- المشاركات
- 63
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- تونس
- م. الدّراسي
- دراسات معمّقة
- الاختصاص
- الآداب
- المهنة
- أستاذ
مسيرة أبي هريرة الوجودية : مفهوم المرض والرحيل
- 1علاقة أبي هريرة بذاته : التجربة الحسية
بطل القصة أبو هريرة يعيش في مكة التيترمز إلى الانغلاق والروابط الاجتماعية والتقيد بالطقوس الدينية. فهوملتزم بعباداته متزوج بطريقة شرعية، يمثل الرجل التقليدي فارغ الكيان إلىأن يجيئه صديق له يدعوه إلى الخروج عن المألوف" أصرفك عن الدنيا عامة يوممن أيامك" فالبعث الأول منطلقه عوامل خارجية عن أبي هريرة الذي لم يكنمستعد للرحيل. كان الخروج من مكة فجرا. هذا الفجر يرمز به إلى ابتداءالمغامرة الوجودية . ويتجاوز تحديد الزمان بتحديد المكان : الصحراء رمزالانطلاقة والحرية التي تقابلها قيود مكة وانغلاقها ، على رمال هذهالصحراء اللطيفة سيتمتع أبو هريرة وصديقه بمشهد الفتى والفتاة عاريين وهمايرقصان. هذا المشهد صرف أبا هريرة عن صديقه فكان بدء الانفصال عنه وقد هزهالطرب. عندها يبدأ أبو هريرة في التحول وذلك ما رغب فيه صديقه الذي عادمرارا إلى هذا المكان ولبّى دعوة الدنيا وقد لخص المسعدي هذه الدعوة فيقول الفتى:" نعم دعوة الدنيا ، دعوة الكون ، ترى هذه الأشجار وهذا الماءوهذا النور وهذا الفضاء وهذا الخلاء(ص ,56,+,57,).أصبح أبو هريرة متهيئا لتلقي الدعوة. فقد عاد إلى مكة جسدا بلا روح يقول (ص 58) "وبقيت عامة يومي مصروف البال إلى أمر الجارية وفتاها" لكنه لميتخلص بعد من ثقل الماضي فيقول " فكلما كان من الغد جمعت غرمي وأعرضت عنالدعوة وعدت إلى الصلاة فقصيتها واستغفرت الله " فأبو هريرة يتأرجح بينالصلاة والدعوة إلى الدنيا لم يمكنه التوفيق بينهما في حين أن صديقه قررمصيره فاتخذ جارته وترك أهله فكأن الزواج بمفهومه الشرعي لا يتناسبوالتجربة الحسية...
وينتهي أبو هريرة باللحاق بصاحبه. لقد فشل في العودة الى واقعة فيقول (ص 58) فذهب ذلك بما تضعت من العزم فكان البعث" .كان البعث الأول إذن بعث الحس في الإنسان وقوة الطبيعة جنس وطبيعة كاناغائبين عنه : جنس يستره بنياب وطبيعة يقيدها بدين يقول الأستاذ توفيق بكارفي تقديمه ص 21 "فيستجيب فيترك مكة والزوجة والصلاة وقد " بعث من بينالأموات" إلى الفردوس .. ليس فردوس السماء الذي ما فتىء يحلم به حتى أحياهبنفخة من طينة من جنة موعودة الى جنّة موجودة – مدى البعث مجازيا ومداهدلاليا انقلاب في التفكير من لا هويته مغرقة ترتقي بكل الحياة إلىالآخرة."لهم الدنيا ولنا الآخرة" إلى إنسانية معتدة تنزل بكل الحياة إلىالدنيا حتى تعمل لها " كأنها تعيش أبدا .. فكأنما "عدت الروح " إلى أبيهريرة بعودته إلى" الطبيعة الأم" يتخذ معنة الحياة من زخر مائدتها . فهيالتي بعثته من رميم الرجل القديم الذي كأنه فهب إنسانا جديدا يسعى بكلحواسه إلى ملاقاة الكون للعب من نبع الوجود ونكهته".
وريحانة هي التي سينطلق منها أبو هريرة في مسيرته في تجربة عاطفة الحبمعها. لهذا الاسم بعدان: بعد حسي من حيث علاقته بانتعاش الحواس وبعد ثانتمثل في التجربة الحسية وهي رمز للمتعة الحسية ، شبيهة بأبي هريرة في بعضخاصياته : هي نفور لا تستقر على حال وفي حديث المزج والجد" يتحدث عنها رجلمن الأنمار قائلا: أقبلت على شبان الحي وكنت منهم ، غفر الله لنا جميعافكانت تعاشر الواحد منا ، ثم تهجره إلى غيره ، وكانت في ذلك تلقي لنافتبسط الأيدي ، فتمسك عنا وتولي حتى تهيجنا كغبار في يوم إعصار"(ص,61, + ,62 ,) فهي تأبى الزواج وتعتبره عبودية. وهي إلى ذلك تحس بالغربة إذ لمتجد التجاوب مع أحد وهجرها للرجال دليل على أن الحس كما يتعاطاه الناس ليسالمقصود بل الحس فلسفة عندها وستعثر على ضالتها في أبي هريرة.
وتعرف بنفسها قائلة :" أنا آخرة قومي وقد أكلتهم النار جميعا " وقد أصرالمسعدي على قتل أهل ريحانة بالنار كما قتلت زوجة أبي هريرة بالنار أيضافما مدلول النار؟ للنارمدلولان: مدلول سلبي تمثل في الإتيان على كل شيءليكون رمز التخلص من القيم والقيود والثوابت الاجتماعية. وللنار مدلولايجابي باعتبارها عامل نضج يولّد إخصابا وعلاقة جديدة بين ريحانة وأبيهريرة ، علاقة شبيهة بأسطورة أساف ونائلة رمز الخطيئة وتحدي القيم فتكونريحانة الأرض التي تنتظر من يخصبها وقد قدم المسعدي لوحة فيها عمليةالإخصاب في حديث القيامة " فشبه الحس بالزوبعة الممطرة (ص, 84,) " فما كدتأبرح الضيعة حتى جاءت المعصرات بالأنواء وكان البرق يستطير فتنطلق السماءوركامها والأشجار والجبال... فالمطر فالريح فالشدة فأنا أملأ ما أكون" ويضيف المسعدي عنصرا إضافيا للإخصاب الماء فبقدر ما عبر العنصر الأول " النار" عن النضج مثل الثاني الحياة.
لا يعتبر الحس مجرد متعة مبتذلة بل تجربة مقدسة جعلت بيت ريحانة- قبل أنتنتقل مع أبي هريرة إلى منزل بالمدينة – في الطريق الواصلة بين مكةوالمدينة حجا آخر " الناس بين داخل وخارج" وريحانة في اختلافها عن النساءلا تمثل المرأة بقدر ما تمثل بعدا من أبعاد الكيان البشري فالإنسان لايخضع بحسّه إلى أي نظام اجتماعي بل يعود به إلى العالم الفطري فالتجربةرمز إليها بريحانة هي تجربة الإنسان الفطرية والتخلص من القيم ليس معناهالتمرد على المجتمع بل عودة إلى ما قبل المجتمع (وهذه التجربة الحسية في " حدث أبو هريرة قال" نزلت إلى الإجراء، التطبيق وقد نظرت لها ميمونة فيدعوتها غيلان ان يمكنا يوما في الكهف (في السد الذي ألفه محمود المسعديلاحقا لحدث أبو هريرة قال).ستلتقي ريحانة مع أبي هريرة في حديث" التعارف على الخمر" فيشتركان فينزولهما ضيقين في حي من أحياء العرب وقد تم التعارف في مجلس الخمر أي عالمالحس. هذا التعارف انتهى بدخول ريحانة دين الحس. وقدمت صورة تعارف ريحانةبأبي هريرة في شكل صراع تقول" وهممت ألطم وجهه لطمة تذهب بخمره" لكن أباهريرة أحسن التملك فننصهر فيه رياحانة لتصبح جزء منه فتقول " فما كدت أهمبه حتى أخذني واحتملني وأنا اضطرب، فجعلني تحت سمره إلى الأرض وانصب عليفوجدته صاحبا من أشد الرجال ثم شدني إليه حتّى صرت منه (ص ,71,+,72,)هذا الانصهار دلالة على كون ريحانة جزء من أبي هريرة ، جانب الحس في الإنسان وهو بعد من أبعاده.وحديث " القيامة" يصف بداية ممارسة التجربة الحسية بينهما في إطار مكانييوحي بالغرابة والرهبة لتعميق مفهوم الحس ليجعل الكون كله قائما علىالإخصاب فالحس ليس مكتسبا بل هو فطري يقول المسعدي في "تأصيل الكيان " إنسر البقاء وتواصل الحياة هو التجربة الحسية ولو لا المتعة الحسية لما وجدالإنسان".Ii – علاقة أبي هريرة بالكون : محطة تأملية
إن ممارسة التجربة الحسية التي اندفع فيها أبو هريرة بكل حواسه والتي تقولفيها ريحانة في حديث "الوضع" "وأكلته فأكلني وأفنيته وأفناني (ص ,102,) أورثته جوعا فنتيجة هذه التجربة الحسية سلبية إذ أن أبا هريرة غير قانعبها لشعوره بنقصان كيانه فيقول لريحانة " لقد علمتني الطعام ما لذته.. فهلعلمتك باريحانة الجوع ؟ وهو إلى ذلك يشعر بالموت "زهرة على القبر" فتطرحعليه قضية الوجود والعدم المتمثلة في إدراك الإنسان ووعيه بمآله : الفناء(هذا الشعور أصاب أبطال المسعدي رغم عشقهم للحياة).
يبرز مفهوم المرض وتختلف الموافق بينهما : المرض عند ريحانة مرض جسدي عاديفتسيل الدموع حرقة على أبي هريرة في حين يكون المرض عنده أزمة وجوديةتمثلت في رغبته في الابتعاد عن الجمود ولن يحدث ذلك إلا بتجاوز التجربةالحسية بعد أن استنفد كل أنواع اللذة من العلاقة الطبيعية مع ريحانة إلىالتطرف في هذه التجربة مع مخنث المدينة.نتبين خروج أبي هريرة من حالة الاطمئنان إلى حالة القلق التي ستؤدي به إلىالتحول باعتبار إن الحيرة والتساؤل من مسؤولية الإنسانية. فالمرض إذنسيبعث الحياة والاستفاقة والإدراك بأن المتع لا تحقق إنسانية الإنسان. ستؤدي بأبي هريرة إلى الرحيل إلى التفكير المستمر فهو يكره الأشياء السهلةويبحث عن الحقيقة. فالصحة تساوي الجمود في انعدام التساؤل وفي الاستقرار. فهو يخاف الاستقرار إذ نقول فيه ريحانة في حديث " الوضع شديد الكره للنزوليرتاد ولا ينزل ويقتله الطمع ويحييه اليأس ويخاف أن يستقر الجهد" ليصل إلىمرحلة تأملية في رحلة الإيمان بعبثية الكون والحياة نتجت عن تجربة الحسالفاشلة فعاش أبو هريرة دوامة من الحيرة والوحشة والتساؤلات الواردة فيالمجلس الخمري حين قص حياة أخته المعاقة وتساؤلاته عن سبب إعاقتها فيكونهذا المجلس الخمري منبها ليساعد على المأساة التي يعيشها البطل وتمثلتأولا في عدم التلذذ بالخمرة (وهي عالم الحس) وثانيا في امتناعه الدال علىتأمله في هذا العالم الخمري الحسي الذي أصبح غريبا عنه. فهذا العالمالخمري يصبح عاملا من عوامل تنشيط المأساة حيث يتدرج به ثالثا إلى إمساكهعن الكلام لنتبين أنه يعيش حالة مخاض فكري : فعجزه عن فهم الوجود دلالةعلى وصول البطل إلى أرقى مستويات التأزم الوجودي ليصل الى التفكير فيتحقيق ذاته بالفعل، بالبناء مع العدد .
-علاقة أبي هريرة بالمجتمع : تجربة العدد : التجربة الجماعية
يدخل أبو هريرة طور العزلة عن الناس في واد فتكشف له الريح عن جمجمة رمزموت الإنسان وضعفه فزادته تأزما لكنه نام فحلم بالإنسان تأله وأخذ يشيد منالطين صرحا فرغم ضعف الإنسان المخلوف من الطين (حسب التراث الإسلامي) ينشدهذا الضعيف من الطين الخلود. فالحلم يأخذ معنى التصورات الفكرية: الفعلفهذا الطين يضع ويبدع ومنه ينشد الخلود. أنذاك ينطلق أبو هريرة في التجربةالجماعية من حالة العزلة الفردية إلى الفعل الجماعي، فهذا الحلمألهمه" القدرة الإنسانية الخلافة التي تنفي العدم".
وينطلق الحديث عن التجربة الجماعية بنتيجتها الفاشلة إذ يصف كهلان أباهريرة: فكان يحدثني حديث الميت يبعث كرها ويتوق إلى موته . فيبدي أبوهريرة رأيه في الناس" عشت في الناس ثلاثين. فلم أرو الله في واحدة منهاإلا ذئبا ينهش ذئبا أو صاديا يشرب فيشتد صداه" (ص ,149,) ويقول (ص ,51,) خرجت أريدهم على البناء وبذلك يركز على ومضات ورائية لذكر هذه التجربة. فقد دعاهم إلى الخلق والتعاون وقعت هذه التجربة في مجتمع متخلف ينتظر " الحلول الغيبية" لإنقاذهم من الفقر.دعوة أبي هريرة هذا العدد "دعوتهم" يفيد أن التجربة لم تنبع من المجموعة ذاتها فيكون خطأ أبي هريرة منالمنطلق إذ لم يعودهم على العمل والبذل بل وفر لهم ما يشتهون فعلمهمالتواكل عليه فقالوا" دعانا داعي الرحيل قلت كأنكم مثلي لكن هيهات" فرحيلأبي هريرة ايجابي لأنه قائم على البحث واستقصاء معنى الوجود في حين أنرحيل الجماعة اكتسى معنى الحيرة الجوفاء ومجرد البحث عن الراحة والاستقرارفخرج بهم إلى صحراء لحثهم على الخلق والتغيير فتآكلوا رمزا للتناحرالاجتماعي والفتن والحروب.
ويبلغ أبو هريرة درجة الثائر الداعي إلى التمرد ومّما يؤكد نزعة الأنا فيهذا العمل الاجتماعي والسياسي إن أبا هريرة قد جنى من هذه التجربة لذةفيقول ووجدت في الفعل لمثل سكرة الخمرة وحسبته من العدد وخصب الكثرة " لكنها تفشل فيقـــــــول ( ص ,156,) " هذه يا كهلان قصة الطالب الكثرةجئتهم فسألتهم روحا فإذا هم أفرغ من نفخة إسرافيل" فتبين أن الأنا إذن هيباعث التجربة الجماعية ، فهناك إرادة فردية للبناء لم تنبع من المجتمعفأبو هريرة يريد البناء ليحقق ذاته في هذا البناء لذلك تفشل هذه التجربةومن ورائها المسعدي فإفشال تجربة العدد نتيجة لرؤية فلسفية ليواصل مسيرةأبي هريرة الوجودية.
محطة تأملية ثانية : إن تجربة العدد تعقب بفترة تأملية مثل نظيرتها الفترةالتأملية التي أعقبت تجربة الحس.
تطرح التساؤلات على أبي هريرة فإذا بهيعيش حيرة. هل يفهم الإنسان معناه حين يقتل الحس ؟iv – علاقة أبي هريرة بالإله : التجربة الدينية الروحية
ويصعد أبو هريرة إلى دير العذارى وقد حددت موقعه الجبلي راهبة الدير ظلمةالهذلية بقولها " وكان قليلا من يطرق علينا لمنعه الجبل وشدة الدير وعسرهوانفصاله عن الأرض" فهو قريب من السماء رمز الغيب والماورائيات، ليكونالتعبد والانفصال عن الحس والعدد ويرغب أبو هريرة في التخلص من الحس ، هذاالتخلص الذي ستروضه عليه هذه الراهبة وتحدث المفاجأة وإذا بأبي هريرة يبعثالحس في هذه الراهبة ظلمة انطلاقا من كلمة " اللذة" وإذا بسواكن الحستنفجر عندها وكانت قد كابدت للسيطرة على حواسها منذ حداثتها فيدخل أبوهريرة في علاقة حسية وراء المحراب . أراد أن تصعده ظلمة إلى السماءفأنزلها بدوره إلى الأرض وبذلك تفشل هذه التجربة الروحية ويهتدي البطلإلى" أن الغيبة تطلب فلا تدرك" فتؤدي به إلى تأملات.
يعيش أبو هريرة فترة تأملية يستقي فيها نتائج هذه التجربة الروحية فيستخلصأن الكائن البشري مركب من عدة أبعاد : لم يعش طمأنينة في الحس كما أنه لميعشها في الروحانيات دلالة على أن الإنسان لا يستطيع الانسلاخ عن طبيعتهفيرفض الحيوانية الصرفة ولا يستطيع التأله الإنساني.
أمّا الاستخلاص الثاني فيتمثل في رفضه للسبل المسلّمة التي يتطلبها التسليم للوصول إلى الاستقرار الروحي مما يؤدي ذلك إلى حيرته.
لم ينهزم أبو هريرة بل اكتسب جزء من كيانه ومن هنا نفهم رؤية المسعديللمأساة : تأرجح الإنسان بين الحيوانية والألوهية وهذه منزلة الإنسانالأرضية- فلا يجد أبو هريرة الخلاص إلا بتجاوز هذه المأساة وهذا التجاوزلا يكون إلا بتخطي الدهر الذي سيظهر في خاتمة " حدث أبو هريرة قال" " فيالبعث الآخر".
المنتهى : البعث الآخر
قد صورت ظلمة أبا هريرة وما يشعر به من شوق إلى المطلق " فإذا عينه أشد مارأيت شوقا إلى ما لا تراه غيرها من العيون... وكان يقول ( أبو هريرة) أليسفيكم من يحذق صنع الأصوات تحضر الآلهة وتكسر الزمان المحدود".تنتهي به الرحلة إلى بعث أخر إلى ( معراج) تطلب فيه الغيبة فتدرك. يطلبأبو هريرة من أبي المدائن أن يخرج به يوما ليس من الدهر خارجا عن محدوديةالزمان ويكون ذلك عند مغرب الشمس ( رمز نهاية مسيرة أبي هريرة). يصعدانجبلا حزيزا ينشد النهاية. حركة أبي هريرة حركة تصاعدية من الرمال إلى قممالجبال دلالة على صعوبة الملتقى ووجود الحقيقة وتنتهي مسيرة أبي هريرةبالرضي والقبول يقول " هذا ما كنت أطلب" رحلته لم تكن عبثا بل مكنته منبناء كيانه ومفهوم هذه المسؤولية مستمد من الفكر الإسلامي الذي يفيد منالنصوص الدينية تحمل الإنسان مسؤوليته وتحقيق هذه المسؤولية سعي ترجم عنهالشعر على لسان الهاتف – هاتف الغيب المسحون بمصطلحات صوفية كالحق والحب. إن علاقة الحب بين أبي هريرة والله أول نتيجة يفوز بها بعد نجاحه فيالقيام بمسؤوليته الإنسانية أما مصطلح الشوق فهو دافع أبي هريرة لهذهالرحلة لحاجة المعرفة فرحلته تتعطش إلى المعرفة التي لم تستجب لها أيةتجربة فيجيب أبو هريرة على الهاتف بمفهوم الفناء في الله.
أما أبو المدائن فيمثل صورة من أبي هريرة في البعث الأول .وصف أبي المدائننهاية أبي هريرة وصف غامض فنحن أمام لوحة فيها صوتان: صوت حيواني " صهيل " وصوت بشري " صحية" إلا أن الصوت الحيواني اقترن لحالة نفسية : ألم والصوت البشري اقترن بحالة نفسية : فرح فيمكن أن يرمز بالألم إلى موتالحصان أي موت الجانب الحيواني في الإنسان ويمكن أن يرمز بالفرح إلى صعودأبي هريرة إلى السماء أي انعتاق الجانب الإلهي في الإنسان.فلا أثر لموت أبي هريرة أ, انتحار لأن معنى الموت أو الانتحار ورد علىلسان أبي المدائن "وإذا دم على الصخر" فهل يجوز المسعدي الانتحار فيكتاباته ؟
إن المناجاة الصوفية في البعث الآخر لا يدل على معنى الانتحار فالانتحارفي الفكر الوجودي نهاية الإيمان بعبثية الحياة. ولو أراد الانتحار كسلوكعملي لا ينتحر عند شعوره بالموت وعند الحديث عن أخته إن في " البعث الآخر" يكتمل كيان أبي هريرة لأنه وصل إلى المعرفة في أرقى مستوياتها.
وعلاوة على مفهوم الرحمة اللغوي فإن مدلول الرحمة الحضاري يفيد الغفرانالذي يوحي بأن أبا هريرة قد تحول إلى عالم آخر ، عالم الخلود ويعتبرالأستاذ توفيق بكار أن الخاتمة تفتح بابين للتأويل:
1/" أنا الحق يناديك" قد يكون الحق هو الموت فالإنسان لا يدرك الحقيقة إلاعندما يموت فيكون أبو هريرة اختار الموت وهو شهيد لأن في الموت إدراكاللحق.
2/ يمكن أن يكون أبو هريرة قد فني في الحق وذاب في المطلق فخرج عن الزمانوالمكاني ومن النسبة إلى المطلق ويكون قد اخترق الحدود بين الدهر والخلودوقد أصاب معنى وجوده بالقصة قصة جهاد كلل بالنجاح وتكون مسيرة أبي هريرةمأسوية إلى حديث " الجمود" إذ في البعث الآخر يفوز بعد البحث الطويل.
ويعتبر الأستاذ طرشونة في " الأدب المريد" أن فشل أبي هريرة ليس سوى نقللحقيقة المنزلة الوجودية فإرادة بلوغ عالم المطلق في حدث أبو هريرة قاليجيلنا على جملة من التصورات الإسلامية تبعد المسعدي عن عبثية سيزيف وعنالرؤيا الوجودية الغربية فلغة النصوص صوفية في" البعث الآخر" أساسا.
وعلي هذا الأساس نتبين بناء " حدث أبو هريرة قال" الخارجي:
1- 1- التمهيد: تقديم شخصية أبي هريرة التقليدي(بعث أول)
2- : تحديد الإطار المكاني : الخروج من مكة إلى الصحراء
3- : تحديد الإطار الزماني : الفجــــر
4- 2- 2- الأزمة: تساؤلات البطل أبي هريرة عن إدراك المعرفة : مغامرة وجوديةتتناول جميع أطوار حياته.
3- 3- الحـــل: معراج أبي هريرة : التجربة الصوفية(البعث الآخر(
"فحدث أبو هريرة قال" من الأدب الرمزي الذهني. أحداثها ليست بواقعية. كلالأإحداث ترمز إلى مسيرة أبي هريرة الوجودية من المبتدأ إلى المنتهى هذهالأحداث تقمصتها شخصيات منها الشخصية الرئيسية البطل أبو هريرة وهي ترمزإلى الإنسان في تحمل مسؤوليته الإنسانية في الوجود. ومنها الشخصياتالثانوية التي ترمز إلى أبعاد الإنسان من الحس إلى الروحانيات (ريحانة وظلمة). هذه الأحداث عن طريق شخصياتها تستقطبها أطر مكانية تتناسب وسلوكأبي هريرة في مسيرته من انغلاق إلى انفتاح حسي إلى الاقتراب من السماء إلىالانعتاق ( مكة – الصحراء الرملية- المجالس الخمرية الدير في الجبلالحزيز ). كل هذه المسيرة ستحدد بأطر زمانية داخلية خاصة منها ما يرمز إلىبداية مغامرة أبي هريرة الوجودية إلى منتهاها ( من الفجر إلى مغرب الشمس).إن معطيات السرد من أطره وشخوصه لا تقصد لذاتها وإنما استعملت ألفاظهاللدلالة على مفاهيم معنوية ذهنية فانتمى هذا الأثر إلى الأدب الرمزيالذهني حيث يقع تجاوز المدلول المادي إلى المدلول المعنوي وهذا التجاوز هومذهب المسعدي في كتاباته حيث يصرح " ملتزم الرمز اجتهادا" فيجعل الشخصيةخلاصة الشخصيات.هذا الأدب الرمزي من صنف الرمزية الوجودية إذ اتبع المسعدي مراحل الوجوديةالغربية الأربع : علاقة الإنسان بذاته وبالكون وبالمجتمع وبالله تأثرا بهالكنه تصرف فيها ووظفها وفق هويّته الإسلامية : وهو إلى ذلك يلتزم بخصوصياتهوتيه العربية رغم نزعته الإنسانية . يظهر ذلك في الرجوع إلى التراثالعربي كزمن خارجي فبدت البيئة عربية بصحرائها وبأسماء مدنها وبنمطشخصياتها خاصة منها البطل "أبو هريرة " وبالشكل الأدبي " الأحاديث" وبأساليبه العربية التي تذكرنا بأساليب أشهر الكتاب القدامى.
- 1علاقة أبي هريرة بذاته : التجربة الحسية
بطل القصة أبو هريرة يعيش في مكة التيترمز إلى الانغلاق والروابط الاجتماعية والتقيد بالطقوس الدينية. فهوملتزم بعباداته متزوج بطريقة شرعية، يمثل الرجل التقليدي فارغ الكيان إلىأن يجيئه صديق له يدعوه إلى الخروج عن المألوف" أصرفك عن الدنيا عامة يوممن أيامك" فالبعث الأول منطلقه عوامل خارجية عن أبي هريرة الذي لم يكنمستعد للرحيل. كان الخروج من مكة فجرا. هذا الفجر يرمز به إلى ابتداءالمغامرة الوجودية . ويتجاوز تحديد الزمان بتحديد المكان : الصحراء رمزالانطلاقة والحرية التي تقابلها قيود مكة وانغلاقها ، على رمال هذهالصحراء اللطيفة سيتمتع أبو هريرة وصديقه بمشهد الفتى والفتاة عاريين وهمايرقصان. هذا المشهد صرف أبا هريرة عن صديقه فكان بدء الانفصال عنه وقد هزهالطرب. عندها يبدأ أبو هريرة في التحول وذلك ما رغب فيه صديقه الذي عادمرارا إلى هذا المكان ولبّى دعوة الدنيا وقد لخص المسعدي هذه الدعوة فيقول الفتى:" نعم دعوة الدنيا ، دعوة الكون ، ترى هذه الأشجار وهذا الماءوهذا النور وهذا الفضاء وهذا الخلاء(ص ,56,+,57,).أصبح أبو هريرة متهيئا لتلقي الدعوة. فقد عاد إلى مكة جسدا بلا روح يقول (ص 58) "وبقيت عامة يومي مصروف البال إلى أمر الجارية وفتاها" لكنه لميتخلص بعد من ثقل الماضي فيقول " فكلما كان من الغد جمعت غرمي وأعرضت عنالدعوة وعدت إلى الصلاة فقصيتها واستغفرت الله " فأبو هريرة يتأرجح بينالصلاة والدعوة إلى الدنيا لم يمكنه التوفيق بينهما في حين أن صديقه قررمصيره فاتخذ جارته وترك أهله فكأن الزواج بمفهومه الشرعي لا يتناسبوالتجربة الحسية...
وينتهي أبو هريرة باللحاق بصاحبه. لقد فشل في العودة الى واقعة فيقول (ص 58) فذهب ذلك بما تضعت من العزم فكان البعث" .كان البعث الأول إذن بعث الحس في الإنسان وقوة الطبيعة جنس وطبيعة كاناغائبين عنه : جنس يستره بنياب وطبيعة يقيدها بدين يقول الأستاذ توفيق بكارفي تقديمه ص 21 "فيستجيب فيترك مكة والزوجة والصلاة وقد " بعث من بينالأموات" إلى الفردوس .. ليس فردوس السماء الذي ما فتىء يحلم به حتى أحياهبنفخة من طينة من جنة موعودة الى جنّة موجودة – مدى البعث مجازيا ومداهدلاليا انقلاب في التفكير من لا هويته مغرقة ترتقي بكل الحياة إلىالآخرة."لهم الدنيا ولنا الآخرة" إلى إنسانية معتدة تنزل بكل الحياة إلىالدنيا حتى تعمل لها " كأنها تعيش أبدا .. فكأنما "عدت الروح " إلى أبيهريرة بعودته إلى" الطبيعة الأم" يتخذ معنة الحياة من زخر مائدتها . فهيالتي بعثته من رميم الرجل القديم الذي كأنه فهب إنسانا جديدا يسعى بكلحواسه إلى ملاقاة الكون للعب من نبع الوجود ونكهته".
وريحانة هي التي سينطلق منها أبو هريرة في مسيرته في تجربة عاطفة الحبمعها. لهذا الاسم بعدان: بعد حسي من حيث علاقته بانتعاش الحواس وبعد ثانتمثل في التجربة الحسية وهي رمز للمتعة الحسية ، شبيهة بأبي هريرة في بعضخاصياته : هي نفور لا تستقر على حال وفي حديث المزج والجد" يتحدث عنها رجلمن الأنمار قائلا: أقبلت على شبان الحي وكنت منهم ، غفر الله لنا جميعافكانت تعاشر الواحد منا ، ثم تهجره إلى غيره ، وكانت في ذلك تلقي لنافتبسط الأيدي ، فتمسك عنا وتولي حتى تهيجنا كغبار في يوم إعصار"(ص,61, + ,62 ,) فهي تأبى الزواج وتعتبره عبودية. وهي إلى ذلك تحس بالغربة إذ لمتجد التجاوب مع أحد وهجرها للرجال دليل على أن الحس كما يتعاطاه الناس ليسالمقصود بل الحس فلسفة عندها وستعثر على ضالتها في أبي هريرة.
وتعرف بنفسها قائلة :" أنا آخرة قومي وقد أكلتهم النار جميعا " وقد أصرالمسعدي على قتل أهل ريحانة بالنار كما قتلت زوجة أبي هريرة بالنار أيضافما مدلول النار؟ للنارمدلولان: مدلول سلبي تمثل في الإتيان على كل شيءليكون رمز التخلص من القيم والقيود والثوابت الاجتماعية. وللنار مدلولايجابي باعتبارها عامل نضج يولّد إخصابا وعلاقة جديدة بين ريحانة وأبيهريرة ، علاقة شبيهة بأسطورة أساف ونائلة رمز الخطيئة وتحدي القيم فتكونريحانة الأرض التي تنتظر من يخصبها وقد قدم المسعدي لوحة فيها عمليةالإخصاب في حديث القيامة " فشبه الحس بالزوبعة الممطرة (ص, 84,) " فما كدتأبرح الضيعة حتى جاءت المعصرات بالأنواء وكان البرق يستطير فتنطلق السماءوركامها والأشجار والجبال... فالمطر فالريح فالشدة فأنا أملأ ما أكون" ويضيف المسعدي عنصرا إضافيا للإخصاب الماء فبقدر ما عبر العنصر الأول " النار" عن النضج مثل الثاني الحياة.
لا يعتبر الحس مجرد متعة مبتذلة بل تجربة مقدسة جعلت بيت ريحانة- قبل أنتنتقل مع أبي هريرة إلى منزل بالمدينة – في الطريق الواصلة بين مكةوالمدينة حجا آخر " الناس بين داخل وخارج" وريحانة في اختلافها عن النساءلا تمثل المرأة بقدر ما تمثل بعدا من أبعاد الكيان البشري فالإنسان لايخضع بحسّه إلى أي نظام اجتماعي بل يعود به إلى العالم الفطري فالتجربةرمز إليها بريحانة هي تجربة الإنسان الفطرية والتخلص من القيم ليس معناهالتمرد على المجتمع بل عودة إلى ما قبل المجتمع (وهذه التجربة الحسية في " حدث أبو هريرة قال" نزلت إلى الإجراء، التطبيق وقد نظرت لها ميمونة فيدعوتها غيلان ان يمكنا يوما في الكهف (في السد الذي ألفه محمود المسعديلاحقا لحدث أبو هريرة قال).ستلتقي ريحانة مع أبي هريرة في حديث" التعارف على الخمر" فيشتركان فينزولهما ضيقين في حي من أحياء العرب وقد تم التعارف في مجلس الخمر أي عالمالحس. هذا التعارف انتهى بدخول ريحانة دين الحس. وقدمت صورة تعارف ريحانةبأبي هريرة في شكل صراع تقول" وهممت ألطم وجهه لطمة تذهب بخمره" لكن أباهريرة أحسن التملك فننصهر فيه رياحانة لتصبح جزء منه فتقول " فما كدت أهمبه حتى أخذني واحتملني وأنا اضطرب، فجعلني تحت سمره إلى الأرض وانصب عليفوجدته صاحبا من أشد الرجال ثم شدني إليه حتّى صرت منه (ص ,71,+,72,)هذا الانصهار دلالة على كون ريحانة جزء من أبي هريرة ، جانب الحس في الإنسان وهو بعد من أبعاده.وحديث " القيامة" يصف بداية ممارسة التجربة الحسية بينهما في إطار مكانييوحي بالغرابة والرهبة لتعميق مفهوم الحس ليجعل الكون كله قائما علىالإخصاب فالحس ليس مكتسبا بل هو فطري يقول المسعدي في "تأصيل الكيان " إنسر البقاء وتواصل الحياة هو التجربة الحسية ولو لا المتعة الحسية لما وجدالإنسان".Ii – علاقة أبي هريرة بالكون : محطة تأملية
إن ممارسة التجربة الحسية التي اندفع فيها أبو هريرة بكل حواسه والتي تقولفيها ريحانة في حديث "الوضع" "وأكلته فأكلني وأفنيته وأفناني (ص ,102,) أورثته جوعا فنتيجة هذه التجربة الحسية سلبية إذ أن أبا هريرة غير قانعبها لشعوره بنقصان كيانه فيقول لريحانة " لقد علمتني الطعام ما لذته.. فهلعلمتك باريحانة الجوع ؟ وهو إلى ذلك يشعر بالموت "زهرة على القبر" فتطرحعليه قضية الوجود والعدم المتمثلة في إدراك الإنسان ووعيه بمآله : الفناء(هذا الشعور أصاب أبطال المسعدي رغم عشقهم للحياة).
يبرز مفهوم المرض وتختلف الموافق بينهما : المرض عند ريحانة مرض جسدي عاديفتسيل الدموع حرقة على أبي هريرة في حين يكون المرض عنده أزمة وجوديةتمثلت في رغبته في الابتعاد عن الجمود ولن يحدث ذلك إلا بتجاوز التجربةالحسية بعد أن استنفد كل أنواع اللذة من العلاقة الطبيعية مع ريحانة إلىالتطرف في هذه التجربة مع مخنث المدينة.نتبين خروج أبي هريرة من حالة الاطمئنان إلى حالة القلق التي ستؤدي به إلىالتحول باعتبار إن الحيرة والتساؤل من مسؤولية الإنسانية. فالمرض إذنسيبعث الحياة والاستفاقة والإدراك بأن المتع لا تحقق إنسانية الإنسان. ستؤدي بأبي هريرة إلى الرحيل إلى التفكير المستمر فهو يكره الأشياء السهلةويبحث عن الحقيقة. فالصحة تساوي الجمود في انعدام التساؤل وفي الاستقرار. فهو يخاف الاستقرار إذ نقول فيه ريحانة في حديث " الوضع شديد الكره للنزوليرتاد ولا ينزل ويقتله الطمع ويحييه اليأس ويخاف أن يستقر الجهد" ليصل إلىمرحلة تأملية في رحلة الإيمان بعبثية الكون والحياة نتجت عن تجربة الحسالفاشلة فعاش أبو هريرة دوامة من الحيرة والوحشة والتساؤلات الواردة فيالمجلس الخمري حين قص حياة أخته المعاقة وتساؤلاته عن سبب إعاقتها فيكونهذا المجلس الخمري منبها ليساعد على المأساة التي يعيشها البطل وتمثلتأولا في عدم التلذذ بالخمرة (وهي عالم الحس) وثانيا في امتناعه الدال علىتأمله في هذا العالم الخمري الحسي الذي أصبح غريبا عنه. فهذا العالمالخمري يصبح عاملا من عوامل تنشيط المأساة حيث يتدرج به ثالثا إلى إمساكهعن الكلام لنتبين أنه يعيش حالة مخاض فكري : فعجزه عن فهم الوجود دلالةعلى وصول البطل إلى أرقى مستويات التأزم الوجودي ليصل الى التفكير فيتحقيق ذاته بالفعل، بالبناء مع العدد .
-علاقة أبي هريرة بالمجتمع : تجربة العدد : التجربة الجماعية
يدخل أبو هريرة طور العزلة عن الناس في واد فتكشف له الريح عن جمجمة رمزموت الإنسان وضعفه فزادته تأزما لكنه نام فحلم بالإنسان تأله وأخذ يشيد منالطين صرحا فرغم ضعف الإنسان المخلوف من الطين (حسب التراث الإسلامي) ينشدهذا الضعيف من الطين الخلود. فالحلم يأخذ معنى التصورات الفكرية: الفعلفهذا الطين يضع ويبدع ومنه ينشد الخلود. أنذاك ينطلق أبو هريرة في التجربةالجماعية من حالة العزلة الفردية إلى الفعل الجماعي، فهذا الحلمألهمه" القدرة الإنسانية الخلافة التي تنفي العدم".
وينطلق الحديث عن التجربة الجماعية بنتيجتها الفاشلة إذ يصف كهلان أباهريرة: فكان يحدثني حديث الميت يبعث كرها ويتوق إلى موته . فيبدي أبوهريرة رأيه في الناس" عشت في الناس ثلاثين. فلم أرو الله في واحدة منهاإلا ذئبا ينهش ذئبا أو صاديا يشرب فيشتد صداه" (ص ,149,) ويقول (ص ,51,) خرجت أريدهم على البناء وبذلك يركز على ومضات ورائية لذكر هذه التجربة. فقد دعاهم إلى الخلق والتعاون وقعت هذه التجربة في مجتمع متخلف ينتظر " الحلول الغيبية" لإنقاذهم من الفقر.دعوة أبي هريرة هذا العدد "دعوتهم" يفيد أن التجربة لم تنبع من المجموعة ذاتها فيكون خطأ أبي هريرة منالمنطلق إذ لم يعودهم على العمل والبذل بل وفر لهم ما يشتهون فعلمهمالتواكل عليه فقالوا" دعانا داعي الرحيل قلت كأنكم مثلي لكن هيهات" فرحيلأبي هريرة ايجابي لأنه قائم على البحث واستقصاء معنى الوجود في حين أنرحيل الجماعة اكتسى معنى الحيرة الجوفاء ومجرد البحث عن الراحة والاستقرارفخرج بهم إلى صحراء لحثهم على الخلق والتغيير فتآكلوا رمزا للتناحرالاجتماعي والفتن والحروب.
ويبلغ أبو هريرة درجة الثائر الداعي إلى التمرد ومّما يؤكد نزعة الأنا فيهذا العمل الاجتماعي والسياسي إن أبا هريرة قد جنى من هذه التجربة لذةفيقول ووجدت في الفعل لمثل سكرة الخمرة وحسبته من العدد وخصب الكثرة " لكنها تفشل فيقـــــــول ( ص ,156,) " هذه يا كهلان قصة الطالب الكثرةجئتهم فسألتهم روحا فإذا هم أفرغ من نفخة إسرافيل" فتبين أن الأنا إذن هيباعث التجربة الجماعية ، فهناك إرادة فردية للبناء لم تنبع من المجتمعفأبو هريرة يريد البناء ليحقق ذاته في هذا البناء لذلك تفشل هذه التجربةومن ورائها المسعدي فإفشال تجربة العدد نتيجة لرؤية فلسفية ليواصل مسيرةأبي هريرة الوجودية.
محطة تأملية ثانية : إن تجربة العدد تعقب بفترة تأملية مثل نظيرتها الفترةالتأملية التي أعقبت تجربة الحس.
تطرح التساؤلات على أبي هريرة فإذا بهيعيش حيرة. هل يفهم الإنسان معناه حين يقتل الحس ؟iv – علاقة أبي هريرة بالإله : التجربة الدينية الروحية
ويصعد أبو هريرة إلى دير العذارى وقد حددت موقعه الجبلي راهبة الدير ظلمةالهذلية بقولها " وكان قليلا من يطرق علينا لمنعه الجبل وشدة الدير وعسرهوانفصاله عن الأرض" فهو قريب من السماء رمز الغيب والماورائيات، ليكونالتعبد والانفصال عن الحس والعدد ويرغب أبو هريرة في التخلص من الحس ، هذاالتخلص الذي ستروضه عليه هذه الراهبة وتحدث المفاجأة وإذا بأبي هريرة يبعثالحس في هذه الراهبة ظلمة انطلاقا من كلمة " اللذة" وإذا بسواكن الحستنفجر عندها وكانت قد كابدت للسيطرة على حواسها منذ حداثتها فيدخل أبوهريرة في علاقة حسية وراء المحراب . أراد أن تصعده ظلمة إلى السماءفأنزلها بدوره إلى الأرض وبذلك تفشل هذه التجربة الروحية ويهتدي البطلإلى" أن الغيبة تطلب فلا تدرك" فتؤدي به إلى تأملات.
يعيش أبو هريرة فترة تأملية يستقي فيها نتائج هذه التجربة الروحية فيستخلصأن الكائن البشري مركب من عدة أبعاد : لم يعش طمأنينة في الحس كما أنه لميعشها في الروحانيات دلالة على أن الإنسان لا يستطيع الانسلاخ عن طبيعتهفيرفض الحيوانية الصرفة ولا يستطيع التأله الإنساني.
أمّا الاستخلاص الثاني فيتمثل في رفضه للسبل المسلّمة التي يتطلبها التسليم للوصول إلى الاستقرار الروحي مما يؤدي ذلك إلى حيرته.
لم ينهزم أبو هريرة بل اكتسب جزء من كيانه ومن هنا نفهم رؤية المسعديللمأساة : تأرجح الإنسان بين الحيوانية والألوهية وهذه منزلة الإنسانالأرضية- فلا يجد أبو هريرة الخلاص إلا بتجاوز هذه المأساة وهذا التجاوزلا يكون إلا بتخطي الدهر الذي سيظهر في خاتمة " حدث أبو هريرة قال" " فيالبعث الآخر".
المنتهى : البعث الآخر
قد صورت ظلمة أبا هريرة وما يشعر به من شوق إلى المطلق " فإذا عينه أشد مارأيت شوقا إلى ما لا تراه غيرها من العيون... وكان يقول ( أبو هريرة) أليسفيكم من يحذق صنع الأصوات تحضر الآلهة وتكسر الزمان المحدود".تنتهي به الرحلة إلى بعث أخر إلى ( معراج) تطلب فيه الغيبة فتدرك. يطلبأبو هريرة من أبي المدائن أن يخرج به يوما ليس من الدهر خارجا عن محدوديةالزمان ويكون ذلك عند مغرب الشمس ( رمز نهاية مسيرة أبي هريرة). يصعدانجبلا حزيزا ينشد النهاية. حركة أبي هريرة حركة تصاعدية من الرمال إلى قممالجبال دلالة على صعوبة الملتقى ووجود الحقيقة وتنتهي مسيرة أبي هريرةبالرضي والقبول يقول " هذا ما كنت أطلب" رحلته لم تكن عبثا بل مكنته منبناء كيانه ومفهوم هذه المسؤولية مستمد من الفكر الإسلامي الذي يفيد منالنصوص الدينية تحمل الإنسان مسؤوليته وتحقيق هذه المسؤولية سعي ترجم عنهالشعر على لسان الهاتف – هاتف الغيب المسحون بمصطلحات صوفية كالحق والحب. إن علاقة الحب بين أبي هريرة والله أول نتيجة يفوز بها بعد نجاحه فيالقيام بمسؤوليته الإنسانية أما مصطلح الشوق فهو دافع أبي هريرة لهذهالرحلة لحاجة المعرفة فرحلته تتعطش إلى المعرفة التي لم تستجب لها أيةتجربة فيجيب أبو هريرة على الهاتف بمفهوم الفناء في الله.
أما أبو المدائن فيمثل صورة من أبي هريرة في البعث الأول .وصف أبي المدائننهاية أبي هريرة وصف غامض فنحن أمام لوحة فيها صوتان: صوت حيواني " صهيل " وصوت بشري " صحية" إلا أن الصوت الحيواني اقترن لحالة نفسية : ألم والصوت البشري اقترن بحالة نفسية : فرح فيمكن أن يرمز بالألم إلى موتالحصان أي موت الجانب الحيواني في الإنسان ويمكن أن يرمز بالفرح إلى صعودأبي هريرة إلى السماء أي انعتاق الجانب الإلهي في الإنسان.فلا أثر لموت أبي هريرة أ, انتحار لأن معنى الموت أو الانتحار ورد علىلسان أبي المدائن "وإذا دم على الصخر" فهل يجوز المسعدي الانتحار فيكتاباته ؟
إن المناجاة الصوفية في البعث الآخر لا يدل على معنى الانتحار فالانتحارفي الفكر الوجودي نهاية الإيمان بعبثية الحياة. ولو أراد الانتحار كسلوكعملي لا ينتحر عند شعوره بالموت وعند الحديث عن أخته إن في " البعث الآخر" يكتمل كيان أبي هريرة لأنه وصل إلى المعرفة في أرقى مستوياتها.
وعلاوة على مفهوم الرحمة اللغوي فإن مدلول الرحمة الحضاري يفيد الغفرانالذي يوحي بأن أبا هريرة قد تحول إلى عالم آخر ، عالم الخلود ويعتبرالأستاذ توفيق بكار أن الخاتمة تفتح بابين للتأويل:
1/" أنا الحق يناديك" قد يكون الحق هو الموت فالإنسان لا يدرك الحقيقة إلاعندما يموت فيكون أبو هريرة اختار الموت وهو شهيد لأن في الموت إدراكاللحق.
2/ يمكن أن يكون أبو هريرة قد فني في الحق وذاب في المطلق فخرج عن الزمانوالمكاني ومن النسبة إلى المطلق ويكون قد اخترق الحدود بين الدهر والخلودوقد أصاب معنى وجوده بالقصة قصة جهاد كلل بالنجاح وتكون مسيرة أبي هريرةمأسوية إلى حديث " الجمود" إذ في البعث الآخر يفوز بعد البحث الطويل.
ويعتبر الأستاذ طرشونة في " الأدب المريد" أن فشل أبي هريرة ليس سوى نقللحقيقة المنزلة الوجودية فإرادة بلوغ عالم المطلق في حدث أبو هريرة قاليجيلنا على جملة من التصورات الإسلامية تبعد المسعدي عن عبثية سيزيف وعنالرؤيا الوجودية الغربية فلغة النصوص صوفية في" البعث الآخر" أساسا.
وعلي هذا الأساس نتبين بناء " حدث أبو هريرة قال" الخارجي:
1- 1- التمهيد: تقديم شخصية أبي هريرة التقليدي(بعث أول)
2- : تحديد الإطار المكاني : الخروج من مكة إلى الصحراء
3- : تحديد الإطار الزماني : الفجــــر
4- 2- 2- الأزمة: تساؤلات البطل أبي هريرة عن إدراك المعرفة : مغامرة وجوديةتتناول جميع أطوار حياته.
3- 3- الحـــل: معراج أبي هريرة : التجربة الصوفية(البعث الآخر(
"فحدث أبو هريرة قال" من الأدب الرمزي الذهني. أحداثها ليست بواقعية. كلالأإحداث ترمز إلى مسيرة أبي هريرة الوجودية من المبتدأ إلى المنتهى هذهالأحداث تقمصتها شخصيات منها الشخصية الرئيسية البطل أبو هريرة وهي ترمزإلى الإنسان في تحمل مسؤوليته الإنسانية في الوجود. ومنها الشخصياتالثانوية التي ترمز إلى أبعاد الإنسان من الحس إلى الروحانيات (ريحانة وظلمة). هذه الأحداث عن طريق شخصياتها تستقطبها أطر مكانية تتناسب وسلوكأبي هريرة في مسيرته من انغلاق إلى انفتاح حسي إلى الاقتراب من السماء إلىالانعتاق ( مكة – الصحراء الرملية- المجالس الخمرية الدير في الجبلالحزيز ). كل هذه المسيرة ستحدد بأطر زمانية داخلية خاصة منها ما يرمز إلىبداية مغامرة أبي هريرة الوجودية إلى منتهاها ( من الفجر إلى مغرب الشمس).إن معطيات السرد من أطره وشخوصه لا تقصد لذاتها وإنما استعملت ألفاظهاللدلالة على مفاهيم معنوية ذهنية فانتمى هذا الأثر إلى الأدب الرمزيالذهني حيث يقع تجاوز المدلول المادي إلى المدلول المعنوي وهذا التجاوز هومذهب المسعدي في كتاباته حيث يصرح " ملتزم الرمز اجتهادا" فيجعل الشخصيةخلاصة الشخصيات.هذا الأدب الرمزي من صنف الرمزية الوجودية إذ اتبع المسعدي مراحل الوجوديةالغربية الأربع : علاقة الإنسان بذاته وبالكون وبالمجتمع وبالله تأثرا بهالكنه تصرف فيها ووظفها وفق هويّته الإسلامية : وهو إلى ذلك يلتزم بخصوصياتهوتيه العربية رغم نزعته الإنسانية . يظهر ذلك في الرجوع إلى التراثالعربي كزمن خارجي فبدت البيئة عربية بصحرائها وبأسماء مدنها وبنمطشخصياتها خاصة منها البطل "أبو هريرة " وبالشكل الأدبي " الأحاديث" وبأساليبه العربية التي تذكرنا بأساليب أشهر الكتاب القدامى.