• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

محور الرومنطيقيّة شرح نصّ: عِشْ للجمال

جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
المشاركات
1,773
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
م. الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
عِشْ للجمال
الشّاعر: إيليا أبو ماضي
شرح: الأستاذ جلال البحري
الــنــصّ


عِشْ للجمالِ تَراهُ العيْنُ مُؤتَلِقا *** في أنجُمِ اللّيل أو زهْرِ البساتين

و في الرّبى نَصَبَت كفُّ الأصيلِ بها *** سُرادِقا مِن نُضار للرّياحِين

و في الجِبالِ إذا طَاف المساءُ بها *** و لفّها بِسَرَابيلِ الرّهَابينِ

و في السّواقي لها كالطّفلِ ثرثرة *** و في البُرُوق لها ضَحْكُ المَجانِينِ

و في ابتساماتِ " أيّار " و رَوْعَتِها *** فإن تولّى ففي أجفانِ " تِشرِينِ "

لا حِينَ للحُسْنِ، لا حدّ يُقاسُ به *** و إنّما نحنُ أهلُ الحدّ و الحِينِ

فكم تَمَاوَجَ في سِرْبالِ غانية *** و كم تألّق في أسمالِ مِسكِينِ

و كم أحسّ به أعمى فَجُنّ له *** و حوْلَهُ ألف راء غيرُ مَفْتُونِ

عِشْ للجمالِ تراهُ هَهُنا و هُنا *** و عِش له و هو سرّ جدُّ مكْنُونِ

خيرٌ و أفضلُ مِمّن لا حنينَ لهم *** إلى الجمالِ، تماثيلٌ من الطّينِ


​
التقديم:
نصّ شعريّ لإيليا أبو ماضي، استمدّ من ديوانه و يندرج ضمن محور: " الرّومنطيقيّة في الأدب العربي "
الموضوع:

تجليّات الجمال و قيمته، و الدّعوة إلى اعتناقه مذهبا و عقيدة في الحياة.
المقاطع:

حسب معيار الإجمال و التفصيل
1- العنوان: إجمال
2- البقيّة: تفصيل


الشّرح
المقطع الأوّل: الإجمال

عِشْ: أمر يخرج عن معناه الأصلي و هو طلب القيام بالفعل على وجه الاستعلاء ليفيد النّصح و الإرشاد و الترغيب
للجمال: الأجلية
الباث: الشاعر
المُتلقّي: الإنسان
العنوان يحمل شحنة دلاليّة تُسيّج حركة المعنى في النصّ
المُخاطَب: هو ضمير المخاطب المفرد الذّي لا يقصد به الشّاعر مخاطبا بعينه، و لكنّه يتقصّد كلّ ذات إنسانيّة: خطاب مباشر.
و هو ما يُفجّر جملة من التساؤلات:
لماذا خرج الأمر عن معناه الأصلي ليفيد النّصح و الإرشاد؟
هل يشي ذلك بوظيفة الشّاعر؟
ماذا وظّف الشّاعر في خطابه المباشر الذّي يتقصّد التأثير و الإقناع؟
هل كانت الدّعوة إلى الجمال موقفا انفعاليّا أم تجاوزت ذلك إلى رؤية عميقة إلى الوجود؟
و ما دلالات توحيد الشّاعر بين الحياة و الجمال؟

مُخاطبة الذّات الإنسانيّة تتواتر بكثرة في الشّعر الرومنطيقي
هذا الشّعر انفتاح على الآخر و ليس انعزاليّا كما يتوهّم
الجمال مفهوم مركزيّ عند الرّومنطيقيين

المقطع الثّاني: التفصيل


تراه العين... تشرين: م. إسنادي فعلي
و = التعداد
ترى / العين: معجم البصر

يُعدّد الشّاعر آيات الجمال و أماراته
الجمال يسكُن الطّبيعة بمختلف مظاهرها و عناصرها


النّجوم / الزّهر / البساتين / الرّبى: معجم الطّبيعة
تصنيف عناصر الطّبيعة

عالم السّماء ( النّجوم - البُرُوق ) / عالم الأرض ( الرُّبى - الجبال )
عالم الجماد ( الرّبى - الجبال ) / عالم الأحياء ( زَهْر - الرّياحين )
عالم المُتناقضات
انتشار الجمال و تمدّده ( في عال السّماء و في عالم الأرض )
استعارة: تشخيص
نَصَبَت كفّ الأصيل
طاف المساء
ابتسامات " أيّار "
تشبيه

المشبّه: السّواقي
المشبّه به: الطّفل
الأداة: الكاف
وجه الشّبه: الاستزادة
الجمال الحقيقيّ يختفي وراء الظّاهر، أي وراء الموجودات

هو جمال لا تناقض فيه و لا انفصال، أي جمال تلك الوحدة الكليّة التّي تطالُها رؤيا الشّاعر و تنشُدُها.
توحّد هذه العناصر المُتناقضة في مستوى الاستعارة و التشبيه
لغة الشّاعر تُوحّد بين المُتناقضات: تجعل المُتناقض مُنسجما
طاقة تخييليّة لا حدّ لها قصد التأثير في المُتقبّل و جعله يعتنق الجمال مذهبا في الحياة
انتشال الموجودات من عاديّتها و ابتناء عالم مُفارق لا تناقض فيه و لا اختلاف: إنّه عالم الرّؤيا الجماليّة للشّاعر
الشّاعر الرّومنطيقي يُعيد تأسيس نظام الموجودات وفق منطق آخر يستعصي عن إدراك الإنسان العادي. إنّه " منطق " لا يستند إلى أحكام العقل و نواميسه، و لكنّه يتوسّل القلب طاقة كشف و الرّؤيا منهج نظر و القصيدة فضاء تجسيد لحلمه الأزليّ و حنينه الأبديّ
النصّ الشعريّ كون شعريّ مُتكامل يتحقّق فيه ذلك الانسجام الذّي يبتغيه الشّاعر الرّومنطيقي.
الوظيفة التأسيسيّة للشّعر الرّومنطيقي
لا ( * 2 ): النفي
إنّما ( قيد لفظي و معنوي ): التأكيد + المبالغة + الحصر
نحن: ضمير المتكلّم الجمع
الحدّ و الحين: م. بالعطف: مضاف إليه
الجمال مُطلق أبديّ لا حدّ له ( مكانا و زمانا )

هو علامة من علامات لحظة الخلق الأولى: انسجام عناصر الكون
الحُكم الذّي يُصدرُه الإنسان حول قيمة الشيء ( جميل / قبيح ) يكبحُ إطلاقيّة الجمال.
الجمال يتعالى عن أحكام الإنسان
كم ( * 2 ): استفهام يخرج عن معناه الأصلي و هو الاستخبار عن شيء مجهول ليُفيد الإثبات و التقرير ( كم الخبريّة )
تماوج: تفاعل
تألّف: تفعّل
غانية / مسكين / أعمى: تُحيل على الدّونيّة
يستعصي الجمال عن إدراك الإنسان العاديّ، فما نعتقده قبيحا و مُنفّرا قد يحتوي على مواطن جمال.

الغانية يبدو ظاهرها مُنفّرا، فأخلاقها مُنحطّة و سُلوكها غير سويّ. لكنّ الشّاعر الرّومنطيقي يترصّد داخلها مواطن جمال و افتنان.
أعمى // ألف " راء "
طباق
ألف: الكثرة
وسيلة إدراك الجمال الحقيقيّ هي القلب ( البصيرة )

القلب ينبض لذلك الجمال الحقيقيّ، الذّي يُذكّره بزمن البدايات
إدراك الجمال الحقيقيّ عمل نخبويّ ( من امتلك طاقة كشف و رؤيا نافذة )
الجمال رؤيا. و القلب عند الرّومنطيقي هو الوسيلة المعرفيّة الوحيدة التّي تُتيح له النّفاذ إلى صميم الوجود.
الرّومنطيقي يُجافي العقل و يُقدّس القلب
مُفارقة بين انتشار الجمال و تمدّده و بين عجز الإنسان عن إدراكه و الوصول إليه.
ههنا / هُنا: الإحاطة و الشمول
خير / أفضلُ: صيغتا تفضيل
مُفاضلة بين نظرتين:
* نظرة الشّاعر: إدراك الجمال الحقيقي، لأنّه تحرّر من سُلطان المادّة ( تحرّر من الحواس ) و استطاع امتلاك تلك الطّاقة الكشفيّة ( الرّؤيا )
* نظرة الإنسان العادي: عدم إدراك الجمال الحقيقي، لأنّه لم يتحرّر من سُلطان المادّة و ما زال بصره غير قادر عن إدراك ما تحجّب من أسرار الوجود.
آليّة المعرفة عند الرّومنطيقي تكمن في قلبه. هذا القلب الذّي استطاع شعريّا النّفاذ إلى بواطن الأشياء و أدرك جمالها الحقيقيّ.
 
التعديل الأخير:
شكراااا جزيلا لك يا أستاذ