hind

عضو نشيط
منتدى تونس التربوي
ناشر الموضوع
المشاركات
496
الدّولة
تونس
الولاية
تونس
المستوى الدّراسي
جامعي
الاختصاص
آداب
المهنة
طالبة
غير متّصل
    تحليل قصيدة: بانت سعاد
  • #1
الــقسم : بحوث و دراسات
تحليل قصيدة: بانت سعاد

المقدمة

كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني وأمه كبشة بنت عمار بن عدي بن سحيم وهي من بني عبد الله بن غطفان. وهي أم سائر أولاد زهير سالم وبجير. ولد عند أخواله بني سحيم من غطفان وكان أكبر أولاد زهير. ويبدو أن كعباً كان على خلاف طبع أبيه ولم تسلم حياته من الاندفاع والنزوات. وكانت زوجته تلومه على تهوره واندفاعه.
وقد عني والده بتربيته وتعليمه الشعر. فنهاه عن قوله بدء ذي بدء مخافة أن يكون لم يستحكم شعره فيروى له ما لا خير فيه. فكان يضربه في ذلك، وحبسه ثم أطلقه وسرحه في بهمة وهو غليم صغير فانطلق فرعى ثم راح عشية وهو يرتجز:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
من القرى موقرة شعيراً
{/td}

{[email protected]}
كأنما أحدو ببهمى عيراً
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
فخرج إليه والده على ناقة وأردفه خلفه ليعلم ما عنده من شعر فقال زهير حين برز إلى الحي:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
تخب بوصّال صروم وتعنق
{/td}

{[email protected]}
إني لتعديني على الحي جسرة
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ثم ضرب كعبا وقال له أجز يا لكع، فقال كعب:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وآثار نسعيها من الدفّ أبلق
{/td}

{[email protected]}
كبنيانة القرئيّ موضع رحلها
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ومضى زهير مع ولده كعب على هذا المنوال حتى تأكد من شاعريته فقال له:
قد أذنت لك في الشعر يا بني. وأخذه من يده وأنزله وهو صغير يومئذ فقال كعب:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
بعرض أبيه في المعاشر ينفق
{/td}

{[email protected]}
أبيت فلا أهجو الصديق ومن يبع
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وهي أول قصيدة قالها كعب.
وأجمع الرواة على أن كعباً من فحول الشعراء ووضعه ابن سلام في الطبقة الثانية. وحديث الحطيئة معه يؤكد مكانته الشعرية حيث قال له: يا كعب قد علمت روايتي لكم أهل البيت وانقطاعي إليكم وقد ذهب الفحول غيري وغيرك فلو قلت شعراً تذكر فيه نفسك وتضعني موضعاً بعدك فإن الناس لأشعاركم أروى وإليها أسرع. فقال كعب:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
إذا ما ثوى كعب وفوّز جرول
{/td}

{[email protected]}
فمن للقوافي شأنها من يحوكها
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
إلى آخر القصيدة.
وتثبت حادثته مع النابغة الذبياني قوة شاعريته في صباه عندما أجاز قوله:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وتحيا إن حييت بها ثقيلاً
{/td}

{[email protected]}
تزيد الأرض أما مت خفاً
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
نزلت بمستقر العرض منها
فلم يستطع النابغة إكمال العجز فأكمله كعب بقوله. وتمنع جانبيها أن يزولا. وقد برزت قصيدته بانت سعاد كدرة من درر شعره.
وقد توفي كعب بن زهير في خلافة معاوية وولد له عقبة (المضّرب) الشاعر وسلمى التي تزوجت من ثوبان وكان من نسله عدد من الشعراء، العوام وبشير من ولده عقبة. والقريض والعوثبان والرماح (ابن ميادة) من ابنته سلمى.

قصيدة بانت سعاد.

سبب نظمها وظروف إلقائها

خرج كعب وبجير ابنا زهير بن أبي سلمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغا (أبرق العّزاف) وهو ماء لبني أسد. وكان كعب عازفاً عن الإسلام شديد العصبية والعناد لذا لم تدخل الدعوة الإنسانية إلى قلبه ولم ترقق من عصبيته وجفائه.
فطلب إلى أخيه بجير أن يلحق بالرسول فينظر ما يقول على أن ينتظره كعب في المكان ذاته فقدم بجير إلى الرسول (ص) وسمع منه وأسلم وبلغ ذلك كعباً فأنشد:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
على أي شيء-ويب غيرك- دلكا
{/td}

{[email protected]}
ألا أبلغا عني بجيراً رسالة
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
عليه ولم تدرك عليه أخاً لكا
{/td}

{[email protected]}
على خلق لم تلف أما ولا أباً
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
فأنهلك المأمون منها وعلكا
{/td}

{[email protected]}
سقاك أبو بكر بكأس رديّة
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
فبلغت أبياته الرسول فأهدر دمه. مع من أهدر دمهم من الشعراء الذين أقذعوا في هجائه ولم يدخل الإيمان إلى قلوبهم. فكتب إليه بجير أن يقدم إلى الرسول ويسلم وإلاّ فعليه أن ينجو بنفسه لأن الرسول قتل أناساً آذوه وشهروا بالإسلام وبه، فاحتار كعب في أمره وعدّ نفسه مقتولاً لا محالة. ونصحه قوم بالذهاب إلى الرسول وإعلان توبته وإسلامه فلم ير من الأمر بداً. فنظم القصيدة معتذراً فيها إلى الرسول مادحاً إياه تائباً عن أقواله وأفعاله.
أقبل كعب إلى الرسول سنة تسع للهجرة إلى مسجد المدينة وأناخ راحلته بباب مسجد الرسول. وكان مجلس الرسول من أصحابه مكان المائدة من القوم، حلقة ثم حلقة وهو يحدثهم، فأقبل كعب حتى دخل المسجد فتخطى حتى جلس إلى الرسول فقال: يا رسول الله الأمان. قال من أنت؟. قال: كعب بن زهير.
قال: أنت الذي يقول.. كيف يا أبا بكر؟ فأنشده حتى بلغ قوله:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وانهلك المأمون منها وعلكا
{/td}

{[email protected]}
سقاك أبو بكر بكأس روية
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
فقال رسول الله : مأمون والله. ثم أنشده كعب قصيدته بانت سعاد. فلما بلغ قوله:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
مهند من سيوف الله مسلول
{/td}

{[email protected]}
إن الرسول لسيف يستضاء به
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
ببطن مكة لما أسلموا زولوا
{/td}

{[email protected]}
في فتية من قريش قال قائلهم
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
عند اللقاء ولا خور معازيل
{/td}

{[email protected]}
زالوا فما زال انكاس ولا كشف
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
أشار الرسول إلى الخلق أن يسمعوا شعر كعب ابن زهير وأعطاه الرسول بردته.
وأضاف الرواة إلى هذا الخبر بأن كعباً عرض بالأنصار في قصيدته في عدة مواضع منها قوله:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وما مواعيدها إلا الأباطيل
{/td}

{[email protected]}
كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وعرقوب رجل من الأوس. فلما سمع المهاجرون بذلك قالوا ما مدحنا من هجا الأنصار فأنكروا قوله وعوتب على ذلك وطلب إليه أن يمدح الأنصار بعد أن أثار حفيظتهم بقوله هذا. فقال قصيدته:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
في مقنب من صالحي الأنصار
{/td}

{[email protected]}
من سره كرم الحياة فلا يزل
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
عند الهياج وسطوة الجبار
{/td}

{[email protected]}
الباذلين نفوسهم لنبيهم
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
إلى آخر القصيدة.
وتبدو الرواية الأخيرة موضوعة فلا داعي لإثارة حفيظة الأنصار ضد كعب ما دام عرقوب لم ينتم إليهم بل كان من العمالقة ومن المنطقي أنهم أُثيروا عندما دخل كعب مسجد الرسول وهو المعروف بعدائه الشديد للإسلام وللرسول وأنه قد أهدر دمه لتشبيبه بأم هاني بنت أبي طالب وهي ابنة عم الرسول.
وقيل إن كعباً أنشد قصيدته للرسول (ص) في المسجد الحرام لا في مسجد المدينة وهو قول ضعيف غير متواتر والأرجح لدينا أنه أنشدها للرسول (ص) في مسجد المدينة كما بينا سابقاً.
وقد زعم الرواة بأن معاوية أراد أن يشتري البردة من كعب أثناء خلافته فأغلى له الثمن، ولكن كعباً أبى بيعها. فلما مات راجع معاوية أهله واشتراها بثمن باهظ، ثم توارثها الخلفاء من بعده، وكانوا يخرجون بها للناس في العيدين.
ولم يذكر الرواة شيئاً عن أخبار كعب بعد إسلامه غير طلب الحطيئة إليه أن يمدحه ويذكره في شعره لأنه لم يبق غيرهما من فحول الشعراء.
ويبدو أن العمر امتد بكعب بعد الإسلام حتى قال:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وما الدهر إلا مسيه ومشارقه
{/td}

{[email protected]}
وأفنى شبابي صبح يوم وليلة
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
زهير وإن يهلك تخلد نواطقه
{/td}

{[email protected]}
وأدركت ما قد قال قبلي لدهره
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وهي إشارة يفهم منها إنه عاش ثمانين حولاً أو ما يقاربها، وعلى ذلك يرجح الظن بأنه مات في أواخر العقد الخامس من القرن السابع للميلاد وذهب جرجي زيدان إلى أنه توفي عام 24 للهجرة.
نص القصيدة وتحليلها

1) اختلفت المصادر في عدد أبيات القصيدة فقد ذكر السكري خمسة وخمسين بيتاً وأثبت ابن الأنباري أنها سبعة وخمسون بيتاً. ووردت ستون بيتاوقد استعان الشارح برواية السكري مع زيادات من جمهرة شعراء العرب ومن كتاب منتهى الطلب من أشعار العرب. وأوردها الباجوري بتسعة وخمسين بيتاً، ووردت عند آخرين في ثمانية وخمسين بيتا. ونحن نميل إلى عدد الأبيات التي أوردها الديوان وسندرسها على هذا الأساس.
ولا يرجع الاختلاف في رواية القصيدة إلى عدد الأبيات فقط، بل إلى اختلاف الألفاظ، وترتيب الأبيات. وهذا الاختلاف هو الذي دفع طه حسين إلى التأكيد على عبث الرواة في القصيدة وإضافاتهم.
2) وإذا كان الغرض الرئيس من نظم القصيدة. مدح الرسول (ص) فإن الشاعر بدأ قصيدته بالغزل ثم انتقل منه إلى وصف الناقة، كما تعود الشعراء في الجاهلية أن يفعلوا لينتهي بعد ذلك إلى المديح الذي قصده. وقد استغرقت المقدمة الغزلية ثلاثة عشر بيتاً. واستغرق وصف الناقة ثمانية عشر بيتاً. أما الاعتذار والمديح وهما الغرضان الأساسيان في القصيدة فقد شملا أربعة وعشرين بيتاً سبعة أبيات منها في الاعتذار والبقية في مديح الرسول والمهاجرين.
3) إن النهج الذي سار عليه كعب نهج تقليدي في القصيدة العربية في العصر الجاهلي من حيث البناء والصور والمعاني والأخيلة. وسلك في اعتذاره للرسول (ص) ومديحه له مسلك النابغة الذبياني واعتذارياته من النعمان، فقد بدأ بالغزل ثم انتقل إلى وصف الناقة ومشاق الطريق وقوة الناقة التي أوصلته إلى الممدوح ليحسن الانتقال إلى الاعتذار من الرسول (ص) طمعاً في كرمه وشمائله العربية الأصيلة، وتصويره لخوفه وفزعه وتنكر الناس له وضيق الدنيا عليه:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
إنك يا بن أبي سلمى لمقتول
{/td}

{[email protected]}
تسعى الوشاة جنابيها وقولهم
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويعرض الشاعر للهول الذي يعاني منه ويبهظه بإيمان راسخ فيه نفحة إسلامية حيث يقول:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
يوماً على آلة حدباء محمول
{/td}

{[email protected]}
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ولكن أمله القوي بعفو الرسول الكريم عنه يبدد اليأس عن نفسه ويدفعه إلى الانتقال السريع من الموت إلى الحياة ومن اليأس إلى الأمل فيقول:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
والعفو عند رسول الله مأمول
{/td}

{[email protected]}
أنبئت أن رسول الله أوعدني
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وإذا ورد هذا البيت على منوال بيت النابغة في اعتذاره للنعمان حيث قال:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
ولا مقام على زأر من الأسد
{/td}

{[email protected]}
أنبئت أن أبا قابوس أوعدني
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
فالفرق كبير بين جمالية البيتين فإن اشتركا في مهابتهما والخوف من وعيدهما فإنهما مختلفان أشد الاختلاف في الأخلاق والمثل، فالنعمان وعيده مخيف موئس، على العكس من الرسول الكريم (ص) الذي يكمن وراء وعيده المخيف الأمل والرجاء لأنه على خلق كريم وزاده القرآن الكريم الذي نزل عليه رحمة وحلماً.
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
القرآن فيه مواعيظ وتفصيل
{/td}

{[email protected]}
مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
أذنب وإن كثرت فيّ الأقاويل
{/td}

{[email protected]}
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وهو إذ يقسم ويرجو من الرسول ألاّ يأخذه بأقوال الوشاة الكاذبين وهو مدرك لأفعاله السابقة ضدّ الرسول وموقفه المعادي منه ومن دينه وشدة عصبيته وعناده، يقسم بالقرآن، وبروح إسلامية تناسب مقام الاعتذار. على العكس من النابغة الذبياني الذي يقسم قسماً جاهلياً وثنياً لا يناسب مقام النعمان ولا يلتفت إلى خطئه في هذا القسم لأنه راعى طقوسه الخاصة أكثر من مراعاته للنعمان حيث يقول:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وما هريق على الأنصاب من جسد
{/td}

{[email protected]}
فلا لعمر الذي مسحت كعبته
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
على الرغم من أن النابغة كان شديد القرب من النعمان، تربطه وإياه وشائج من الإعزاز والصداقة والود، بينما كان كعب شديد البعد عن الرسول الكريم (ص) فقد هجا النبي وصحبه قبل الإسلام ووقف إلى جانب الشعراء المشركين كابن الزبعرى وأضرا به في التشديد على ذم الرسول الكريم(ص) وصحبه والتشهير بهم وبالدين الإسلامي.
وما قدم كعب إلى الرسول طالباً العفو ومعلناً إسلامه إلاّ بعد أن هدر دمه وضاقت به الأرض بعد انتصار الرسول في مكة وحنين وإذعان العرب كلهم لسلطانه الجديد وقتل من قتل بعد الفتح من خصوم الإسلام وأعداء النبي وفرار من فر، كل ذلك ملأ كعباً فزعاً ورعباً. وأكبر الظن أن كعباً حاول الفرار والاستخفاء فيمن حاول الفرار والاستخفاء ولكن الأرض ضاقت به والناس تخاذلوا عنه. ونظر فإذا هو مأخوذ متهالك إذا لم يحتط لنفسه. وجاءته في أثناء هذا كله رسالة أخيه بجير…
فاستقرت عزيمة كعب على أن يستجير بعفو النبي من غضب النبي.
4) تأثر كعب في قصيدته هذه بشعراء عديدين منهم أوس بن حجر وبوالده زهير وبالنابغة الذبياني، وكادت معانيه تقترب من معانيهم في الموضوعات الثلاثة التي تناولها في قصيدته، فهو في مطلع القصيدة يصور بإيجاز جميل ما صوره زهير في بيتين حين قال:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وعلِّق القلب من أسماء ما علقا
{/td}

{[email protected]}
إن الخليط أجدّ البين فانفرقا
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
{/td}

{[email protected]}
وفارقتك برهن لا فكاك لـه
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
فكلاهما معلق الفؤاد مكبل القلب مقيده الأول بسعاد والثاني بأسماء ويشبه كعب محبوبته بالغزال ويمضي في التفصيل في الطرف المكحول الغضيض والصوت الأغن والريق الخمري المشوب بالماء العذب البارد ويمعن في وصف طبيعة هذا الماء ليعطي لنا الصورة كاملة وهو نفس ما فعله زهير حيث قال:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
ولا محالة أن يشتاق من عشقا
{/td}

{[email protected]}
قامت تراءى بذي ضال لتحزنني
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
من الظباء تراعي شادنا خرقا
{/td}

{[email protected]}
بجيد مغزلة إدماء خاذلة
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
من طيّب الرّاح لما بعد أن عتقا
{/td}

{[email protected]}
كأن ربقتها بعد الكرى اغتبقت
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
من ماء لينة لا طرقاً ولا رنقاً
{/td}

{[email protected]}
شجّ السقاة على ناجودها شبما
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويفصل كعب في أخلاق سعاد فهي متقلبة الطباع متغيرة دائماً كالغول ولا تفي بعهدها وتنساح مواثيقها كما ينساب الماء من الغرابيل، ومواعيدها مواعيد عرقوب فلا يغتر بوعدها فما هي إلاّ تضليل وباطلة الأباطيل وهي تستحق اللوم لأنها غير أهل للثقة. وإذا فصّل كعب في وصل أخلاق سعاد فإن زهيراً أوجز كل هذه الصفات في بيت واحد حيث قال:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
فأصبح الحبل منها واهناً خلقا
{/td}

{[email protected]}
وأخلفتك ابنة البكري ما وعدت
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ونخلص من كل ذلك إلى أن المقدمة الغزلية في القصيدة لم تكن إلاّ مدخلاً لها يستهوي السامعين ويلفتهم إلى المتابعة وكأن مقولة ابن قتيبة في مقدمة كتابه الشعر والشعراء تنطبق تمام الانطباق على مقدمة هذه القصيدة فقد سعى فيها الشاعر مسعى الشعراء الجاهليين حين يبدأون قصائدهم بالغزل.
ثم يخلص كعب بشكل متساوق جميل إلى وصف ناقته حين يقول:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
إلاّ العتاق النجيبات المراسيل
{/td}

{[email protected]}
أمست سعاد بأرض لا يبلغّها
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويمضي الشاعر في وصف ناقته بالضخامة والصلابة والسرعة كما وصفها الشعراء الجاهليون. ويقف عند أعضائها وخصائصها وخصالها وقفة طويلة لشدة إعجابه بها فهي سهلة القوائم في السير، غليظة الرقبة، عظيمة الوجنتين، ضخمة شبيهة بالذكر، واسعة الجانب، ذات عنق طويل، وجلدها قوي لا يؤثر فيه لسع الحشرات، بارزة الظهر، وأخفافها ذوابل لاحقة، وذنبها كعسيب النخلة، وهي عريقة الأصل وهو سبب في خفتها وسرعتها، مرفقها مفتول، وثديها مخارج اللبن فيه جيدة، وذات أنف أقنى وعنق أتلع وخد سهل، ولم يترك كعب صفة من الصفات الجيدة التي تناولها الأقدمون في وصف نوقهم إلاّ ولصقها بناقته، وقد ظهر أثر المدرسة الأوسية واضحاً في هذا الوصف. يقول أوس بن حجر واصفاً ناقته:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وعمها خالها وجناء مئشير
{/td}

{[email protected]}
حرف أخوها أبوها من مُهَجَّتَةٍ
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويقول كعب:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وعمها خالها قوداء شمليل
{/td}

{[email protected]}
حرف أخوها أبوها من مُهَجَّتةٍ
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويقول زهير واصفاً ذيل ناقته:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
على فرج محروم الشراب مجدد
{/td}

{[email protected]}
وتلوى بريان العسيب تمره
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويقول كعب:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
في غارز لم تخونه الأحاليل
{/td}

{[email protected]}
تمر مثل عسيب النخل ذا خصل
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وهو في اعتذارياته شبيه باعتذاريات النابغة وفي وصفه الرسول (ص) عند مديحه له حيث شبهه بالليث شبيه بتشبيه زهير لهرم بن سنان بالليث عند مدحه له ولكنه فصل في تشبيهه ما لم يفصله زهير.
وهو لم يتأثر بالمعاني والصور فقط بل تأثر بالشعراء الجاهليين أيضاً في استعمال الألفاظ الغريبة والصعبة ولا سيما عند وصفه للناقة والأسد وجاءت تراكيبه خشنة صعبة، على العكس تماماً من الافتتاحية الغزلية ومدح الرسول (ص) فقد وردت فيهما ألفاظ جميلة وواضحة وتراكيب قوية الأداء مؤثرة أشد التأثير مما يذكرنا بمعلقة طرفة تماماً عند وصفه للناقة، ولعل "للناقة وأعضائها مسميات خاصة بها كان على الشاعر أن يستخدمها لتأدية ما يريد التعبير عنه بصورة واضحة جلية ومثل هذا ينطبق على وصفه للأسد"
5) التأثر الحسي بالبيئة:
إن التأثر الحسي بالبيئة يبرز في الموضوعات الثلاثة التي طرقها في قصيدته. فإذا ما تغزل بسعاد شبهها بالظبي في سواد عينيها، وإنها فاترة الطرف. جميلة الصوت ولا يمنعه استرساله في وصف محاسنها من تشبيه ريقها بالخمرة التي علت بالماء وهو مدرك ولا بد أن الإسلام قد حرم الخمرة ونهى عن شربها، ولم تثنه مؤثرات البيئة عن ذكرها أمام الرسول (ص) وصحبه وفي مسجده، وهو قادم للاعتذار وطلب العفو. وتدفعه مؤثرات البيئة إلى الاهتمام بتجسيد برودة الماء التي علت بها الخمرة كأجمل ما يكون التجسيد وأبدع ما تكون الصورة الشعرية، فالماء عذب بارد صاف في منحنى رملي تكتنفه صغار الحصى أبعدت الرياح الهابة عنه الأوساخ والأدران وملأته سحابه بيضاء سارية ليلاً. للتأكيد على صفاء الماء وبرودته، حيث يبرد الجو ليلاً:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
صاف بأبطح أضحى وهو مشمول
{/td}

{[email protected]}
شجت بذي شبم من ماء محنية
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
من صوب سارية بيض يعاليل
{/td}

{[email protected]}
تجلو الرياح القذى عنه وأفرطه
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
إنها حرارة الصحراء وقلة مياه الغدران الباردة تلك التي دفعته إلى أن يبدع في تجسيد هذه الصورة على الرغم من أن الاستطراد واضح فيها وكان في إمكان كعب تجاوزها لو أن الإسلام دخل قلبه في الصميم وأضعف لديه مؤثرات البيئة القوية التي بدت وكأنها أقوى من إيمانه بالإسلام. ويدفعه حماسه وهو يصف أخلاق سعاد المتبدلة وخصالها المتغيرة فتظهر مؤثرات البيئة قوية فيشبهها بتلون أثواب الغول وهو يدرك أو لا يدرك بأن الغول من الأشياء التي عفا عليها الإسلام، ولكنها مؤثرات البيئة التي تجذرت في نفسه قوية لا تقاوم، وإذا ما أراد أن يصور وصلها لم يجد تشبيهاً غير الغرابيل التي تسيح منها المياه إذا وضعت فيها ولا تتمكن من مسكها.
وتظهر مؤثرات البيئة بشكل أشمل في وصفه للناقة وهو أمر بدهي لأن كعباً كرجال عصره أحب الناقة والفرس وتعلق بهما، وتلعب الناقة دوراً مهماً في حياته القلقة المضطربة التي كثرت فيها الأسفار وسادها الانتقال من مكان إلى آخر، فهو لا يستطيع الوصول إلى سعاد التي أضحت بعيدة كل البعد يعسر الوصول إليها إلاّ على ظهر ناقة شديدة غليظة سريعة خفيفة الحركة لا تعرف معنى للوهن والتعب ذات همة عالية. قد جربت الأسفار الطويلة. تستطيع بلوغ الأماكن البعيدة التي لا يستطيع غيرها من النوق الوصول إليها. وإذا ما اشتدت الهاجرة لا تكسل ولا تتوانى وناقة كعب غليظة الرقبة ممتلئة الرسغ تفضل جميع النوق في عظم خلقها. وقد خرج كعب على ما اعتادت عليه العرب في وصف الناقة كما يقول الأصمعي:
"هذا خطأ في الصفة لأنه قال هي غليظة الرقبة وخير النجائب ما يدق مذبحه ويعرض منحره وذهب أبو هلال العسكري مذهب الأصمعي: "من خطأ الوصف قول كعب بن زهير: ضخم مقلدها لأن النجائب توصف برقة المذبح". ونحن نرى بأن وصفه لها بضخامة الرقبة يتماشى مع وصفه لضخامة خلقتها ولا ينبو عن الذوق ولا يخرج عن المبالغة والتفخيم اللتين سادتا الشعر العربي قبل الإسلام وإنما يدلل على قدرتها الكبيرة في قطع المسافات الطويلة وأنها أقوى على السير من غيرها.
ويمضي كعب في وصفه لناقته بتأثيرات بيئية. فيصفها بكرامة الأصل، ملساء الصدر والخاصرة صلبة لم تحلب ولا تنال منها الحشرات والهوام إيذاء. وجبهتها صلبة ملساء، لم تنتج ولم تحلب فاحتفظت بقوتها. عظيمة الذنب كثير وبره تمر به على ضرعها لطوله وعظمه. وقد عدّ السكري ذلك عيباً في وصف الناقة حيث قال: "خطأ أن توصف بعظم الذنب وكثرت الهلب وأفضل منها للركوب أن تكون جداء قصيرة الذنب وإذا كانت للحلب فسبوغ الأذناب وكثرة الهلب يستحب فيها".
ونحن نذهب إلى خلاف هذا الرأي فإن حب كعب لناقته يدفعه إلى المبالغة في وصف ضخامتها للاستدلال على قوتها وصلابتها وشدة سرعتها. وينتقل كعب ثانية من وصف جسد الناقة إلى وصف رأسها: أنفها أقنى. وأذناها كريمتان وخداها سهلان، أما عصب رجليها فقوي وأخفافها قوية صلبة وساقاها طويلان كأنهما ذراعا امرأة ثكلى تنوح وتلطم بكرها، فهي في أشد حالات لوعتها احتداماً في اللطم والنواح وهي تقطع قميصها عن صدرها من شدة اللوعة والحزن:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
قامت فجاوبها نكد مثاكيل
{/td}

{[email protected]}
شد النهار ذراعاً عيطل نصف
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
لما نعى بكرها الناعون معقول
{/td}

{[email protected]}
نواحة رخوة الضبعين ليس لها
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
مشقق عن تراقيها رعابيل
{/td}

{[email protected]}
تفري اللبان بكفيها ومدرعها
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
إن هذا التشبيه الرائع لخلق صورة كاملة للناقة المحبوبة تدلل على براعة الأداء الفني في هذه القصيدة. وهي تذكرنا بالبراعة الفنية في وصفه لماء الغدير الذي مرّ ذكره.
إن الصور البيئية التي والف بينها كعب لإعطاء الصورة الكاملة لعظمة خلق ناقته وجمالها ووقوفه المتملي عند جزئيات جسدها، لا يدلل على أنه عاش حياته وعرف بيئته بعمق، ولا يدلل على براعته الفنية في المزج بين اللوحات الجسدية المتحركة وبين جوه النفسي الخاص فحسب، وإنما تمزج هذه اللوحات الفنية بين صلابة الناقة وقوتها وبين صلابته وقوته وشجاعته، وما تكراره للأبيات التي تعطي معاني الصلابة والقوة لناقته إلاّ تأكيد على تلك الصلابة والقوة وهي بالتالي تأكيد على صلابته وقوته، لأنه يقترن بناقته اقتراناً تاماً في رحلته الشاقة تلك، وهي ليست رحلة للوصول إلى سعاد المحبوبة بقدر ما هي رحلة شاقة مادياً ومعنوياً، جسدياً ونفسياً للوصول إلى الرسول (ص) لتقديم الاعتذار إليه وإعلان إسلامه في حضرته، وهو موقف مهول مرعب كما سيبدو في الأبيات التالية لكعب والتي سنعرضها في مناسبتها. وقد عاب عليه بعض الباحثين هذا التكرار في وصف صلابة الناقة وقوتها وعدوه تكرراً معيباً. بينما قبله آخرون وبرروه "بحجة أنه جاء بألفاظ مختلفة". ونحن نرى أن في هذا التكرار أداءً فنياً متقناً للتأكيد على صلابته وشجاعته من خلال تأكيده على صلابة ناقته وقوتها وتحملها طول المسافة وحرارة الجو. تلك الحرارة التي لم تتحملها الحرباء وكأنها شويت بالنار، والجنادب متعبة من لهف الهجير، وحادي القافلة يطلب إلى القوم أن يلجأوا إلى القيلولة لعدم تحمل الإبل الاستمرار على المسير. فكيف يتحمل إنسان ذلك ما دامت حيوانات الصحراء وحشراتها عاجزة عن تحمل شدة الهجير أما هو وناقته فأقوى من هجير الصحراء وأصلب من حيواناتها وحشراتها، فهي دؤوبة في سيرها ينبع العرق من ذراعيها وهما في شدة السير والتهام الفيافي، وقد تلفعت البيداء بجبالها وفيافيها بالسراب.
وليس هذا فحسب وإنما حاول كعب أن يخلق نمطاً من الأجواء القصصية لإعطاء البعد النفسي له في رحلته الشاقة المترقبة، وفيها تصوير للتوحد الذي هو أقرب إلى التصعلك. فلا نرى في لوحة الرحلة غير الناقة والصحراء، والجبل المتلفع بالسراب والحرباء والجنادب بعد أن ابتعد عنه الأصدقاء وتجنبه المعارف وعافه الأحباب وأهدر دمه وفارقه الأخ والصحب ولم يبق أمامه في هذه السفرة الطويلة غير كلمة واحدة من رسول كريم تعيد إلى نفسه الاستقرار وتدفعه إلى التشبث بالحياة، ليحيا كما يحيا بقية الناس:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
كأن ضاحية بالنار مملول
{/td}

{[email protected]}
يوماً يظل به الحرباء مصطخماً
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
وقد تلفع بالقور العساقيل
{/td}

{[email protected]}
كأن أوب ذراعيها وقد عرقت
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
ورق الجنادب يركضن الحصى قيلوا
{/td}

{[email protected]}
وقال للقوم حاديهم وقد جعلت
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
قامت فجاوبها نكد مثاكيل
{/td}

{[email protected]}
شد النهار، ذراعاً عيطل نصف
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
يهمل طه حسين في حديثه مع صاحبه حديث الناقة وكأنها زائدة في حدث القصيدة. وهذا أمر شديد الغرابة لدى باحث كبير كطه حسين. بل إن الوقوف عند موضوع الناقة يثير أكثر من مسألة.
أولاً: إنها المعادل الموضوعي لسعاد. فإذا كانت سعاد قد خذلته وتنكرت له فالناقة قد رافقته في رحلته الطويلة النفسية والمادية. إن وقوف كعب الطويل عند وصف محاسنها يدلل على حبه الشديد لها. فهو يتغزل بجمالها كما تغزل بجمال سعاد. بل أكثر عمقاً وتأثيراً. فإذا جاء تغزله بسعاد تقليدياً تذكرياً، فإن غزلـه بالناقة فيه من الصور الإيحائية المتجددة والتأكيد ما هو أبعد أثراً وأكثر عمقاً، إنه التعويض الشجاع لفقد يبدو مع مرور الزمن لا قيمة لـه، فإذا لم تكن سعاد خليقة به، فالناقة (هو) شجاعة عنيدة صامدة متوحدة ساعية لهدف، هو هدفه، فهي جزء منه وهو جزء منها، فهي كحصان امرئ القيس في معلقته، لقد كان فقد سعاد السبب الأساس في هذا الوقوف المتأني من الناقة المحبة المحبوبة. المتحركة المتلاحمة مع قائدها كعب، فهي على العكس من ناقة طرفة (الصورة)، فناقة كعب هي الحياة والأمل والمستقبل الموعود المترجى الهنيء.
ثانياً: الناقة بشجاعتها وقوتها وصمودها وتوحدها هي كعب بن زهير وهو إذ يصف الناقة بكل هذه الخصال الحميدة لا يصف إلاّ نفسه التي سعى إلى أن يجعلها تمهيداً لرضا الرسول (ص) عنه على الرغم من مواقفه الخطيرة منه، ولكنه، رجل شجاع شهم يطلب المغفرة من رسول كريم عرف بالسماحة والشهامة والعفو عند المقدرة.
ثالثاً: الناقة هي الوسيلة للوصول إلى حضرة الرسول الكريم (ص). فلا يمكن الاستغناء عنها في بيئة صحراوية ولرجل تشبع بالعصبية الجاهلية وأثرت فيه البيئة كل هذا التأثير الكبير، وهكذا نجد التلاحم عظيماً بين ما سمي بالغزل ووصف الناقة والاعتذار والمديح للرسول (ص) إنها الوحدة الموضوعية والعضوية معاً والذي يقود كل جزء منها إلى الجزء الأخير حتى نهاية القصيدة.
إن وصف الناقة جزء أساس في القصيدة لا يمكن تجاهله لدى أي باحث تشبع بجمال القصيدة وأدائها الفني الرفيع.
وماذا عن الجزء الأخير من القصيدة، الاعتذار والمديح وتأثير البيئة فيهما؟!
إن الشاعر وهو يصور مشاعر الرهبة في حضرة الرسول (ص) وما سمعه عنه لم يجد تشبيهاً لـه غير الفيل لضخامته حتى أنه توهم بأنه أكثر الحيوانات قوة سمع.
وربما عزا ذلك لكبر أذنيه، والشاعر مولع بالمبالغة والتفخيم.وجاءت صورة الفيل المرتعد الخائف قبل أن يسمع العفو ويحصل على الأمان من الرسول (ص) جميلة رائعة على العكس من البيت السابق عليها.
وإذا ما أراد أن يجد تشبيهاً للرسول لم يجد غير الأسد والسيف، وهو يعطي لهذين التشبيهين أجمل ما لديه من أداء فني، فهو يصف هيبة الرسول (ص) بهيبة أسد لم يبرح أكمته بعد أن اصطاد فريسة ومزقها وأطعم من بقاياها أولاده حتى بانت الحمر الوحشية الخائفة عازفة عن الإطعام والاجترار لشدة هلعها وخوفها من هذا الضيغم المهيب:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وقيل إنك مسبور ومسئول
{/td}

{[email protected]}
لذاك أهيب عندي إذ أكلمه
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
ببطن عثّر غيل دونه غيل
{/td}

{[email protected]}
من ضيغم من ضراء الأسد مخدره{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
لحم من القوم معفور خراذيل
{/td}

{[email protected]}
يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
أن يترك القرن ألاّ وهو مغلول
{/td}

{[email protected]}
إذا يساور قرناً لا يحل لـه
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
ولا تمشى بواديه الأراجيل
{/td}

{[email protected]}
منه تظل حمير الوحش ضامزة
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
إن هذه الصورة الجميلة التي أعطاها الشاعر للرسول (ص)، هي بالإضافة إلى جمالها الفني تعبر عن الواقع النفسي الخائف للشاعر المذعور الطالب للمغفرة والأمان كما سنرى.
وهي بحركة الجزئيات الموجودة في داخل الصورة تعكس الوضع النفسي المتقلب للشاعر بين طمعه بالعفو وخشيته من العقاب، وهي ليست استطراداً كما قال بعض الشراح وإنما جزء مهم من الصورة لا تكتمل اللوحة بدونه. ونحن نعجب كيف أهمل كاتب حساس ومتذوق رفيع للشعر مثل هذه الصورة ولم يعرها أي اهتمام.
وإذا ما شبه كعب الرسول (ص) بالسيف لم يأت بجديد وحتى عندما يكون هذا السيف مهنداً ولكن الشاعر خصّ هذا السيف بصفة لم يسبقه أحد إليها أنه من سيوف الله ومشهَر دائماً في وجه الأعداء والمشركين، وهكذا جمع كعب في الاستضاءة به بين الرسول وسيف الله المسلول حتى أصبحت هذه الصفة بعد ذلك من صفات خالد بن الوليد كناية عن شجاعته وقوته وشدة بطشه بالأعداء.
وهكذا لم يجد كعب أقوى وأعظم من الأسد والسيف ليشبه بهما الرسول (ص) ولكنه عندما مدح المهاجرين أعطاهم صفات بيئية يفخر بها العربي؛ فهم شم الأنوف، أبطال شجعان، لباسهم الدروع السابغة لأنهم لا يعرفون معنى للراحة حتى يستتب الحق بانتشار الإسلام.
وإذا ما وقف الشاعر واصفاً الدروع التي يرتديها صحب الرسول وقف وقفة متأملة واختار تشبيهه للدرع بنبات انتزعه من البيئة الصحراوية (كأنها حلق القفعاء مجدول).
فهم قد تعودوا على النصر ولا تخيفهم الهزيمة لأنهم مقبلون دائماً على أعدائهم لا يعرفون للأدبار معنى وإذا ما شبه مشيهم اختار أحب الحيوانات إليه وأقربها إلى نفسه (الجمال) وأعطاها صفة البياض المستحبة، وجاءت المقابلة بين (الجمال الزهر يعصمهم ضرب) وبين (إذا عرد السود التنابيل) رائعة جداً لبيان عظمة المهاجرين وخور وجبن أعدائهم. وقال شارح الديوان: "ويقال إنه عرض بالأنصار في هذا البيت فيما قال الذي أراد قتله عند النبي (ص).
وقيل إن ما أثار الأنصار ضدّ كعب أنه قال الجمال الجرب ويروي السكري "الجرب المطلية بالقطران فأراد عليها الدروع فهم يشبهون الجرب". ونحن لا نرى هذا ولا ذاك وما هي إلاّ من باب التأويلات القصصية التي تناقلها الرواة. وما أغضب الأنصار فعلاً ليس ذمهم أو ذم المهاجرين وكيف يسلك هذا المسلك شاعر خائف أهدر دمه وتنكر له الأهل والصحاب وجاء إلى حيث يجلس الرسول (ص) إلى صحبه من المهاجرين والأنصار ليعتذر ويطلب العفو والأمان.
وإذا كان غضب الأنصار قد اشتد فيعود ذلك إلى ما قبل الوصول إلى هذه الأبيات في الوقت الذي كشف كعب عن نفسه. فأثار حضوره الأنصار لما عرف عنه من عداء شديد للرسول (ص) والمسلمين ولإقذاعه في ذمهم مع الشعراء المشركين.
6) الأزمة النفسية وتكامل التجربة الشعورية
إن التغيير الذي طرأ على الجزيرة العربية بظهور الإسلام ومن ثم انتشاره ودخول العرب في الدين الجديد، جعل كعباً يقف موقف التنازع والحيرة وهو الذي عرف بعصبيته الشديدة وعناده وحياته القلقة، البيتية والقبلية، وعدائه الشديد للرسول والإسلام، فما أن استتب الأمر للمسلمين وأهدر دمه مع من أهدر من دماء الشعراء الشتامين للإسلام، حتى كان عليه أن يقرر. ويبدو أن حب الحياة لديه أقوى من العصبية القبلية فما أن جاءه كتاب بجير حتى أسرع إلى المدينة لإعلان إسلامه أمام الرسول (ص) وطلب العفو والأمان منه.
في هذا الجو النفسي القلق ولدت قصيدة بانت سعاد بأجزائها الثلاثة المتفاعلة والمتكاملة لخلق اللوحة الكاملة لكعب يعرضها أمام الرسول والمهاجرين كمتهم يدافع عن نفسه ويطلب البراءة من حكامه. ويلعب الزمن دوراً عظيماً فيها فنتوزع بين ماض وحاضر. يأخذ الماضي واحداً وثلاثين بيتاً ويأخذ الحاضر أربعة وعشرين بيتاً. وليس الزمن وحده المعبر عن قلقه النفسي وإنما استعان بالأدوات الفنية الأخرى كالموسيقى الداخلية والخارجية والصورة والتركيب. فقد اختار وزن البسيط لقصيدته "فقد بدا مناسباً بإيقاعه الهادئ الرصين لشفافية الأسى المنساب في قصيدة اعتذاره إلى الرسول (ص)…
إن وضوح مسلك الربط بين إيقاع البحر وطبيعة الغرض الشعري عند كعب قد يغري بالنظر في بحور نماذجه. إن كعباً باختياره بحر البسيط يسعى إلى أن يظهر أمام الرسول (ص) وصحبه بمظهر الإنسان الهادئ التائب السائل للغفران ليعطي صورة معكوسة لتلك الصورة التي عرفت عنه بتهوره وعصبيته وكرهه للإسلام والمسلمين.
ولم يقتصر حرص كعب على اختيار الموسيقى الخارجية فقط بل سعى إلى اختيار الإيقاع الداخلي والموسيقى الداخلية لإظهار مناخه النفسي، ويبدأ هذا الإيقاع الحزين مع بدايات القصيدة، ويظهر العويل الباكي الحزين ممتزجاً بين القافية اللامية المنسابة وبين إيقاع الضمة والواو التي قبلها مما يكسب اللام امتداداً أكبر وأسى أشد وبكاء أعظم.
"فلا عجب أن يتعاور الشعراء هذا النمط من الوزن والقافية في قصائدهم ذات الطابع النسيبي الحزين.. فقد وردت نماذج من وزن البردة وقافيتها في ديوان الشماخ وديوان ابن مقبل وديوان عبدة بن الطبيب والمفضليات".
وقد أعانه تكرار الألفاظ مثل كلمة (سعاد) وتكرار الحروف على التعبير عن جو الأسى النفسي الرقيق بالنسبة إليه للماضي المتمثل في سعاد، فقد هجره هذا الماضي الحبيب كما هجرته سعاد، فهي معادل موضوعي للماضي الذي تبدل وتقضى مع ظهور الإسلام.
ويلجأ كعب في البيت الثالث إلى المعاظلة باقتران الضاد والذال والظاء للتعبير عن مدى الظلم الذي عانى منه الشاعر من هجر الحبيبة له: "استيعاب طبيعة العلاقة بين الجرس الصوتي والمعنى. ذلك أن نطق هذه الحروف الثلاثة يجبر الناطق على تحسس مجرى الظلم وممارسة تذوقه في فمه… وذلك ما لا نزعم أن كعبًا تعمده تعمداً ولكننا نحسب أنه وفق إليه فأبدع".
ولجأ إلى اللوحات الفنية والغنية المعبرة في وصف ماء الغدير ليعطي عذوبة الماضي. كما لجأ إلى المقاطع المتناغمة وتكرار الحروف والاستدراك والنفي ليمزج بين الإيقاع النغمي والإيقاع النفسي الحزين لتبدل المحبوبة وتغيرها وتقلبها وساعده في ذلك التشبيهات الجميلة التي تفاعلت مع بعضها لخلق لوحة الأسى والحزن مع الإيقاع الحزين والألفاظ المعبرة والتراكيب التي تدلل على قدرة إبداعية لدى الشاعر.
"إن كعباً كان يمتلك حساً نغمياً مرهفاً لا يكاد يدانيه فيه أحد من شعراء مرحلته إلاّ الشماخ". ولعلنا أدركنا بأن الغزل في القصيدة لم يكن مجرد مدخل إلى الغرض الأصلي من القصيدة بل هو جزء مهم ومتلاحم موضوعياً وعضوياً للوصول إلى الهدف الذي أراده الشاعر في القصيدة لأن الماضي له علاقة بحاضر الاعتذار وطلب العفو ومن ثم المديح.
وجاءت النقلة البارعة بين سعاد ووصف الناقة دالة على التفاعل بين الماضي المحبب الذي تغير وتبدل بحيث يصعب الوصول إليه وإعادته حتى بالنسبة لفارس شجاع صبور على تحمل المشاق مع ناقة صلبة قوية ضخمة، وإذا بهذه الناقة الأصيلة تقوده إلى الحاضر إلى الرسول (ص) وصحبه بدلاً من أن تقوده إلى سعاد (الماضي). ويتمثل العنصر النفسي للشاعر في الاندفاع والشجاعة في لوحة الرحلة وكأنه يقدم للرسول (ص) صورة بديلة ومختلفة لما تناقله الوشاة عنه وما وشاه الواشون ضده حتى أهدر الرسول (ص) دمه، وهو يعلم حق العلم أن الرسول الكريم (ص) ذا الخلق الرفيع يقدر الشجاعة حق قدرها ويكبر الفرسان والفروسية. ولم تخل لوحة الرحلة من تصوير لجوانب حياة كعب العنيفة والقلقة والدالة على الوحدة القريبة من الصعلكة نتيجة لمشكلاته العائلية والقبلية الخاصة.
وكانت الناقة وهو يصفها بتلك الدقة والتأني ممثلة لصراعه النفسي العنيف وهو يقطع رحلة شاقة ومخيفة، وقد تكون مهلكة بين الماضي الذي ودعه إلى غير رجعة والمستقبل الذي ينتظره والذي يشكل الزمن الحاضر بالنسبة للقصيدة. وقد ساعده في إظهار لوحة الرحلة بذلك الشكل الفني العميق تلاحم الألفاظ الغريبة والتراكيب القوية والإيقاع المتناغم والتشبيهات الجميلة والصور المتحركة لتعبر معاً عن حالته النفسية القلقة والتي ستزداد شدة مع بدايات اعتذاره ومن ثم مديحه للرسول (ص)، فهو ينتقل نقلة بارعة إلى هدفه ويخلص من الماضي إلى الحاضر بشكل فني أخاذ فيه إيقاع الأسى والقنوط:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول
{/td}

{[email protected]}
تسعى الوشاة جنابيها وقولهم
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
إن الأسى والقنوط الذي سببه له الناس بمجافاتهم له وانقلابهم عليه كما انقلب عليه ماضيه:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
لا ألفينك إني عنك مشغول
{/td}

{[email protected]}
وقال كل خليل كنت آمله
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
دفعه –وهو الشجاع المقدام- إلى القنوط والاستسلام فاستعان بالحكمة، والحكمة التي أوردها تعبر عن نفسه القانطة اليائسة، فهي جزء مهم من القصيدة وليست استطراداً أو مجرد أبيات ذات روح إسلامية –وهي في رأينا أقرب إلى أقوال الأحناف في الجاهلية-يتقدم بها إلى الرسول ليبعد عنه الشرك ويحصل على العفو:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
فكل ما قدر الرحمن مفعول
{/td}

{[email protected]}
فقلت خلوا طريقي لا أبالكم
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
يوماً على آلة حدباء محمول
{/td}

{[email protected]}
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويظهر الاضطراب النفسي واضحاً جلياً في اعتذارياته ولم يجد سبيلاً يسلكه أفضل من السبيل الذي سلكه النابغة الذبياني في اعتذاره من النعمان بن المنذر، وقد أجاد كعب في تصوير فزعه وخوفه فذكر نبأ وعد الرسول له والأمل في العفو وهو مدرك خير الإدراك أخلاق الرسول (ص) العالية وعفوه عند المقدرة. وذكر هدي القرآن ومواعظه، كما ذكر الوشاة والأقاويل وحاول أن يتخلص من جريرة أعماله. وتعد هذه الأبيات في الاعتذار من أجمل وأصدق ما قيل في الشعر العربي على الرغم من ظهور طابع التقليدية فيها.
ومضى في مدح الرسول (ص) بأسلوب تقليدي في أول الأمر فشبهه بأسد في عرينه اصطاد فريسة وأطعم منها أشباله ولم نلمس جديداً في هذا المديح فقد تكرر كثيراً في الشعر الجاهلي وربما أعانه ذلك على التفصيل في لوحة الأسد وكأن الشاعر يطمع برعاية الرسول له كما يرعى الأسد أشباله، فإذا ما انتقل إلى الصورة الثانية وشبه الرسول بأنه سيف مسلول من سيوف الله لم يزد على البيت الواحد ولم يفصل في الصورة كما فصل في صورة الأسد ولعل جهله بالإسلام وخشيته من الوقوع في الخطأ دفعه إلى الإيجاز. وفي كلا الصورتين أعطى للرسول (ص) صفة القوة لأنه كان يحس بكل الضعف والخور تجاهه فلم يعط غير صور مادية، ووقف في مديحه عند صفة القوة والمهابة ولم يذكر صفات كثيرة معروفة عن أخلاق الرسول (ص) ونبله وكرمه. لأنه لم يكن يرى في الرسول (ص) في لحظته تلك غير أنه الرجل الذي يملك بين يديه حياته وموته. ولو لم يكن خائفاً فزعاً لوقف وقفة طويلة ومغايرة في مديح الرسول الكريم كتلك الوقفة التي وقفها في مدح المهاجرين. ويدفعنا الحديث عن مديح الرسول (ص) بسرعته وعدم التأني فيه إلى التساؤل في هذه الوقفة المتأنية والمبدعة التي وقفها كعب في مدح المهاجرين، فقد جمعت فيها الخصائص المادية والمعنوية، وكانت اللوحة التي قدمها الشاعر لشجاعتهم لوحة معبرة ودقيقة ضمّ فيها الجزئيات –كوصف الدروع والسلاح- إلى الكليات حتى ينتهي بالقصيدة نهاية تبلغ ذروة الإبداع الفني والإيقاع المتناغم الجمالي بين المقاطع الأربعة حيث أعطى للصورة عمقها الفني وأبعادها المتكاملة لينتهي بقصيدته نهاية رائعة معادلة لمطلع القصيدة حيث يقول:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
قوماً وليسوا مجازيعاً إذا نيلوا
{/td}

{[email protected]}
لا يفرحون إذا نالت رماحهم
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
ما إن لها من حياض الموت تهليل
{/td}

{[email protected]}
لا يقع الطعن إلاّ في نحورهم
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
يرى بعض الباحثين أن القدرة الإبداعية التي ظهرت في قصيدة كعب عند مدح المهاجرين بشكل أقوى من مدحه للرسول (ص) إلى العصبية القبلية: "فنحن نعلم أن المهاجرين قرشيون من كنانة، ولكعب في كنانة خؤولة. أما الأنصار فحسبهم ليستثير في نفس كعب مشاعر من نوع آخر فيسكت عن ذكرهم بشيء".
وقد عرفنا في كعب عصبية جاهلية شديدة فلا عجب أن يحدث هذا ولما يدخل الإسلام بعد إلى قلبه ويتغلغل في أعماقه، فإذا كان المهاجرون أبناء خؤولته يعرفهم ويعرفونه، وقد عاش بيئتهم فهو يجيد في مدحهم بروح العصبية الجاهلية بينما لا يعرف عن الرسول (ص) ولا دينه الشيء الكثير فيحتار في مديحه وينظر إليه كما ينظر إلى حاكم يطلب منه العفو والأمان ولا يجد فيه شيئاً أقوى من الرهبة والقوة والعفو عند المقدرة.
وقد احتلت مكانتها:
قصيدة بانت سعاد مكانة دينية كبيرة حيث منح الرسول بردته لكعب عند إنشادها. ولها قيمة فنية على الرغم من الأسلوب التقليدي الذي سلكه الشاعر في نظمها ولكنها مفعمة بالأصالة وصدق التجربة الشعورية وبالإيقاع النغمي العالي، واللوحات الفنية المبتكرة والتي أفاد فيها مما ورثه من الشعر الجاهلي ومن مؤثرات البيئة الأخرى.
وتظهر أهميتها التاريخية في أنها أصبحت جزءاً من كتب السيرة لا يخلو كتاب منها.
واهتم بها الشراح والنحويون واللغويون والأدباء فعارضوها وخمسوها وشطروها وأشهر من عارض هذه القصيدة ابن الساعاتي المتوفى عام 604هـ والبوصيري المتوفى عام 696 ومحمد بن علي العمراني المتوفى عام 560 ومحي الدين بن عبد الظاهر المتوفى عام 692 وشبيب بن حمدان المتوفى عام 695 والعزازي عام 710 وابن سيد الناس اليعمري المتوفى عام 734 وأبو حيان الأندلسي المتوفى عام 745 وابن نباتة المصري المتوفى عام 768.
وترجمت إلى اللاتينية ترجمها المستشرق (كارديوس جونزليت) عام 1748 وإلى الفرنسية ترجمها المستشرقان (أ. روكس ورنيه بوسيه) وترجمها (سكوبا بيكوسلاوسكي) إلى البولونية وترجمها (لويل) نثراً إلى الألمانية و (لروكرت) شعراً إلى الألمانية أيضاً وترجمها (ردهاوس) إلى الإنكليزية و (كبريالي) إلى الإيطالية و(الكاملي) إلى الفارسية و(ملجق زاده) إلى التركية.

معارضات بانت سعاد

المعارضة الشعرية: من مادة عرض، وعارض بمعنى أخذ في ناحية منه وأدخل دخولاً فيه ليست بمباحته، والمعارضة أن يعارض الرجل المرأة فيأتيها بلا نكاح ولا ملك أو أن يعارض فحل الإبل النوق معارضة فيضر بها من غير أن تكون من الإبل التي كان الفحل رسيلاً فيها، وعارضته في المسير أي سرت حياله وحاذيته ويقال عارض فلان فلاناً إذا أخذ في طريق وأخذ في طريق آخر فالتقيا. وعارضته بمثل ما صنع أي أتيت إليه بمثل ما أتى وفعلت مثل ما فعل. ومن هذا المعنى جاء اصطلاح المعارضة في الشعر: أن ينسج الشاعر على منوال قصيدة معينة لشاعر آخر أو يأتي بمثلها في وزنها وقافيتها ورويها وبعض معانيها أو في بعض أغراضها أو في موضوعها.
وتحصل المعارضة نتيجة لإعجاب شاعر بقصيدة سابقة عليه لشاعر معين، لها مكانها وثقلها في الأدب العربي، أو نتيجة لاعتداد الشاعر بنفسه فيسعى في معارضته إلى منافسة شاعر قديم في قصيدة من قصائده المشهورة ليباريه أو يعلو عليه.
أما الموازنة الشعرية: فهي من مادة وزن ووازنت بين الشيئين موازنة ووزاناً وهذا يوازن هذا إذا كان على زنته أو كان محاذيه، ومن هذا المعنى جاء اصطلاح الموازنة الشعرية فوازن الشيء بالشيء أي ساواه في الوزن وعادلـه وماثله وقابله وحاذاه ووازن الشاعر قصيدة غيره، إذا نظم قصيدة من بحرها وعلى وزنها ورويها نتيجة لإعجابه بها أو مباراتها والارتفاع عليها.
1) معارضة علي بن محمد بن علي بن أحمد لقصيدة بانت سعاد:
إن أولى المعارضات لقصيدة بانت سعاد هي معارضة علي بن محمد بن علي بن أحمد ابن مروان العمراني الخوارزمي المتوفى عام 560هـ. عارض في صباه قصيدة كعب بن زهير بانت سعاد في قصيدة مطلعها:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
كما يهز اليماني وهو مصقول
{/td}

{[email protected]}
أضاء برق وسجف الليل مسدول
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
والتكلف واضح من المطلع هذا بالإضافة إلى التشبيه الساذج المكرور الذي ذكره.
وأراد أن يقلد كعبا فبدأ بغزل متكلف خال من الجمال والإبداع ولا أثر فيه لفن وابتكار فاستبدل سعاداً بسعدى وقلد مطلع قصيدة كعب ببيت يظهر فيه الضعف والتكلف حيث يقول:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
عني وقلبي بالأشواق متبول
{/td}

{[email protected]}
فهاج وجدي بسعدى وهي نائية
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويمضي الشاعر في تقليد أبيات بانت سعاد بألفاظ وتراكيب وصور تبدو ظاهرة الضعف وتفصح عن تجربة الشاعر الشعورية غير المكتملة حيث يقلد بيت كعب الجميل الإيقاع:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
إلاّ أغن غضيض الطرف مكحول
{/td}

{[email protected]}
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
بقوله:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
صبر ولم يبق لي قلب ومعقول
{/td}

{[email protected]}
لم يبق لي مذ تولى الظعن باكرة
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
والجفن بالأثمد الهندي مكحول
{/td}

{[email protected]}
ما أنسى لا أنسى إذ تجلو عوارضها
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
فأين التركيز المغني والإيقاع الجميل والتراكيب القوية والمعاني الموحية من هذا التفصيل غير المنطقي وكم بدا الشطران الأخيران ثقيلين ولا سيما (لم يبق لي قلب ومعقول) فكيف أحب إذاً عندما فقد عقله وقلبه؟! وما أمج (الأثمد الهندي) ونحن نعلم أن كعباً لم يذكر الهند إلاّ مرتبطة بالسيوف والسيوف المسلولة استعملها تشبيهاً لقوة الرسول (ص) وسيطرته، وإذا بمقلده لا يستخدمها إلاّ للعينين، فأين هذا الاستعمال من ذاك.
وكأن الشاعر أعجب بالبيت الثالث من قصيدة بانت سعاد فطمح إلى تقليده ولكنه فشل أيضاً على الرغم من استعارته الصورة وبعض الألفاظ حيث قال:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وريقها سحراً بالراح معلول
{/td}

{[email protected]}
كأنما ثغرها در إذا ابتسمت
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ولا ندري السبب في تحديد الزمن للريق بالسحر إلاّ إذا أعجزه النظم. وأين مباشرة اللقطة ومادية الصورة من الإيحاء الجميل والإيقاع العذب والاستعمالات المعبرة في التركيب واللفظة في قول كعب:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
كأنه منهل بالراح معلول
{/td}

{[email protected]}
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ولا نجد في غزل الشاعر غير صور أشبعت تكرراً عند الشعراء الذين سبقوه تدل على ضعف شاعريته وتقليده وعدم اكتمال التجربة الشعورية لديه، فإذا ما انتقل إلى مدح الرسول (ص) بدا الضعف أشد في القصيدة وراح يسرد لنا أسماء الخلفاء الراشدين بأسلوب تقريري ممل أقرب إلى الأجواء النثرية منها إلى الشعر والإيحاء:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وهو الذي ما له في الله مبذول
{/td}

{[email protected]}
وصاحب المصطفى في الغار يتبعه
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
رآه إبليس ولى وهو مخذول
{/td}

{[email protected]}
وتلوه عمر الفاروق أزهر أن
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
أوداجه وهو بالقرآن مشغول
{/td}

{[email protected]}
واقتدى بابن عفان الذي فريت
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
مناقب جمة في شرحها طول
{/td}

{[email protected]}
وبالوصي ابن عم المصطفى فله
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويستمر الشاعر على هذا المنوال التقريري المباشر. ولم أشأ أن أوازن بين عظمة أبيات كعب في مدح المهاجرين وبين أبيات هذا الشاعر المقلد الذي لم يحسن حتى التقليد.
2) معارضة تقي الدين الطبيب:
لم نلمس في قصيدته التي عارض فيها قصيدة بانت سعاد أيَّ إبداع بل جاءت تقليداً سيئاً أكد فيها على مدح الرسول (ص) واكتفى بأبيات قليلة في الغزل لينتقل بعدها مباشرة إلى مديح الرسول بأسلوب تقريري خال من الفنية الشعرية ونكتفي بأبيات نوردها دون موازنة لأنها ظاهرة الضعف والتكلف، يقول الشاعر في مدح الرسول (ص).

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
مجداً تسامى فلا عرض ولا طول
{/td}

{[email protected]}
إن النبي رسول الله إن لـه
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
وردّ عقل البرايا وهو معقول
{/td}

{[email protected]}
مجداً كبا الوهم عن إدراك غايته
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
وساد فخراً به الأملاك جبريل
{/td}

{[email protected]}
مطهر شرف الله العباد به
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
له بطيب ثراها الجعد تقبيل
{/td}

{[email protected]}
طوبى لطيبة بل طوبى لكل فتى
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ولا حاجة بنا للتدليل على ضعف التركيب وضحالة الصورة وتكرار المعنى ونبو (العرض) و (الطول) و (كبو الوهم) ولا (طيب الثرى الجعد)
3) معارضة الشهاب العزازي:
وقد عارض الشاعر الشهاب العزازي قصيدة بانت سعاد بقصيدة مطلعها:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وجيش صبري مهزوم ومغلول
{/td}

{[email protected]}
دمي بأطلال ذات الخال مطلول
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
بدأ الشهاب العزازي قصيدته بالغزل وحاول أن يعطي المعاني المادية التي أعطاها كعب في قصيدته ولكنه أفاض وفصّل على الخلاف من كعب الذي أوجز وأثر والتفت إلى الخصائص الجسدية لمحبوبته ولم يلتفت إلى النواحي المعنوية والأخلاقية كما فعل كعب. فهو لكي يقلد البيت الثاني من قصيدة كعب ويعطي معنى الشطر الثاني منه استعان بثلاثة أبيات تقليدية لم تستطع الوصول إلى الإبداع الفني الذي وصله كعب. يقول الشهاب العزازي:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
صبر يدافع عنه وهو مخذول
{/td}

{td=205[email protected]}
ومن يلاق العيون الفاتكات بلا
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
القوام لدن مهز العطف مجدول
{/td}

{[email protected]}
وبي أغن غضيض الطرف معتدل
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
يصح إلاّ غرامي فهو منحول
{/td}

{[email protected]}
وكلما عرضت أجفان مقلته
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ومن يتأمل الأبيات يجد أن تشبث الشاعر بالخصائص المادية والمحسنات البديعية قد أفسد الصورة وحرم الشاعر الإبداع.
ومثلما أفسد الشاعر معنى البيت الثاني في قصيدة كعب أفسد البيت الثالث أيضاً حيث قال:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وعاسل منه يصيبني ومعسول
{/td}

{[email protected]}
سلافة منه تسبيني وسالفة
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
يا برق أم كيف لي منهن تقبيل
{/td}

{[email protected]}
يا برق كيف الثنايا الغر من إضم
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ومن يوازن بين هذين البيتين والبيت الثالث من قصيدة كعب يدرك الفرق الشاسع بين الشاعر والناظم، لقد أفسد على الشاعر في بيتيه المحسنات البديعية في البيت الأول بين سلافة وسالفه وبين عاسل ومعسول. ولم يغنه التكرار في البيت الثاني شيئاً، ولم يحقق له الإيقاع النغمي والتأكيد المرجو من التكرار.
وهكذا في بقية الأبيات الغزلية. وعندما انتقل إلى الرحلة لم يتمكن من تقديم لوحة فنية بل قدم صورة جامدة مستعارة من الشعر الجاهلي محرومة من الإبداع الفني والجمال الشعري بدأها بقوله:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
عوجوا وشرقيّ بانات اللوى قيلوا
{/td}

{[email protected]}
وياحداة المطايا دون ذي سلم
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
أما مديحه للرسول (ص) فهو مديح على نمط شعر المديح عند المتأخرين، فهو يجهد نفسه للوصول إلى معنى بيت كعب الرائع:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
مهند من سيوف الله مسلول
{/td}

{[email protected]}
إن الرسول لسيف يستضاء به
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ولكن دون جدوى حيث يقول:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وذلك السيف حتى الحشر مسلول
{/td}

{[email protected]}
سلّ الإله به سيفاً لملته
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
فأين تلك الأصالة من هذا التقليد وأين ذلك الإبداع من هذا النظم! وحاول أن يبين أثر القرآن وتنزيله على الرسول في إضفاء الخلق والنبالة عليه(ص) فوق خلقه ونبالته ويقلد في ذلك بيت كعب الشهير ولكن بأسلوب تقريري واعظ:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وخير من جاءه بالوحي جبريل
{/td}

{[email protected]}
أوفى النبيين برهاناً ومعجزة
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويمضي الشاعر في مدح الرسول بنفس الأسلوب من التقريرية والوعظية لينتقل بعد ذلك إلى مديح بني هاشم مقلداً مدح كعب للمهاجرين وفي الأسلوب التقريري ذاته:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
لها السيوف بيوت والقناغيل
{/td}

{[email protected]}
نمته من هاشم أسد ضراغمة
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
المغاوير والصيد البهاليل
{/td}

{[email protected]}
إذا تفاخر أرباب العلى فهم الغُز
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
به افتخار وترجيح وتفضيل
{/td}

{[email protected]}
لهم على العرب العرباء قاطبة
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ولا أظننا بحاجة إلى المزيد من هذا النظم.
4)معارضة أبي حيان الأندلسي:
عارض أبو حيان الأندلسي قصيدة بانت سعادة بقصيدة تقع في ثلاثة وثمانين بيتاً مطلعها:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
العقل مختبل والقلب متبول
{/td}

{[email protected]}
لا تعذلاه فما ذو الحب معذول
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وقد قسمها إلى ثلاثة أقسام: الغزل ويقع في ثلاثة عشر بيتاً على عدد أبيات الغزل عند كعب بن زهير. تحدث فيها عن السمات المادية والمعنوية لمحبوبته وهو لم يخرج في غزله عن الأسلوب التقليدي الذي شاع في فترته. وقد حاول الشاعر تقليد كعب في بعض الصور والمعاني والألفاظ ولكنه لم يستطع بلوغ الشأو الذي بلغه كعب.
فإذا ما حاول تقليد البيت الثاني أورده بهذا الشكل:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
والخصر مختطف والمتن مجدول
{/td}

{[email protected]}
والطرف ذو غنج والعرف ذو أرج
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وعلى الرغم من الإيقاع الجميل للبيت و (غنج الطرف) وهي صورة موحية إلاّ أن البيت لا يبلغ العمق الذي توصل إليه كعب (إلاّ أغن غضيض الطرف مكحول) فأين في التأثير في النفس غض الطرف الذي يوحي بالحياء والفتنة معاً من غنج الطرف الذي يدل على أَن صاحبة الطرف فتاة لعوب غاوية.
وأعجب أبو حيان الأندلسي بالبيت الثالث كما أعجب به كل من عارض قصيدة بانت سعاد فحاول أن يعطي ذات المعنى فعمم ولم يفصّل كما فعل كعب وأعطى صفة للريق حلوة المذاق ولكنها ليست باعثة على النشوة:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
والثغر جوهرة والريق معسول
{/td}

{[email protected]}
فالنحر مرمرة. والنشر عنبرة
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
إن إعجابه بكلمة (معلول) في بيت كعب الثالث دفعه إلى استعارة الشطر الثاني برمته لإعطاء صورة معكوسة للصورة التي قدمها كعب حيث قال:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
فكلهم منهل بالموت معلول
{/td}

{[email protected]}
تدير كأس شعوب من شعوبهم
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وقد تفرد الشاعر عن معارضي بانت سعاد بوصف تقلب مشاعر حبيبته (لبنى) ومطلها وتسويفها في مواعيدها محاكياً بذلك المعنى الذي قدمه كعب في قصيدته ولكنه أفسد الصورة في ركضه وراء المحسنات البديعية ولا سيما كثرة الجناس فيها:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وموعد لك منها الدهر ممطول
{/td}

{[email protected]}
لبانة لك من لبناك ما قضيت
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
على التنائي لتعذيب وتعليل
{/td}

{[email protected]}
فعدِّ عن ذكر لبنى إن ذكركها
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وإذا كان كعب قد استخدم تشبيه ثياب الغول الملونة للتدليل على تقلب أخلاق سعاد وتبدلها فإن إعجاب أبي حيان الأندلسي بهذا البيت دفعه إلى استخدام الغول في صورة أخرى حيث قال:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
حتى لقد ذعرت في بيدها الغول
{/td}

{[email protected]}
تطارد الوحش منه فيلق لجب
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ولا تمت مواعظ أبي حيان الأندلسي والتي أخذت واحداً وخمسين بيتاً من قصيدته بأية صلة إلى قصيدة كعب، فقد حدثنا أبو حيان الأندلسي عن الجهاد في سبيل الله وعن الحج. ومع بدء حديثه عن القرآن الكريم بدأ مدحه للرسول (ص) ولآل بيته وخلفائه وقد أخذ هذا المديح تسعة عشر بيتاً من القصيدة، تحدث فيها عن معجزات الرسول وسمو أخلاقه ومفاخر صحبه وعظمة الإسلام.
وإن جاءت قصيدة أبي حيان الأندلسي أفضل القصائد التي عارضت بانت سعاد فإنها لم تبلغ المكانة التي بلغتها قصيدة كعب ولعل لروح العصر وتغير الأحوال الأثر الأكبر في هذا التباين.
3) معارضة ابن نباته المصري:
وقد عارض ابن نباته المصري قصيدة بانت سعاد بقصيدة طويلة تقع في تسعة وسبعين بيتاً خص منها أربعة وعشرين بيتاً للغزل وخمسة وخمسين بيتاً في مديح الرسول (ص). يقول في مطلعها:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
هذا وكم بيننا من ربعكم ميل
{/td}

{[email protected]}
ما الطرف بعدكم بالنوم مكحول
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
يبدأ الحديث عن ألم الفراق وما أصابه من سهد وانشغال بال بسبب هجر المحبوب ويأتي بصورة جميلة يصور فيها سهده وانشغاله وألمه لفراق المحبوب:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
والنيران بأفقيه قناديل
{/td}

{[email protected]}
كأنما الأفق محراب عكفت به
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويحاول الشاعر أن يستعير الصور والألفاظ والتشابيه من قصيدة كعب فيصور دمعه المنساب وجداً كأنه الماء المنساب من الغرابيل ويأتي بالشطر الثاني كاملاً من قصيدة بانت سعاد:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
إلاّ كما يمسك الماء الغرابيل
{/td}

{[email protected]}
ما يمسك الهدب دمعي حين أذكركم
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ومثل هذه الاستعارة لشطر كامل من قصيدة كعب يحققه الشاعر في مجرى حديثه عن (سعاد) وتعلاتها ومماطلتها له حيث يقول:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وما مواعيدها إلاّ الأباطيل
{/td}

{[email protected]}
بانت زخارفها بالصبر واعدة
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويمضي الشاعر مع ذكريات الصبا ويعرج في حديثه عن الحاضر والشيب الذي ألم بلمته فيستعين بتشبيه ورد في قصيدة كعب وفي مكان مخالف لما استعمله هو فيه ويدلل ذلك على إعجاب الشاعر وافتتانه ببيت كعب وهو من الأبيات المشهورة في الأدب العربي. حيث يقول:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
سيف المشيب برأسي وهو مسلول
{/td}

{[email protected]}
لو كنت أرتاع من عذل لروعني
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويستعير ابن نباته اسم (سعاد) لمحبوبته تيمناً بقصيدة كعب ويأتي ببيت يظهر فيه براعته الشعرية وهو من أجمل أبيات القصيدة:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
يا من رأى قاتلاً يبكيه مقتول
{/td}

{[email protected]}
أبكي اشتياقاً إليها وهي قاتلتي
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويمضي الشاعر في وصف محاسن وجهها فإذا ما تحدث عن فمها واشنبها استعار الصورة التي أوردها كعب وأخذ الشطر الثاني برمته لشدة إعجابه به:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
في ذكره لمجاج النحل تعسيل

{/td}

{[email protected]}
تفتر عن شنب حلو لذائقه
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
لأنه منهل بالراح معلول
{/td}

{[email protected]}
مصحح النقل عن شهد وعن برد
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وبعد أن ينتهي الشاعر من الغزل ينتقل إلى مديح الرسول (ص) ويبدأ بشوقه إليه وطلب الشفاعة منه. ويستعين بشطر كامل من قصيدة كعب حيث يقول:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
من الرسول بإذن الله تنويل
{/td}

{[email protected]}
إن لم أنل عملاً أرجو النجاة فلي
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويحاول ابن نباته أن يبين أثر القرآن الكريم وتنزيله على الرسول (ص) وما حققه للرسول (ص) وللإسلام من علو الكعب ورفيع الشأن وعظيم المنزلة فأعطى صورة شبيهة لتلك التي أعطاها كعب في قصيدته، قال:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
من بعد ما مدحت حم تنزيل
{/td}

{[email protected]}
ماذا عسى الشعراء اليوم مادحه
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وسرد الشاعر عظمة المسلمين ومواقف المهاجرين والأنصار بأبيات جميلة تداني في جمالها وروعتها أبيات كعب في مدح المهاجرين واستعار منه بعض الألفاظ ولكنه، ابتكر صوراً جديدة وجميلة ومعبرة، حيث قال:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
ومالهم عن حياض الموت تهليل
{/td}

{[email protected]}
يطيب في الليل تسبيح لسامرهم
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
كأن رايات أيديهم مناديل
{/td}

{[email protected]}
قوم إذا رقصت فرسانهم طرباً
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
سمر وبيض فمنقوط ومشكول
{/td}

{[email protected]}
الكاتبون من الأجسام ما اعتبرت
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
يجنى فيا حبذا الغرّ البهاليل
{/td}

{[email protected]}
حيث الحمام شهيّ وهو من صبر
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويعود الشاعر مرة ثانية إلى صورة (السيف المسلول) فيستعير الشطر بكامله من قصيدة كعب في مدحه للرسول وتشبهه به. فيقول:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
مهند من سيوف الله مسلول
{/td}

{[email protected]}
حتى أتى عربي يستضاء به
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وكأن الشاعر لشدة إعجابه ببيت كعب أورده برمته دون تغيير إعجاباً وتقديساً له.
ويعود الشاعر إلى التأكيد على قصيدة كعب وأهميتها وشهرتها وكأنه لم يكتف بمعارضتها وكأنه يطلب إلى القارئ ألاّ يضع قصيدته موضع قصيدة كعب لأنها أقل منها شأناً من حيث الشاعرية والإبداع الفني والمعاني والصور، وإن جاءت في رأينا أفضل القصائد التي عارضت قصيدة كعب فيقول:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
دار النعيم فلي في الباب تطفيل
{/td}

{[email protected]}
إن كان كعب بما قد قال ضيفك في
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
ربيعها بغمام القرب مطلول
{/td}

{[email protected]}
وابن كابن زهير لي شذا كلم
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
يسمو بنبت له بالشبه تعليل
{/td}

{[email protected]}
وإن سمى بزهير صيغه فعسى
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
{/td}

{[email protected]}
بانت معاذير عجزي عن نداك وعن
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وانتهى ابن نباته بقصيدته إلى التوجه إلى الرسول (ص) طالباً شفاعته في الدنيا والآخرة متخذاً أسلوب التخاطب المباشر آملاً في المغفرة والرحمة في الدارين.
موازنات بانت سعاد:

وازن كل من ابن الساعاتي والبوصيري قصيدة بانت سعاد نتيجة لإعجابهما بها.
والموازنة: أن يلجأ الشاعر إلى قصيدة فينظم في وزنها وقافيتها ورويها وبعض معانيهابغية الإتيان بقصيدة أفضل منها تتفوق عليها وتتجاوزها أو تكون بمستواها على الأقل. والمعارضة أشمل من الموازنة وأوسع فقد يجري على منوالها في الأغراض والموضوعات وفي بعض التراكيب والألفاظ. وقد يستعير منها أشطراً يضمها إلى قصيدته كما فعل ابن نباتة مثلاً في معارضته لقصيدة بانت سعاد .

موازنة ابن الساعاتي لقصيدة بانت سعاد.

لقد مدح ابن الساعاتي الرسول (ص) ووازن بها بانت سعاد في قصيدته التي مطلعها:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وذو الصبابة معذور ومعذول
{/td}

{[email protected]}
جدّ الغرام وزاد القال والقيل
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وتقع القصيدة في أربعة وسبعين بيتاً، ابتدأها بالغزل الذي استغرق خمسة وعشرين بيتاً من القصيدة، ووصل الغزل بالمديح ببيتين وصف فيهما عناء الرحلة والسفر وخص مدح الرسول وصحبه بسبعة وأربعين بيتاً.
فإذا ما وقفنا عند غزله لا نجد شبهاً كبيراً في المعاني ولا اشتراكاً في الصور كما لاحظنا في المعارضات، فهو يتحدث عن حبيبته الحسناء التي أسماها بدمية الحي ويؤكد أن حبه لها عذري ويشكو ألم بعدها وفراقها ويبكي الطلول بصيغ تظهر فيها روح العصر والمحسنات البديعية كقوله:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
دمع على تلكم الأطلال مطلول
{/td}

{[email protected]}
ظللت في الدار أبكيها ويضحكها
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويصفها وصفاً مادياً ويشبه غنجها وتمايلها بمن شرب الخمرة حتى الثمالة:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
كأنما هو بالصهباء مشمول
{/td}

{[email protected]}
لدن المعاطف لا تصحو شمائله
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وعندما ينتقل إلى وصف الفم والريق يشبه مذاقهما بطعم العسل:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
فآفتي عاسل منه ومعسول
{/td}

{[email protected]}
وسنان أشقى بعطفيه وريقته
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويصور يوم الفراق واللوعة والأسى اللتين شملتاه مستخدماً لفظتي السيف المسلول ولكن في استعمال مختلف وبصورة مختلفة متأثرة بشعراء عصره:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
بكل خال به في الحي مشغول
{/td}

{[email protected]}
قالوا بكيت دماً والعيس سائرة
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
لا غرو للسيف يدمى وهو مسلول
{/td}

{[email protected]}
والومض يغمض في جفني صارمه
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
وكيف أمضي وحد الصبر مغلول
{/td}

{[email protected]}
وقفت والدمع جار يوم بينهم
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
فإذا ما بعد عنه المحبوب وارتحل سكن الكون من حوله وكأنما لحظة الحياة قد توقفت. ولم يأت الشاعر بعد ذلك بصور جديدة فكلما قاله قد استنفد من قبل الشعراء من قبله. ثم يدرك أن اليأس لا يتفق والحياة ما دام الأمل بالرسول (ص) كبيراً فيبدأ مدحه له وهو الغرض الأساس في القصيدة:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
ومنطقي ورسول الله مأمول
{/td}

{[email protected]}
وكيف أخمل في دنيا وآخرة
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويمضي في مدح الرسول على نمط المدائح النبوية ويؤكد عظم رسالته بنزول الوحي عليه وتنزيل القرآن الكريم بصيغة تختلف عما أوردها كعب ومعارضوه:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
ولم يكن لكلام الله ترتيل
{/td}

{[email protected]}
مرتل الوحي يتلوه ويدرسه
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويمضي في الحديث عن الدين الإسلامي وكيف ظهر وترعرع وعن كتاب الوحي وما لاقاه الرسول (ص) وصحبه من ظلم الكافرين وعنتهم ويعطف في الحديث عن واقعة بدر وعن قتال المسلمين ضد الكفار. ويعطي صورة جميلة لقتال المسلمين من أجل الدعوة الإسلامية ونشرها والقضاء على الكفار:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
والآل والصحب أنجاد مفاضيل
{/td}

{[email protected]}
فالنفس والبيت أشباه مطهرة
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
من طينة الحسن والإيمان مجبول
{/td}

{[email protected]}
من كل أزهر والألوان حائلة
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
فرمحه قاتل للقرن مقتول
{/td}

{[email protected]}
يردي الكمي ويردي رمحه قصداً
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويشبه الشاعر الرسول بالليث ويصف أسلحة المسلمين ودروعهم بصيغ مختلفة عما لمسناه في قصيدة كعب:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
الكبد فالجيش مكفوف ومشلول
{/td}

{[email protected]}
ليث إذا جرمن ذيل الحديد لغير
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
مجدل من أعاديه ومجدول
{/td}

{[email protected]}
إن صال أو قال أودى في مواقفه
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
بالمشرفية والبيض المقاويل
{/td}

{[email protected]}
السادة القادة الحامون دينهم
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ويصور إيمانهم وتفانيهم في الجهاد في سبيل الله:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
يوماً وإن قضاء الله مفعول
{/td}

{[email protected]}
العالمون بأن النفس هالكة
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
ولا كجيلهم في فضله جيل
{/td}

{[email protected]}
فما كواحدهم في فضله أحد
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وينهي قصيدته بالرجاء لنوال الأجر:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
في يوم حبهم أجر وتنويل
{/td}

{[email protected]}
وإنني لأرجي أجر حبهم
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
موازنة البوصيري:

وازن البوصيري قصيدة بانت سعاد في قصيدته المسماة (ذخر المعاد في وزن بانت سعاد)والتي مطلعها:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
{/td}

{[email protected]}
إلى متى أنت باللذات مشغول
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وتقع في أربعة ومئتي بيتٍ. خص منها ثلاثة وعشرين بيتاً للحكمة وهي التي بدأ بها قصيدته. وجعل واحداً وثمانين ومائة بيتاً لمديح الرسول وآله وصحبه.
وتعد من أفضل ما قيل في المدائح النبوية، وأفضل القصائد المعارضة والموازنة لقصيدة بانت سعاد لكعب بن زهير. وقد تمتاز عنها بإيمان عميق وعقيدة راسخة ومعرفة تامة بالدين الإسلامي وتعلق كبير وحب شديد للرسول (ص) فانبعثت قصيدته عن عاطفة صادقة وتجربة شعورية مكتملة فظهرت بمظهر قشيب وإيقاع متناغم جميل وموعظة حسنة وتفصيل أخاذ لكل ما يتعلق بالرسول الكريم (ص) من حيث الخصال والفعال. والعقيدة والإرادة، والحكم والتوجيه، والنبوة ونشر الإسلام.
فهي بحق درة من درر الشعر العربي لما احتوته من أصالة وقوة وتأثير. على الرغم من أن الشاعر يتواضع في عرضها ويؤكد في أبيات قدمها في أواخر قصيدته على أنها لا توازي قصيدة كعب، ويؤكد أيضاً أن حبه للرسول (ص) وإعجابه بالقصيدة دفعاه إلى تقديم قصيدة في وزنها ومن دون تقليد لها أو نسج على منوالها، وهو في قوله محق كل الحق ولكن إذا امتلكت قصيدة بانت سعاد قدراً من الفنية والإبداع والصدق الشعوري في طلب العفو والاعتذار من الرسول (ص) فإن قصيدة البوصيري لا ينقصها الإبداع ويوشيها تجربة شعورية صادقة وحب مخلص جارف للرسول (ص). وقد تفتقد قصيدة بانت سعاد مثل هذا الحب الجارف والإخلاص العارم والمعرفة الواسعة بالإسلام وشرائعه والرسول الكريم (ص) ومثله. يقول البوصيري متواضعاً وهو يتعرض إلى قصيدة كعب:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
وغير مدحك مغصوب ومنحول
{/td}

{[email protected]}
لم أنتحلها ولم أغصب معانيها
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
فربما وازن الدر المثاقيل
{/td}

{[email protected]}
وما على قول كعب أن توازنه
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
عن منطق العرب العرباء معدول
{/td}

{[email protected]}
وهل تعاد له حسناً ومنطقها
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
فحبذا ناضل منا ومنضول
{/td}

{[email protected]}
وحيث كنا معاً نرمي إلى غرض
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
على طريق نجاح منك مدلول
{/td}

{[email protected]}
إن أقف آثاره إني الغداة بها
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
لولا ذمامك أضحى وهو مطلول
{/td}

{[email protected]}
لما غفرت له ذنباً وصنتَ دماً
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
له من النفس إملاء وتسويل
{/td}

{[email protected]}
رجوت غفران ذنب موجب تلفي
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
بعد الإله وحسبي منك تأميل
{/td}

{[email protected]}
وليس غيرك لي مولى أومله
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
غير اللقاء ولا يشفيه تعليل
{/td}

{[email protected]}
ولي فؤاد محب ليس يقنعه
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
لا نجد في قصيدة البوصيري أي بيت في الغزل، فقد بدأ قصيدته
بالحكمة واستغرقت ثلاثاً وعشرين بيتاً بينما لم يرد كعب في قصيدته غير بيتين في الحكمة فقط، ونجد في بعض أبيات البوصيري الحكمية معنى بيتي كعب الدائرين حول الموت وتفاهة الحياة ولكن بصورة مختلفة كل الاختلاف. يقول البوصيري:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
مجرد بيد الآمال مسلول
{/td}

{[email protected]}
فجرد العزم إن الموت صارمه
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
وأنت عنها وإن عمرت منقول
{/td}

{[email protected]}
ورحت تعمر داراً لا بقاء لها
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وفي حكميات البوصيري تذكرة بالفناء والأمم البائدة والعقائد القديمة ويربط بين الموت والشيب وتقدم الحياة في الإنسان إلى دار الفناء. فإذا ما انتقل إلى مديح الرسول (ص) وآله وصحبه، تغنى بأخلاق الرسول (ص) العالية وتحدث عن النبوة وتنبؤ الديانات الأخرى بها، وتحدث عن جبريل ونزول القرآن ومعجزات الرسول وحسن قيادته وحكمته وكيد اليهود له وللإسلام. ومضى في الحديث عن فعال الرسول وأعماله العظيمة وتحدث بإسهاب عن الغزوات والانتصار الذي حققه فيها المسلمون بفضل الإيمان وحسن العقيدة والقيادة الحصيفة للرسول (ص) ثم ينتقل الشاعر إلى مدح أهل البيت وأصحاب الرسول (ص) وينتهي إلى طلب الشفاعة والرحمة في الآخرة، ويتواضع وهو يقارن قصيدته بقصيدة كعب وينهى البوصيري قصيدته الرائعة بقوله:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
من المهيمن إبلاغ وتوصيل
{/td}

{[email protected]}
دامت عليك صلاة الله يكفلها
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
من الكواكب قنديل فقنديل
{/td}

{[email protected]}
ما لاح ضوء صباح فاستسر به
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ومن بين الصفات العديدة المادية والمعنوية التي يذكرها البوصيري للرسول (ص) يقف عند المهابة والوقار اللذين تحلى بهما الرسول الكريم (ص)، وإن جاء بنفس المعنى الذي أورده كعب إلا أن الصورة اختلفت تماماً عند الشاعرين فالمهابة التي ذكرها كعب هي مهابة حاكم قوي ينظر إليها الشاعر من الخارج، أما المهابة التي ذكرها البوصيري فهي مهابة نبي اختاره الله لقيادة أمة ونشر تعاليم السماء في الأرض، ونظرها من الداخل والخارج معاً فجاءت أقوى أثراً وأشد منعة: يقول البوصيري:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
فلم يفته على الحالين تكميل
{/td}

{[email protected]}
من كمل الله معناه وصورته
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
في أنفس الخلق تعظيم وتبجيل
{/td}

{[email protected]}
وخصه بوقار قرّ منه له
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
به وللفخر تعجيل وتأجيل
{/td}

{[email protected]}
فللنبؤة إتمام ومبتدأ
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وإذا كان كعب قد ذكر التنزيل والقرآن على أنهما زادا من أخلاق الرسول كرماً على كرمه وسماحة على سماحته، فإن رؤية البوصيري المتفهم للإسلام وشرائعه يرى في نزول القرآن ملاذاً وحكمة وخلاصاً للبشرية بأسرها لما يحويه من الشرائع السامية والمثل الحميدة والخصائص العالية حيث يقول:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
كفاك من محكم القرآن تنزيل
{/td}

{[email protected]}
إن رمت أكبر آيات وأكملها
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
منه وكم أعجز الألباب تأويل
{/td}

{[email protected]}
لله كم أفحمت أفهامنا حكم
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
إلى المساميع ترتيب وترتيل
{/td}

{[email protected]}
يهدي إلى كل رشد حين ببعثه
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وإذا قدم كعب قصيدته إلى الرسول (ص) يطلب الرحمة والعفو والأمان فإن البوصيري يسأله الشفاعة له في الآخرة والمغفرة له عما ارتكب في الحياة الدنيا من ذنوب لأنه موقن بأن محمداً (ص) ما أرسله الله إلاّ فضلاً وبركة إلى العالمين:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
للعالمين وفصْل الله مبذول
{/td}

{[email protected]}
وما محمد إلا رحمة بعثت
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
واشتد للحشر تخويف وتهويل
{/td}

{[email protected]}
هو الشفيع إذا كان المعاد غداً
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وإذا كان كعب قد تطرق في قصيدته إلى مواقف المهاجرين وتضحيتهم بأنفسهم في سبيل الإسلام وصور شجاعتهم وسمو أخلاقهم أبدع تصوير، فقد صور البوصيري هذه التضحية وتلك الشجاعة بالنسبة للمسلمين كافة مهاجرين وأنصاراً أبدع تصوير حيث قال:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
غير السيوف بأيديهم مناديل
{/td}

{[email protected]}
والخيل ترقص زهواً بالكماة وما
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
البيض البهاتير والسمر العطابيل
{/td}

{[email protected]}
ولا مهور سوى الأرواح تقبلها
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
مفصلاً وهو مكفوف ومشلول
{/td}

{[email protected]}
فلو ترى كل عضو من كماتهم
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
بالطعن والضرب منقوط ومشكول
{/td}

{[email protected]}
كأحرف شكلت خطاً فأكثرها
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وكما صور كعب أعداء الرسول (ص) والكافرين في موقف الخسران والخذلان والحطة، أمعن البوصيري في تعميق تلك الصورة إذ قال:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
بيضاً من الله تنكيد وتنكيل
{/td}

{[email protected]}
وردّ أوجههم سوداً وأعينهم
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
كأنما كلها بالشوك مسمول
{/td}

{[email protected]}
سالت وساءت عيون منهم مثلاً
{/td}
{/tr}
{tr}
{[email protected]}
طغا الذباب عليه وهو ممقول
{/td}

{[email protected]}
أبغض بها مقلاً قد أشبهت لبناً
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وإذا تشابهت المعاني مع اختلاف الصور في بعض الأبيات بين قصيدتي كعب والبوصيري فإن البوصيري قد استعار بعض الألفاظ من قصيدة كعب واستعملها استعمالاً مخالفاً أحياناً واستعمالاً مشابهاً في أحايين قليلة من قصيدته.
فقد استعمل جملة (بالراح معلول) ولكن بصورة مخالفة تماماً لاستعمال كعب لها حيث قال:

[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
كأنه مبسم بالراح معلول
{/td}

{[email protected]}
وكل جرح بجسم يستهل دماً
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
واستعار في بيت آخر شطراً كاملاً من قصيدة كعب حيث قال:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
إلاّ كما يمسك الماء الغرابيل
{/td}

{[email protected]}
لا تمسك الدمع من حزن عيونهم
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
وكأن البوصيري أعجب باستخدام كلمة (القيل) في قصيدة كعب فاستعملها استعمالاً مخالفاً تماماً ولم يوردها مجرد تشبيه كما فعل كعب في قصيدته وإنما أوردها بأسلوب قصصي حكى فيه غزو أبرهة للكعبة الشريفة:
[[email protected]]
{tbody}
{tr}
{[email protected]}
كأنها البيت لما جاءها الفيل
{/td}

{[email protected]}
وانظر سماء غدت مملوءة حرساً
{/td}
{/tr}
{/tbody}
[/xtable]
ولعلنا نلمس تأثير قصيدة البوصيري في قصيدة تلميذه أبي حيان الأندلسي حتى كاد الأمر يصل في بعض أبيات الأندلسي إلى حد التقليد لأبيات من قصيدة البوصيري. إن قصيدة عظيمة كقصيدة بانت سعاد تستحق كل هذا الاهتمام من الشعراء فهي بالإضافة إلى قيمتها الدينية والتاريخية عمل إبداعي خالد.
المصادر

(1) الأغاني. أبو الفرج الأصفهاني، تحقيق عبد الكريم إبراهيم الغرباوي، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر 1970.
(2) جمهرة أشعار العرب، أبو زيد القرشي، القاهرة، 1967.
(3) حديث الأربعاء، طه حسين، دار المعارف، القاهرة، 1973.
(4) دائرة المعارف الإسلامية، مجموعة من العلماء، القاهرة، 1932.
(5) ديوان ابن الساعاتي، تحقيق أنيس المقدسي. م. الأميركانية، بيروت، 1938.
(6) ديوان ابن نباتة المصري، نشر محمد القلقيلي، م. التمدن، القاهرة، 1905.
(7) ديوان أبي حيان الأندلسي، تحقيق أحمد مطلوب وخديجة الحديثي، م. العاني، بغداد، 1969.
(8) ديوان البوصيري، تحقيق محمد سيد كيلاني. م. مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1955.
(9) السيرة النبوية إسماعيل ابن كثير، تحقيق مصطفى عبد الواحد، م. الحلبي. القاهرة، 1964.
(10) شرح بانت سعاد، رشيد عبد الرحمن العبيدي، مجلة كلية الآداب، العدد 18، 1974.
(11) شرح ديوان زهير، صنعه أبو العباس ثعلب، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1964.
(12) شرح ديوان كعب بن زهير، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1965.
(13) شرح قصيدة بانت سعاد، إبراهيم الباجوري. دار الأحياء، القاهرة، 1345هـ.
(14) شعر أوس بن حجر ورواته الجاهليين، محمود عبد الله الجادر، دار الرسالة، بغداد، 1979.
(15) فن المديح، أحمد أبو حاقة، دار الشرق الجديد، بيروت، 1962.
(16) فوات الوفيات، محمد بن شاكر الكتبي، دار صادر، بيروت، 1973.
(17) في الأدب الجاهلي، طه حسين، دار المعارف، القاهرة، 1962.
(18) قصيدة بانت سعاد بين التاريخ والنقد، يونس أحمد السامرائي، مجلة الدراسات الإسلامية، العدد الثاني 1968.
(19) الكامل في اللغة والأدب. أبو العباس المبرد، م. نهضة مصر، القاهرة، بلا.
(20) لسان العرب، ابن منظور، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، بلا.
(21) مختارات من روائع الأدب في الجاهلية والإسلام، عبد السلام سرحان، م. الفجالة الجديدة، القاهرة 1969.
(22) معارضات البارودي موازنة نقدية، عمر محمد الطالب، مجلة آداب الرافدين، العدد 11، 1979.
(23) معجم الأدباء، شهاب الدين ياقوت الحموي، م. الهندية، القاهرة، 1928.
الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، الآمدي، دار المعارف، القاهرة، 1972.
 

المواضيع المتشابهة


أعلى أسفل