جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
المشاركات
1,527
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
    مسألة الاستبداد عند روّاد النّهضة العربيّة الحديثة: الدّرس الخامسُ
  • #1
السّنة الأولى: إجازة عربيّة
كليّة الآداب بمنّوبة

حضارة حديثة
المسألة الأولى
السّداسي الأوّل
السّنة الجامعيّة: 2014 - 2015

- درس عام -
مسألة الاستبداد عند روّاد النّهضة العربيّة الحديثة
الدّكتور: محمّد بن الطيّب

الدّرس الخامسُ
نشأة الاستبداد السّياسي


يرى الكواكبي أنّ الاستبداد السّياسيّ من الاستبداد الدّيني مُستندا في ذلك إلى الواقع الذّي عاش فيه. فقد لاحظ أنّ العلماء الحقيقيين الذّين هم على دراية بأمور الدّين لم تكن لهم السّيادة، بينما العلماء الرسميّون لا يُتقنون شيئا من العلوم فحدث قصور شديد في المعرفة و اختلّ الدّين.
يقول الكواكبي: " ذلك أنّ الدّين إنّما هو يُعرف بالعلم و العلم يُعرف بالعلماء العاملين و أعمالُ العلماء قيامُهم في الأمّة مقام الأنبياء في الهداية إلى خير الدّنيا و الآخرة " ( أمّ القرى. ص: 39 )
و لم يجد العلماء العاملون من يسمع و يتّعظ، و لم تُساعدهم الظّروف المحيطة بسبب ما يُلاقونه من شظفِ العيش و انتشار النّفاق، فأهملوا القيام بالواجب الإرشاديّ و التّعليميّ. و هو ما أتاح المجال لضعفاء العلم للظهور بمظهر العلماء، فاُغتنموا انشغال الحكّام عن شؤون المسلمين للقيام بهذا الدّور. فاُلتبس الأمرُ على النّاس فلم يُميّزا بين العالم و المُتعالِم و اُختلّت معارفهم الدّينيّة و اضطربت أحوالُهم و تفرّقُوا شِيعا و مذاهِبَ. و سَاعَد هذا الانشقاقُ بعض الولاّة على الاستقلال السّياسيّ، فتفرّقت المملكة الإسلاميّة و انقسمت إلى طوائفَ متباينة في المذهب متعادية في السّياسة و تحوّل المسلمون من أمّة أمرٍ بالمعروف إلى أمّةٍ تتحارَبُ فيما بينها و تحوّل الدّينُ إلى مجرّد شعائر مفرغة من مُحتواها الإيمانيّ الرّوحانيّ و استغلّ السّاسةُ بساطة العامّة و استثمروا جهلهم و خلطوا بين أمور السّياسة و أمور الدّين و بَنُوا استبدادهم على استرهاب النّاس و تذليلهم بالقهر و الغلبة تماما كما فعل " المتعمّمون " أي أصحاب العمائم الذّين تُمثّل عمائمهم العلم الدّينيّ في نظر العامّة الذّين يأخذون بالمظاهر فيسهُل التّغريرُ بهم " فالسياسيّ يتعالى على النّاس كما يفعلُ الكهّانُ حتّى يُقال أنّه ما من مستبدّ سياسيّ إلى الآن إلاّ و يتّخذُ له صفة قدسيّة يُشاركُ بها الله أو تُعطيه مقاما ذي علاقة مع الله "
و ذلك كما فعل العثمانيّون في الألقاب التّي اتّخذوها لأنفسهم مثل " المولى المقدّس " و " صاحب العظمة " و " ظلّ الله " و " خليفة رسول الله ". إنّهم يستخدمون الدّين للحكم " لا يتراؤون بالدّين إلاّ بقصد تمكين سلطتهم على البسطاء من الأمّة ".
إنّهم يتلاعبون بالأديان تأييدا لاستبدادهم و يُعيدُون صياغة الدّين من جديد حتّى يتوافق مع برنامجهم الاستبداديّ فيتبعهم النّاسُ طائعين. و إذا كان القيّمون على شؤون الدّين يلحظون أنّ استبدادهم سُرعان ما يتهاوى أمام وضوح الشّريعة و صراحتها فإنّهم يميلون إلى تسهيل زمام الأمور إلى رجال السّياسة محافظة منهم على مكانتهم باعتبارهم قيّمين على شؤون الدّين لا بالعلم الدّينيّ بل بالقوّة القاهرة، و بذلك تكون المنفعة متبادلة بينهم " فالعلماء يقبّلون يد الأمير لتقبّل العامّة أيديهم و يحقّرون أنفسهم للعظماء ليتعاظموا على ألوف الضّعفاء "
و بتحالف رجال السّياسة و علماء الدّين تجتمعُ القوّتان: قوّة اليد الضّاربة + قوّة الفكر
و هذا التّشاكل في بناء الاستبداد الدّينيّ و الاستبداد السّياسيّ جعلهما متعاونين، فالدّينيّ يتحكّم في الضّمائر و السّياسيّ يُسيطرُ على الأجسام. و كلاهما يُحاولُ التقرّبَ إلى العامّة بالدّين. فيتمّ التشبّه بالإله لتضليل العامّة فلا يُميّزون بين الإله المعبود و المستبدّ المطاع بالقهر.
و هذا ما سهّل قديما ادّعاء الألوهيّة عند المستبدّين باللّجوء إلى المظاهر الدّينيّة الخادعة اعتمادا على المتزلّفين لكسب العامّة الذّين سُرعان ما يخلطون بين الدّين الحقيقيّ و الدّين الموظّف لخدمة الاستبداد. و يرى الكواكبي أنّ ذلك كلّه ليس من الدّين في شيء و ليس في الدّين ما يُمهّد لقيام الاستبداد الدّينيّ و لا السّياسيّ و إنّما الذّي يفعل ذلك هو التّشويش الذّي يُداخلُ الدّين عن طريق المدلّسين و يردُّ على الذّين يرمُون الإسلام بالاستبداد بأنّهم " مخطؤون إذا نظروا إلى أنّ القرآن جاء مؤيّدا للاستبداد السّياسيّ "
و يستعرضُ آيات و أحاديث تدلُّ على رفض القرآن السّياسة الاستبداديّة، فالاستبدادُ الدّينيّ إنّما جاء في رأي الكواكبي من الجاهلين الذّين هجرُوا حكمة القرآن فسطا المستبدّون على الدّين و خلطوا أمر الدّين بالسّياسة و اتّخذوا منه وسيلة للانقسام السّياسيّ و جعلُوه آلة لأهوائهم السّياسيّة و أبعدوه عن البحث في ما ينفعُ النّاس، فهذا الدّينُ المُحرّفُ هو الذّي يُناصرُ الاستبداد و هو الذّي يختلفُ عن الإسلام الحقيقيّ.
يقول الكواكبي: " و لا أعني بالإسلام ما يدينُ به أكثر المسلمين الآن و إنّما أريد بالإسلام: دين القرآن أي الدّين الذّي يقوى على فهمه من القرآن كلّ إنسان غير مقيّد الفكر بتفصح زيد أو تحكّم عمرو "
فالاستبدادُ عند الكواكبي يتولّد ممّا طرأ على الأديان من حذف و إضافة إلى تعاليم و ليس من الأديان الصّحيحة نفسها.
و لكن ليس الدّين هو السّببُ الوحيد لقيام الاستبداد.

 
  • المشاهدات
    1,273
  • الرّدود
    0

  • أعلى أسفل