- المشاركات
- 1,773
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- بنزرت
- م. الدّراسي
- دراسات معمّقة
- الاختصاص
- أدب عربي
- المهنة
- أستاذ
شرح نصّ: المرأة البرمكيّة و الرّشيد
الـــنّــــصّ
كانت الجُرْأةُ و الشّجاعةُ ممّا اُمتازت به المرأةُ في مواقفِها الحِواريّةِ السّياسيّةِ، تلك الجُرأةُ المشدُودةُ بين ثُنائيّةٍ طرفَاهَا بَاثٌّ و مُتقبّلٌ، فالمرأةُ المُحاوِرةُ تكُونُ في الموقِفِ السّياسيّ دائما قويّةً مُؤمِنةً بمُعتقَدِها السّياسيِّ مُقتنِعةً بما لا يقبَلُ التّشكيكَ بسلامةِ ما هي عليه، غير مُباليةٍ بعاقِبةِ ما تنتهي إليه المُحاوَرَةُ، و يكونُ الطّرفُ السُّلطويُّ مُستمِعًا مُهاوِدًا بوعْيٍ و تعقُّلٍ، لا ينجرِفُ أمامَ عصْفِ العاطِفَةِ الانفِعاليّةِ، و لا يستجيبُ لمُؤثّراتِ المقامِ مِن تحفيزِ الآخرِ باستعادةِ موقفٍ غائبٍ، أو تذكيرٍ بحادِثةٍ منسيّةٍ، و كلّ ما قد يقتضي على المرأةِ المُحاورةِ. في المُقابلِ نجِدُ رمزَ السُّلطةِ يُحيطُ ثنايا الحِوارِ بجوارِحَ مُنضبِطةٍ، و حُلْمَ القادِرِ مُمْتصًّا ما لدَى الطّرَفِ الآخر مِنْ سُخطٍ و انفِعالٍ، و مورُوثٍ حاقِدٍ مُجَلِّلاً الخاتِمَةَ بعطْفِهِ و كرَمِهِ أو يكون مُتسامِحًا بوعيٍ لرَمْزِهَا و مَرْمُوزِهَا.
قيل: دخلَت اُمرأةٌ على هارُون الرّشيد و عندهُ جماعةٌ من وُجُوهِ أصحابِهِ، فقالت: يا أميرَ المُؤمِنين، أقرَّ اللهُ عيْنَكَ و فَرَّحَكَ بما آتَاكَ، و أتمّ سَعْدَكَ، لقد حَكَمْتَ فَقَسَطْتَ. فقال لها: مَنْ تَكُونينَ أيّتُها المرأةُ؟ فقالت: مِن آل بَرْمَكَ مِمَّنْ قَتَلْتَ رجالَهم و أخذتَ أموالَهُم و سلَبْتَ نَوَالَهُم. فقال: أمّا الرّجالُ فقد مَضَى فيهم أمرُ اللهِ و نَفَذَ فيهم قَدَرُهُ. و أمّا المالُ فمردُودٌ إليكِ. ثُمّ التفَتَ إلى الحاضِرِينَ مِنْ أصحابِهِ فقال: أتدرُون ما قالت المرأةُ؟ فقالُوا: ما نَرَاها قالت إلاّ خيْرًا. قال: ما أظُنُّكُم فَهِمْتُم ذلِكَ. أمّا قَوْلُهَا: أقَرَّ اللهُ عَيْنَكَ، أيْ أسْكَنَهَا عنِ الحَرَكَةِ. و إذا أُسْكِنَتِ العيْنُ عنِ الحَرَكَةِ عَمِيَتْ. و أمّا قَوْلُهَا: و فَرَّحَكَ بِمَا أتَاكَ، فأخَذَتْهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى " حتّى إذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً "، و أمّا قوْلُهَا: و أتمَّ اللهُ سَعْدَكَ فأخَذَتْهُ مِن قول الشّاعِرِ:
إذا تَمّ أمْرٌ بَدَا نقْصُهُ --- تَرَقّبْ زَوَالاً إذا قِيلَ تَمَّ
و أمّا قَوْلُها: لقد حَكَمْتَ فقسطتَ، فأخَذَتْهُ مِنْ قوله تعالى: " و أمّا القاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا "، فتعجّبُوا مِن ذلكَ.
وسيمة عبد المحسن المنصور
المرأة المحاورة: قراءة في التّراث
مجلّة عالم الفكر، العدد 2، المجلّد 34، أكتوبر / ديسمبر 2005
ص.ص: 80 - 81
الـــشّــــرح
التّقديم:
نصّ حجاجي للباحثة السعوديّة: " وسيمة عبد المحسن المنصور "، استمدّ من مقال: " المرأة المحاورة: قراءة في التّراث " ( مجلّة الفكر ) يندرج ضمن محور: " شواغل المرأة بقلم المرأة "
الموضوع:
تؤكّد الكاتبة جرأة المرأة و شجاعتها في المحافل السياسيّة من خلال قصّة المرأة البرمكيّة و هارون الرّشيد
أو
تؤكّد الكاتبة أحقيّة المرأة في العمل السياسي من خلال قصّة المرأة البرمكيّة و هارون الرّشيد
المقاطع:
يُمكن تقسيم النّصّ إلى مقطعين حسب معيار بنية النّصّ الحجاجي
- من البداية ---- مَرمُوزها: الأطروحة
- البقيّة: السيرورة الحجاجيّة / الاستدلال
المقطع الأوّل: الأطروحة
كانت: ناسخ فعلي
الجرأة و الشّجاعة: مركّب عطفي: اسم ناسخ
تتواتر الجمل الاسميّة التقريريّة في هذا المقطع الأوّل، و هذا بديهيّ باُعتبار أنّ المُحاجّ سيُقدّم أطروحته
الوضعيّة الحجاجيّة:
موضوع الحجاج:
قضيّة شائكة / قضيّة خلافيّة
هل أنّ المرأة قادرة على الاشتغال في السّياسة أم أنّها كائن ناقص غير قادر على الاشتغال في الميدان السّياسي؟
أطراف الحجاج:
المُحاجّ: امرأة: كاتبة سعوديّة
المحجوج: قسم كبير من المجتمع السعودي: يُصادرُ حقّ المرأة في العمل السياسي
- الأطروحة المُثبتة / المدعُومة:
إنّ المرأة امتازت بجُرأتها و شجاعتها في مواقفها الحواريّة السياسيّة
أو
إنّ المرأة كائن مفكّر قادرٌ على خوض الحوارات السياسيّة بكلّ جرأة و اقتدار
أو
إنّ المرأة قادرة على العمل السياسي
- الأطروحة المُستبعدة:
إنّ المرأة لا تمتازُ بالجُرأة و الشّجاعة في المواقف الحواريّة السّياسيّة
أو
إنّ المرأة كائن ناقص عقل غير قادر على خوض الحوارات السياسيّة
أو
إنّ المرأة غير قادرة على العمل السياسي
منطلقات / خلفيّات الأطروحتين:
- الأطروحة المستبعدة: تبخيس دور المرأة + الحطّ من مكانتها
- الأطروحة المدعومة: الرّفع من قيمة المرأة + اُعتبارها قادرة على التّفكير المُنظّم + تمتاز بالجُرأة و الشّجاعة
بنية المقطع الأوّل: الانتقال من الإجمال إلى التّفصيل و من التّركيب إلى التّفكيك
تنزيل المسألة في سياقها: الحوار السياسيّ باُعتباره شكلاً من أشكال التّواصل البشريّ
عمليّة التّواصل تفترض تفكيك مكوّناتها لتعقّل مساراتها و أهدافها و نتائجها
عمليّة التّواصل البشري تفترض وجود:
- باث / مُرسل: يُنتجُ الخطابَ
- مُتقبّل: يتقبّل/ يتلقّى الخطاب
- رسالة: مضمون الخطاب
- شفرة: تنتظم وفقها الرّسالة
- قناة: تُرسلُ عبرها الرّسالة ( كتابيّة / لفظيّة / حركة... )
- الضّوضاء: تتأثّر الرّسالة بـ: المكان / العمر / الأعراف و التّقاليد / الجنس / المستوى التّعليمي...
- فكّ الشّفرة و استيعاب الفكرة
- الردّ على الرّسالة
+ طرفا الحوار:
- المُرسل: المرأة
- المُتقبّل: الطّرف السّلطوي
+ صفات طرفي الحوار:
- الباثّ / المرسل:
قويّة في الموقف السّياسي ( القوّة + العزم + الشّجاعة + الجرأة )
الإيمان بالمُعتقد السّياسي
الاقتناع المُطلق بسلامة خياراتها
- المُتقبّل
مُستمع موادع بوعي و تعقّل
لا يُغلّبُ عاطفته الانفعاليّة على عقله
لا يستجيبُ لمُؤثّرات المقام التّي يُمكن أن تُعطّل الحوار أو تقضي على الباثّ
+ فكّ الشفرة من قبل المتقبّل:
استيعاب الفكرة قبل الردّ
امتصاص ما لدى الطّرف الآخر ( الباثّ ) من سُخط و انفعال
+ الردّ على الرّسالة:
الحُلم
التّسامح
العطف و الكرم
المقطع الثّاني: السّيرورة الحجاجيّة / الاستدلال
قيل: فعل مبني للمجهول
دخلت... فقالت: فعلان في صيغة الماضي
امرأة - هارون الرّشيد - الأصحاب: شخصيّات
الماضي: إطار زماني
مجلس هارون الرّشيد: إطار مكاني
امرأة: نكرة
هارون الرّشيد: اسم علم = معرفة: شخصيّة تاريخيّة
فقالت... فقال لها: نمط الكتابة: الحوار
توفّر مُقوّمات القصّ في هذا النّصّ
النّصّ ذو بنية قصصيّة
هارون الرّشيد اسم علم: معرفة ( شخصيّة تاريخيّة ): هو علامة لغويّة مُحدّدة مسبقا ( شخصيّة نمطيّة ) مُحايثة لمعاني: السّلطة + السّيادة + القوّة + الحلم + الذّكاء
المرأة وردت نكرة: هي علامة لغويّة ستكتسب ماهيّتها من خلال أقوالها ( ستكتسب ماهيّتها و مشروعيّتها من خلال الخطاب )
مقطع سردي قصير + مقطع حواري طويل
- المقطع السّردي: اضطلع بوظيفة التّأطير
- المقطع الحواري: اضطلع بعدّة وظائف
يُمكن تقسيم هذا المقطع الحواري إلى مقطعين فرعيّين استنادا إلى أطراف الحوار
+ المقطع الحواري 1:
تعدّدت الأعمال اللغويّة التّي سيّجت هذا المقطع:
النّداء: يا أمير المؤمنين ( نداء للبعيد و القريب )
( يا ) أيّتها ( أيّتها: تنبيه )
الدّعاء: أقرّ الله... سعدك
الاستفهام: من تكونين...؟ ( الاستخبار عن شيء مجهول )
لقد: تأكيد مزدوج ( لام التّأكيد + أداة تحقيق تفيد التّأكيد )
قسطت = عدلت
- طرفا الحوار: المرأة + هارون الرّشيد
تبدو العلاقة بينهما غير متكافئة: علاقة عموديّة
ظاهر الخطاب يُكرّس هذه العلاقة: دعاء و ثناء + استخبار ( الخليفة ) + إخبار / عرض القضيّة - المَظلمة ( المرأة البرمكيّة ) + إنصاف ( أمّا المالُ فمردُودٌ إليكِ )
غير أنّ هذا الظّاهر ( الخطاب في ظاهره: دعاء + ثناء + عتاب ) سرعان ما سيُطيح به المقطع الحواري الثّاني
+ المقطع الحواري 2:
ثمّ: الاسترخاء و التمهّل
أتدرون: حرف استفهام
ما... إلاّ: حصر يُفيد التّأكيد
ما أظنّكم: النّفي
أمّا قولها... و أمّا قولها... و أمّا قولها... و أمّا قولها: التّفصيل
أي: التّفسير
- طرفا الحوار: هارون الر ّشيد + الأصحاب
موضوع الحوار: فكّ شفرات الرّسالة ( رسالة المرأة )
الحديث حول ما استبطنته رسالة المرأة من معان ثاوية: رسالة " حمّالة أوجه "
وظيفة الحوار الأساسيّة في هذا المقطع الحواري الثّاني هي الوظيفة الإخباريّة:
تفكيك شفرات خطاب المرأة البرمكيّة لحصول الفهم و الإفهام
المُتقبّل الأوّل ( الخليفة ): استطاع فكّ شفرات الرّسالة ففهم باطن الخطاب ( نظرا لما يتّسم به من ذكاء + إلمام بمعاني العربيّة الظّاهر منها و الخفيّ )
المُتقبّل الثّاني ( الأصحاب ): العجز عن فكّ شفرات الرّسالة: الاكتفاء يالمعنى الظّاهر
( ملاحظة: يُمكن أن نتحدّث عن المتقبّل الثّالث: القارئ )
أقرّ الله عينيك: أسكنها عن الحركة ( العمى )
فرّحك بما أتاك: ضياع الشّيء بعد حُصوله
أتمّ الله سعدك: التّمام إيذان بالزّوال
لقد حكمت فقسطت: " قسطت " كلمة تحمل الضدّين معا: العدل + الجور ( الجور يُؤدّي إلى جهنّم )
تظهر جرأة المرأة البرمكيّة و حنكتها في طريقة إدارتها لهذا الحوار، فهي:
- أصابت من الخليفة مقتلا بعد أن فضحه خطابها الباطن و عرّى ممارساته الظّالمة، دون أن تترك له فرصة للنّيل منها
- هذا الخطاب الباطن ( الدّعاء مثلا يتحوّل إلى نوع من الهجاء / النّداء قلب في باطن الخطاب تلك العلاقة العموديّة، فحرف النّداء " يا " انتقل من البعد إلى القرب: خطاب مُخاتل مُراوغ ) كان تمهيدا ذكيّا لعرض مظلمتها
- استطاعت استرجاع أموال عائلتها
الردّ على رسالة المرأة بعد فكّ شفراتها ( من طرف الخليفة ) اتّسم بــ: الحلم + التّسامح
هذا الردّ يمكن أن يُرجع إلى:
+ عدل صاحب السّلطة
+ محاولة المحافظة على مستلزمات السيادة / السلطان: كظم الغيظ و التحكّم في الأعصاب
+ مُنتج الخطاب ( المرأة ): صاحب السّلطان لا يُريد أن يُظهر ضعفه و عجزه أمام فصاحة هذه المرأة
يُدعّم هذا الحوار فكرة انتصار سلطة الكلمة على كلمة السّلطة
إنّ توظيف التّراث في هذا النّصّ مقصود و لا يخلو من وظيفة، فالمحاجّ ( الباحثة السعودية: وسيمة عبد المحسن ) استعمل حجّة تتساوق مع حجج المحجوج ( قسم كبير من المجتمع السعودي ): حجج دينيّة و تاريخية ( حجج تُعبّر عن فهم معيّن للنّصّ المقدّس و للتّراث العربي الإسلامي )
أرادت الكاتبة السعوديّة إفحام المحجوج: أحقيّة المرأة ( و منها المرأة السعوديّة ) في العمل السياسي
المرأة تمتلك عقلا يُؤهّلها للعمل السياسي، و هذا يتساوق مع جوهر الدّين و التّراث
الـــنّــــصّ
كانت الجُرْأةُ و الشّجاعةُ ممّا اُمتازت به المرأةُ في مواقفِها الحِواريّةِ السّياسيّةِ، تلك الجُرأةُ المشدُودةُ بين ثُنائيّةٍ طرفَاهَا بَاثٌّ و مُتقبّلٌ، فالمرأةُ المُحاوِرةُ تكُونُ في الموقِفِ السّياسيّ دائما قويّةً مُؤمِنةً بمُعتقَدِها السّياسيِّ مُقتنِعةً بما لا يقبَلُ التّشكيكَ بسلامةِ ما هي عليه، غير مُباليةٍ بعاقِبةِ ما تنتهي إليه المُحاوَرَةُ، و يكونُ الطّرفُ السُّلطويُّ مُستمِعًا مُهاوِدًا بوعْيٍ و تعقُّلٍ، لا ينجرِفُ أمامَ عصْفِ العاطِفَةِ الانفِعاليّةِ، و لا يستجيبُ لمُؤثّراتِ المقامِ مِن تحفيزِ الآخرِ باستعادةِ موقفٍ غائبٍ، أو تذكيرٍ بحادِثةٍ منسيّةٍ، و كلّ ما قد يقتضي على المرأةِ المُحاورةِ. في المُقابلِ نجِدُ رمزَ السُّلطةِ يُحيطُ ثنايا الحِوارِ بجوارِحَ مُنضبِطةٍ، و حُلْمَ القادِرِ مُمْتصًّا ما لدَى الطّرَفِ الآخر مِنْ سُخطٍ و انفِعالٍ، و مورُوثٍ حاقِدٍ مُجَلِّلاً الخاتِمَةَ بعطْفِهِ و كرَمِهِ أو يكون مُتسامِحًا بوعيٍ لرَمْزِهَا و مَرْمُوزِهَا.
قيل: دخلَت اُمرأةٌ على هارُون الرّشيد و عندهُ جماعةٌ من وُجُوهِ أصحابِهِ، فقالت: يا أميرَ المُؤمِنين، أقرَّ اللهُ عيْنَكَ و فَرَّحَكَ بما آتَاكَ، و أتمّ سَعْدَكَ، لقد حَكَمْتَ فَقَسَطْتَ. فقال لها: مَنْ تَكُونينَ أيّتُها المرأةُ؟ فقالت: مِن آل بَرْمَكَ مِمَّنْ قَتَلْتَ رجالَهم و أخذتَ أموالَهُم و سلَبْتَ نَوَالَهُم. فقال: أمّا الرّجالُ فقد مَضَى فيهم أمرُ اللهِ و نَفَذَ فيهم قَدَرُهُ. و أمّا المالُ فمردُودٌ إليكِ. ثُمّ التفَتَ إلى الحاضِرِينَ مِنْ أصحابِهِ فقال: أتدرُون ما قالت المرأةُ؟ فقالُوا: ما نَرَاها قالت إلاّ خيْرًا. قال: ما أظُنُّكُم فَهِمْتُم ذلِكَ. أمّا قَوْلُهَا: أقَرَّ اللهُ عَيْنَكَ، أيْ أسْكَنَهَا عنِ الحَرَكَةِ. و إذا أُسْكِنَتِ العيْنُ عنِ الحَرَكَةِ عَمِيَتْ. و أمّا قَوْلُهَا: و فَرَّحَكَ بِمَا أتَاكَ، فأخَذَتْهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى " حتّى إذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً "، و أمّا قوْلُهَا: و أتمَّ اللهُ سَعْدَكَ فأخَذَتْهُ مِن قول الشّاعِرِ:
إذا تَمّ أمْرٌ بَدَا نقْصُهُ --- تَرَقّبْ زَوَالاً إذا قِيلَ تَمَّ
و أمّا قَوْلُها: لقد حَكَمْتَ فقسطتَ، فأخَذَتْهُ مِنْ قوله تعالى: " و أمّا القاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا "، فتعجّبُوا مِن ذلكَ.
وسيمة عبد المحسن المنصور
المرأة المحاورة: قراءة في التّراث
مجلّة عالم الفكر، العدد 2، المجلّد 34، أكتوبر / ديسمبر 2005
ص.ص: 80 - 81
الـــشّــــرح
التّقديم:
نصّ حجاجي للباحثة السعوديّة: " وسيمة عبد المحسن المنصور "، استمدّ من مقال: " المرأة المحاورة: قراءة في التّراث " ( مجلّة الفكر ) يندرج ضمن محور: " شواغل المرأة بقلم المرأة "
الموضوع:
تؤكّد الكاتبة جرأة المرأة و شجاعتها في المحافل السياسيّة من خلال قصّة المرأة البرمكيّة و هارون الرّشيد
أو
تؤكّد الكاتبة أحقيّة المرأة في العمل السياسي من خلال قصّة المرأة البرمكيّة و هارون الرّشيد
المقاطع:
يُمكن تقسيم النّصّ إلى مقطعين حسب معيار بنية النّصّ الحجاجي
- من البداية ---- مَرمُوزها: الأطروحة
- البقيّة: السيرورة الحجاجيّة / الاستدلال
المقطع الأوّل: الأطروحة
كانت: ناسخ فعلي
الجرأة و الشّجاعة: مركّب عطفي: اسم ناسخ
تتواتر الجمل الاسميّة التقريريّة في هذا المقطع الأوّل، و هذا بديهيّ باُعتبار أنّ المُحاجّ سيُقدّم أطروحته
الوضعيّة الحجاجيّة:
موضوع الحجاج:
قضيّة شائكة / قضيّة خلافيّة
هل أنّ المرأة قادرة على الاشتغال في السّياسة أم أنّها كائن ناقص غير قادر على الاشتغال في الميدان السّياسي؟
أطراف الحجاج:
المُحاجّ: امرأة: كاتبة سعوديّة
المحجوج: قسم كبير من المجتمع السعودي: يُصادرُ حقّ المرأة في العمل السياسي
- الأطروحة المُثبتة / المدعُومة:
إنّ المرأة امتازت بجُرأتها و شجاعتها في مواقفها الحواريّة السياسيّة
أو
إنّ المرأة كائن مفكّر قادرٌ على خوض الحوارات السياسيّة بكلّ جرأة و اقتدار
أو
إنّ المرأة قادرة على العمل السياسي
- الأطروحة المُستبعدة:
إنّ المرأة لا تمتازُ بالجُرأة و الشّجاعة في المواقف الحواريّة السّياسيّة
أو
إنّ المرأة كائن ناقص عقل غير قادر على خوض الحوارات السياسيّة
أو
إنّ المرأة غير قادرة على العمل السياسي
منطلقات / خلفيّات الأطروحتين:
- الأطروحة المستبعدة: تبخيس دور المرأة + الحطّ من مكانتها
- الأطروحة المدعومة: الرّفع من قيمة المرأة + اُعتبارها قادرة على التّفكير المُنظّم + تمتاز بالجُرأة و الشّجاعة
بنية المقطع الأوّل: الانتقال من الإجمال إلى التّفصيل و من التّركيب إلى التّفكيك
تنزيل المسألة في سياقها: الحوار السياسيّ باُعتباره شكلاً من أشكال التّواصل البشريّ
عمليّة التّواصل تفترض تفكيك مكوّناتها لتعقّل مساراتها و أهدافها و نتائجها
عمليّة التّواصل البشري تفترض وجود:
- باث / مُرسل: يُنتجُ الخطابَ
- مُتقبّل: يتقبّل/ يتلقّى الخطاب
- رسالة: مضمون الخطاب
- شفرة: تنتظم وفقها الرّسالة
- قناة: تُرسلُ عبرها الرّسالة ( كتابيّة / لفظيّة / حركة... )
- الضّوضاء: تتأثّر الرّسالة بـ: المكان / العمر / الأعراف و التّقاليد / الجنس / المستوى التّعليمي...
- فكّ الشّفرة و استيعاب الفكرة
- الردّ على الرّسالة
+ طرفا الحوار:
- المُرسل: المرأة
- المُتقبّل: الطّرف السّلطوي
+ صفات طرفي الحوار:
- الباثّ / المرسل:
قويّة في الموقف السّياسي ( القوّة + العزم + الشّجاعة + الجرأة )
الإيمان بالمُعتقد السّياسي
الاقتناع المُطلق بسلامة خياراتها
- المُتقبّل
مُستمع موادع بوعي و تعقّل
لا يُغلّبُ عاطفته الانفعاليّة على عقله
لا يستجيبُ لمُؤثّرات المقام التّي يُمكن أن تُعطّل الحوار أو تقضي على الباثّ
+ فكّ الشفرة من قبل المتقبّل:
استيعاب الفكرة قبل الردّ
امتصاص ما لدى الطّرف الآخر ( الباثّ ) من سُخط و انفعال
+ الردّ على الرّسالة:
الحُلم
التّسامح
العطف و الكرم
المقطع الثّاني: السّيرورة الحجاجيّة / الاستدلال
قيل: فعل مبني للمجهول
دخلت... فقالت: فعلان في صيغة الماضي
امرأة - هارون الرّشيد - الأصحاب: شخصيّات
الماضي: إطار زماني
مجلس هارون الرّشيد: إطار مكاني
امرأة: نكرة
هارون الرّشيد: اسم علم = معرفة: شخصيّة تاريخيّة
فقالت... فقال لها: نمط الكتابة: الحوار
توفّر مُقوّمات القصّ في هذا النّصّ
النّصّ ذو بنية قصصيّة
هارون الرّشيد اسم علم: معرفة ( شخصيّة تاريخيّة ): هو علامة لغويّة مُحدّدة مسبقا ( شخصيّة نمطيّة ) مُحايثة لمعاني: السّلطة + السّيادة + القوّة + الحلم + الذّكاء
المرأة وردت نكرة: هي علامة لغويّة ستكتسب ماهيّتها من خلال أقوالها ( ستكتسب ماهيّتها و مشروعيّتها من خلال الخطاب )
مقطع سردي قصير + مقطع حواري طويل
- المقطع السّردي: اضطلع بوظيفة التّأطير
- المقطع الحواري: اضطلع بعدّة وظائف
يُمكن تقسيم هذا المقطع الحواري إلى مقطعين فرعيّين استنادا إلى أطراف الحوار
+ المقطع الحواري 1:
تعدّدت الأعمال اللغويّة التّي سيّجت هذا المقطع:
النّداء: يا أمير المؤمنين ( نداء للبعيد و القريب )
( يا ) أيّتها ( أيّتها: تنبيه )
الدّعاء: أقرّ الله... سعدك
الاستفهام: من تكونين...؟ ( الاستخبار عن شيء مجهول )
لقد: تأكيد مزدوج ( لام التّأكيد + أداة تحقيق تفيد التّأكيد )
قسطت = عدلت
- طرفا الحوار: المرأة + هارون الرّشيد
تبدو العلاقة بينهما غير متكافئة: علاقة عموديّة
ظاهر الخطاب يُكرّس هذه العلاقة: دعاء و ثناء + استخبار ( الخليفة ) + إخبار / عرض القضيّة - المَظلمة ( المرأة البرمكيّة ) + إنصاف ( أمّا المالُ فمردُودٌ إليكِ )
غير أنّ هذا الظّاهر ( الخطاب في ظاهره: دعاء + ثناء + عتاب ) سرعان ما سيُطيح به المقطع الحواري الثّاني
+ المقطع الحواري 2:
ثمّ: الاسترخاء و التمهّل
أتدرون: حرف استفهام
ما... إلاّ: حصر يُفيد التّأكيد
ما أظنّكم: النّفي
أمّا قولها... و أمّا قولها... و أمّا قولها... و أمّا قولها: التّفصيل
أي: التّفسير
- طرفا الحوار: هارون الر ّشيد + الأصحاب
موضوع الحوار: فكّ شفرات الرّسالة ( رسالة المرأة )
الحديث حول ما استبطنته رسالة المرأة من معان ثاوية: رسالة " حمّالة أوجه "
وظيفة الحوار الأساسيّة في هذا المقطع الحواري الثّاني هي الوظيفة الإخباريّة:
تفكيك شفرات خطاب المرأة البرمكيّة لحصول الفهم و الإفهام
المُتقبّل الأوّل ( الخليفة ): استطاع فكّ شفرات الرّسالة ففهم باطن الخطاب ( نظرا لما يتّسم به من ذكاء + إلمام بمعاني العربيّة الظّاهر منها و الخفيّ )
المُتقبّل الثّاني ( الأصحاب ): العجز عن فكّ شفرات الرّسالة: الاكتفاء يالمعنى الظّاهر
( ملاحظة: يُمكن أن نتحدّث عن المتقبّل الثّالث: القارئ )
أقرّ الله عينيك: أسكنها عن الحركة ( العمى )
فرّحك بما أتاك: ضياع الشّيء بعد حُصوله
أتمّ الله سعدك: التّمام إيذان بالزّوال
لقد حكمت فقسطت: " قسطت " كلمة تحمل الضدّين معا: العدل + الجور ( الجور يُؤدّي إلى جهنّم )
تظهر جرأة المرأة البرمكيّة و حنكتها في طريقة إدارتها لهذا الحوار، فهي:
- أصابت من الخليفة مقتلا بعد أن فضحه خطابها الباطن و عرّى ممارساته الظّالمة، دون أن تترك له فرصة للنّيل منها
- هذا الخطاب الباطن ( الدّعاء مثلا يتحوّل إلى نوع من الهجاء / النّداء قلب في باطن الخطاب تلك العلاقة العموديّة، فحرف النّداء " يا " انتقل من البعد إلى القرب: خطاب مُخاتل مُراوغ ) كان تمهيدا ذكيّا لعرض مظلمتها
- استطاعت استرجاع أموال عائلتها
الردّ على رسالة المرأة بعد فكّ شفراتها ( من طرف الخليفة ) اتّسم بــ: الحلم + التّسامح
هذا الردّ يمكن أن يُرجع إلى:
+ عدل صاحب السّلطة
+ محاولة المحافظة على مستلزمات السيادة / السلطان: كظم الغيظ و التحكّم في الأعصاب
+ مُنتج الخطاب ( المرأة ): صاحب السّلطان لا يُريد أن يُظهر ضعفه و عجزه أمام فصاحة هذه المرأة
يُدعّم هذا الحوار فكرة انتصار سلطة الكلمة على كلمة السّلطة
إنّ توظيف التّراث في هذا النّصّ مقصود و لا يخلو من وظيفة، فالمحاجّ ( الباحثة السعودية: وسيمة عبد المحسن ) استعمل حجّة تتساوق مع حجج المحجوج ( قسم كبير من المجتمع السعودي ): حجج دينيّة و تاريخية ( حجج تُعبّر عن فهم معيّن للنّصّ المقدّس و للتّراث العربي الإسلامي )
أرادت الكاتبة السعوديّة إفحام المحجوج: أحقيّة المرأة ( و منها المرأة السعوديّة ) في العمل السياسي
المرأة تمتلك عقلا يُؤهّلها للعمل السياسي، و هذا يتساوق مع جوهر الدّين و التّراث
التعديل الأخير: