمكان لتجسيم الكلّي ما دام نمط حضور العولمة مبني على التحكّم و الهيمنة، فلا غرابة أن يصفها بودريار على أنّها هلاك و مقبرة للكوني، محرقة، تدمير للكوني فكلّ خصوصيّة تعمّم تفقد خصوصيّتها و هويّتها و تفرّدها و تنوّعها. داخل الكوني العولمي لا موضع للتنوّع و الاختلاف و التعدّد إنّه كوني التّجانس و الملاحظة الهامّة التّي يسُوقها إلينا بودريار كان التّاريخ قد علّمنا إيّاها، عمليّة استقراء بسيطة للتّاريخ تكشف أنّ كلّ هويّة نزعت إلى أن تصبح إمبراطوريّة تلاشت و هلكت و انقرضت و زوالها غير مأسوف عليه. موتها إذن عنيف. أمّا الخصوصيّات التّي سعت الإمبراطوريّات إلى تدميرها فهي إمّا ماتت من إفراط في الخصوصيّات ( دفاعا عن خصوصيّاتها )، فموتها طبيعيّ و كريم. و إمّا تعود فتظهر على مرآة الكوني من جديد, لذلك يستخلص بودريار أنّ العولمي و إن كان هلاكا للكوني فإنّه كذلك موت للخصوصيّات. فالكوني العولمي هو كوني الموت.
" هكذا لا يبدو العربي غريبا عن شرقه فحسب، و إنّما يبدو كذلك غريبا عن العالم أيضا، إنّه وجود مؤجّل " ( أدونيس )
" لا نعلم إلى حدّ الآن ما إذا كانت العولمة تمثّل الأمل الأخير أم هي سوء الطّالع بالنّسبة إلى الإنسانيّة " ( إدغار موران )
" ليست العولمة رعبا و لا سعادة " ( جاك لوغوف )
" ليس المشكل في العولمة و إنّما في الطّريقة التّي تُدارُ بها العولمة " ( جوزاف ستيف ليتر )
المساءلة النّقديّة:
- المكاسب:
علّمنا بودريار أن نتجاوز الظّاهر الخادع إلى الباطن الحقيقي، فالعولمة في ظاهرها لا تزيد عن كونها عولمي إنساني، أمّا باطنها فنظر و تحقيق، إنّها هلاك للكوني.
لقد اكتسبنا من بودريار القدرة على فضح المسكوت عنه و غير المصرّح به بالإقرار بالطّابع المتوحّش للرّأسماليّة و اللاّإنساني للعولمة.
- الحدود:
إنّ مفهوم العولمة ليس مفهوما سلبيّا بإطلاق كما يرى بودريار و ليس دائما نقيض الكوني، بل أنّ فهمنا السيّء للعولمة و التّوظيف اللاّإنساني لها هو الذّي دفعنا إلى هذا الإقرار إذ يمكن أن نتحدّث عن عولمة الثّقافة كما دعانا سمير أمين.
----------------------
حين سألت عن زمن الوئام و الحبّ و عن زمن الصّدام و الكراهيّة وجدت أن لا زمن لهما، إنّهما حاضران على الدّوام، الصّدام حاصل لحظة إصرار هويّة قويّة على ابتلاع الهويّات الأخرى و قد مثّلت العولمة أرقى شكل له و زمن الوئام يحصل إذا كانت الأسس مبنيّة على الحوار و الاختلاف و التنوّع، ذلك هو كوني الحياة.
( منقول )
وضعيّة استكشاف:
في الوقت الذّي تتزايد فيه الأصوات الدّاعية إلى احترام حقوق الإنسان الكونيّة و حقّ المختلف في اختيار نمط حياته، تنمو في المقابل السّلطة التّقنيّة و الاقتصاديّة بروافدها الإعلاميّة. فيحدث توتّر بين قطب فكري يُدافع عن الحريّة و الكرامة الإنسانيّة و قطب اقتصادي بضائعي يدفع بسكّان العالم قاطبة إلى مماثلة نمطيّة مع الأمركة. فتزول و تذوب و تتلاشى الخصوصيّات و يغيب معنى الكوني و يتجسّد كوني الموت.
ماذا نعني بكوني الموت؟
ما نمط علاقة الخصوصيّات و حضورها مع هذا الكوني؟
هل تتحقّق و تثرى أم تتشظّى و تتلاشى؟
النّصّ السّند:
عنف العالمي: جون بودريار
إشكاليّة النّصّ:
ما طبيعة العلاقة بين العولمي و الكوني؟
هل هي علاقة مماهاة و تماثل من حيث أنّ العولمي هو الكوني محقّقا لإنسانيّة الإنسان؟ أم هي علاقة فصل من حيث أنّ العولمي يهلك الكوني و يفقر الإنسان من إنسانيّته؟
عناصر النّصّ:
- علاقة العولمي بالكوني
( تحديد دلالة كلّ منهما )
- مخاطر العولمي على الخصوصيّة و الكوني
القسم التّحليلي:
- علاقة العولمي بالكوني:
إنّ مفهوم ( الاشتغال على المفهوم يقتضي الاشتغال على دلالته و علاقاته بالمفاهيم الأخرى و معانيه المجاورة و المعاني المناقضة أو المجال و السجلّ الذّي ينتمي إليه ) هو أكثر المعاني إشكاليّة في تاريخ الفلسفة من حيث تنوّع دلالته و تجدّدها و تناقضها.
فهي البداية و هي النّهاية و هي بداية النّهاية و نهاية البداية، و هي مفهوم ليس مستحدثا. إنّه مفهوم قديم، فأولى المجتمعات البشريّة عرفت هذا المفهوم، لكن بأشكال مختلفة تاريخيّا من عولمة عسكريّة ( الرّوْمنة ) إلى عولمة دينيّة: الأوهدة، النّصرنه و الأسلمة، و عولمة ثقافيّة ( أوْرَبة ). أمّا عصرنا هذا فهو زمن العولمة الاقتصاديّة " الأمركة "، لذلك يقتضي الأمر منّا استشكال هذا المفهوم الذّي يبدو منذ الوهلة الأولى على أنّه من سلالة الكوني و الكلّي و الإنساني، أنصار العولمة يقدّمونها على أنّها الكوني و أنّها حلّ لمشاكل الإنسانيّة و أنّها " ديانة الإنسانيّة ".
فإذا كانت الطائفيّة و التعصّب ميزة الشّرائع الدينيّة، فإنّ العولمة ديانة الجميع، وحدة المصير، وحدة الإنسان، وحدة القدر المشترك، إنّها على حدّ تعبير " فوكوياما " " نهاية الإنسان و نهاية التّاريخ و نهاية المعرفة "
نهاية الإنسان بتحقيق إنسانيّته و حريّاته
و نهاية التّاريخ: زمن الأمركة، زمن سيادة الإنسان على الطّبيعة يُسخّرها و يُفسّرها و يتحكّم فيها. لقد اكتمل التّاريخ بالأمركة و وصل إلى نهاياته المطلقة و الكليّة التّي بشّر بها هيجل و الرّومنسيّون: إنّه الزّمن الذّي تنحلّ فيه و تزول التناقضات و الصّراعات الإيديولوجيّة.
لم يعد ثمّة غنيّ و فقير أو عالم و جاهل أو قويّ و ضعيف أو سيّد و عبد، كلّ ما هنالك الديمقراطيّة و حقوق الإنسان و الحريّات التّي قد تلجأ أمريكا إلى تسويقها و فرضها على الهويّات الأخرى بالحروب و الاحتلال.
لذلك: ألا يجب أن نتظنّن و نشكّ و نرتاب في مفهوم العلولمة؟
ألا يجب أن نتأوّل؟
ألا يجب أن نتجاوز الظّاهر الخادع إلى الباطن الحقيقي؟
أليست العولمة " مقبرة "، " محرقة "، " هلاك" للكوني؟
ألا يجب أن نُميّز بين كوني عولمي و كوني قيمي؟
* الاشتغال على معان مجاورة:
العولمة: رَومنة، أوهدة، نصرنة، أسلمة، أوربة، أمركة، كوني، موت، هيمنة، خداع، ادّعاء، مغالطة، إيديولوجي، تدجين، تمويه، تشريط، تنميط
" كلّ الطّرق تؤدّي إلى روما "
" نحن شعب الله المختار "
" نحن أبناء الله و أحبّاؤه "
" أمطر حيث شئت، فإنّ خراجك راجع لي " ( هارون الرّشيد )
إنّ هذه النّماذج القوليّة تؤكّد سعي هويّة ما/ ثقافة ما/ خصوصيّة ما/ دين ما/ قوّة ما إلى بسط نفوذها على الكون، لتصبح النّموذج و المثال و القدوة لكلّ الهويّات الأخرى ادّعاءا أنّها الأحسن و الأفضل و الأكمل و الأشمل و الأقوى. إنّها نماذج تجعل الكوني متماثلا/ متجانسا/ متطابقا في هويّة واحدة هي هويّة الأقوى.
إنّها ما يُسمّيها سمير أمين " المركز و الأطراف " " إمبراطوريّة الفوضى "، و إذا أردنا أن نلتمس شاهدا على ذلك واقعيّا لعُدنا إلى ما كانت تدّعيه الثّقافة الغربيّة الأوروبيّة أنّها " الثّقافة " " الحضارة " " التقدّم " " التطوّر " " التمدّن " " العلم " " الفلسفة " " الحكمة " " القوّة " " الإنسانيّ " و تنعت أو تصف الشّعوب الأخرى بــ: " الهمجيّة " " المتوحّشة " " البربريّة " " اللاّإنسانيّة " " الحيوانيّة ". و هو ما يبرّر و يشرّع للثّقافة الغربيّة أن تحتلّ و تستعمر تلك الشّعوب ادّعاء أنّها الكوني و الإنساني و الكلّي و أنّها تنقل إليهم أسباب التمدّن و التطوّر. ذلك ما يسمّى " عبء الرّجل الأبيض " كذلك فعلت أمريكا بالعراق ادّعاء أنّها تنقل إليهم الديمقراطيّة و الحريّات و حقوق الإنسان و تحرّرهم من الطّاغية، أمّا ما حدث فعلا فهو استنزاف الثروات الطبيعيّة و قتل الكفاءات البشريّة.
إنّ تأويل مفهوم العولمة إذن كشف أنّها هويّة واحدة تحوّلت إلى إمبراطوريّة/ إمبرياليّة/ قوّة توسّعيّة، و أحلّت لنفسها الاستثمار و الاستعمار. لذلك يُميّز بودريار بين كوني عولمي و كوني قيمي.
_ كوني عولمي: عولمة الصّورة/ عولمة السّوق و التّبادل التّجاري و العلامات و الرّموز الثقافيّة للمنتصر و الأقوى اقتصاديّا و سياسيّا و عسكريّا و إعلاميّا. و للعولمة أبعاد مختلفة أهمّها البعد الاقتصادي ( الاقتصاد الرّأسمالي ) و البعد الثّقافي ( عولمة الثّقافة الأمريكيّة ) و البعد السّياسي ( عولمة الدّيمقراطيّة الغربيّة ) و البعد الإعلامي ( عولمة البرامج ): إنّ الكوني يهلك بالعولمي
_ كوني قيمي: هي كونيّة القيم الإنسانيّة التّي يشترك فيها الجميع و لا تتعارض و الخصوصيّات لأنّها تتّصل بجوهر إنسانيّة الإنسان مثل قيم حقوق الإنسان ( الحريّة و الكرامة و الأمن و العمل و التّعبير... ) هذه قيم كونيّة و أفق و مطلب إنساني تتقاطع فيه و من خلاله الثّقافات فتتوحّد إيتيقيّا: أخلاقيّا، إنّهم تُدعّم و تعزّز و تنمّي الخصوصيّة: إنّ الكوني هو أفق/ مطلب الخصوصيّة.
إنّ الكونيّة التّي تحقّقت في ظلّ العولمة ليست إذن كونيّة حقيقيّة، إنّما ادّعاء الكونيّة. إنّها العولمة المتنكّرة في ثوب الكونيّة، إنّها عولمة تسلب من الإنسان كلّ ما هو إنسانيّ فيه و لا تُنتج إلاّ إنسانا ذا " بعد واحد " ( بعد استهلاكيّ ). فالعولمة ليست حلاّ لمشاكل الإنسانيّة بل حلاّ لأزمة الرّأسماليّة التّي تنتج كثيرا و تحتاج إلى أسواق جديدة. فأن نتحدّث عن عالم بلا حدود معناه حقيقة هيمنة الشّركات الأمريكيّة العابرة للقارّات، فالعولمة هي كوني موت.
معاني مجاورة لكوني حياة: كوني الحياة، الكوني الأخلاقي، الكوني الإيتيقي، الكوني الإنساني، الكوني الكلّي
" و هناك بين لفظتي الكوني و العالمي تشابه خادع " ( بودريار )
" إنّ العولمة تؤسّس لديانة توحيديّة كونيّة جديدة هي إعلام السّوق "
" ليست العولمة هي المنشئة لسيطرة ثقافة على ثقافة أخرى و لكنّها منشئة لنمط جديد من السّيطرة الثّقافيّة " ( برهان غليون )
" رسالة التّلفزة ليس ما تنقله لنا من صور بل ما تفرضه علينا من أنماط جديدة من العلاقات و الإدراكات " ( روجي غارد بودريار )
تدعيم النّصّ بالصّفحة 202
تعريف العولمة و العالميّة
ص: 207
تعريف موجز بكتاب بر هان غليون و سمير أمين: ثقافة العولمة و عولمة الثّقافة
" إنّ الإمبرياليّة هي نتيجة منطقيّة لادّعاء الكونيّة " ( روجي غارودي )
" إنّ الكوني يهلك بالعولمة " ( بودريار )
إنّ تأوّل مفهوم العولمة و الكشف عن حقيقتها يُبيّن لنا كذلك نمط تأثيرها على الكوني، ففي حضور العولمة يغيب كلّ إمكان لتجسيم الكلّي ما دام نمط حضور العولمة مبني على التحكّم و الهيمنة، فلا غرابة أن يصفها بودريار على أنّها هلاك و مقبرة للكوني، محرقة، تدمير للكوني فكلّ خصوصيّة تعمّم تفقد خصوصيّتها و هويّتها و تفرّدها و تنوّعها. داخل الكوني العولمي لا موضع للتنوّع و الاختلاف و التعدّد إنّه كوني التّجانس و الملاحظة الهامّة التّي يسُوقها إلينا بودريار كان التّاريخ قد علّمنا إيّاها، عمليّة استقراء بسيطة للتّاريخ تكشف أنّ كلّ هويّة نزعت إلى أن تصبح إمبراطوريّة تلاشت و هلكت و انقرضت و زوالها غير مأسوف عليه. موتها إذن عنيف. أمّا الخصوصيّات التّي سعت الإمبراطوريّات إلى تدميرها فهي إمّا ماتت من إفراط في الخصوصيّات ( دفاعا عن خصوصيّاتها )، فموتها طبيعيّ و كريم. و إمّا تعود فتظهر على مرآة الكوني من جديد, لذلك يستخلص بودريار أنّ العولمي و إن كان هلاكا للكوني فإنّه كذلك موت للخصوصيّات. فالكوني العولمي هو كوني الموت.
" هكذا لا يبدو العربي غريبا عن شرقه فحسب، و إنّما يبدو كذلك غريبا عن العالم أيضا، إنّه وجود مؤجّل " ( أدونيس )
" لا نعلم إلى حدّ الآن ما إذا كانت العولمة تمثّل الأمل الأخير أم هي سوء الطّالع بالنّسبة إلى الإنسانيّة " ( إدغار موران )
" ليست العولمة رعبا و لا سعادة " ( جاك لوغوف )
" ليس المشكل في العولمة و إنّما في الطّريقة التّي تُدارُ بها العولمة " ( جوزاف ستيف ليتر )
المساءلة النّقديّة:
- المكاسب:
علّمنا بودريار أن نتجاوز الظّاهر الخادع إلى الباطن الحقيقي، فالعولمة في ظاهرها لا تزيد عن كونها عولمي إنساني، أمّا باطنها فنظر و تحقيق، إنّها هلاك للكوني.
لقد اكتسبنا من بودريار القدرة على فضح المسكوت عنه و غير المصرّح به بالإقرار بالطّابع المتوحّش للرّأسماليّة و اللاّإنساني للعولمة.
- الحدود:
إنّ مفهوم العولمة ليس مفهوما سلبيّا بإطلاق كما يرى بودريار و ليس دائما نقيض الكوني، بل أنّ فهمنا السيّء للعولمة و التّوظيف اللاّإنساني لها هو الذّي دفعنا إلى هذا الإقرار إذ يمكن أن نتحدّث عن عولمة الثّقافة كما دعانا سمير أمين.
----------------------
حين سألت عن زمن الوئام و الحبّ و عن زمن الصّدام و الكراهيّة وجدت أن لا زمن لهما، إنّهما حاضران على الدّوام، الصّدام حاصل لحظة إصرار هويّة قويّة على ابتلاع الهويّات الأخرى و قد مثّلت العولمة أرقى شكل له و زمن الوئام يحصل إذا كانت الأسس مبنيّة على الحوار و الاختلاف و التنوّع، ذلك هو كوني الحياة.