- المشاركات
- 487
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- تونس
- م. الدّراسي
- جامعي
- الاختصاص
- آداب
- المهنة
- طالبة
"مصطلح الالتفات البصري والعقل النقدي المستعار", مشاركةٌ للسيّد عصام محمود, من أعضاء شبكة الفصيح, وأشارَ إلي أنّ هذا المقال غير منشور في أيّة دوريّة أو كتاب, إلّا الشابكة.
أنقله طمعًا في تعميم الفائدة.
ويبدو أنّ السيّد عصام نقله أيضًا عن أ.د أيمن تعيلب.
ويبدو أنّ السيّد عصام نقله أيضًا عن أ.د أيمن تعيلب.
مصطلح الالتفات البصري والعقل النقدي المستعار
شدني المقال القصير الذي كتبتْه جريدة الوطن السعودية عن كتاب الأستاذ الشاعر خالد الأنشاصي ((الالتفات البصري: بلاغة الشكل في الشعر العربي الجديد))، بخصوص توصله لنظرية جديدة في توصيف الشكل الجديد للقصيدة العربية المعاصرة وأطلق عليها، ((الالتفات البصري))، فقد قالت الجريدة بالنصّ: ((يؤسّس كتاب "الالتفات البصري.. بلاغة الشكل في الشعر العربي الجديد" لمؤلّفه خالد الأنشاصي، لنظرية بلاغية جديدة تقوم علي دراسة بِنَى الانحراف في كتابة القصيدة العربية الجديدة دراسة بلاغية، إذ يري المؤلف أن الشاعر العربي الجديد عمد إلي استثمار الشكل الكتابي بحيث يقوم بدور لا يمكن تجاوزه في إنتاج الصورة الشعرية، بحيث يخلق نظريةً بلاغيةً جديدةً تواكب ذلك التطور الهائل الذي أنتجته صور عديدة من الانحرافات علي مستوي الشكل الكتابي للنص الشعري)). وشدّني أكثر الرغبة المحمومة لبعض الصحف العربية التي كتبتْ سريعًا عن هذا الموضوع مثل جريدة الجزيرة السعودية، وصدّقتْ ما حدث دون بذل أي مجهود نقديّ يُذكر في هذا المجال بما يضبط العقل النقدي العربي المعاصر ويعيده إلي الجادة و المحجّة النقدية الأصيلة، وأنا أعرف أن الأستاذ خالد الأنشاصي من الشعراء المجيدين، وفي الحقيقة لم أتشرّف بمقابلته شخصيًّا ولكنّي أقرأ له كثيرا، خاصة شعره البديع الذي قرأتُه وتمنّيت أن ألقاه لأعلن له فرحتي بشعره، وقد أعطاني صديقي الناقد الدكتور مصطفي الضبع ديوانه الشعري الأخير فتأكّد لديَّ قدرة هذا الصوت الشعري الأصيل علي إبداع الشعر، لكن المسألة في النقد قد تختلف فيما أري كثيرا، وأنا منذ البداية أهنئ الأستاذ خالد الأنشاصي علي جهده العلمي في كتابه الجديد عما أسماه بالالتفات البصري، ولكنّي أحبّ أن أطامن قليلا من غلواء هذه الدعوة النقدية العريضة التي فتنت الأستاذ خالد الأنشاصي عن نفسه مثلما فتنت نقادا كثيرين من قبله... إلي الدرجة التي جعلته يتسرّع إلي الزّعم وهمًا بابتكار نظريّةٍ جديدةٍ في الأداء الشكلي للشعر العربي المعاصر، وبالطبع نحن نحب له ولغيره من نقادنا العرب المعاصرين أن يكونوا جميعا أهل اجتهاد وابتكار معًا، فهذا أجدى على العلم والنقد والأدب والثقافة العربية برمتها، ولكن الحقيقة العلمية شيء، والادعاء العلمي شيء آخر، ولا نريد في هذه المقالة العجلانة أن نعرض للسجال النقدي الدائر منذ نصف قرن حول أزمات العقل النقدي العربي المعاصر وهناك من ظنّ أننا نتملك نظرية عربية نقدية قادرة علي جسر الصلة بين الماضي والحاضر الجمالي والمعرفي للثقافة العربية وهناك فريق آخر يري أن العقل العربي لم ينتج شيئا يذكر في السياق المعرفي والمنهجي والفلسفي والجمالي العالمي المعاصر، ناهيك عن ابتكار نظرية جمالية عربية، يكفي القارئ أن يرجع لعشرات الدراسات والمشاريع النقدية الجادة في ثقافتنا المعاصرة ليتأكد من حدة هذه الأزمة، ولقد تعرضتُ لمعظم هذه الأزمات في كتابي الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة بمصر 2009/ ((نحو تأسيس منهجي تجريبي))، وإذا كنا على وعيٍ دقيقٍ بأزمات الثقافة العربية والعقل العربي المعاصر بصورة عامة، فلنا أن نعجب كل العجب من أي ناقد عربي يدّعِي قدرةً عبقرية فذة بمفرده في الإتيان بنظرية نقدية أو جمالية جديدة، فناهيك عن المغالطة المنهجية والمنطقية والمعرفية في صحّة هذا، فإن النظريات الجديدة هي سياقات معرفية ومنطقية ومنهجية وجمالية متعددة ومتباينة ومتداخلة ومتجادلة في وقت واحد تظل تتصارع ردْحًا من الزمن المعرفي بين النماذج المعرفية السابقة والسائدة التي تدشّن الوعي واللاوعي المعرفي معًا، وبين النماذج المعرفية التجريبية الوليدة التي تظل في صراع منهجي تعددي دائم مع السائد والثابت حتى تستطيع تأسيس منطق العقل والمعرفة والمنهج من جديد، وبصرف النظر عن الخلط العلمي والجمالي والمعرفي الواضح الذي وقع فيه الأستاذ خالد الأنشاصي في عدم تفرقته المنهجية الدقيقة بين مفهوم النظرية الجمالية ومفهوم الإجراء البنائي لأحد زوايا الشكل الشعري، حيث إنّ مفهوم النظرية الأدبية يستوجب قوة البناء الجمالي والمعرفي والمنطقي والمنهجي علي المستوي البنيوي الداخلي للعلم من جهة، كما يستدعي القدرة علي تفسير مفهوم الحقيقة الجمالية - فلسفة الأشكال الجمالية - في حقبة تاريخية ما من جهة ثانية، والقدرة أيضًا علي التحقّق منه تطبيقيًّا علي جهات معرفية وجمالية شتّى لمفهوم الفن هوية ومهمة في هذه الحقبة التاريخية المحددة، فالنظرية - أي نظرية - بناءٌ نظريٌّ معرفيّ منطقيّ منهجيّ إجرائيّ متعيّن داخلٌ أحياز الزمان والمكان والبنية الثقافة برمتها والنظرية - أية نظرية - تخضع لشروط الجدل المعرفي - مكملاته ونواقصه - من جهة، و مجمل الشروط الرمزية التاريخية لإنتاج الدلالة فيها من جهة ثانية، والنظرية - أيّة نظرية - إذ تفعل ذلك فهي تبتغي التماسك والتأطير والامتداد والتأثير والانتقال، ومن هنا كان من الواجب بل من الأمانة العلمية والنقدية للأستاذ خالد الإنشاصي ألّا يلقي القول النقدي والمعرفي على عواهنه دون تثبت مما يقول، فالنظرية لا تطابق الإجراء، والمناهج لا تساوي النصوص، وبنية الثقافة لا تعني بنية الواقع، ولقد كان لفلسفة الشكل الطباعي للقصيدة العربية تاريخ قديم، ولقد أوضح الدكتور محمد نجيب التلاوي وهو حجة في هذا المجال في كتابه المهمّ ((القصيدة التشكيلية في الشعر العربي)) بعضًا من الأسس المعرفية والجماليّة والنصيّة والبلاغيّة التي سعتْ لتأسيس شكل مختلف للقصيدة العربية القديمة، ولكنْ ثمة فرقٌ جوهري بين فكرة التشكيل البصريّ في القصيدة الحداثية وفكرة اللعب التزييني الخارجي في القصيدة الكلاسيكية القديمة، فشتان بين شعر يخرج علي القواعد من داخلها، فلا يحطّمها تحطيمًا ثم يسقط في حدود التجريب الوهميّ الذي يمارس تجربته خارج القواعد والأنساق والرؤى والأشكال السابقة، أو يزيل حدوده الجمالية الخاصة بحدّه الجمالي النوعيّ، ليدخل في حدود جنس آخر، وفرقٌ كبير بين خروج تأسيسيٍّ أصيل، وخروج خارجي سطحي زائف، فهناك تجريب يتمّ ويستمر تحت ضغوط تحولات حساسية الحياة، وتنامي تقاليد الجمال الجديدة، وتجريب يتم وفق جواهز تصورية قبلية تصلح كبدائل عقلانية مسبقة، وهذا التجريب فيما نري ضرره أكثر من نفعه، بل تُعدّ ولادته غير شرعية، فلم يتناسل من رحم الحياة، أو رحم التقاليد الجمالية المستبصرة بواقعها ومستقبلها في آن.
ومن أجل فكّ الخيوط المعرفية المتداخلة المشتبكة على غير نظام في بنية مصطلح التجريب، ويجب التفريق هنا بين مصطلحات قد تبدو متشابهة ومتقاربة: فيجب أن نفرق بدقّة حاسمة بين: التجريب واللعب والعبث والتهريج، فلكلِّ مصطلح من هذه المصطلحات بنيته المعرفية والشعورية الخاصة به، وسنستعين هنا برأي الدكتور يحي الرخاوي في التفرقة بين هذه المصطلحات ((فالعبث ليس لعبا خياليا حرًّا، بل هو اصطناعُ لعبٍ خبيثٍ، يدعي الحرية، وهو يتعمد إفساد أيّ منظومة سابقة، حتى لو كانت تمثل حرية وتجددًا وطزاجةً، أما اللعب فهو نشاط حر يمارس لذاته، لكنّ اللعب ليس إبداعا في ذاته، وإن كان يعتبر موازيا للإبداع إذ يحافظ عل المرونة وطلاقة المسار، أمّا التجريب فهو ليس أيا من هذا ولا ذاك فهو نشاط حرٌّ حرية متوسطة، ولكنه لا ينشط لذاته بذاته، وإنما لما يحاول تحقيقه، كذلك فهو يتناثر في محاولة ضامّةٍ، وإن لم تكتمل عادة، بمعني أن التجريب هو محاولة لعب مبدئية لا تنتهي عند اللعب بل تأمل أن يتخلق منها الجديد الأصيل، وكذلك فإن التجريب هو مغامرة تفكيك مثل الجنون لكنه جنون في تناثر محسوب، ينوي من البداية أن يتجمع سواء نجح أم فشل))، وهذا يعني أن التجديد التجريبي في أشكال الشعر والقائم علي المرونة، والطلاقة، والأصالة والحرية يحاور الأصول الجمالية والمعرفية السابقة عليه محاورةً كيفية نوعية خلّاقة باستمرار، بما يدفع بنيتها التركيبيّة إلي الأمام، مجددًّا بنيتها الكلية تجديدا جذريا، إنّه ممارسةٌ خلاقةٌ للتشذير من أجل إعادة التكوين، واشتعال للجنون من اجل إعادة بناء العقل، التجريب الأصيل لعبٌ محسوب، وحرية موزونة، وهدم بانٍ، وجنون عاقل غير مطلق في السديم أو الفوضى، أما التجريب القائم علي الفوضى والعبث والتحطيم واللعب لذاته فهو تجريب صغار المبدعين غير القادرين على تمثّل دفق التقاليد الجمالية والمعرفية واللغوية والبلاغية والأسلوبية السابقة من جهة، وتمثل الدفق الهادر للحياة من جهة أخري، دفعًا لهما تجاه مثال جمالي جديد، وقد عانينا من تجريب الصغار كثيرًا في المشهد الشعري العربي المعاصر، والأمر هنا كما يقول الناقد الفرنسي جورج مونان: ((إن متعةَ الشعر هي متعة الحرية، فالشعر يحرر الإنسان من سلاسل الذهن والعادة والارتباط باللغة اليومية، وهو يفك عن عالم الخيال قيوده، ومعه, ومن خلاله يصبح كل شيء ممكنًا، ولا يمكن للشعر الحقّ أن يكون له حرّية اللغو والخيال دون أن يكون في الوقت نفسه خدمة حرية الإنسان في كل المجالات))، وما إن دخلنا عصور الحداثة - الحداثات - الشعرية الجديدة، حتى التفت الشعراء والشعر من حس السماع وما تستوجبه الثقافة الشعرية الشفاهية إلي حس الكتابة وما تستوجبه الثقافة البصرية الكتابية، فصارت الشعرية كتلة كتابة لا نسقًا مجازيًّا إيقاعيا متّسقًا، وأفاد النصّ الشعري العربي في بنائه الجمالي من التقنيات التشكيلية للقصيدة الغربية إفادة عظيمة، حتى صار يجرب مثلها كل ألوان التجريب والإدهاش والمغامرة، ومن هنا كانت فكرة التوزيع الخطي للكلمات وعلاقتها بنسق الشعرية في النص، ثم تطور الأمر فصار الشكل الطباعيّ حدًّا جماليًّا ضمن بلاغات القصيدة الجديدة، ومكونًا أساسيًّا من مكونات الدلالة ومستويات رؤية الواقع والعالم، وقد أفاض معظم النقاد العرب المجتهدين في هذا الباب الجديد من أبواب تكوين الشعريات العربية المعاصرة، فلا يكاد يخلو كتاب نقدي مهم في ثقافتنا النقدية العربية المعاصرة دون ذكر لجماليات الشكل الطباعي في القصيدة، من لدن كتاب عز الدين إسماعيل عن الشعر العربي المعاصر: ظواهره المعنوية وقضاياه الفنية، وحتى كتاب شربل داغر: الشعرية العربية المعاصرة (دار توبقال - المغرب - 1988) وفيه فصل كامل عن جماليات الشكل الطباعي للقصيدة العربية المعاصرة، وكتاب الباحث السعودي الدكتور/ محمد الصفراني: التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث، الرياض: النادي الأدبي، والمركز الثقافي العربي 2008، وكتاب الباحث السوري المعاصر محمد صابر عبيد الذي أفاض كثيرا عن مفاهيم التوزيع الشكلي الطباعي وعلاقته بإنتاج الدلالة الشعرية في كتابه ((البنية الإيقاعية والدلالية للقصيدة العربية الحديثة))، وكتاب محمد الماكري ((الشكل والخطاب:مدخل لتحليل ظاهراتي 1991))، الذي أصّل بصورة فلسفية وجمالية أصيلة ضمن ما أصل لأشكال التكوين البصري للشعر العربي المعاصر، وقد كان الباحث المغربي الماكري حجة ونابغة في هذا المجال لولا أن تخطفه الموت في سن باكرة، ثم الكتاب المهم للغاية للناقد التونسي مصطفي الكيلاني عن (وجود النص ونص الوجود - الدار التونسية للنشر - تونس - 1992)، وقد تحدث فيه باستفاضة عن المكونات الوجودية والمعرفية والجمالية والدلالية للتشكيل الحداثي للشعر العربي، وقد طبق بعضًا من هذه المقولات النقدية علي دواوين الشاعر المصري الدكتور علاء عبد الهادي في كتابه، ((شعر الاختلاف: كتابة الأعماق في نصوص علاء عبد الهادي الشعرية))، وعلاء عبدالهادي شاعر مفكر مهموم بالتجريب الشعري ولكنه كاتب كبير له باع طويل من الأصالة البحثية والفكرية وله أبحاث علمية متقنة بارعة عن التشكيل البصري في الشعر العربي المعاصر، فقد نوه الدكتور علاء عبد الهادي للمرة الأولى بوجوب نقل مصطلح الالتفات النصي إلي سياقات تشكيلية أوسع من حدّ النصّ وقد دارت حوارات فكرية وجمالية عديدة بين الدكتور عبد الناصر هلال والدكتور علاء عبد الهادي بخصوص تأسيس هذه النقلات الجمالية والمعرفية الجديدة للمصطلح، بما ينقل المفهوم البلاغي التقليدي للالتفات إلي سعة تشكيلية جمالية تشمل السمعي والبصري/ الكتابي والإنشادي/ وتناصّ الخطابات لا النصوص، وبما ينقل النصية من تناصّ النصوص، إلي لحن الخطابات عبر حقول معرفية متعددة ومتباينة ومتداخلة في بنية النص، وللدكتور أيضا كتاب نقدي جِدُّ مبتكر يعيد تأسيس حد الشعرية والنظرية النقدية من جديد وذلك في كتابه المهمّ مقدمة إلي نموذج النوع النووي: نحو مدخل توحيدي إلي حقل الشعريات العربية، ولقد قدّمت اجتهادًا نقديًّا متواضعًا لإعادة تأسيس مفهوم الالتفات في الشعريات العربية المعاصرة ضمن دراستي المستفيضة التي قدمتُها للمؤتمر الدولي الرابع للنقد الأدبي/ القاهرة/ 1 - 5 نوفمبر 2006/ الجمعية المصرية للنقد الأدبي/ وكانت بعنوان ((المصطلح الإبداعي وتأسيس الحدّ البلاغي: دراسة تأسيس الشعريات التشعبية))، وقد تعرضت فيها لمفهوم جديد لشعرية الالتفات أطلقتُ عليه ((الالتفات المنظوميّ التشعبي))، وقد حاولت أن أقدّم فيها مجتهدًا نقلة المفهوم الجمالي والمعرفي للمصطلح من الحد البلاغي الخطي كما هو في البلاغات الكلاسيكية السائدة، إلي الحد التخييلي المنظومي البيني التشعبي، كما تجلى في الشعريات الحداثية وما بعد الحداثية، وقد حضر المؤتمر معنا البحاثة السعودي الدكتور عبد الله الفيفي، وناقشني في هذا الموضوع ضمن مَنْ ناقشني فيه من المفكرين العرب، وقد قدّم في ذات المؤتمر الدكتور محمد غيث بحثا مطولا أيضا عن (الالتفات وتفاعل نظم الخطاب القرآني)، وفيه يجمع مفاهيم جمالية ومعرفية متعددة للالتفات من صيغة إلي صيغة (كما يري ابن المعتز) أو نقل الكلام من حالة إلي أخري (كما تصور ابن القيم في فوائده) أو بما هو مقولة بيانية دلالية (استنادًا إلى السكاكي الذي يضعه في علم المعاني) بما يحقق توسعة جمالية ومعرفية للمصطلح تنحو به صوب ((وضعية الخطاب)) كما تنبأ عز الدين إسماعيل استنتاجًا من تمام حسان، وبما يدفع مصطلح الالتفات ليشمل حركية النص كلّه كما تصور صلاح فضل، خصوصًا إذا نظرنا للنص علي أنه ((مجموعة من الأنساق المتغايرة، والمترابطة ضمن وحدته الكلية كما يقترح كمال أبو ديب)). ولا أريد أن أطيل في هذا الباب الذي صار مطروقًا مشاعًا بين الباحثين العرب والغربيين أيضا: أقصد جماليات الشكل الطباعي أو جماليات التوزيع البصري للبناء الشعري، ولا أكون مبالغًا إذا قلت بأنه ليس للشعراء ولا للنقاد العرب المعاصرين فضلٌ في اكتشافه بل كان الشعر نفسه سباقا إلي تأسيس جمالياته التجريبية الخلاقة لمصطلح الالتفات بعيدًا عن تنظيرات النقاد العرب القدامى والمعاصرين، لكنّ مفهوم النص البصري في الجماليات العربية أو قل كتابة وقراءة النص بصريا هو لون من ألوان التأثر المباشر بالشعريات الغربية، ولا يعني هذا أية شبهة بالتقليل من قيمة الشعرية العربية فالجماليات بين الأمم تأثير وتأثر وأخذ وعطاء، ولكننا نلفت النظر النقدي إلي هذا اللون من الكتابة الجديدة الذي كان تأثّرًا مباشرًا بالغرب الجمالي والمعرفي مما يعكس درجات متعددة من ألوان الاستجابة الجمالية العربية لحاجات روحية معرفية وحضارية أيضًا، مما غيّر من أشكال بنية القصيدة العربية المعاصرة خصوصًا هذا اللعب التشكيلي البصري وإفادته من مفهوم النصّ الكتلي الكتابي المفتوح كما هو معروف لدي (إمبرتو إيكو)، والذي فرق بين النص المغلق والنص المفتوح والمصطلحان يتقاربان ويتداخلان أيضا بمصطلحي (رولان بارت) عن النص المكتوب، والنص المقروء)ويكاد يقترب مفهوم النص المغلق لدي أمبرتو إيكو من مفهوم النص المكتوب لدي رولان بارت وكلاهما يري النص انفتاحًا جماليًّا على كل ((احتمالات التفسير والتأويل والتأمل))، بما يضع القارئ في وضعية إبداعية إنتاجية جنبًا إلى جنبٍ مع النص الإبداعي نفسه، وهذه المفاهيم الجديدة تنطلق من فلسفة جمالية مغايرة لمفهوم الزمن واللغة والواقع، فاللغة ليست تعيينًا مادّيًّا للأشياء بل هي فاعلية وجودية نشطة تعبر باستمرار من الثابت إلي المتغير ومن النسبي إلي الكلي ومن ثوابت العرف إلي إمكانات اللاعرف، بصورة يتقاطع فيه الذاتي والموضوعي واللاموضوعي والتجريبي والاستشرافي في وقت واحد، في صورة تفرق جيدًا بين مفهومين جد مختلفين هما (النص والأثر)، وقد شاع ذلك في الحقل الجمالي الثقافي العربي، وينقل "عمر أُوكان" هذه الفروق المعرفية والمنطقية والجمالية عن الجماليات الغربية في كتابه (مدخل لدراسة النص والسلطة) فيري أن ما يفرّق بين النصّ والأثر هو: المنهجية التي ترى إلى الأثر (كذا) بوصفه قطعة من مادة ((فيشغل فضاءً فيزيقيًّا في المكتبة))، أما النص فهو حقل منهجي، فالأول تتناوله اليد أما الثاني فتتناوله اللغة). 2- الأجناس, فما يحدد لنص خلافا للأثر هو الخلخلة: خلخلة الآراء, خلخلة الذات الفاعلة في صلابتها وتشتيتها على جغرافية الصفحة، خلخلة اللغة عن طريق فض بكارة المعيار، إنّ النصّ يهرب دائمًا من التصنيف، هذه الخلخلة هي دائما: صدمة، بدعة، هزة، تبعثر).
3- التعدّد فتعمُّد المراوغة والبعثرة والتشتت يقود حتمًا إلى تعدّد المعنى.
4 - السلالة: فإذا كان الأثر ينتسب إلى نوع أو إلى أب يملكه فإن النص يرفض ذلك ويثور عليه.
5- القراءة: فقراءة النص استهلاكية ذات بعد أحادي تقيد القارئ, أمّا قراءة النص فهي سيرٌ حثيث يعمد إلى ممكنات الاكتشاف وإعادة الإنتاج.
6- اللذة: إنّ الأثر حسب وعي بارت عديم اللذة، أمّا النصّ فهو مشدود إلى اللذة من كل جانب إنّه الفضاء الذي لا تعرف فيه لغة حاجزًا عن أخرى وحيث اللغات تمر، تجري، تدور، تنتقل، وكلّ التصورات الجمالية والمعرفية السابقة تعيدنا إلي فكرة (جامع النص) لدي جيرار جينيت وهو كل ما يضع النص في علاقة ظاهرة أو سرية مع نصوص أخري وذلك من خلال العلاقات عبر النصية المعروفة التناص - النصّ النظير - ما وراء النص - النص الأعلى - جامع النص وهو ما يتضمن مجموعة من الخصائص التي ينتمي إليها كل نص علي حدة، أصناف الخطابات - صيغ التعبير، الأجناس الأدبية، ويخلق النوع الأدبي المكتوب علي ظهر الغلاف (أفق انتظار)، خاص يكون بمثابة المقود الذي يوجه عملية القراءة لدي المتلقي)، وكل هذه التصورات تقدم مفهوم الفضاء بعدًا مركزيًّا في النص الحداثي وما بعد الحداثي، ودون أن نطيل أكثر من ذلك ونحن نكتب في جريدة سيّارة لا في مؤتمر علمي متخصص، لكن كان لابد من الإطالة النسبية في تتبع أصول المفاهيم والتصورات حتى يطامن الأستاذ خالد الأنشاصي أو حتي أي ناقد عربي آخر من حدة الإعجاب بالذات النقدية فيظن أن ما قدمه من تصورات عن مفهوم الالتفات هي مفاهيم من بنات فكره أو علي الأقل هو السابق الهادي إلي ما يقوله في السياق العربي دون الغربي (وهو ادعاء عربي عريض يأخذ مواقعه الادعائية علي كل المستويات الثقافية العربية)، وهو لا يشمل خالد الأنشاصي وحده بل معظم النقاد العرب المعاصرين - إلا من رحم ربي - فالقول النقدي عندهم - مكرور مستنسخ الحقيقة وهو كما يقول المتنبي: "فالقول قبل القائلين مقول"، وهذا يجعلنا نؤكد أن فكرة النص البصري هي فكرة كتابية، تبعد كثيرا بالثقافة الجمالية السمعية العربية التليدة عن مكونات الذوق العربي القديم والمعاصر معًا، وبالطبع نحن لسنا هنا ضد التجديد، ولكنّنا لسنا مع التجديد الهارب إلى الأمام شكليا لا بنائيا ولا معرفيا ولا منهجيا، أو التجديد بمغامرات الآخرين وليس بقوة التأصيل الجمالي العربي النابع من الجدل الجمالي والمعرفي مع أشكال التراث الجمالي الخاص بنا، علي العموم لا أستطيع أن أسلم - أنا أو غيري من النقاد - بسهولة للأستاذ خالد الأنشاصي ولا لغيره من النقاد أيضا في دعواهم العريضة بابتكار نظرية جديدة في الأدب العربي المعاصر، أو حتى في أيّ مساقٍ ثقافيٍّ من مساقات الحضارة العربية المعاصرة، فكيف لك أن تأتي بنظرية نقدية عربية في واقع جمالي عربي يرتهن في معظم مقولاته المعرفية والمنهجية والجمالية - بل المنطقية - للثقافة الغربية المعاصرة - ولك أن تنظر أيها القارئ الكريم إلي المحاولات النقدية الجادة والأصيلة التي قارب بها بعض الباحثين العرب المعاصرين هذه الأزمات المنهجية علي مستوي المصطلح والثقافة والنص والإجراء والنظرية، والمطّلع علي كتاب الدكتور المغربي محمد الدجمومي ((نقد النقد وتنظير النقد العربي، المغرب، منشورات كلية الآداب بالرباط، ط1، 1999، ص100 ) يقدّر هذا الجهد العلمي الرصين في رؤيته لأزمات خطاب نقد النقد في ثقافتنا الجمالية المعاصرة وكيف توصّل الباحث إلى أنّ معظم آليات نقّادنا في التعامل مع النص الشعري العربي المعاصر كانت خاضعة للارتهان للمثاقفة الجمالية والمعرفية الغربية لا العربية، ففي غيبة الفلسفة الجمالية الرصينة للزمان العربي، خضعت آلياتنا النقدية في الأغلب الأعم لآليات جمالية مرتبكة وهشّة ومتناقضة ومفككة ينقصها العقل النظري العربي الأصيل في المنهج والرؤية والتأصيل ويحصر الناقد المغربي: محمد الدجمومي، أوجه التسلط المنهجي في خطابنا النقدي المعاصر في الآليات الآتية: (الترجمة - الاقتباس - النقل - الاستعارة - الانتقائية - الاحتذاء - المقارنة - الإقصاء - التلفيق - الادعاء - الاعتذار - التحول). وهناك دراسات أخري جادّة وأصيلة تعرضت لمفاهيم نقد النقد في الخطاب النقدي المعار ومنها دراسة الدكتور مصطفي الكيلاني: الذي كشف عن تخبط المقاربات المنهجية في الخطاب النقدي العربي المعاصر، في كتابه المهم ((نداء الأقاصي: القصيدة والتأويل))، دار المعارف للطباعة والنشر، سوسة، تونس، 2004, وانظر أيضا: دراسات الناقد المفكر السعودي. سعد البازعي: بين متن النقد وهامشه، شكري عياد وقلق التأصيل، النقد الأدبي علي مشارف القرن، النقد والممارسة النقدية، أعمال المؤتمر الدولي الثاني للنقد الأدبي، القاهرة، نوفمبر 2000، ص325 - 343، ودراسات فاضل تامر، إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح في الخطاب النقدي العربي الحديث، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1994. ودراسة الناقد العراقي فاضل ثامر، الصوت الآخر، الجوهر الحواري للخطاب الشعري، دار الشؤون الثقافية العامة، العراق، بغداد، 1992، ص260، ود. حاتم الصكر، في كتابه ما لا تؤديه الصفة، لبنان، دار كتابات، ط1،1993. ودراسة محمد الناصر العجيمي، النقد العربي الحديث ومدارس النقد الغربية، صفاقس، تونس، دار محمد علي الحامي، سوسة. ودراسات الياس خوري: دراسات في نقد الشعر، لبنان، مؤسسة الأبحاث العربية، ط1،1979. ودراسة: الذاكرة المفقودة، دراسات نقدية، دارالآداب، بيروت، ط2،1990، ص11، ودراسة. شكري عياد، المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين، عالم المعرفة، سبتمبر، 1993، ص11، ودون أن نستطرد أكثر من هذا في هذا اللون من الدراسات النقدية العربية المنهجية التي رصدت وجوها من أزمات الأشكال الجمالية والمعرفية في الخطاب النقدي العربي والثقافة العربية المعاصرة، نحن نريد أن نقول بأن الشكل الطباعي والتشكيل البصري ليس نظرية جمالية كما ادّعى خالد الأنشاصي، ناهيك عن كون (الالتفات البصري) في النص الشعري الحداثي هو مجرد إجراء تشكيلي أو مكون جمالي ومعرفي تركيبي ضمن مكونات الشعريات العربية المعاصرة، ويجب علينا أن نكون على وعي نقدي ومعرفي دقيق بين المكون البنائي والمكون الجمالي في بنية الشعر والنظرية النقدية معا، فالالتفات مكوّن جماليٌّ منذ أن حمل امرؤ القيس - أو ابن حزام - لواء الشعر والشعراء وحتى صلاح عبد الصبور والسياب أو قل آخر شاعر عربي حديث، وهناك أخطاء منهجية ومنطقية وجمالية جسيمة وقع فيها الأستاذ خالد الأنشاصي وطابق بين مفهومين جد مختلفين لبلاغة الالتفات في التصور الشعري الكلاسيكي الذي يصدر عن مفهوم جمالي خاص للزمن، والذي انبنى جل كتابه عليه، ومفهوم الالتفات البصري والتوزيع الطباعي الحداثي للنص والذي خلا كتابه من فلسفته المعرفية والجمالية والمنهجية خلوا تاما، ولا يعني هذا أن الأستاذ خالد الأنشاصي لم يكتب شيئا بل هو كتب عن الالتفات بالمفهوم البلاغي الكلاسيكي الذي كتبه من قبله عز الدين اسماعيل في مجلة علامات السعودية، وصلاح فضل، و حسن طبل، وتمام حسان، ومحمد غيث، ناهيك عن الدراسة القيمة التي كتبتها الدكتورة نسيمة الغيث بمجلة كلية الآداب بعين شمس عن ((الالتفات وجدلية الأنا والآخر))، وكان الأولى بالأستاذ خالد الأنشاصي أن يطّلع علي هذا الاجتهاد العلمي الدقيق للباحثة التي قدمت بحثها عام 2000، بمجلة عين شمس، وقد تتبعت الباحثة معظم الدراسات الجمالية والبلاغية والنقدية التي أصّلت لمصطلح الالتفات في خطابنا النقدي القديم والمعاصر معًا، ولا نريد أن نطيل في هذا الباب فلا تكاد تخلو دراسة نقدية جادة لجيل الرواد من النقاد من التفات إلى جماليات الالتفات لأنه يمثل فيما نري بنية جمالية تأسيسيةً في أي تصور جمالي أو حتى معرفي فلسفي، فالفلسفة المعاصرة لدي أقطابها المعاصرين في الغرب كما يقول عبد السلام بن عبد العالي صارت حوارا ونشاطا وجدلا لا أنساقا ومنطقا موضوعيا محكما، والمطلع علي كتاب الأستاذ الأنشاصي يعجب لهذا الانفصال النقدي والجمالي والمعرفي الفادح بين عنوان كتابه الموهم بجماليات حداثية ومضمون المادة النقدية والمنهجية والإبداعية التي تكاد تنحصر بالكلية في توظيف مصطلح الالتفات البلاغي بالمعني الكلاسيكي العربي القديم.
3- التعدّد فتعمُّد المراوغة والبعثرة والتشتت يقود حتمًا إلى تعدّد المعنى.
4 - السلالة: فإذا كان الأثر ينتسب إلى نوع أو إلى أب يملكه فإن النص يرفض ذلك ويثور عليه.
5- القراءة: فقراءة النص استهلاكية ذات بعد أحادي تقيد القارئ, أمّا قراءة النص فهي سيرٌ حثيث يعمد إلى ممكنات الاكتشاف وإعادة الإنتاج.
6- اللذة: إنّ الأثر حسب وعي بارت عديم اللذة، أمّا النصّ فهو مشدود إلى اللذة من كل جانب إنّه الفضاء الذي لا تعرف فيه لغة حاجزًا عن أخرى وحيث اللغات تمر، تجري، تدور، تنتقل، وكلّ التصورات الجمالية والمعرفية السابقة تعيدنا إلي فكرة (جامع النص) لدي جيرار جينيت وهو كل ما يضع النص في علاقة ظاهرة أو سرية مع نصوص أخري وذلك من خلال العلاقات عبر النصية المعروفة التناص - النصّ النظير - ما وراء النص - النص الأعلى - جامع النص وهو ما يتضمن مجموعة من الخصائص التي ينتمي إليها كل نص علي حدة، أصناف الخطابات - صيغ التعبير، الأجناس الأدبية، ويخلق النوع الأدبي المكتوب علي ظهر الغلاف (أفق انتظار)، خاص يكون بمثابة المقود الذي يوجه عملية القراءة لدي المتلقي)، وكل هذه التصورات تقدم مفهوم الفضاء بعدًا مركزيًّا في النص الحداثي وما بعد الحداثي، ودون أن نطيل أكثر من ذلك ونحن نكتب في جريدة سيّارة لا في مؤتمر علمي متخصص، لكن كان لابد من الإطالة النسبية في تتبع أصول المفاهيم والتصورات حتى يطامن الأستاذ خالد الأنشاصي أو حتي أي ناقد عربي آخر من حدة الإعجاب بالذات النقدية فيظن أن ما قدمه من تصورات عن مفهوم الالتفات هي مفاهيم من بنات فكره أو علي الأقل هو السابق الهادي إلي ما يقوله في السياق العربي دون الغربي (وهو ادعاء عربي عريض يأخذ مواقعه الادعائية علي كل المستويات الثقافية العربية)، وهو لا يشمل خالد الأنشاصي وحده بل معظم النقاد العرب المعاصرين - إلا من رحم ربي - فالقول النقدي عندهم - مكرور مستنسخ الحقيقة وهو كما يقول المتنبي: "فالقول قبل القائلين مقول"، وهذا يجعلنا نؤكد أن فكرة النص البصري هي فكرة كتابية، تبعد كثيرا بالثقافة الجمالية السمعية العربية التليدة عن مكونات الذوق العربي القديم والمعاصر معًا، وبالطبع نحن لسنا هنا ضد التجديد، ولكنّنا لسنا مع التجديد الهارب إلى الأمام شكليا لا بنائيا ولا معرفيا ولا منهجيا، أو التجديد بمغامرات الآخرين وليس بقوة التأصيل الجمالي العربي النابع من الجدل الجمالي والمعرفي مع أشكال التراث الجمالي الخاص بنا، علي العموم لا أستطيع أن أسلم - أنا أو غيري من النقاد - بسهولة للأستاذ خالد الأنشاصي ولا لغيره من النقاد أيضا في دعواهم العريضة بابتكار نظرية جديدة في الأدب العربي المعاصر، أو حتى في أيّ مساقٍ ثقافيٍّ من مساقات الحضارة العربية المعاصرة، فكيف لك أن تأتي بنظرية نقدية عربية في واقع جمالي عربي يرتهن في معظم مقولاته المعرفية والمنهجية والجمالية - بل المنطقية - للثقافة الغربية المعاصرة - ولك أن تنظر أيها القارئ الكريم إلي المحاولات النقدية الجادة والأصيلة التي قارب بها بعض الباحثين العرب المعاصرين هذه الأزمات المنهجية علي مستوي المصطلح والثقافة والنص والإجراء والنظرية، والمطّلع علي كتاب الدكتور المغربي محمد الدجمومي ((نقد النقد وتنظير النقد العربي، المغرب، منشورات كلية الآداب بالرباط، ط1، 1999، ص100 ) يقدّر هذا الجهد العلمي الرصين في رؤيته لأزمات خطاب نقد النقد في ثقافتنا الجمالية المعاصرة وكيف توصّل الباحث إلى أنّ معظم آليات نقّادنا في التعامل مع النص الشعري العربي المعاصر كانت خاضعة للارتهان للمثاقفة الجمالية والمعرفية الغربية لا العربية، ففي غيبة الفلسفة الجمالية الرصينة للزمان العربي، خضعت آلياتنا النقدية في الأغلب الأعم لآليات جمالية مرتبكة وهشّة ومتناقضة ومفككة ينقصها العقل النظري العربي الأصيل في المنهج والرؤية والتأصيل ويحصر الناقد المغربي: محمد الدجمومي، أوجه التسلط المنهجي في خطابنا النقدي المعاصر في الآليات الآتية: (الترجمة - الاقتباس - النقل - الاستعارة - الانتقائية - الاحتذاء - المقارنة - الإقصاء - التلفيق - الادعاء - الاعتذار - التحول). وهناك دراسات أخري جادّة وأصيلة تعرضت لمفاهيم نقد النقد في الخطاب النقدي المعار ومنها دراسة الدكتور مصطفي الكيلاني: الذي كشف عن تخبط المقاربات المنهجية في الخطاب النقدي العربي المعاصر، في كتابه المهم ((نداء الأقاصي: القصيدة والتأويل))، دار المعارف للطباعة والنشر، سوسة، تونس، 2004, وانظر أيضا: دراسات الناقد المفكر السعودي. سعد البازعي: بين متن النقد وهامشه، شكري عياد وقلق التأصيل، النقد الأدبي علي مشارف القرن، النقد والممارسة النقدية، أعمال المؤتمر الدولي الثاني للنقد الأدبي، القاهرة، نوفمبر 2000، ص325 - 343، ودراسات فاضل تامر، إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح في الخطاب النقدي العربي الحديث، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1994. ودراسة الناقد العراقي فاضل ثامر، الصوت الآخر، الجوهر الحواري للخطاب الشعري، دار الشؤون الثقافية العامة، العراق، بغداد، 1992، ص260، ود. حاتم الصكر، في كتابه ما لا تؤديه الصفة، لبنان، دار كتابات، ط1،1993. ودراسة محمد الناصر العجيمي، النقد العربي الحديث ومدارس النقد الغربية، صفاقس، تونس، دار محمد علي الحامي، سوسة. ودراسات الياس خوري: دراسات في نقد الشعر، لبنان، مؤسسة الأبحاث العربية، ط1،1979. ودراسة: الذاكرة المفقودة، دراسات نقدية، دارالآداب، بيروت، ط2،1990، ص11، ودراسة. شكري عياد، المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين، عالم المعرفة، سبتمبر، 1993، ص11، ودون أن نستطرد أكثر من هذا في هذا اللون من الدراسات النقدية العربية المنهجية التي رصدت وجوها من أزمات الأشكال الجمالية والمعرفية في الخطاب النقدي العربي والثقافة العربية المعاصرة، نحن نريد أن نقول بأن الشكل الطباعي والتشكيل البصري ليس نظرية جمالية كما ادّعى خالد الأنشاصي، ناهيك عن كون (الالتفات البصري) في النص الشعري الحداثي هو مجرد إجراء تشكيلي أو مكون جمالي ومعرفي تركيبي ضمن مكونات الشعريات العربية المعاصرة، ويجب علينا أن نكون على وعي نقدي ومعرفي دقيق بين المكون البنائي والمكون الجمالي في بنية الشعر والنظرية النقدية معا، فالالتفات مكوّن جماليٌّ منذ أن حمل امرؤ القيس - أو ابن حزام - لواء الشعر والشعراء وحتى صلاح عبد الصبور والسياب أو قل آخر شاعر عربي حديث، وهناك أخطاء منهجية ومنطقية وجمالية جسيمة وقع فيها الأستاذ خالد الأنشاصي وطابق بين مفهومين جد مختلفين لبلاغة الالتفات في التصور الشعري الكلاسيكي الذي يصدر عن مفهوم جمالي خاص للزمن، والذي انبنى جل كتابه عليه، ومفهوم الالتفات البصري والتوزيع الطباعي الحداثي للنص والذي خلا كتابه من فلسفته المعرفية والجمالية والمنهجية خلوا تاما، ولا يعني هذا أن الأستاذ خالد الأنشاصي لم يكتب شيئا بل هو كتب عن الالتفات بالمفهوم البلاغي الكلاسيكي الذي كتبه من قبله عز الدين اسماعيل في مجلة علامات السعودية، وصلاح فضل، و حسن طبل، وتمام حسان، ومحمد غيث، ناهيك عن الدراسة القيمة التي كتبتها الدكتورة نسيمة الغيث بمجلة كلية الآداب بعين شمس عن ((الالتفات وجدلية الأنا والآخر))، وكان الأولى بالأستاذ خالد الأنشاصي أن يطّلع علي هذا الاجتهاد العلمي الدقيق للباحثة التي قدمت بحثها عام 2000، بمجلة عين شمس، وقد تتبعت الباحثة معظم الدراسات الجمالية والبلاغية والنقدية التي أصّلت لمصطلح الالتفات في خطابنا النقدي القديم والمعاصر معًا، ولا نريد أن نطيل في هذا الباب فلا تكاد تخلو دراسة نقدية جادة لجيل الرواد من النقاد من التفات إلى جماليات الالتفات لأنه يمثل فيما نري بنية جمالية تأسيسيةً في أي تصور جمالي أو حتى معرفي فلسفي، فالفلسفة المعاصرة لدي أقطابها المعاصرين في الغرب كما يقول عبد السلام بن عبد العالي صارت حوارا ونشاطا وجدلا لا أنساقا ومنطقا موضوعيا محكما، والمطلع علي كتاب الأستاذ الأنشاصي يعجب لهذا الانفصال النقدي والجمالي والمعرفي الفادح بين عنوان كتابه الموهم بجماليات حداثية ومضمون المادة النقدية والمنهجية والإبداعية التي تكاد تنحصر بالكلية في توظيف مصطلح الالتفات البلاغي بالمعني الكلاسيكي العربي القديم.
فهذا ما نجده في البنية العلمية الموضوعية الداخلية في مادة الكتاب نفسه بعيدا عن أية تقولات واتهامات وادعاءات لفظية منفصلة عن مضمون الكتاب نفسه، والكتاب متاح في السوق ويقرأه الجميع وعلى من يرى غير ذلك في الكتاب أن يذكر لي منه نصوصًا نقدية أو فلسفة معرفية تؤكد عكس ما أقوله، والعلم رحم بين أهله وله أسسه وضوابطه ونظرياته ومقولاته ومناهجه التي يعرفها القاصي والداني بعيدا عن المماحكة اللفظية الخداعة، والهدر اللغوي القائم على اللغو والطلاء لا التأسيس والبناء، وكنت أتمنى أن تعي الصحف الأدبية السيارة بالسعودية خطورة أمانة العلم والمنهج واللغة والجمال، فحرية النشر لا تعني التغرير بالقرّاء، ولا حتى جر الحوار العلمي الحقيقي إلى صخب إعلامي فارغ، وهدر كلامي يلغو ولا يقول شيئا، ولا يعني مجرد السبق بنشر عنوان نقدي أو بلاغي أو حتى تجريبي أنني قادر على امتلاكه معرفيا ومنهجيا بالفعل، وهذا ينطبق على جميع صور الثقافة، فأنْ تتملك مجالك المعرفي والمنهجي الخاص بك أمر في غاية الصعوبة ويحتاج إلى سياقات ثقافية ووجودية متعددة ومتكاملة من المعاناة والتحصيل والتنقير والتحكيك والمراجعة والفحص والهدم وإعادة البناء، فسيرة المصطلحات هي سيرة التعقيد الوجودي للحياة نفسها، فهي سيرة التناقض والجدل والتداخل والتركيب والمعاناة، ولأمرٍ ما تعاني ثقافتنا العربية المعاصرة من سياقات الاختزال والإنشائية والهدر والاستهلاكية والانتقائية والجزئية لأننا مشغولون بالكلام لا بالفعل، وبحبّ الذات لاحبّ العلم، والتغطية على الواقع لا كشفه وتأسيسه من جديد، فإذا رجعنا إلى المضمون النقدي والمعرفي والمنهجي الداخلي لكتاب الأستاذ خالد الأنشاصي رأينا أن معظم كتابه بل كله لم يبُْنَ كما تصوّر وهما وادعاءا على التوصيف الجمالي الفعلي للشعريات العربية الحداثية بصدد تأسيسها لمصطلح الالتفات البصرى، بل انبنى وعيه النقدي في الكتاب كله على الحس الجمالي التقليدي لجماليات الالتفات وهى الغالبة على معظم كتابه، بما يؤكد أن كتابه بالفعل لا بالادعاء يقع معظمه فى الشعرية العربية القديمة ـ لا الحديثة كما ادعى ـ بالمعنى التقليدي الشائع لمفهوم الالتفات في الموروث النقدي والبلاغي العربي القديم، وانظر معي أيها القارئ الكريم هذه العناوين وما جاء تحتها في الكتاب من تحليل جمالي، فقد وزّع الأستاذ خالد كتابه وفق هذه التصورات: فقد كتب تمهيدا يخلو تماما من أي تنظير جمالي معرفي لمفهوم الالتفات البصري بالمعنى الجمالي والمعرفي الحداثي وما بعد الحداثي كما وعد هو نفسه ومَن يرتاب في حكمي هذا يأتِ لي من كتاب الأستاذ خالد الأنشاصي بعكس حكمي وسوف تغلب الحجة الحجّة من داخل البناء البنيوي الداخلي للعلم نفسه وليس مجرد اللغو الكلامي الفارغ، بعيدا عن المادة العلمية نفسها: وما يؤكد حكمنا المادةُ النقدية الموضوعية الداخلية لبنية الكتاب نفسه، وقد صنفها الكاتب وفق التصورات التالية: المحور الأول: العدول على مستوى الضمائر/ وقد درس فيه ست مستويات:
1- من التكلم إلى الخطاب - من التكلم إلى الغيبة - من الخطاب إلى التكلم، من الخطاب إلى الغيبة، من الغيبة إلى التكلم - من الغيبة إلى الخطاب. ثم عدل إلى محور العدول الزمني وهو ينحصر فى ثلاث صور: - الإخبار من الماضى بالمضارع/ المستقبل - المستوى الثاني: الإخبار عن الماضي/المستقبل بالماضي - المستوى الثالث/ الرجوع عن الفعل المضارع/ المستقبل إلى الأمر- المستوى الرابع/ الانتقال عن الماضي إلى الأمر. ثم العدول على المستوى العددي: وقد تمثل في: العدول عن المفرد إلى المثنى - العدول عن المثنى إلى المفرد - الرجوع من خطاب الواحد إلى خطاب الجمع - الرجوع عن خطاب الجمع إلى خطاب الواحد - الرجوع عن خطاب الجمع إلى خطاب المثنى. ثم محور: العدول عن المتغير إلى الثابت: وقسمه إلى: العدول عن الفعل إلى الاسم - ثم تقديم ماحقه التأخير - ثم عنوان : التطور الشكلي للقصيدة العربية 117 وقد قسمه إلى - المستوى الأول: تعدد القوافي - ثم الثاني: الاستغناء عن القافية ((الشعر المرسل)) - ثم الثالث: حلول الفكرة محل الوزن ((الشعر المنثور)) - ثم الرابع: المزج بين البحور - ثم الخامس: حلول التفعيلة محل البيت ((الشعر الحر)) - ص144/ ثم باب: بنيتا الإيقاع والدلالة، - وفى هذا الباب يتكلم عن علاقة التجديد الموسيقى ببنية القصيدة وهو ما تعرض له كثير من النقاد العرب المحدثين ثم - السادس وقد عرض فيه تلاشى الوزن والقافية ((قصيدة النثر)) ص 150 ـ 157 ثم السابع - وقد تعرض فيه لـ(الخروج على نمط الكتابة السطرية وهو يرى أنه (يمثل هذا المستوى آخر ما توصل إليه التجريب في شكل القصيدة العربية بعد كسر العمود الشعري وإحلال التفعيلة محل البيت وشيوع الكتابة السطرية على مدى أكثر من أربعة عقود 157 وقد استغرق عرض الباحث لانحرافات الشكل من 161 حتى 252، ويقول الباحث في النهاية ((وخلاصة القول إذا كان العدول البلاغي القديم يعنى بالمتلقي المستمع فإن العدول البلاغي الجديد الذي نسعى إلى التأسيس له من خلال ما يمكن من الاصطلاح عليه بالالتفات البصري، يعنى بالمتلقي القارئ، ثم حدد الخروج على السطر في إنتاج الدلالة الشعرية على مستوى أربعة أنماط وهى - الإجراء الأول: توزيع الجمل والمفردات، ثم الثاني: تكرار الجمل والمفردات، تكرار الجملة التي تغيب وتتكرر في أكثر من موضع في القصيدة ثم أشكال التكرار الاستهلالي 182، ثم التكرار الختامي ثم التكرار الهرمي التدرجي ثم التكرار الدائري، وبالطبع فنحن عندما ندقق النظر النقدي في كل هذه التصورات نراها قد قيلت كلها من قبل وقد جمعها الدكتور محمد صابر عبيد في كتابه الممتع: ((القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية))، واستطاع أن يقدم تطبيقات نقدية جديدة على نصوص شعرية أخرى تختلف كثيرا عن معظم النصوص الشعرية المستشهد بها على ذات القضايا الجمالية لدى معظم الباحثين العرب المعاصرين المهمومين بذات القضايا في تتبع أشكال الشعر العربي الحداثي، وبصرف النظر عن المعالجة النقدية العجلانة التي قدمها الأستاذ خالد الأنشاصي في هذا الجزء الخير من كتابه فإن معظم التصورات الجمالية والمعرفية السابقة والتي أوردها الأستاذ خالد الأنشاصي في ممارساته التطبيقية للالتفات على طوال كتابه هي مفاهيم كما ترى معي أخي القارئ الكريم تنصرف لبلاغة الالتفات بالمعنى العربي الكلاسيكي في موروثنا النقدي والبلاغي القديم، ولا يظنن الأستاذ خالد أن عدم ذكر باقي الكتاب أننا آمنا ببعض الكتاب وأعرضنا عن بعض، أو أننا نحرف الكلم النقدي عن مواضعه الجمالية، فقد أردت الاستشهاد بمعظم الكتاب لا بالكتاب كله، ولقد كان أولى ثم أولى بالأستاذ الأنشاصي - أو غيره من النقاد العرب المعاصرين الذين وقعوا في ذات المأزق النقدي - حتى لا يكون كلامنا على الأشخاص بل نريد أن ينصب كلامنا على أزمات العقل النقدي العربي المعاصر الذي يتجاوز السياق الضيق لسير الأشخاص في ذواتهم وهو ما لا نهتم به أصلا وأظن أن الأستاذ خالد الأنشاصي وهو شاعر مجيد تضعه ذائقته الشعرية المميزة معنا فى ذات الخندق العربي المهموم بالوطن واللغة والثقافة العربية بصورة عامة - أقول كان على العقل النقدي العربي المعاصر أن يعي ما جدّ على نظرية المعرفة المعاصرة بصورة عامة، وماجد على بنية المناهج النقدية بصفة خاصة، بغية تغيير الأنموذج الجمالي والمعرفي للفنون سواء في بنية الإبداع أو بنية الوعي النقدي النظري والمنهجي والإجرائي بالإبداع، وانتقال جميع ذلك من مفاهيم التسلسل والتعاقب الخيالي في رصد علاقة النص بتقاليده الجمالية الموروثة والمعاصرة والمستشرفة معا إلى الأنموذج الجمالي التعددي التزامني القائم على التداخل والتشعيب البنيوي التزامني، وفتح منطق الثغرات، والترامي, والنشاط الجدلي التزامني، بما يحدث تغيرا جذريا كيفيا لمفهوم العلاقات المجازية في بنية الخيال الشعري نفسه من جهة، ولمفهوم علاقة القارئ بالنص من جهة ثانية، وعلاقة الفن بالواقع من جهة أخيرة، حتى لتتغير التصورات النظرية والمنهجية والإجرائية للنظرية النقدية الغربية تغيرا نوعيا، فتتجاوز تصورات الانعزال والاستقلال إلى تصورات التعدد والتشظي والتداخل والتزامن، لقد تداخلت الأضلاع المعرفية والجمالية الأربعة للظاهرة الأدبية ((الكاتب/ النص/ القارئ/ الواقع))، وإذا كان كل ضلع من هذه الأضلاع قد دشّن قاعدة نقدية عامة لها تياراتها النقدية المتباينة، وتفاصيلها الجمالية المتعددة، غير أن الواقع النقدي المعاصر قد تجاوز هذا القطع والتمزيق والانعزال لعناصر الظاهرة الأدبية والذي أدّى على مدار عصور النقد والفلسفة وعلم الدلالة إلى تضخم هائل في نظرية النقد، ولا داعي هنا لذكر أنماطا نقدية عديدة من صور هذا التضخم فهي معروفة في مظانها الغربية المتعددة، ولقد استطاع النقد الثقافي أخيرًا أن ينحو بالنظرية النقدية صوب التعدد والتغاير والتفاعل بما يقي النظريات النقدية شر الانعزال والتمزيق والسكون، ولعل هذا هو ما دفعنا دفعا لنقدم اجتهادا نقديا نظريا منهجيا إجرائيا خاصا بنا للخروج بالنظريات النقدية العربية والغربية من طور الأزمة والانسداد إلى طور الجدل والتعدد والتلاقح والتطور. إن المطلع على أحدث التصورات الفلسفية المعاصرة بخصوص نظريات المعرفة، وتكنولوجيا الاتصالات، وثورة السبرنطيقا الحديثة، يرى أن العلوم التجريبية نفسها - لا الإنسانية وهى أولى بذلك - قد خففت من حدة اليقين المعرفي والمنهجي الصافي الحاسم، كما فقدت فكرة الموضوعية الاتساقية، والمنهجية الصارمة، وصار جلّ وكدها أن تعلي احتمالًا على احتمال آخر، أو ترشّح ترجيحا على ترجيح أقل منه رجاحة وهكذا صارت الحقيقة أيا كان شكلها ونمطها هي مجمل الظروف الثقافية والسياسية والاجتماعية التي تصنعها، وليست هي اليقين البشرى الثابت الذي لا يتزحزح، نرى هذا أيضا لدى أقطاب فلاسفة العلم المعاصرين أمثال فير أبند وإمري لاكاتوش وأومنيس رولان ودبليو كواين وتوماس كون وريتشارد روترى وغيرهم، ودخلت بنية العلوم التجريبية نفسها إلى منطق فلسفي جديد يغاير بالكلية المنطق الصوري والمنطق الرمزي والرياضي السائد فقد توطن في الجهاز المعرفي المعاصر ما يعرف الآن بالمنطق البيني الغائم وما يبثه من أنساق متعددة للقيم كلها صحيح ودخلنا عوالم ما يعرف بالفئات الغائمة، وفئات اللاتحدد واللادقة، ومنطق الشواش أو علم الشواش، لقد انتقلت بنية المعرفة من التجريبية الوضعية، والعقلانية الموضوعية وما يحتّمانه من المعنى الواحد، والواقع الواحد، إلى التعددية الواقعية، والموضوعيات الواقعية التخييلية، وتغيرت تبعا لذلك فكرة الحد الجمالي نفسه في بنية الفنون جميعا، سواء من جهة الحد البنائي أو من جهة الحد الجمالي، حيث تفتت فكرة المركز الجمالي الواحد والوحيد، وصار المركز الجمالي في الفنون كامنا في المناطق الجمالية الصامتة، والفجوات التخييلية الغائبة، أكثر من كمونه في سطح النص وظواهرها الأدبية الخاضعة لتصورات المناهج النقدية المتعددة. ولقد غاب عن الأستاذ الأنشاصي - وغيره من النقاد المعاصرين حتى لا يكون كلامنا عن أفراد بعينهم - أن فلسفة الأشكال الجمالية - وفلسفة أشكال الالتفات منها - أو حتى العلمي التجريبي تمثل في جوهرها البعيد والقريب معا فلسفة اللغة والواقع والهوية والعالم، ولا يمكن لشكل قديم مهما كانت جدارته أن يستنضب حس تشكيلي حداثي!! فلن تستطيع الأشكال الجمالية الموروثة لمصطلح الالتفات العربي أن تحل محل الأشكال الجمالية التجريبية لهذا المصطلح في الأشكال الجمالية المستحدثة للشعر العربي المعاصر، فكم توهمنا أننا نستطيع تعبئة العسل البرى القديم في جرار جديدة، وتناسينا أن القديم والجديد مسألة تنال كل شيء في الوجود والثقافة دفعة واحدة دون تلكؤ أو انفصال، فالالتفات تشكيل جمالي ضمن تشكيلات جمالية أخرى تكون البني الجمالية البنائية للنصوص، ولا يمكن لمفهوم الالتفات في بنية الشعر أن ينفصل عن فلسفة الزمنية الجمالية التي ينبني فيها النص، فالالتفات البصري زمنيته كتابية تشعبية تداخلية تحل في بنية التشظي الزمني المعاصر ومفهوم التشظي هنا لا يعنى الفوضى بل يعنى التأسيس لمفاهيم وتصورات أكثر جدلا وسعة لمفاهيم اللغة والواقع والذات والمنطق والمنهج، ففي بدابة الكتاب لم يكتب الأستاذ خالد كلمة واحدة عن الفروق الجمالية والمعرفية والمنطقية والنقدية الحاسمة بين مفهوم الالتفات في الثقافة الشعرية القديمة ومفهومه في الثقافة الشعرية الحديثة ناهيك عن الحداثية، ولم يطلعنا عبر تماسك معرفي منهجي بنائي واضح على الفروق بين التفات بلاغي تقليدي قائم على مفهوم الجملة والفقرة والنص بل حتى التناصّ وبين مفهوم التفات حداثي قائم على مفهوم الكتلية الكتابية النصية، والانتقال من نحو الجملة إلى نحو النص، ومن النحو الشفاهيّ إلى النحو الكتابيّ، ومن التشكيل الاتساقي الداخلي والتشكيل الزمني الانفراطي التعددي التشعبي المفتوح، بما يقربنا من مفهوم كتابة اللذة لا لذة الكتابة كما يوضح بارت مثلا وغيره من النقاد، وفى غيبة البعد التنظيري المعرفي، والتشكيلي الجمالي الذي يؤسس للطفرات التشكيلية النوعية بين بلاغة الالتفات في الشعرية العربية القديمة، ومفهوم بناء الالتفات في الشعرية العربية الحداثية، تسقط فكرة النظرية الجديدة بل يسقط معها حتى الوعي بما طرأ على الجماليات العربية المعاصرة من مستحدثات تركيبية وتجريبية جديدة هي بالأساس تغير جذري في رؤية الواقع والعالم وتغير مفاهيم العقل والذات والواقع والثقافة والتاريخ والنص بالتبعية، فقد صار الواقع يكتب بالبياض أو قل بالفراغ، كما يكتب بالسواد أو قل بالملاء الترميزي العام، وصار الوعي واللاوعي البشرى محض بنية لغوية رمزية احتمالية ضمن بنًى أخرى كمينة وممكنة، فالعلم والعالم والذات والواقع والنصوص توجد في اللغة وما رواء اللغة أيضا، وتتأسس بلاغة الأشكال بالمعنى واللامعنى أيضا، بعد أن صارت اللادقة واللاتحدد والغموض والفوضى والاحتمال بنًى علمية تأسيسية للعقل المعرفي المعاصر، وكان من الحتم اللزام تغيير فلسفة الشكل الشعري من جماليات الشفاه والسماع والبناء، إلى جماليات الكتابة والتأمل والنقد والتفكيك، حتى نرى الأشكال الوجودية الأخرى الكمينة للذات والواقع والثقافة، لقد تغير العلم والمنهج ومنطق العالم وكان لابد من تغيير فلسفة الشكل الأدبي، وأظن أن النقلة المفهومية لمصطلح الالتفات في الجماليات العربية له علاقاته الوثيقة بالتغيير العميق الذي طال فلسفة اللغة وفلسفة الجمال المعاصرة، بعد أن تنقلت الجماليات المعاصرة من مفهوم كتابة العنصر إلى مفهوم كتابة الكتلة، ومن مفهوم البناء إلى مفهوم تفكك البناء، ومن مفهوم الاتساق الزمني إلى مفهوم التشظي الزمني، وتوسيع حد العقل واللغة والمعنى بوصفه تدشينا دلاليا مؤسسيا عاما بعد إدخاله في حد اللامعنى بوصفه إمكانا دلاليا ممكنا في الواقع ولكنه أرغم على النبذ والإقصاء للإكراهات الترميزية العامة المسيطرة على الوعي والمعنى والدلالة، أظن كل ذلك قد أدى بالشعرية العربية الحداثية أن تغير من مفهوم الالتفات، ولقد اطلعت على ما كتبه الدكتور عبد الناصر هلال في كتابه المعنون بـ (الالتفات البصرى)، فحمدت له هذا الوعي النقدي الواضح والمتماسك بجوهر مصطلح الالتفات في الخطاب النقدي والشعري المعاصر، وبالفعل كان الدكتور عبد الناصر سباقا حسب علمي المحدود إلى إعطاء هذا المصطلح وجوها تطبيقية عديدة فى الشعرية العربية المعاصرة - ولكنى لابد أن اعترف هنا للأمانة العلمية بأنني لم أتشرف بمقابلة الزميل خالد الأنشاصي حتى أستمع إليه أيضا في ذات التاريخ الذي قابلت فيه الأستاذ الدكتور عبد الناصر هلال - ولا يهمني هنا من السابق أو اللاحق إلى صوغ المصطلح، خصوصا أن المصطلحات سياقات حضارية وجمالية معقدة، ومن هنا فلا يهمني من السابق: هل الأستاذ الدكتور عبد الناصر هلال أم الزميل الفاضل الشاعر خالد الأنشاصي، كما أحبتْ أن تُشعل بعض الصحف فتيل الفتنة بينهما من هذا الباب غير العلمي ولا المنهجي، ولكن ما يهمني هنا إقرار حقيقة منهجية وهى ضرورة الوعي العلمي الجاد بأن المصطلحات الجمالية والمعرفية ليست تركة رمزية فردية يتملكها بعض الأفراد دون بعض، فالمصطلحات تجرنا - كما قلت في دراسة سابقة لى عن - مصطلح التجريب في الخطاب النقدي العربي - تجرنا إلى سياقات زمانية ومكانية وثقافية وتجريبة جدّ معقدة ومتداخلة، فمناقشة أزمة المصطلح في الخطاب النقدي المعاصر، تقع في العمق من الواقع الحضاري والثقافي العربي المعاصر، ذلك أن المصطلح كما يقول عبد العزيز حمودة: "ليس مجرد نحت كلمة، أو تحديد لفظ، أو ترجمة مدلول", فالكلمات أيضا سياقات فكرية وحضارية ورؤية معقدة للعالم، فالمصطلح تركيبة معرفية وجمالية وثقافية متشابكة ومتفاعلة، تتناوبها سياقات شتى لا تكف عن الحراك والجدل والتغير والتبدل، هذه التركيبة المعرفية المعقدة، دائما تتراوح داخل الثقافة الواحدة، أو في علاقتها الجدلية مع الآخر في صور تتناوب بين النسبيّ والمطلق، والكليّ والجزئيّ، والخاص والعام، والثابت والمتحول، وذلك ضمن سياقات متعددة متجادلة جمالية وفلسفية وحضارية وثقافية، لا تكف عن التحول والتغير، ولعل ذلك يعلل لنا من بعض الجوانب هذه النزعة الإنشائية المجوفة من الدلالة، للمصطلح في الخطاب النقدي العربي المعاصر، وقد تنبه إلى هذا الهدر اللغوي غير المسؤول - وربما أقول المقصود كثير من نقادنا الكبار، ولكن ما يهمنا هنا بخصوص العراك النقدي الدائر بين الزميل الشاعر خالد الأنشاصي والزميل الدكتور عبد الناصر هلال هو أن المصطلحات ليست ملكا فرديا بل هي هموم زمانية جماعية مؤسسية تنفى فكرة الفردية العبقرية في صك المصطلح، وتؤكد الجهود الجمالية والمعرفية الجمعية التي قد تتبلور بصورة واضحة متناسقة لدى ناقد فرد يكون أكثر إلماما وقدرة وأصالة في الوصول بالمصطلح إلى حالة النضج الجمالي الواجب، وهذا ما نتخذه معيارا نقديا وجماليا ومعرفيا بين الزميلين الفاضلين لتقييم كتابيهما، يقول الدكتور عبد الناصر هلال بخصوص رؤيته لمصطلح ((الالتفات البصري)): ((لقد تغيرت الرؤى والإجراءات النقدية في ظل تحول القراءة من نحو الجملة إلى نحو النص، ولكل خطاب أدواته القرائية نظرًا لانفتاحه على جماليات جديدة منها ما يتعلق بالنوع ومنها ما يتعلق بالأنواع الأخرى بوصفه كتابة، ومن هنا برزت فكرة التحول من القصيدة إلى الكتابة. فحاولنا في هذه الدراسة أن نختبر أدوات قرائية من التراث البلاغي، ونوسع من مفهومها، حتى تتناسب مع تغيرات التكوين البنائيّ للخطاب الشعري المعاصر، موقنين بأن مصطلحاتنا القديمة صالحة لاستيعاب معايير ومفاهيم نقدية جديدة في مقابل التسميات الحديثة. فاختارت الدراسة مصطلح "الالتفات" البلاغي الذي كان قائمًا على التحولات والتبدلات والانصراف عن صيغة إلى أخرى أو عن سياق إلى آخر في إطار بنائي محدد في الجملة، ووسعت من مفهومه في ظل التحولات النقدية الحديثة التي تواكب تحولات البنى اللغوية والجمالية التي يطرحها الشاعر الجديد في مجمل نصه، فنظرت الدراسة في التكوين النصي وتداخله وتحولاته وحركته الدائبة، فتبنت مفهوم "الالتفات النصي" القائم على حركة البنية النصية المتعددة من خلال آليات عدة تحقق هذا الالتفات النصي، ثم وسعت الدراسة من هذا المفهوم الذي تحقق عبر حركة اللغة وتغير مساراتها البنائية من حالة إلى أخرى ومن نسق إلى آخر- وتبنت مفهوم الالتفات البصري الذي يتحقق عبر حركة المرئي الذي تخلقه اللغة وآليات تعبيرية أخرى وكيفية تشكلها وإخراجها على الصفحة/ شعرية المكان - ينتقل المبدع/ الشاعر من شكل كتابي إلى شكل آخر مختلف في بنيته البصرية، مما يجعل من النص نصاً مفتوحاً، متحركا، متعدد القراءة، وإذا كانت الحركة البصرية- التي تتحقق عبر تجاور نصوص بصرية متحولة وامتزاجها تخلق أبعادًا دلالية فإن التفاتًا بصريًا يتحقق سواء على مستوى النص أم على مستوى الخطاب وهذا اشتغال "يعتمد البعد البصري عن وعى وسبق إصرار، وهو الذي يقدم بموجبه النص ومكوناته اللغوية في "فضاء صوري" عن طريق التصرف الخاص للشعراء بلغتهم، وعن طريق إدماج بنيات سيموطقية غير لغوية في الخطاب".(1)،والالتفات في اتجاهيه: اللغوي والبصري يؤدى إلى التأمل، وكسر النمط والرتابة، ويحقق الإدهاش، ولا يعني الانصراف فقط من- إلى، وإنما يؤدي إلى الازدواج والتماهي في آن بين المنصرف عنه والمنصرف إليه، الالتفات اللغوي أو البصري هو نتاج الإبداع الجديد الذي يعتمد على الحركة والتشعب والامتداد والازدحام والقدرة على التآلف بين المتناقضات. وقد أنجزت هذه الدراسة في ثلاثة أقسام: الأول: الالتفات النصي (من المفهوم إلى التأسيس) ووقع في محورين، المحور الأول وهو الدراسة النظرية، وقد درس فيه الباحث: "الالتفات البلاغي وتطوره"، "الالتفات النصي بين المفهوم والتأسيس" وقد وقع في مباحث ثلاثة هي: "الشفاهية والكتابية" و "من البيت إلى القصيدة إلى النص/الكتابة"، "النصّ والقارئ/القارئ والنص"، أما المحور الثاني وهو الدراسة التطبيقية، وعنوانه: "آليات الالتفات النصي" وهذه الآليات هي: "الالتفات عبر التناصّ"، "الالتفات عبر التكرار"، "الالتفات عبر الإيقاع/الموسيقى"، "الالتفات عبر اللغات الأجنبية واللهجة العامية"، "الالتفات المشهدي عبر الارتداد". أما القسم الثاني وعنوانه: "الالتفات البصري وشعرية النص", وقد تضمن مجموعة من المحاور الفرعية يجمعها عنوان: "آليات الالتفات البصري", وهى: "الالتفات البصري عبر السواد والبياض"، "الالتفات البصري عبر سمك الخط"، "الالتفات البصري عبر النص والصورة"، "الالتفات البصري عبر الشكل الحر والشكل التقليدي"، "الالتفات البصري عبر الشكل المجازى والشكل السردي", وبالطبع فالمتأمل في هذا اليساق النقدي يدرك تملكه لثقافة حداثية مكينة في الوعي بالمصطلح الإبداعي داخل حدود الشعريات العربية الحداثية، وهو أمر يختلف كثيرا عن الوعي المعرفي والجمالي الذي قرّره الزميل الفاضل خالد الأنشاصي في المقدمة النظرية التي كتبها لكتابه أو حتى الإجراءات المنهجية التطبيقية التي مارسها على طوال الكتاب، ولا ينْزعجن الأستاذ الأنشاصي من فتنته بنفسه فقد ادعّى قبله نقاد أولو عزم علمي أكثر تمكنا وثقافة وتطلعا من الأستاذ خالد الأنشاصي مثلا وهو الدكتور كمال أبو ديب فقد ادّعى التوصل إلى ابتكار إيقاعيّ جذريّ يخالف به العروض العربيّ لدى الخليل بن أحمد الفراهيدي وعند التحقق النقدي التطبيقي وفيه المحك وعليه المعول - لا التنظيرى - رأى معظم النقاد العرب الثقاة أن ما قدمه أبو ديب كان اجتهادا معرفيا محدودا للغاية بل وقع كل هذا الاجتهاد - وهذا كلام النقاد كلهم وأنا معهم - داخل التصورات الموسيقية الخليلية وليس خارجها كما ادعى صاحبها، وليس المجال كافيا هنا لسرد عشرات الدراسات العربية التي أكدت ذلك، ثم قال أبو ديب من بعد ذلك بالبنيوية العربية مذهبا في النقد والخطاب والثقافة لكننا تبيّنا من بعد أن ما توصل إليه أبو ديب وغيره من النقاد البنويين العرب هو مجرد نقل أفكار غربية إلى سياق عربي له خصوصياته الجمالية والمعرفية والثقافية الخاصة به، ولعل القارئ لدراسات الأستاذ الدكتور البحاثة سعد البازعي خاصة دراسته المعنونة ((مستقبل النقد، غربة السياق: من إشكاليات المثاقفة، في النقد الأدبي الحديث، في مجلة الفكر الكويتية أيضا ص 117 )، يرى إلى مدى القلق النقدي والارتباك المصطلحي، والتعميم الجمالي والمعرفي التجريدي المخلّ لدى بعض كبار نقّادنا المعاصرين المعروفين مثل صلاح فضل وكمال أبو ديب، وسامي سويدان وخالدة سعيد، وغيرهم، والمطلع على كتب الدكتور عبد العزيز حمودة: "المرايا المحدبة - المرايا المقعرة - وسلطة النص)), يرى صورا من الحداثات العربية الكربونية المستنسخة لصالح الواقع الجمالي العربي المستعار، ومع اختلافنا عن اللهجة النقدية العاطفية الانفعالية التي اتّسم بها كتاب الدكتور حمودة لكنه قد وضع إصبعه النقدي على جرح حقيقيّ كشف عنه بصورة نقدية أكثر علمية وموضوعية الدكتور سعيد حجازي في كتابه (مشكلات نقد الحداثة في النقد العربي الحديث))، وقد تعرّض سمير حجازي بالنقد لادعاءات أعلام كبار في خطابنا النقدي العربي المعاصر مثل: جابر عصفور وصلاح فضل، وهدى وصفى، وكمال أبو ديب، وغيرهم والمطلع على جهود الدكتور سعيد السريحي بخصوص تأصيله للخطاب النقدي النفسي في الخطاب النقدي العربي المعاصر، يثمّن له توصيفه لهذا الخطاب النفسي في الخطاب النقدي العربي بصفة ((العقل النقدي المستعار))، بل وصل الأمر حدًّا هازلًا إذ استبدل بعض الباحثين العرب مفهوم الاستعارة بمفهوم السرقة تحت ثياب الاستعارة، وبالمناسبة - والشجى يستدعى الشجى - لقد ذهلت عندما وجدت بعض الأساتذة المصريين الأزاهرة يتقدم للترقية ببحث الدكتور سعيد السريحي وقد تم هذا في عام 2003، وتمت ترقية المدرس إلى درجة أستاذ مساعد بجامعة الأزهر الشريف بالبحث المسروق غير الشريف، وكان الأمر الأعجب في نظري هو موافقة لجنة الترقية على الترقي ببحث مسروق، وكأن حال الأمر يقول مع الشاعر العربي القديم ((إن كنت لا تدرى فتلك مصيبة وإن كنت تدرى فالمصيبة أعظم))، وأخشى أن تشيع عبارة روى سارق غلبان عن سارق بهلوان عن... حتى تنقلب مواثيق الشرف العلمي رأسًا على عقب فتستعير السرقات النقدية العربية المعاصرة - وهى كثيرة للغاية ولى كتاب ضخم فيها تحت الطبع - عبارات الحديث النبوي الشريف (متفق عليه) للسرقات غير الشريفة واللامتفق عليها في ثقافتنا النقدية المعاصرة، إلى أن تفتح عيون الأجيال الجديدة من الباحثين على تراث نقديّ مزوّر، والجيل الجديد من باحثينا - إلا من رحم ربي - وهم بفضل الله قليلون بعددهم، كثيرون بقيمتهم وعتادهم - جيل لم تتح له ظروف الحياة المحاصرة (لا المعاصرة) أن يتأنى في قراءاته أو يعدد من مصادرها، أو تتيح له بعض الأجواء الاجتماعية والاقتصادية الحرة التي تيسّر له الاطلاع على الآفاق النقدية المتعددة عبر مراميها، ومظانّها الدانية والقصيّة - مما يؤهله لأن يعزو الأفكار والمناهج إلى أصحابها، ويربط الخطابات النقدية المتعددة السياقات بأصولها الجمالية والفكرية القريبة والبعيدة. سواء في أصولها الغربية، أو سياقاتها العربية المحلية، ولا نريد أن نطيل في هذا الباب لكن ما يسعد الواحد منا هذه الصحوة النقدية للعقل النقدي العربي المعاصر لدى النقاد الشباب الجدد الذين ملوا ثقافة استحلاب عقول الآخرين واستهلاك ثقافات الآخرين بعيدا عن همومنا وممارساتنا الجمالية العربية، مؤثرين فن الادعاء و ممارسة الريادة الشكلانية الفارغة في فضاء الوهم الثقافي، لا الإنتاج الثقافي، ويقيني أننا نعيش عصرًا جماليًّا ومعرفيا جديدًا يعيد فيه العقل الجماليّ والنقديّ والفلسفيّ العربيّ قراءة ذاته العلمية من جديد، في زمن انهيار الأفكار السياسية والثقافية العربية الكبرى، وتهافت الأنساق الثقافية الكلية، وسقوط النماذج المعرفية والتاريخية الكلية المجردة، وبزوغ ما يعرف بمنهجية العلوم البينية التداخلية، والدخول في عصر الاختلاف لا الجدل، والتعدد لا الواحدية، والتحول لا الثبات، بل صار العلم التجريبيّ نفسه لا الإنسانيّ استعاراتٍ مفهوميّةً غير تكوينية، وسقوط فكرة النموذج العلميّ الرصين، وفكرة الموضوعية المطلقة، والمنهج الجماليّ الواحد، وبزوغ سياسات الحقيقة لا حجج الحقيقة، وتداخل التخييليّ بالعقلاني في رؤيتنا لأنفسنا ونصوصنا وواقعنا،حتى بات العقل العلمي نفسه يسبح في تكوينات نفسية وروحية وتخييلية مثلما ادّعى طويلًا موضوعيته وحياده ونزاهته، فصار العلم هو الفعل العلميّ لا النظر العلميّ كما يقول يحيى الرخاويّ، وصار المنهج هو سياسة المنهج، وصار العقل هو مجاز العقل، كما يقول كل من مارك جونسون وجورج لايكوف في كتابتهما المهم للغاية والذي غير العقل الفلسفي الغربي المعاصر ((الاستعارات التي نحيا بها))، لقد اكتشفت الفلسفات الغربية المعاصرة عن تداخل الجسداني بالعقلاني في بنية العلم التجريبي نفسه فصرنا نحيا حياتنا العقلية اليومية بالاستعارات كما يقول كل من (جورج لايكوف ومارك جونسون) في كتابهما المعروف (الاستعارات التي نحيا بها))، فنحن حينما نفكر في أي موضوع سواء كان علمًا تجريبيًّا أم علمًا جماليًّا أم فلسفيًّا أو حتى رياضيًّا بحتًا لا نفكّر فيه بطريقة عقلانيةٍ مجرّدة كما فهم خطا على مدار نظريات المعرفة الغربية، بل نفكر فيه بطريقة مجسّدة، فنحن نفكّر بالكلمات، والكلمات بطبيعتها مستغرقة في حسّيّات العالم وتجاربه وآثار الواقع ومخلفاته، وأهواء الذات وأشواقها وتحيزاتها الخاصة والعامة، فالكلمات التي نفكر بها تصنع قيمنا وسلوكنا في الحياة ولا يمكن للكلمات أن تنفك بأي صورة من الصور عن تجربتنا الحسية والجسدية، وكلّ نشاطات الذهن مثل "الانعكاس والتوقع والتقرير (أخذ القرار) والتخيل والتذكر والتعجب والاستبصار والعزم والإيمان، وعدم الإيمان، والتأمل والاستنتاج والتكهن والاستبطان)، كل ذلك لا يمكن وعيه إلا من خلال إدراكنا الحسي ذاته، وتجربتنا الجسدية بالعالم من حولنا ، فالتفكير البشري من أساسه لا يخرج - ولو حاول - عن حدود التجسيد مارًّا بممررات التجسيد، يقول صاحبا كتاب (الاستعارات التي نحيا بها): جورج لايكوف، ومارك جونسون: "إن التجربة الحسية والمادية هي الأساس الذي يتحكم في تصوراتنا وفهمنا للعالم والطريقة التي نجعل فيها من العالم أمرًا منظمًا ومفهومًا، هذا يعني أن العقل لا ينفصل عن تجربة الجسد", ولاحظ هنا نفاذ الوعي الشعبي عندما قال في الأمثال: العقل السليم في الجسم السليم, "بل إن التجربة العقلية في كثير من جوانبها تقع تحت سيطرة الجسد المجازية، وسيطرة النماذج المعرفية والثقافية والجمالية الكامنة في جسد الثقافة نفسها، حيث ينقل العقل من خلال الاستعارة بنى التجارب المادية كالحركة والرؤية البصرية والاحتواء ومنطقها وتفاعلاتها، ليشكل منها المفاهيم المجرّدة كالمفاهيم السياسية والفلسفية والجمالية وغيرها"،وأظن أنّ الدرس النقدي والجمالي والمعرفي في بلادنا سيتغير على حد كبير لو أحسن الإصغاء إلى هذه التصورات العلمية الجديدة، ورأى أن المصطلحات تنمو بالجدل والتعدد، وأن تأسيس المصطلحات جهد جماعي جهيد لا جهد فردي عبقري، انتهى عصر العبقريات الفردية ودخلنا إلى عصر النتاجات المعرفية السياقية الكتلية الكلية، ولقد ظهر جيل جديد من الباحثين العرب الجادين في جميع أنحاء العربي (كذا) يتابعون هذا الدرس الفلسفي والمعرفي والجمالي الجديد منهم الدكتور البحاثة العماني عبد الله الحراصي، والكاتب البحريني على الديري، والكتابات الأخيرة للمفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري خاصة كتابه ((اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود))، واجتهادات الدكتور محمد أحمد السيد في فلسفة العلم المعاصرة، واجتهاداتي - أيمن تعيلب - النقدية المتواضعة في مصر، وفي المغرب نرى اجتهادات عبد الباسط لكراري في تأصيل مفهوم الخيال والعقل والعلم في الثقافة النقدية العربية المعاصرة، وعبدالعزيز بن عرفة في التفكيك، وعبدالعزيز بومسهولي في الوجود والزمان وكلهم كتاب مغاربة كبار، وفى تونس نرى اجتهادات مصطفى الكيلانى، واجتهادات سعد البازعي وسعيد السريحي وعبد الله الغذامي وميجان الرويلي في المملكة السعودية، وغيرهم كثيرون، وفى نهاية هذا المقال, لي رجاءٌ علميٌّ وأخلاقيٌّ معًا أن نرتفع في جميع تصوراتنا العلمية والجمالية والمنهجيّة والأخلاقية عن سياق الادعاء والفردية والانعزالية إلى سياق السماحة والتعدد والتواضع الحق الذي يرى حد العلم منحصرا في القدرة على الوعي بحدود الجهل.
1- من التكلم إلى الخطاب - من التكلم إلى الغيبة - من الخطاب إلى التكلم، من الخطاب إلى الغيبة، من الغيبة إلى التكلم - من الغيبة إلى الخطاب. ثم عدل إلى محور العدول الزمني وهو ينحصر فى ثلاث صور: - الإخبار من الماضى بالمضارع/ المستقبل - المستوى الثاني: الإخبار عن الماضي/المستقبل بالماضي - المستوى الثالث/ الرجوع عن الفعل المضارع/ المستقبل إلى الأمر- المستوى الرابع/ الانتقال عن الماضي إلى الأمر. ثم العدول على المستوى العددي: وقد تمثل في: العدول عن المفرد إلى المثنى - العدول عن المثنى إلى المفرد - الرجوع من خطاب الواحد إلى خطاب الجمع - الرجوع عن خطاب الجمع إلى خطاب الواحد - الرجوع عن خطاب الجمع إلى خطاب المثنى. ثم محور: العدول عن المتغير إلى الثابت: وقسمه إلى: العدول عن الفعل إلى الاسم - ثم تقديم ماحقه التأخير - ثم عنوان : التطور الشكلي للقصيدة العربية 117 وقد قسمه إلى - المستوى الأول: تعدد القوافي - ثم الثاني: الاستغناء عن القافية ((الشعر المرسل)) - ثم الثالث: حلول الفكرة محل الوزن ((الشعر المنثور)) - ثم الرابع: المزج بين البحور - ثم الخامس: حلول التفعيلة محل البيت ((الشعر الحر)) - ص144/ ثم باب: بنيتا الإيقاع والدلالة، - وفى هذا الباب يتكلم عن علاقة التجديد الموسيقى ببنية القصيدة وهو ما تعرض له كثير من النقاد العرب المحدثين ثم - السادس وقد عرض فيه تلاشى الوزن والقافية ((قصيدة النثر)) ص 150 ـ 157 ثم السابع - وقد تعرض فيه لـ(الخروج على نمط الكتابة السطرية وهو يرى أنه (يمثل هذا المستوى آخر ما توصل إليه التجريب في شكل القصيدة العربية بعد كسر العمود الشعري وإحلال التفعيلة محل البيت وشيوع الكتابة السطرية على مدى أكثر من أربعة عقود 157 وقد استغرق عرض الباحث لانحرافات الشكل من 161 حتى 252، ويقول الباحث في النهاية ((وخلاصة القول إذا كان العدول البلاغي القديم يعنى بالمتلقي المستمع فإن العدول البلاغي الجديد الذي نسعى إلى التأسيس له من خلال ما يمكن من الاصطلاح عليه بالالتفات البصري، يعنى بالمتلقي القارئ، ثم حدد الخروج على السطر في إنتاج الدلالة الشعرية على مستوى أربعة أنماط وهى - الإجراء الأول: توزيع الجمل والمفردات، ثم الثاني: تكرار الجمل والمفردات، تكرار الجملة التي تغيب وتتكرر في أكثر من موضع في القصيدة ثم أشكال التكرار الاستهلالي 182، ثم التكرار الختامي ثم التكرار الهرمي التدرجي ثم التكرار الدائري، وبالطبع فنحن عندما ندقق النظر النقدي في كل هذه التصورات نراها قد قيلت كلها من قبل وقد جمعها الدكتور محمد صابر عبيد في كتابه الممتع: ((القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية))، واستطاع أن يقدم تطبيقات نقدية جديدة على نصوص شعرية أخرى تختلف كثيرا عن معظم النصوص الشعرية المستشهد بها على ذات القضايا الجمالية لدى معظم الباحثين العرب المعاصرين المهمومين بذات القضايا في تتبع أشكال الشعر العربي الحداثي، وبصرف النظر عن المعالجة النقدية العجلانة التي قدمها الأستاذ خالد الأنشاصي في هذا الجزء الخير من كتابه فإن معظم التصورات الجمالية والمعرفية السابقة والتي أوردها الأستاذ خالد الأنشاصي في ممارساته التطبيقية للالتفات على طوال كتابه هي مفاهيم كما ترى معي أخي القارئ الكريم تنصرف لبلاغة الالتفات بالمعنى العربي الكلاسيكي في موروثنا النقدي والبلاغي القديم، ولا يظنن الأستاذ خالد أن عدم ذكر باقي الكتاب أننا آمنا ببعض الكتاب وأعرضنا عن بعض، أو أننا نحرف الكلم النقدي عن مواضعه الجمالية، فقد أردت الاستشهاد بمعظم الكتاب لا بالكتاب كله، ولقد كان أولى ثم أولى بالأستاذ الأنشاصي - أو غيره من النقاد العرب المعاصرين الذين وقعوا في ذات المأزق النقدي - حتى لا يكون كلامنا على الأشخاص بل نريد أن ينصب كلامنا على أزمات العقل النقدي العربي المعاصر الذي يتجاوز السياق الضيق لسير الأشخاص في ذواتهم وهو ما لا نهتم به أصلا وأظن أن الأستاذ خالد الأنشاصي وهو شاعر مجيد تضعه ذائقته الشعرية المميزة معنا فى ذات الخندق العربي المهموم بالوطن واللغة والثقافة العربية بصورة عامة - أقول كان على العقل النقدي العربي المعاصر أن يعي ما جدّ على نظرية المعرفة المعاصرة بصورة عامة، وماجد على بنية المناهج النقدية بصفة خاصة، بغية تغيير الأنموذج الجمالي والمعرفي للفنون سواء في بنية الإبداع أو بنية الوعي النقدي النظري والمنهجي والإجرائي بالإبداع، وانتقال جميع ذلك من مفاهيم التسلسل والتعاقب الخيالي في رصد علاقة النص بتقاليده الجمالية الموروثة والمعاصرة والمستشرفة معا إلى الأنموذج الجمالي التعددي التزامني القائم على التداخل والتشعيب البنيوي التزامني، وفتح منطق الثغرات، والترامي, والنشاط الجدلي التزامني، بما يحدث تغيرا جذريا كيفيا لمفهوم العلاقات المجازية في بنية الخيال الشعري نفسه من جهة، ولمفهوم علاقة القارئ بالنص من جهة ثانية، وعلاقة الفن بالواقع من جهة أخيرة، حتى لتتغير التصورات النظرية والمنهجية والإجرائية للنظرية النقدية الغربية تغيرا نوعيا، فتتجاوز تصورات الانعزال والاستقلال إلى تصورات التعدد والتشظي والتداخل والتزامن، لقد تداخلت الأضلاع المعرفية والجمالية الأربعة للظاهرة الأدبية ((الكاتب/ النص/ القارئ/ الواقع))، وإذا كان كل ضلع من هذه الأضلاع قد دشّن قاعدة نقدية عامة لها تياراتها النقدية المتباينة، وتفاصيلها الجمالية المتعددة، غير أن الواقع النقدي المعاصر قد تجاوز هذا القطع والتمزيق والانعزال لعناصر الظاهرة الأدبية والذي أدّى على مدار عصور النقد والفلسفة وعلم الدلالة إلى تضخم هائل في نظرية النقد، ولا داعي هنا لذكر أنماطا نقدية عديدة من صور هذا التضخم فهي معروفة في مظانها الغربية المتعددة، ولقد استطاع النقد الثقافي أخيرًا أن ينحو بالنظرية النقدية صوب التعدد والتغاير والتفاعل بما يقي النظريات النقدية شر الانعزال والتمزيق والسكون، ولعل هذا هو ما دفعنا دفعا لنقدم اجتهادا نقديا نظريا منهجيا إجرائيا خاصا بنا للخروج بالنظريات النقدية العربية والغربية من طور الأزمة والانسداد إلى طور الجدل والتعدد والتلاقح والتطور. إن المطلع على أحدث التصورات الفلسفية المعاصرة بخصوص نظريات المعرفة، وتكنولوجيا الاتصالات، وثورة السبرنطيقا الحديثة، يرى أن العلوم التجريبية نفسها - لا الإنسانية وهى أولى بذلك - قد خففت من حدة اليقين المعرفي والمنهجي الصافي الحاسم، كما فقدت فكرة الموضوعية الاتساقية، والمنهجية الصارمة، وصار جلّ وكدها أن تعلي احتمالًا على احتمال آخر، أو ترشّح ترجيحا على ترجيح أقل منه رجاحة وهكذا صارت الحقيقة أيا كان شكلها ونمطها هي مجمل الظروف الثقافية والسياسية والاجتماعية التي تصنعها، وليست هي اليقين البشرى الثابت الذي لا يتزحزح، نرى هذا أيضا لدى أقطاب فلاسفة العلم المعاصرين أمثال فير أبند وإمري لاكاتوش وأومنيس رولان ودبليو كواين وتوماس كون وريتشارد روترى وغيرهم، ودخلت بنية العلوم التجريبية نفسها إلى منطق فلسفي جديد يغاير بالكلية المنطق الصوري والمنطق الرمزي والرياضي السائد فقد توطن في الجهاز المعرفي المعاصر ما يعرف الآن بالمنطق البيني الغائم وما يبثه من أنساق متعددة للقيم كلها صحيح ودخلنا عوالم ما يعرف بالفئات الغائمة، وفئات اللاتحدد واللادقة، ومنطق الشواش أو علم الشواش، لقد انتقلت بنية المعرفة من التجريبية الوضعية، والعقلانية الموضوعية وما يحتّمانه من المعنى الواحد، والواقع الواحد، إلى التعددية الواقعية، والموضوعيات الواقعية التخييلية، وتغيرت تبعا لذلك فكرة الحد الجمالي نفسه في بنية الفنون جميعا، سواء من جهة الحد البنائي أو من جهة الحد الجمالي، حيث تفتت فكرة المركز الجمالي الواحد والوحيد، وصار المركز الجمالي في الفنون كامنا في المناطق الجمالية الصامتة، والفجوات التخييلية الغائبة، أكثر من كمونه في سطح النص وظواهرها الأدبية الخاضعة لتصورات المناهج النقدية المتعددة. ولقد غاب عن الأستاذ الأنشاصي - وغيره من النقاد المعاصرين حتى لا يكون كلامنا عن أفراد بعينهم - أن فلسفة الأشكال الجمالية - وفلسفة أشكال الالتفات منها - أو حتى العلمي التجريبي تمثل في جوهرها البعيد والقريب معا فلسفة اللغة والواقع والهوية والعالم، ولا يمكن لشكل قديم مهما كانت جدارته أن يستنضب حس تشكيلي حداثي!! فلن تستطيع الأشكال الجمالية الموروثة لمصطلح الالتفات العربي أن تحل محل الأشكال الجمالية التجريبية لهذا المصطلح في الأشكال الجمالية المستحدثة للشعر العربي المعاصر، فكم توهمنا أننا نستطيع تعبئة العسل البرى القديم في جرار جديدة، وتناسينا أن القديم والجديد مسألة تنال كل شيء في الوجود والثقافة دفعة واحدة دون تلكؤ أو انفصال، فالالتفات تشكيل جمالي ضمن تشكيلات جمالية أخرى تكون البني الجمالية البنائية للنصوص، ولا يمكن لمفهوم الالتفات في بنية الشعر أن ينفصل عن فلسفة الزمنية الجمالية التي ينبني فيها النص، فالالتفات البصري زمنيته كتابية تشعبية تداخلية تحل في بنية التشظي الزمني المعاصر ومفهوم التشظي هنا لا يعنى الفوضى بل يعنى التأسيس لمفاهيم وتصورات أكثر جدلا وسعة لمفاهيم اللغة والواقع والذات والمنطق والمنهج، ففي بدابة الكتاب لم يكتب الأستاذ خالد كلمة واحدة عن الفروق الجمالية والمعرفية والمنطقية والنقدية الحاسمة بين مفهوم الالتفات في الثقافة الشعرية القديمة ومفهومه في الثقافة الشعرية الحديثة ناهيك عن الحداثية، ولم يطلعنا عبر تماسك معرفي منهجي بنائي واضح على الفروق بين التفات بلاغي تقليدي قائم على مفهوم الجملة والفقرة والنص بل حتى التناصّ وبين مفهوم التفات حداثي قائم على مفهوم الكتلية الكتابية النصية، والانتقال من نحو الجملة إلى نحو النص، ومن النحو الشفاهيّ إلى النحو الكتابيّ، ومن التشكيل الاتساقي الداخلي والتشكيل الزمني الانفراطي التعددي التشعبي المفتوح، بما يقربنا من مفهوم كتابة اللذة لا لذة الكتابة كما يوضح بارت مثلا وغيره من النقاد، وفى غيبة البعد التنظيري المعرفي، والتشكيلي الجمالي الذي يؤسس للطفرات التشكيلية النوعية بين بلاغة الالتفات في الشعرية العربية القديمة، ومفهوم بناء الالتفات في الشعرية العربية الحداثية، تسقط فكرة النظرية الجديدة بل يسقط معها حتى الوعي بما طرأ على الجماليات العربية المعاصرة من مستحدثات تركيبية وتجريبية جديدة هي بالأساس تغير جذري في رؤية الواقع والعالم وتغير مفاهيم العقل والذات والواقع والثقافة والتاريخ والنص بالتبعية، فقد صار الواقع يكتب بالبياض أو قل بالفراغ، كما يكتب بالسواد أو قل بالملاء الترميزي العام، وصار الوعي واللاوعي البشرى محض بنية لغوية رمزية احتمالية ضمن بنًى أخرى كمينة وممكنة، فالعلم والعالم والذات والواقع والنصوص توجد في اللغة وما رواء اللغة أيضا، وتتأسس بلاغة الأشكال بالمعنى واللامعنى أيضا، بعد أن صارت اللادقة واللاتحدد والغموض والفوضى والاحتمال بنًى علمية تأسيسية للعقل المعرفي المعاصر، وكان من الحتم اللزام تغيير فلسفة الشكل الشعري من جماليات الشفاه والسماع والبناء، إلى جماليات الكتابة والتأمل والنقد والتفكيك، حتى نرى الأشكال الوجودية الأخرى الكمينة للذات والواقع والثقافة، لقد تغير العلم والمنهج ومنطق العالم وكان لابد من تغيير فلسفة الشكل الأدبي، وأظن أن النقلة المفهومية لمصطلح الالتفات في الجماليات العربية له علاقاته الوثيقة بالتغيير العميق الذي طال فلسفة اللغة وفلسفة الجمال المعاصرة، بعد أن تنقلت الجماليات المعاصرة من مفهوم كتابة العنصر إلى مفهوم كتابة الكتلة، ومن مفهوم البناء إلى مفهوم تفكك البناء، ومن مفهوم الاتساق الزمني إلى مفهوم التشظي الزمني، وتوسيع حد العقل واللغة والمعنى بوصفه تدشينا دلاليا مؤسسيا عاما بعد إدخاله في حد اللامعنى بوصفه إمكانا دلاليا ممكنا في الواقع ولكنه أرغم على النبذ والإقصاء للإكراهات الترميزية العامة المسيطرة على الوعي والمعنى والدلالة، أظن كل ذلك قد أدى بالشعرية العربية الحداثية أن تغير من مفهوم الالتفات، ولقد اطلعت على ما كتبه الدكتور عبد الناصر هلال في كتابه المعنون بـ (الالتفات البصرى)، فحمدت له هذا الوعي النقدي الواضح والمتماسك بجوهر مصطلح الالتفات في الخطاب النقدي والشعري المعاصر، وبالفعل كان الدكتور عبد الناصر سباقا حسب علمي المحدود إلى إعطاء هذا المصطلح وجوها تطبيقية عديدة فى الشعرية العربية المعاصرة - ولكنى لابد أن اعترف هنا للأمانة العلمية بأنني لم أتشرف بمقابلة الزميل خالد الأنشاصي حتى أستمع إليه أيضا في ذات التاريخ الذي قابلت فيه الأستاذ الدكتور عبد الناصر هلال - ولا يهمني هنا من السابق أو اللاحق إلى صوغ المصطلح، خصوصا أن المصطلحات سياقات حضارية وجمالية معقدة، ومن هنا فلا يهمني من السابق: هل الأستاذ الدكتور عبد الناصر هلال أم الزميل الفاضل الشاعر خالد الأنشاصي، كما أحبتْ أن تُشعل بعض الصحف فتيل الفتنة بينهما من هذا الباب غير العلمي ولا المنهجي، ولكن ما يهمني هنا إقرار حقيقة منهجية وهى ضرورة الوعي العلمي الجاد بأن المصطلحات الجمالية والمعرفية ليست تركة رمزية فردية يتملكها بعض الأفراد دون بعض، فالمصطلحات تجرنا - كما قلت في دراسة سابقة لى عن - مصطلح التجريب في الخطاب النقدي العربي - تجرنا إلى سياقات زمانية ومكانية وثقافية وتجريبة جدّ معقدة ومتداخلة، فمناقشة أزمة المصطلح في الخطاب النقدي المعاصر، تقع في العمق من الواقع الحضاري والثقافي العربي المعاصر، ذلك أن المصطلح كما يقول عبد العزيز حمودة: "ليس مجرد نحت كلمة، أو تحديد لفظ، أو ترجمة مدلول", فالكلمات أيضا سياقات فكرية وحضارية ورؤية معقدة للعالم، فالمصطلح تركيبة معرفية وجمالية وثقافية متشابكة ومتفاعلة، تتناوبها سياقات شتى لا تكف عن الحراك والجدل والتغير والتبدل، هذه التركيبة المعرفية المعقدة، دائما تتراوح داخل الثقافة الواحدة، أو في علاقتها الجدلية مع الآخر في صور تتناوب بين النسبيّ والمطلق، والكليّ والجزئيّ، والخاص والعام، والثابت والمتحول، وذلك ضمن سياقات متعددة متجادلة جمالية وفلسفية وحضارية وثقافية، لا تكف عن التحول والتغير، ولعل ذلك يعلل لنا من بعض الجوانب هذه النزعة الإنشائية المجوفة من الدلالة، للمصطلح في الخطاب النقدي العربي المعاصر، وقد تنبه إلى هذا الهدر اللغوي غير المسؤول - وربما أقول المقصود كثير من نقادنا الكبار، ولكن ما يهمنا هنا بخصوص العراك النقدي الدائر بين الزميل الشاعر خالد الأنشاصي والزميل الدكتور عبد الناصر هلال هو أن المصطلحات ليست ملكا فرديا بل هي هموم زمانية جماعية مؤسسية تنفى فكرة الفردية العبقرية في صك المصطلح، وتؤكد الجهود الجمالية والمعرفية الجمعية التي قد تتبلور بصورة واضحة متناسقة لدى ناقد فرد يكون أكثر إلماما وقدرة وأصالة في الوصول بالمصطلح إلى حالة النضج الجمالي الواجب، وهذا ما نتخذه معيارا نقديا وجماليا ومعرفيا بين الزميلين الفاضلين لتقييم كتابيهما، يقول الدكتور عبد الناصر هلال بخصوص رؤيته لمصطلح ((الالتفات البصري)): ((لقد تغيرت الرؤى والإجراءات النقدية في ظل تحول القراءة من نحو الجملة إلى نحو النص، ولكل خطاب أدواته القرائية نظرًا لانفتاحه على جماليات جديدة منها ما يتعلق بالنوع ومنها ما يتعلق بالأنواع الأخرى بوصفه كتابة، ومن هنا برزت فكرة التحول من القصيدة إلى الكتابة. فحاولنا في هذه الدراسة أن نختبر أدوات قرائية من التراث البلاغي، ونوسع من مفهومها، حتى تتناسب مع تغيرات التكوين البنائيّ للخطاب الشعري المعاصر، موقنين بأن مصطلحاتنا القديمة صالحة لاستيعاب معايير ومفاهيم نقدية جديدة في مقابل التسميات الحديثة. فاختارت الدراسة مصطلح "الالتفات" البلاغي الذي كان قائمًا على التحولات والتبدلات والانصراف عن صيغة إلى أخرى أو عن سياق إلى آخر في إطار بنائي محدد في الجملة، ووسعت من مفهومه في ظل التحولات النقدية الحديثة التي تواكب تحولات البنى اللغوية والجمالية التي يطرحها الشاعر الجديد في مجمل نصه، فنظرت الدراسة في التكوين النصي وتداخله وتحولاته وحركته الدائبة، فتبنت مفهوم "الالتفات النصي" القائم على حركة البنية النصية المتعددة من خلال آليات عدة تحقق هذا الالتفات النصي، ثم وسعت الدراسة من هذا المفهوم الذي تحقق عبر حركة اللغة وتغير مساراتها البنائية من حالة إلى أخرى ومن نسق إلى آخر- وتبنت مفهوم الالتفات البصري الذي يتحقق عبر حركة المرئي الذي تخلقه اللغة وآليات تعبيرية أخرى وكيفية تشكلها وإخراجها على الصفحة/ شعرية المكان - ينتقل المبدع/ الشاعر من شكل كتابي إلى شكل آخر مختلف في بنيته البصرية، مما يجعل من النص نصاً مفتوحاً، متحركا، متعدد القراءة، وإذا كانت الحركة البصرية- التي تتحقق عبر تجاور نصوص بصرية متحولة وامتزاجها تخلق أبعادًا دلالية فإن التفاتًا بصريًا يتحقق سواء على مستوى النص أم على مستوى الخطاب وهذا اشتغال "يعتمد البعد البصري عن وعى وسبق إصرار، وهو الذي يقدم بموجبه النص ومكوناته اللغوية في "فضاء صوري" عن طريق التصرف الخاص للشعراء بلغتهم، وعن طريق إدماج بنيات سيموطقية غير لغوية في الخطاب".(1)،والالتفات في اتجاهيه: اللغوي والبصري يؤدى إلى التأمل، وكسر النمط والرتابة، ويحقق الإدهاش، ولا يعني الانصراف فقط من- إلى، وإنما يؤدي إلى الازدواج والتماهي في آن بين المنصرف عنه والمنصرف إليه، الالتفات اللغوي أو البصري هو نتاج الإبداع الجديد الذي يعتمد على الحركة والتشعب والامتداد والازدحام والقدرة على التآلف بين المتناقضات. وقد أنجزت هذه الدراسة في ثلاثة أقسام: الأول: الالتفات النصي (من المفهوم إلى التأسيس) ووقع في محورين، المحور الأول وهو الدراسة النظرية، وقد درس فيه الباحث: "الالتفات البلاغي وتطوره"، "الالتفات النصي بين المفهوم والتأسيس" وقد وقع في مباحث ثلاثة هي: "الشفاهية والكتابية" و "من البيت إلى القصيدة إلى النص/الكتابة"، "النصّ والقارئ/القارئ والنص"، أما المحور الثاني وهو الدراسة التطبيقية، وعنوانه: "آليات الالتفات النصي" وهذه الآليات هي: "الالتفات عبر التناصّ"، "الالتفات عبر التكرار"، "الالتفات عبر الإيقاع/الموسيقى"، "الالتفات عبر اللغات الأجنبية واللهجة العامية"، "الالتفات المشهدي عبر الارتداد". أما القسم الثاني وعنوانه: "الالتفات البصري وشعرية النص", وقد تضمن مجموعة من المحاور الفرعية يجمعها عنوان: "آليات الالتفات البصري", وهى: "الالتفات البصري عبر السواد والبياض"، "الالتفات البصري عبر سمك الخط"، "الالتفات البصري عبر النص والصورة"، "الالتفات البصري عبر الشكل الحر والشكل التقليدي"، "الالتفات البصري عبر الشكل المجازى والشكل السردي", وبالطبع فالمتأمل في هذا اليساق النقدي يدرك تملكه لثقافة حداثية مكينة في الوعي بالمصطلح الإبداعي داخل حدود الشعريات العربية الحداثية، وهو أمر يختلف كثيرا عن الوعي المعرفي والجمالي الذي قرّره الزميل الفاضل خالد الأنشاصي في المقدمة النظرية التي كتبها لكتابه أو حتى الإجراءات المنهجية التطبيقية التي مارسها على طوال الكتاب، ولا ينْزعجن الأستاذ الأنشاصي من فتنته بنفسه فقد ادعّى قبله نقاد أولو عزم علمي أكثر تمكنا وثقافة وتطلعا من الأستاذ خالد الأنشاصي مثلا وهو الدكتور كمال أبو ديب فقد ادّعى التوصل إلى ابتكار إيقاعيّ جذريّ يخالف به العروض العربيّ لدى الخليل بن أحمد الفراهيدي وعند التحقق النقدي التطبيقي وفيه المحك وعليه المعول - لا التنظيرى - رأى معظم النقاد العرب الثقاة أن ما قدمه أبو ديب كان اجتهادا معرفيا محدودا للغاية بل وقع كل هذا الاجتهاد - وهذا كلام النقاد كلهم وأنا معهم - داخل التصورات الموسيقية الخليلية وليس خارجها كما ادعى صاحبها، وليس المجال كافيا هنا لسرد عشرات الدراسات العربية التي أكدت ذلك، ثم قال أبو ديب من بعد ذلك بالبنيوية العربية مذهبا في النقد والخطاب والثقافة لكننا تبيّنا من بعد أن ما توصل إليه أبو ديب وغيره من النقاد البنويين العرب هو مجرد نقل أفكار غربية إلى سياق عربي له خصوصياته الجمالية والمعرفية والثقافية الخاصة به، ولعل القارئ لدراسات الأستاذ الدكتور البحاثة سعد البازعي خاصة دراسته المعنونة ((مستقبل النقد، غربة السياق: من إشكاليات المثاقفة، في النقد الأدبي الحديث، في مجلة الفكر الكويتية أيضا ص 117 )، يرى إلى مدى القلق النقدي والارتباك المصطلحي، والتعميم الجمالي والمعرفي التجريدي المخلّ لدى بعض كبار نقّادنا المعاصرين المعروفين مثل صلاح فضل وكمال أبو ديب، وسامي سويدان وخالدة سعيد، وغيرهم، والمطلع على كتب الدكتور عبد العزيز حمودة: "المرايا المحدبة - المرايا المقعرة - وسلطة النص)), يرى صورا من الحداثات العربية الكربونية المستنسخة لصالح الواقع الجمالي العربي المستعار، ومع اختلافنا عن اللهجة النقدية العاطفية الانفعالية التي اتّسم بها كتاب الدكتور حمودة لكنه قد وضع إصبعه النقدي على جرح حقيقيّ كشف عنه بصورة نقدية أكثر علمية وموضوعية الدكتور سعيد حجازي في كتابه (مشكلات نقد الحداثة في النقد العربي الحديث))، وقد تعرّض سمير حجازي بالنقد لادعاءات أعلام كبار في خطابنا النقدي العربي المعاصر مثل: جابر عصفور وصلاح فضل، وهدى وصفى، وكمال أبو ديب، وغيرهم والمطلع على جهود الدكتور سعيد السريحي بخصوص تأصيله للخطاب النقدي النفسي في الخطاب النقدي العربي المعاصر، يثمّن له توصيفه لهذا الخطاب النفسي في الخطاب النقدي العربي بصفة ((العقل النقدي المستعار))، بل وصل الأمر حدًّا هازلًا إذ استبدل بعض الباحثين العرب مفهوم الاستعارة بمفهوم السرقة تحت ثياب الاستعارة، وبالمناسبة - والشجى يستدعى الشجى - لقد ذهلت عندما وجدت بعض الأساتذة المصريين الأزاهرة يتقدم للترقية ببحث الدكتور سعيد السريحي وقد تم هذا في عام 2003، وتمت ترقية المدرس إلى درجة أستاذ مساعد بجامعة الأزهر الشريف بالبحث المسروق غير الشريف، وكان الأمر الأعجب في نظري هو موافقة لجنة الترقية على الترقي ببحث مسروق، وكأن حال الأمر يقول مع الشاعر العربي القديم ((إن كنت لا تدرى فتلك مصيبة وإن كنت تدرى فالمصيبة أعظم))، وأخشى أن تشيع عبارة روى سارق غلبان عن سارق بهلوان عن... حتى تنقلب مواثيق الشرف العلمي رأسًا على عقب فتستعير السرقات النقدية العربية المعاصرة - وهى كثيرة للغاية ولى كتاب ضخم فيها تحت الطبع - عبارات الحديث النبوي الشريف (متفق عليه) للسرقات غير الشريفة واللامتفق عليها في ثقافتنا النقدية المعاصرة، إلى أن تفتح عيون الأجيال الجديدة من الباحثين على تراث نقديّ مزوّر، والجيل الجديد من باحثينا - إلا من رحم ربي - وهم بفضل الله قليلون بعددهم، كثيرون بقيمتهم وعتادهم - جيل لم تتح له ظروف الحياة المحاصرة (لا المعاصرة) أن يتأنى في قراءاته أو يعدد من مصادرها، أو تتيح له بعض الأجواء الاجتماعية والاقتصادية الحرة التي تيسّر له الاطلاع على الآفاق النقدية المتعددة عبر مراميها، ومظانّها الدانية والقصيّة - مما يؤهله لأن يعزو الأفكار والمناهج إلى أصحابها، ويربط الخطابات النقدية المتعددة السياقات بأصولها الجمالية والفكرية القريبة والبعيدة. سواء في أصولها الغربية، أو سياقاتها العربية المحلية، ولا نريد أن نطيل في هذا الباب لكن ما يسعد الواحد منا هذه الصحوة النقدية للعقل النقدي العربي المعاصر لدى النقاد الشباب الجدد الذين ملوا ثقافة استحلاب عقول الآخرين واستهلاك ثقافات الآخرين بعيدا عن همومنا وممارساتنا الجمالية العربية، مؤثرين فن الادعاء و ممارسة الريادة الشكلانية الفارغة في فضاء الوهم الثقافي، لا الإنتاج الثقافي، ويقيني أننا نعيش عصرًا جماليًّا ومعرفيا جديدًا يعيد فيه العقل الجماليّ والنقديّ والفلسفيّ العربيّ قراءة ذاته العلمية من جديد، في زمن انهيار الأفكار السياسية والثقافية العربية الكبرى، وتهافت الأنساق الثقافية الكلية، وسقوط النماذج المعرفية والتاريخية الكلية المجردة، وبزوغ ما يعرف بمنهجية العلوم البينية التداخلية، والدخول في عصر الاختلاف لا الجدل، والتعدد لا الواحدية، والتحول لا الثبات، بل صار العلم التجريبيّ نفسه لا الإنسانيّ استعاراتٍ مفهوميّةً غير تكوينية، وسقوط فكرة النموذج العلميّ الرصين، وفكرة الموضوعية المطلقة، والمنهج الجماليّ الواحد، وبزوغ سياسات الحقيقة لا حجج الحقيقة، وتداخل التخييليّ بالعقلاني في رؤيتنا لأنفسنا ونصوصنا وواقعنا،حتى بات العقل العلمي نفسه يسبح في تكوينات نفسية وروحية وتخييلية مثلما ادّعى طويلًا موضوعيته وحياده ونزاهته، فصار العلم هو الفعل العلميّ لا النظر العلميّ كما يقول يحيى الرخاويّ، وصار المنهج هو سياسة المنهج، وصار العقل هو مجاز العقل، كما يقول كل من مارك جونسون وجورج لايكوف في كتابتهما المهم للغاية والذي غير العقل الفلسفي الغربي المعاصر ((الاستعارات التي نحيا بها))، لقد اكتشفت الفلسفات الغربية المعاصرة عن تداخل الجسداني بالعقلاني في بنية العلم التجريبي نفسه فصرنا نحيا حياتنا العقلية اليومية بالاستعارات كما يقول كل من (جورج لايكوف ومارك جونسون) في كتابهما المعروف (الاستعارات التي نحيا بها))، فنحن حينما نفكر في أي موضوع سواء كان علمًا تجريبيًّا أم علمًا جماليًّا أم فلسفيًّا أو حتى رياضيًّا بحتًا لا نفكّر فيه بطريقة عقلانيةٍ مجرّدة كما فهم خطا على مدار نظريات المعرفة الغربية، بل نفكر فيه بطريقة مجسّدة، فنحن نفكّر بالكلمات، والكلمات بطبيعتها مستغرقة في حسّيّات العالم وتجاربه وآثار الواقع ومخلفاته، وأهواء الذات وأشواقها وتحيزاتها الخاصة والعامة، فالكلمات التي نفكر بها تصنع قيمنا وسلوكنا في الحياة ولا يمكن للكلمات أن تنفك بأي صورة من الصور عن تجربتنا الحسية والجسدية، وكلّ نشاطات الذهن مثل "الانعكاس والتوقع والتقرير (أخذ القرار) والتخيل والتذكر والتعجب والاستبصار والعزم والإيمان، وعدم الإيمان، والتأمل والاستنتاج والتكهن والاستبطان)، كل ذلك لا يمكن وعيه إلا من خلال إدراكنا الحسي ذاته، وتجربتنا الجسدية بالعالم من حولنا ، فالتفكير البشري من أساسه لا يخرج - ولو حاول - عن حدود التجسيد مارًّا بممررات التجسيد، يقول صاحبا كتاب (الاستعارات التي نحيا بها): جورج لايكوف، ومارك جونسون: "إن التجربة الحسية والمادية هي الأساس الذي يتحكم في تصوراتنا وفهمنا للعالم والطريقة التي نجعل فيها من العالم أمرًا منظمًا ومفهومًا، هذا يعني أن العقل لا ينفصل عن تجربة الجسد", ولاحظ هنا نفاذ الوعي الشعبي عندما قال في الأمثال: العقل السليم في الجسم السليم, "بل إن التجربة العقلية في كثير من جوانبها تقع تحت سيطرة الجسد المجازية، وسيطرة النماذج المعرفية والثقافية والجمالية الكامنة في جسد الثقافة نفسها، حيث ينقل العقل من خلال الاستعارة بنى التجارب المادية كالحركة والرؤية البصرية والاحتواء ومنطقها وتفاعلاتها، ليشكل منها المفاهيم المجرّدة كالمفاهيم السياسية والفلسفية والجمالية وغيرها"،وأظن أنّ الدرس النقدي والجمالي والمعرفي في بلادنا سيتغير على حد كبير لو أحسن الإصغاء إلى هذه التصورات العلمية الجديدة، ورأى أن المصطلحات تنمو بالجدل والتعدد، وأن تأسيس المصطلحات جهد جماعي جهيد لا جهد فردي عبقري، انتهى عصر العبقريات الفردية ودخلنا إلى عصر النتاجات المعرفية السياقية الكتلية الكلية، ولقد ظهر جيل جديد من الباحثين العرب الجادين في جميع أنحاء العربي (كذا) يتابعون هذا الدرس الفلسفي والمعرفي والجمالي الجديد منهم الدكتور البحاثة العماني عبد الله الحراصي، والكاتب البحريني على الديري، والكتابات الأخيرة للمفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري خاصة كتابه ((اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود))، واجتهادات الدكتور محمد أحمد السيد في فلسفة العلم المعاصرة، واجتهاداتي - أيمن تعيلب - النقدية المتواضعة في مصر، وفي المغرب نرى اجتهادات عبد الباسط لكراري في تأصيل مفهوم الخيال والعقل والعلم في الثقافة النقدية العربية المعاصرة، وعبدالعزيز بن عرفة في التفكيك، وعبدالعزيز بومسهولي في الوجود والزمان وكلهم كتاب مغاربة كبار، وفى تونس نرى اجتهادات مصطفى الكيلانى، واجتهادات سعد البازعي وسعيد السريحي وعبد الله الغذامي وميجان الرويلي في المملكة السعودية، وغيرهم كثيرون، وفى نهاية هذا المقال, لي رجاءٌ علميٌّ وأخلاقيٌّ معًا أن نرتفع في جميع تصوراتنا العلمية والجمالية والمنهجيّة والأخلاقية عن سياق الادعاء والفردية والانعزالية إلى سياق السماحة والتعدد والتواضع الحق الذي يرى حد العلم منحصرا في القدرة على الوعي بحدود الجهل.
(منقول بتصرّف)