• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

محور الشّعر الوطني شرح نصّ: أنة البعيد عن الأوطان

جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
المشاركات
1,773
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
م. الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
أنة البعيد عن الأوطان
upload_2015-3-7_0-35-17.jpeg

يَا نَائِحَ الطَّلْحِ أشْبَاهٌ عَوَادِينَا *** نَشْجَى لِوَادِيكَ، أمْ نَأسَى لِوَادِينَا؟
مَاذَا تَقُصُّ عَلَيْنَا غَيْرَ أنَّ يَدًا *** قَصَّتْ جَنَاحَكَ جَالَتْ في حَوَاشِينَا
لَكِنَّ مِصْرَ و إنْ أغْضَتْ عَلَى مِقَةٍ *** عَيْنٌ مِنَ الخُلْدِ بالكَافُورِ تَسْقِينَا
عَلَى جَوَانِبِهَا رَفَّتْ تَمَائِمُنَا *** و حَوْلَ حَافَاتِهَا قَامَتْ رَوَاقِينَا
مَلاَعِبٌ مَرِحَتْ فيهَا مَآرِبُنَا *** و أرْبُعٌ أنِسَتْ فيهَا أمَانِينَا
بِنَّا، فَلَمْ نَخْلُ مِنْ رَوْحٍ يُرَاوِحُنَا *** مِنْ بَرِّ مِصْرَ، و رَيْحَانٍ يُغَادِينَا
كَأُمِّ مُوسَى، عَلَى اسْمِ اللهِ تَكْفُلُنَا *** و بِاسْمِهِ ذَهَبَتْ في اليَمِّ تُلْقِينَا
و مِصْرُ كالكَرْمِ ذِي الإحْسَانِ: فَاكِهَةٌ *** لِحَاضِرِينَ وَ أكْوَابٌ لِبَادِينَا

أحمد شوقي. الشوقيّات
التّقديم

قصيدة وطنيّة لأمير الشّعراء: أحمد شوقي، وردت على بحر البسيط التّام و قد استمدّت من ديوان الشوقيّات و تندرج ضمن محور: الشّعر الوطني
الموضوع
شكوى الشّاعر من ألم الغربة و المنفى و تغنّيه بوطنه
المقاطع
معيار المضمون
ب 1 + ب 2: شكوى الشّاعر من ألم الغربة و المنفى
البقيّة: حنين الشّاعر إلى وطنه و تغنّيه بجماله

الشّرح
المقطع الأوّل: شكوى الشّاعر من ألم الغربة و المنفى
قصيدة شوقي معارضة لقصيدة أبي الوليد بن زيدون ( شاعر أندلسيّ )
قدّم تعريفا موجزا للشّاعر أبي الوليد بن زيدون
ابن زيدون ( 1003م – 1071م ): وزير و كاتب و شاعر أندلسيّ، عُرِفَ بحبّه لولاّدة بنت المُستكفي
من أشهر قصائده قصيدته المعروفة بالنونيّة و التّي مطلعها:
أضْحَى التَّنَائي بَدِيلاً مِنْ تَدَانِينَا *** و نَابَ عَنْ طِيبِ لُقْيَانَا تَجَافِينَا

بِنْتُمْ و بِنَّا فَمَا اُبْتَلَّتْ جَوَانِحُنَا *** شَوْقًا إلَيْكُمْ و لاَ جَفَّتْ مَآقِينَا
القصيدة المعارضة هي قصيدة تُكتبُ على مِنوال قصيدة أخرى مشهورة لشاعر مشهور، تُوافقُها في البحر الشّعري و الرويّ و القافية ( قد تُوافقها في الموضوع و قد تختلف عنها
نصّ شوقي ( نصّ لاحق ) يستدعي نصّ ابن زيدون ( نصّ سابق ): تناص
نصّ شوقي بُنيَ على أنقاض نصّ سابق: تلبّس نصّا سابقا
ما سببُ توسّل أحمد شوقي لطريقة المعارضة في تأسيسه لهذا النّصّ الشّعريّ؟
هذه الطّريقة تنسجمُ مع ما تتبنّاه المدرسة الكلاسيكيّة ( الإحيائيّة )
استحضار الشّعر القديم أهمّ وسائل المحافظة على الهويّة العربيّة
إحياء التّراث القديم الذّي يُعبّر عن مجد هذه الأمّة
النّهل من جماليّات الشّعر القديم، و كأنّ الكتابة الشعريّة تحتاج إلى القديم لتعضد بناءها و تشرّع وجودها
ما الأعمال اللغويّة التّي سيّجت هذا المقطع؟

النّداء ( يا نائحَ الطّلْحِ )
المُنادِي: الشّاعر
المُنادَى: نائح الطّلح
الأداة: الياء (للبعيد)
الاستفهام ( نشجى... أم نأسى...؟ )
طلبُ التعيين
( ماذا تقُصُّ علينا... )
الحيرة
أسلوب إنشائي طلبي
نائح الطّلح: كناية عن موصوف
عوادينا = مصائبنا
جالتْ = طافَتْ
حواشينا = جوانبنا ( ما في البطن )

ما سبب توسّل الشّاعر للأسلوب الإنشائي الطّلبي؟
- التّعبير عن الأحاسيس و المشاعر: الحزن و الألم و الأسى و الشّكوى
- استحضار وضعيّة تخاطبيّة
بيّن أركان الخطاب في هذا المقطع
الباثّ: الشّاعر – المتلقّي: الطّائر ( ابن عبّاد: كان يترنّم بذكر الطّلح ) – نصّ المقول: نصّ شعريّ – اللّغة: شعريّة – القناة: الكتابة – المقام: الأسى و الشّكوى
* عناصر المقام:
- زمان القول: زمن البين
- مكان القول: " الأندلس " ( البُعد عن الوطن )
- حال الباث: الحزن و الألم
- حال المتلقّي: الشّجن و الألم
- العلاقة بين الباثّ و المتلقّي
علاقة مُماثلة: الشّاعر يُنادي الحمام / المُعتمد بن عبّاد مُؤكّدا اُشتراكهما في المصائب ( المُعاناة )
يد الدّهر لم ترحم الاثنين: قصّت جناح الطّائر + طافت في حواشي الشّاعر
( شكوى الدّهر سنّة شعريّة متوارثة )
مُناجاة
استحضار شخصيّة تاريخيّة (المعتمد) عاشت مأساة النّفي و البُعد عن الوطن
و هو ما ضخّم مشاعر الشّوق و الحنين
غريبٌ بأرض المغربين أسيرُ
سيبكي عليه منبر وسريرُ
وتندبه البيض الصوارم والقنا
وينهلُّ دمع بينهنَّ غزير

المُعتمد يحنّ لواديه ( إشبيليّة ) + الشّاعر يحنّ لواديه ( النّيل - مصر )
تقاطع + مماهاة + انصهار ( نشجى / نأسى )
يدعمُ البيت الثّاني ما كان الكلامُ قد اُبتناه في البيت الأوّل، فهناك إلحاح على معاني التّشابه و التّقاطع و الاتّحاد بين الباثّ و المُتلقّي و هو ما يجعل شكوى الواحد للآخر ضربا من العمل العبثيّ
يستحضر الشّاعر روح المعتمد بن عبّاد ( رمزيّة الطّائر ) ليبثّها شجونه و آلامه و ليعضد بهذه الحواريّة الطّريفة تجربته الشّعريّة، فكأنّ روح ابن عبّاد تلبّست شوقي و ألهمته قول هذه الأبيات.
ينفتح النصّ الشّعري بهذا الاستدعاء على عالم ممكن أسّسه انهيار الحواجز بين عالمين متناقضين: عالم الأحياء و عالم الأموات ( الأرواح ) انسجاما مع ذلك الإيمان الرّاسخ من طرف الكلاسيكيين بضرورة بعث ذلك القديم من جديد
التقنيّات الشعريّة و الطرائق التعبيريّة التّي توسّلها أحمد شوقي تنسجم مع منطلقاته الفكريّة و الجماليّة
المقطع الثّاني: حنينُ الشّاعر إلى وطنه و تغنّيه بجماله
لكنّ: ناسخ حرفي يُفيد الاستدراك
و إنْ... مقة:
جملة اعتراضيّة

ما هي الأحاسيس التّي أثارتها الغربة في نفس الشّاعر؟
تذكّر الوطن و الحنين إليه بعد اشتغال الذّاكرة
وطن الشّاعرُ ( مصر ) سيقتحمُ عليه عالمه الجديد ( المنفى: الأندلس ) و هو ما سيُعمّقُ معاناته و آلامه
الشّاعر يعيشُ غُربتين:
- غربة ماديّة: البعد ماديّا عن الوطن
- غربة نفسيّة: مشاعر الشّوق و الحنين التّي استبدّت به
ما أسبابُ هذه الأحاسيس و المشاعر؟
الوطن ( مصر ) يسكُنُ ذات الشّاعر و يتوغّلُ في كيانه
الوطن ليس مجرّد إطار مكانيّ ( ماديّ ) فقط و لكنّه ذو أبعاد نفسيّة وجدانيّة بالأساس: يختزلُ حياة الإنسان و يُعبّر عن هُويّته
التّشبيه: شبّه الشّاعرُ مصر بعين ماء من الجنّة
الاستعارة: تشبيه مصر بإنسان يسقي الظّمآن كافورا ( نبتٌ طيّب عطر الرّائحة )
تشبيه
المشبّه: مصر
المشبّه به: الكَرْمُ
الأداة: الكاف
وجه الشّبه: العطاء و الكرم
على جوانبها + حول حافاتها + ملاعبٌ + رواق + أربُعٌ: أطر مكانيّة
التّمائمُ = خرزة وما يشبهها تُعلَّق في العنق ظنًّا أنها تدفع العينَ أو تقي من الأرواح الشِّرِّيرة
مرِحت – أنِست: معجم السّعادة و الانشراح
تشبيه
المشبّه: مصر
المشبّه به: أمّ مصر
الأداة: الكاف
وجه الشّبه: الحنان و العطف
ما الصّورة التّي ابتناها الشّاعر لوطنه؟
- الوطن = الحياة
و قد عبّر عن ذلك بتشبيه مصر بعين ماء من الجنّة، فالوطن هو حياة الإنسان و هو مبرّر وجوده. إنّه ذلك النّبض الذّي يُتيح للإنسان أن يكون و أن يتجذّر في هذا العالم باعتباره يمنح حياته معنى و هدفا ( الأنا = الوطن )
الوطن بهذا المعنى هو الضّامن لخلود الإنسان: يجعله ذاتا فاعلة في التّاريخ و بانية للحضارة الإنسانيّة
- الوطن = العطاء
و يظهر ذلك أوّلا في توسّل الاستعارة، فالعين المرادفة للوطن شبّهت بإنسان ثمّ حُذف المشبّه به و رُمِز إليه بفعل يختصّ به ( تسقي ) و يظهر ذلك ثانيا في توظيف التّشبيه، ذلك أنّ الشّاعر قد عقد مماثلة بين مصر و الكرْمِ
الوطن إذن بذلٌ دائم و كَرَمٌ مُستمرٌّ و عطاء لا ينضب: إنّه ما يُحقّق إشباع الإنسان الماديّ ( خيرات الوطن ) و المعنويّ ( الشّعور بالانتشاء و الاعتزاز و الانتماء )
- الوطن = الملجأ و الملاذ:
فهو يجعل الإنسان يشعر بالاطمئنان و يُزيل عنه مشاعر الخوف و الخشية و الوحشة
- الوطن = السّعادة و الانشراح:
فهو يجعل الإنسان يشعر بالغبطة و الحُبور و يُبعد ُ عنه مشاعر الكآبة و الحزن و الألم
- الوطن = الأماني و الأحلام
فهو يحتضن ما يعتمل في ذات الإنسان من طموحات و يُعايش أحلامه و أمانيه و يُوفّر الظّروف الملائمة لتحقّقها
- الوطن = الأمّ:
فهو قرينُ الحنان الأبديّ و الحبّ الخالد و العطاء الدّائم و التّضحية المستمرّة

توسّل الشّاعر الأسلوب الإنشائيّ في المقطع الأوّل للتّعبير عن شدّة ألمه بسبب بُعده عن وطنه
وظّف الشّاعر التّشبيه و الاستعارة و المعجم في المقطع الثّاني لابتناء صورة نورانيّة لوطنه ارتقت به إلى مصاف المقدّس
و الجامع بين المقطعين هذا التّقاطع الفريد بين أنا الشّاعر و أنا الوطن
 

المرفقات

التعديل الأخير بواسطة المشرف:
  • التفاعل
التفاعلات: الوفاء الدّائم