• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

مقالات في الدراما و السينما إمرأتـان وراء القضبان / نقد مسرحية: سيأتيـكَ الشّعبُ يـومًا ...

Monji Selmi

ضيف جديد
منتدى تونس التّربوي
المشاركات
35
الدّولة
تونس
الولاية
مدنين
م. الدّراسي
جامعي
الاختصاص
العربية
المهنة
أستاذ أول في التعليم الثانوي
عنوان مسرحيّة عرضتها فرقة مسرحية يوم الثلاثاء 13 أوت على السّاعة الثامنة مساء بدار الثقافة بميـدون. أبطالها: ثلاث نساء: سجيـنتان و حارسة سجن. مكان الأحداث كما هو معلوم من نوع الشّخصيـات هو أحد سجون النّساء التّونسيّة. و زمانها أيّـام انطلاق الثـورة التّونسية، من أحداث سيدي بوزيـد إلى اليوم الرّابع عشـر من جانفي. وهي مسرحيّة تراجيديّة محزنة، تبثّ فيها السّجيـنتـان شكواهما من ظلم المجتمع. و تـنتهي أحداث المسرحيّة بانتحار إحدى السجينتين في يوم خروجها من السجن تعبيرا عن استحالة تأقلمها مع المجتمع من جديد.
1)- المكـان:
عبّر صانع الدّيكور عن المكان ( السّجن ) بقضبان غليـظة توحي بالصّلابة، فهو سجن لا هروب منه. تلك القضبان تامة في الجهة الخلفيّة من الرّكح ثمّ تقصر شيئا فشيئا كلمـا اقتربتْ من الجمهور وهذا حسب رأيـي له معنيـان:
* الأوّل: أنّ هذا السّجن مفتوح على الجمهور الذي يمكن أن يدخله أيّ فرد منه و من هنا أتى العنوان " سيأتيك الشّعب يوما " أو قل أنّ الجمهور ( الشّعب ) يعيـش في سجن كبير و حاله ليست أفضل من حال الموجوديـن داخل السّجون.
* الثاني: أن السّجينـتين تحدّتا قضبان السّجن، و فتحتا قلبيهما أمام الجمهور، و عبّرتا عن حالتيهما المتأزّمتين. فإذا بالجمهور يتعاطف معهما رغم ما اقـترفتاه من أخطاء.
2)- الزّمـان:
نتعرّف على زمان الأحداث من خلال مقاطع إخباريّة تبثّ بيْـن مشاهد المسرحيّة تذكر ما يجري من أحداث داخل البلاد التونسيّة. و نجد تقابلا بين الدّاخل و الخارج. على قدر ما كانت المشاكل خارج السّجن سياسية فهي داخله اجتماعية. فالسّجينتان ضحيتان من ضحايا المجتمع. كذلك تعتبّر تلك الفترة من تاريخ تونس فترة متقلبة ألقت بظلالها على حياة الشّخصيتين و حالتهما النّـفسيّـة.
3)- الشّخصيـات:
في المسرحيّة ثلاث شخصيّات، سجينتان و حارسة السّجن. ترتدي السّجينتان لباسا أبيض ناصعا يعبّر عن براءتهما. فلولا قسوة الظروف الاجتماعيّة لما دخلتا السّجن و هذا ما يحسّ به الجمهور فعلا بعد مشاهدة المسرحيّة. فهو يتعاطف معهما بعد سماع شكواهما. أمّا حارسة السّجن فهي ترتدي لباسا عسكريّـا أسود يوحي بقسوتها.
أ- حراسة السّجن: شخصية ثانوية لكنها مهمّة في الحبكة الدراميّة، تمثـل سلطة القانون، تدخل على السّجينتين و تخرج متبخترة، تمشي مشية رجاليّة، نظراتها حادّة مخيفة فيها احتقار للسجينتين، قليلة الكلام مهمتها تنفيذ القانون: معاقبة السّجينتين على ما اقترفتاه بكلّ حزم و قسوة. فهي تجعل من المكان ( السّجن ) جحيما لا يطاق، فتضاعف من معاناتهما. لكنّها في آخر المسرحيّة عبّرت هي أيضا عن معاناتها و رغبتها في التحرّر من قيودها.
ب- السّجينة الأولى: امرأة تمرّدت على المجتمع في علاقاتها بالرجال، قتلت زوجها بعد أن اغتصب ابنتها الصغيرة. هي امرأة صبورة قويّة الشّخصيّة قضت سنوات عديدة في السّجن و تعودت على الحياة فيه، فأصبحت قاسية القلب، قابلت ضعف زميلتها باستهزاء و احتقار أوّل الأمر لكنّها تعاطفت معها بعد سماع شكواها.
ج- السّجينة الثانية: امرأة مثقفة تملك وثائق هامّة تورّط بعض الكبار في البلاد، تريـد نشرها، دخلت السّجن حديثا، لذلك لم تتعوّد على الحياة داخله بعد. تبدو ضعيـفة كثيرة البكاء و الانفعال. بثت شكواها لزميلتها فأقلقتها أوّل الأمر وأثارت سخريتها، ثمّ ما لبثت أن جلبت تعاطفها حتّى أصبحت كأختها الكبرى.
4)- الحـــوار:
لقد ساهم الحوار بين السّجينتين في كشف الحياة الماضيّة لكلّ منهما و حالتيها النّـفسيّة داخل السجن. فهما تتحادثان معًـا تارة و تخاطبان الجمهور تارة أخرى.
للحوار عدّة أغراض منها الشّـكوى في حلة التّعاطف، و السّبّ و الشتم و الاستهزاء في حالة الخصام، و الكشف عن ماضي الشّخصية في حالة تذكر الماضي. كان الحوار جيّد الحبكة متماسكا، قاسيا أحيانا عاطفيا أحيانا أخرى، لكنه شديد التّأثيـر في المشاهد.
5)- السّــرد:
ظهر السّـرد داخل المسرحيّة في موطنين:
- أوّلا: في المقـاطع الإخباريّـة التي تبـثـها الأجهـزة الصّوتـيّة بيـن المشـاهد، و وظيـفة السّرد هنـا نقـل الأحداث الدّائرة بالبلاد خارج السجن، و تأطيـر أحداث المسرحية زمنيا.
- ثانيا: في كلام الشّخصيات، و وظيفته رواية أحداث حياة السّجينتين الماضيّة قبل دخولهما السّجن أي تحديد أسباب حُكم المحكمة ضدّهما، و أسباب مأساتهما.

و ختاما، تعتبر المسرحيّة جيّدة تدلّ على حسن الاستعداد و كثرة التّمريـن.
- فالمعلقة الإشهاريّة تحتوي على ثلاث نساء ملفوفات بقماش كأنّه كفـن يمحو معالم وجوههنّ ترفعن أيديهنّ كمن يصرخ طالبا النّجدة. فهي تعبّر عن قسوة حياتهن بل هن من الأموات الأحياء.
- الدّيكور بسيط و معبّر و الموسيقى المصاحبة حسنة الاختيار و كذلك التنسيق بين مشاهد المسرحيّة و المقاطع الموسيقيّة و الإخباريّة، إذ لا نلاحظ تقطعا أو ارتباكا.
- أنا راض عن المسرحيّة بصفة عامّة، لكنّـني أعتقد أن المقاطع الإخباريّة ليست وثيقة الصّلة بالمسرحيّة. فالمشاهد يظنّ أوّل الأمر أنّها مسرحيّة وطنيّة نضاليّة لكنه يكتشف أنّها مسرحية اجتماعية بالأساس. و كذلك الحوار يحتوي على عبارات جارحة قاسية أرى أنّها ليست ضروريّة. و حذفها لا ينقص قيمة المسرحيّة و لا يضعف تأثيرها في المشاهدين.
* و أخيرا أعتقد أن هذه الفرقة موهوبة و أثبتت وجودها في الساحة الفنية بتونس و هي قادرة على المزيد من النجاح و التألق.
الأستـاذ: المنجي السّالمي 17 / 08 / 2013​
 
  • التفاعل
التفاعلات: سمر