• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

محور شعر الغزل شرح نصّ: الصّديق الشّافع

جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
المشاركات
1,773
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
م. الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
شرح نصّ: الصّديق الشّافع
images

الـــنّــــصّ
خَلِيلَيَّ عُوجَا اليَوْمَ حَتّى تُسَلِّمَا *** عَلَى عَذْبَةِ الأنْيَابِ طيّبَةِ النَّشْرِ
فَإنَّكُمَا إنْ عُجْتُمَا لِيَ سَاعَةً *** شَكَرْتُكُمَا حَتَّى أُغَيَّبَ في قَبْرِي
ألِمَّا بِهَا ثُمَّ اشْفَعَا لِي وَ سَلِّمَا *** عَلَيْهَا، سَقَاهَا اللهُ مِنْ سَائِغِ القَطْرِ
وَ بُوحَا بِذِكْرِي عِنْدَ بَثْنَةَ وَ انْظُرَا *** أتَرْتَاحُ يَوْمًا أمْ تَهَشُّ إلى ذِكْرِي
فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَقْطَعْ قُوَى الوِدِّ بَيْنَنَا *** و لَمْ تَنْسَ مَا أسْلَفْتُ في سَالِفِ الدَّهْرِ
فَسَوْفَ يُرَى مِنْهَا اشْتِيَاقٌ وَ لَوْعَةٌ *** بِبَيْنٍ وَ غَرْبٍ مِنْ مَدَامِعِهَا يَجْرِي
وَ إنْ تَكُ قَدْ حَالَتْ علَى العَهْدِ بَعْدَنَا *** وَ أصْغَتْ إلى قَوْلِ المُؤنِّبِ و المُزْرِي
فَسَوْفَ يُرَى مِنْهَا صُدُودٌ و لَمْ تَكُنْ *** بِنَفْسِيَ مِنْ أهْلِ الخِيَانَةِ و الغَدْرِ
أعُوذُ بِكَ اللَهُمَّ أنْ تَشْحَطَ النَّوَى *** بِبَثْنَةَ فِي أدْنَى حَيَاتِي و لاَ حَشْرِي
وَ جَاوِرْ إذا مَا متُّ بَيْني و بيْنَهَا *** فَيَا حَبَّذَا مَوْتِي إذَا جَاوَرَتْ قَبْرِي

جميل بن معمر
التّقديم
قصيدة عموديّة غزليّة على بحر الطّويل، مُقتطفة من ديوان جميل بن معمر، تندرج ضمن المحور الأوّل: شعر الغزل في القرن الأوّل للهجرة.
الموضوع
تحميلُ الشّاعر خليليه رسالة حبّ إلى بُثينة و تعبيره عن تمزّقه بين الوصل و البين ( الهجر )
المقاطع
يمكن تقسيم النّصّ إلى ثلاثة مقاطع حسب معيار تنوّع الضّمائر
- من ب 1 ---- ب 4: ضمير المخاطب المثنّى ( أنتما ): تحميل الشّاعر خليليه رسالة حبّ إلى بثينة
- من ب 5 ---- ب 8: ضمير الغائب المفرد المؤنّث ( هي ): تمزّق الشّاعر بين الوصل و الهجر
- البقيّة: ضمير المخاطب المفرد المذكّر ( أنت ): دعاء الشّاعر بالقرب من حبيبته في الحياة و في الموت
المقطع الأوّل: تحميل الشّاعر خليليه رسالة حبّ إلى بثينة
المقطع الأوّل: تحميل الشّاعر خليليه رسالة حبّ إلى بثينة
( يا ) خليليّ: جملة نداء
المُنادى: الخليلان
يفيد النّداء: الالتماس
عوجا – ألمّا – اشفعا – بُوحا: أمر يُفيد الالتماس
← أسلوب إنشائي طلبي

يلتمسُ الشّاعر من خليليه أن يعوجا على الحبيبة للاضطلاع بدور السّفارة ( حمل رسالة إلى الحبيبة = رسالة شفويّة )
الرّسول عُنصر مساعد في القصّة الغراميّة
مُخاطبة الخليلين سنّة شعريّة متوارثة دأب عليها الشّعراء العرب منذ عصر الجاهليّة
يقول طرفة بن العبد
لِخَولة َ أطْلالٌ بِبُرقَة ِ ثَهمَدِ *** تلُوحُ كباقي الوشم في ظاهر اليدِ
وُقوفاً بِها صَحبي عَلَيَّ مَطيَّهُم *** يَقولونَ لا تَهلِك أَسىً وَتَجَلَّدِ
يقول امرؤ القيس
قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل *** بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِ
يستحدث الشّاعر الخليلين في القصيدة حتّى يبثّهما مشاعره و أحاسيسه ( أحزانه و آلامه )
كأنّ الشّاعر يُريد أن يُخفّف عن نفسه باستحداث عنصر الخليلين
هذا العنصر مرتبط ببيئة العربيّ ← بيئة قاسية معادية تجعل العربي يشعر بالوحدة
هذا الشّعور النفسيّ يولّد حاجة ماسّة إلى استحداث " الآخر " للتّواصل معه
عنصر الخليلين أصبح من الثوابت الشكليّة في القصيدة العربيّة
← التّقليد هنا لا يمكن أن يُغيّب بعض مظاهر التّجديد في هذه القصيدة
تمحّض القصيدة لغرض الغزل عند جميل بن معمر و من شاكله من شعراء الغزل في القرن الأوّل للهجرة
أصبح الغزل غرضا مستقلّا بذاته، به تبدأ القصيدة وتنتهي بعد أن كان قسما تابعا في النموذج الجاهلي يسمّى النسيب
بنية القصيدة النموذجيّة الجاهليّة: الوقوف على الأطلال + النّسيب ( ذكر محاسن المرأة الحبيبة ) + الرّحلة + غرض القصيدة: فخر / مدح / هجاء / رثاء
يقول ابن قتيبة في مقدمة كتابه " الشعر الشعراء ":
سمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى واشتكى وخاطب الربع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سبباً لذكر أهلها الظاعنين، إذ كان نازلة العمد في الحلول والظعن، على خلاف ما عليه نازلة المدر؛ لانتقالهم من ماء إلى ماء وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان. ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكا شدة الوجد وألم الفراق وفرط الصبابة والشوق، ليميل نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي إصغاء الأسماع، لأن التشبيب قريب من النفوس، لائط بالقلوب؛ لما جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزِل وإلف النساء، فإذا استوثق من الإصغاء إليه، عقب بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره وشكا النَّصَب والسهر، وسُرى الليل وحرّ الهجير وإنضاء الراحلة والبعير. فإذا علم أنه أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمام التأميل، بدأ في المديح، فبعثه على المكافأة وهزه على السماح"


⇐ التّجديد ليس قطعا مع الماضي و محوا لمنجزاته
⇐ التّجديد يولد من رحم الماضي

عُوجا: ميلا
عذبة الأنياب / طيّبة النّشرِ: معجم الغزل
كناية عن الحبيبة
عذبة - طيّبة: صفة مشبّهة
لم يُصرّح الشّاعر في بداية نصّه باسم حبيبته و لكنّه توسّل الكناية ( ستعوّض الصّفات اسم الحبيبة )
صورة الحبيبة:
- عذبة الأنياب: عذبة الرِّيق ( مفلّجة الأنياب لو أنّ ريقها *** يداوى به الموتى لقاموا من القبر )
- طيّبة النّشر: طيّبة الرّائحة
← صورة ماديّة حسيّة
هذه الصّورة هي أقرب إلى التّعويض ( النّفسي ) منها إلى الحقيقة
← يبدو الشّاعر في هذا البيت الأوّل مُحافظا على وصايا بثينة، فهو قد التزم بكتمان السرّ عن طريق:
- تجنّب زيارة الحبيبة ( تكليف الخليلين للقيام بذلك )
- عدم التّصريح باسم الحبيبة ( التّكنية عوّضت التّصريح بالاسم )
إن عُجتما... شكرتكما...: جملة شرطيّة تلازميّة
حتّى أغيّب في قبري: انتهاء الغاية الزمنيّة

تظهر الوظيفة التأثيريّة في هذا المقطع من خلال الجملة الشرطيّة و استعمال ضمير المخاطب المثنّى ( أنتما ): اعتبر الشّاعر هذه المهمّة / هذا التّكليف ( تبليغ الرّسالة ) معروفا لا يمكن أن ينساه حتّى يُغيّبه الثّرى
وظيفة الخليلين: تبليغ الرّسالة
مضمون الرّسالة: السّلام + طلب الشّفاعة ( شفَع لفلان : سأل له العفو والتجاوزَ عن ذنبه )
سقاها الله: دعاء
أسلوب إنشائي طلبي
سقى - القطر - مدامع: معجم الماء

تحضر هنا رمزيّة الماء: الخلق + البعث + الحياة + العطاء + الكرم
الدّعاء للحبيبة بسقاية من أعذب الماء فيه رغبة في بعث الحياة من جديد أي في تجديد تلك العلاقة التّي حكمت عليها نواميس المجتمع البدويّ بالفشل الماديّ ( الفراق و البين )
أترتاح: جملة استفهاميّة
إنّ غاية الشّاعر المركزيّة من هذا التّكليف هي تبيّن حقيقة مشاعر بثينة بعد حدث الفراق: هل أثّر البُعد الماديّ في مشاعر الحبيبة أم لا؟
المقطع الثّاني: تمزّق الشّاعر بين الوصل و الهجر
إن لم تكن... فسوف يرى
إن تكُ... فسوف يرى
← الشرط

يُعبّر الأسلوب الشّرطيّ التلازميّ عن حيرة الشّاعر و تمزّقه بين الوصل و الهجر: عدم اليقين
- حالة الوصل ← مظاهرها: الاشتياق + اللّوعة ( معنويّا ) + الدّمع ( ماديّا )
- حالة الهجر ← مظاهرها: الصُّدود + الإعراض
لم تكن / لم تنس: نفي
يجري: استعارة
المؤنّب: اللاّئم
الخيانة و الغدر: مركّب عطفي: مضاف إليه

تنزيه الشّاعر الحبيبة عن الخيانة و الغدر
← هذا الحسمُ هو من قبيل الأمنيات و محاولة التّخفيف عن هذه النّفس الممزّقة بين الوصل و الهجر
صورة المحبّ: الارتباك + الحيرة + الخوف + الألم + المعاناة + التمزّق + الضّعف + الانكسار
المقطع الثّالث: دعاء الشّاعر بالقرب من حبيبته في الحياة و في الموت
أعوذ بالله: جملة دعاء
أعوذ: أحتمي
جاوِرْ: أمر يفيد الدّعاء
موت - قبر - حشر: معجم الموت و الفناء

خوف الشّاعر من البعد عن الحبيبة في الشّيخوخة و الممات
تأكيد ما يسود الغزل العذريّ من حرمان و قسوة و ألم و بُعد، يجعل الشّاعر يتمنّى الموت إذا كان فيه قرب من حبيبته
← انزياح دلالي: الانزياح بالمعاني من دلالاتها الأصليّة إلى دلالات مبتكرة و طريفة
مفهوم " الموت " أُفرِغ من محتواه السلبيّ ( حدث غير مرغوب فيه ) و شُحن بمدلولات إيجابيّة جديدة: حدث مرغوب فيه :سبب يتقرّب به الشّاعر من الحبيبة
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف: