• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

بحوث و دراسات المنزع العقلي عند التوحيدي

  • بادئ الموضوع بادئ الموضوع سمر
  • تاريخ البدء تاريخ البدء

سمر

عضو نشيط
منتدى تونس التّربوي
المشاركات
226
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
م. الدّراسي
جامعي
الاختصاص
عربيّة
المهنة
طالبة
تقديم كتاب الإمتاع والمؤانسة:


ذكر أحمد أمين في مقدّمة تحقيقه لكتاب "الإمتاع و المؤانسة " قصّة طريفة حول تأليف هذا الكتاب , يقول :" ذلك أنّ أبا الوفاء المهندس كان صديقا لأبي حيّان و للوزير أبي عبد الله العارض (ابن سعدان ) فقرّب أبو الوفاء أبا حيّان من الوزير و مدحه عنده حتى جعل الوزير ابن سعدان أبو حيّان من سمّاره. فسمره سبعا و ثلاثين ليلة كان يحادثه فيها, و يطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيّان .
ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيّان أن يقصّ عليه كل ما دار بينه و بين الوزير من حديث و ذكّره بنعمته عليه بوصله بالوزير , مع أنّه ( أي أبا حيّان ) ليس أهلا لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته و سوء عاداته و قلّة مرانته و حقارة لبساه .
و هدّده إن هو لم يفعل يغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته و ينزل الأذى به. فأجاب أبو حيّان طلب أبي الوفاء و نزل على حكمه وفضّل أن يدوّن ذلك في كتاب يشتمل على كلّ ما دار بينه و بين الوزير....." .
وصف الكتاب :

قسّم أبو حيّان كتابه إلى ليال, فكان يُدّون في كلّ ليلة ما دار بينه و بين الوزير على طريقة: " قال لي / سألني / قلت له / أجبته...".
و كان الوزير هوالذي يقترح موضوع المُسامرة و ربّما أثارت إجابة أبي حيّان تساؤلات أخرى لدى الوزير فيطرحها مباشرة أو يسأل أبا حيّان أن يُراجع فيها أساتذته. و أحيانا كان الوزير يطلب من التوحيدي أن يستكمل حديث السّمر برسالته يدّونها في نفس الغرض لمزيد الفائدة والتوّسع. و إذا انتهى المجلس في آخر الليل طلب الوزير من أبي حيّان أن يختم حديثه بطرفة أو نادرة أو يبت رقيق و يسمّي هذه الخاتمة "ملحمة الوداع ".
يتكوّن الكتاب من ثلاثة أجزاء, و لا تخضع موضوعات الحديث فيها لترتيب واضح المعالم أو تبويب و إنّما تخضع لخواطر العقل و شجون الحديث. و تتنوّع هذه الموضوعات تنوّعا شاملا يصّور مختلف وجوه الثقافة العربية الإسلامية حينئذ و يعبّرعن اهتمامات الناس و مشاغلهم الفكرية, و يمكن أن نحدّد أهم المواضيع المقترحة والمطروحة في الكتاب بالعناصر التالية:
× نقد المعاصرين من الفلاسفة والمفكرين و الأدباء المتكلّمين.
× البحث في طبائع الحيوان .
× بين الفلسفة و اللغة .
× بين الفلسفة والشريعة.
× مختارات من جوامع الكلام و الأحاديثالفصيحة .
× المفاضلة بين الشعر والنثر.
× المفاضلة بين الحساب والبلاغة.
× الحديث عن المغنين و المغنيات ببغداد و أحوال الناس في الطرب.
× أمر المطعمين والطّامعين.
× أسئلة فلسفية عن النفس و المعاد وحدود الأخلاق.
× أحداث تاريخية.
×أحوال المتكلّمين في أقوالهم وشكوكهم.
× الحديث عن خصائص الأمم.
×المفاضلة بين العرب والأعاجم.
× التفرقة بين العقل والحسّ.
× الحديث عن الجبر و القدر .
لعلّ هذا الثراء و هذا الثراء انعكاس لطبيعة الثقافة الشمولية التي وسمت مؤلفات ذلك العصر وهي الثقافة التي حدّدها الجاحظ بقوله "الأخذ بكل شيء بطرف " لهذا يكون الإمتاع و المؤانسة صورة جلية لما ينبغي أن تكون عليه المصنفات النثرية في عصر التوحيدي و قد أكّد النقاد و الدّارسون القدامى على هذه النزعة الشمولية التي ميّزت الكتاب و اعتبروها شهادة على سعة علم صاحبه و اتساع دائرة معارفه .
و قد وصف التوحيدي كتابه في بداية جزئه الأوّل (ج ) مخاطبا أبا الوفاء المهندس قائلا:"...و إن كان فيه أيضا غير ذلك ممّا يضحك السّن , و يفكّه النفس و يدعو إلى الرّشاد , و يدلّ على النّصح , و يؤكد الحرمة و يعقد الذّمام , وينشر الحكمة , و يشرّف الهمّة و يلقح العقل, و يزيد في الفهم و الأدب , و يفتح باب اليمن و البركة ,و ينفّق بضاعة أهل العلم في السوق الكاسدة , و يوقظ العيون النّاعسة........و يكون سببا قويّا على حسن الحال و طيب العيش ."
و إذا أردنا أن نراجع هذا القول يمكن أن نستنتج منه العناصرالتالية:
للكتاب مجموعة من الفوائد:
§ فائدة و قيمة ترفيهية : " يضحك السنّ ويفكّه النّفس "
§ فائدة وقيمة أخلاقية :" يدعو إلى الرّشاد و يدّل على النّصح و يؤكد الحرمة ".
§ فائدة وقيمة عقلية :" ينشر الحكمة ويشرّف الهمّة و يلقح العقل ".
§ فائدة وقيمة أدبية علمية :" يزيد في الفهم و الأدب ".
§ قيمة إصلاحية :" يوقظ العيون النّاعسة...طلب العيش ".
العوامل المؤثرة في أدب أبي حيّان التوحيدي:

× فساد الإدارة الحاكمة مما أوجد تدهورا سياسيا و أخلاقيا و اجتماعيا...و فتح الباب لتهديدات الرّوم.
× نشأته في أرقى العصور الإسلامية حضارة و ثقافة.
× بصيرة نافذة و خيال خصب إلى جانب فكر يقظ و حاسّة فنية ذوّاقة للجمال.
× نزعة عقلية لمحاولة فهم أحوال مجتمعه و عصره .
× إحساس مرهف مع صراحة في القول و ميل إلى تتبع العيوب.
× حياة الخصاصة والفقر التي جعلته ناقما.
× تتلمذه على يد مجموعة من مشائخ عصره : السبرافي – الرماني – أبو سليمان المنطقي...
× مطالعته و رحلاته الكثيرة و مخالطته لمجالس العلماء.
× إعجابه بالجاحظ.
× تفرّغه للعلم ممّا جعله غزير المعرفة واسع الثقافة.....
التّوحيدي وأستاذه أبو سليمان المنطقي :

أبو سليمان المنطقي ,هو محمّد بهرام السجستاني , جاء إلى بغداد و عرف بلقب المنطقي . و كان التوحيدي من أشدّ الناس إعجابا بسعة معرفته و شمولية علمه ممّا أثّر في أبي حيّان أدبا و تكوينا , و قد دوّن له التوحيدي كثيرا من الآراء المستطرفة في النفس و في ما وراء الطبيعة و في الفلسفة الإلهية و في أمور أخرى . و قد وصفه بأنّه كان غزيرالمعرفة واسع الصّدر , و لا ينغلق أمامه باب من الأمور الرّوحية و الأسرارالغيبية.
لقد اختار أبوسليمان " السيرة الفاضلة " التي يمثلها "سقراط" و هي سيرة تجمع بين الزّهد والفلسفة , فرضي بحالة الفقر و قنع بالقليل من الطعام غير أنّه لم يكن محروما من عطايا الكبراء و خاصة عضد الدولة البويهي.

التوحيدي و ابن سعدان:
لئن حقق التوحيدي في اتصاله بابن سعدان شيئا من الرّاحة النفسيّة و اليسر المادي فان صلته بالوزير لم تحقّق له كل ما كان يصبو إليه , و هذا ما جعله يتوسّط من جديد بصديقه أبي الوفاء المهندس و هو يعتذر بأنّ الوزير مشغول و لا يجد لديه متّسعا من الوقت لينظرفي أمره , و لعلّ ابن سعدان كان يقصد هذا المنع عن أبي حيّان و كأنّه كان يريد أن يتركه دائما في حاجة إليه , و قد تفطن ابن سعدان إلى نقطة ضعف أبي حيّان فأراد أن يستغلّها و أن يعيّنه جاسوسا بين الرّعية ينقل الأخبار و يصوّر الأحوال و يعيد عليه الشائعات .
و لمّا أحسّ التوحيدي بخلفيات مطالب الوزير امتنع أن يكون عينا له فرفض الخروج صحبة أحد رجال الوزير في مهمة فهم من خلالها غاية الوزير ابن سعدان و هي أن يجعل منه مراقبا وجاسوسا .
هكذا يفرّق التوحيدي في علاقته بابن سعدان بين المشورة و النصح و بين التجسّس و نقل الأخبار لأنه كان يعتقد أنه أرفع من أن ينقلب عينا لمخدومه بل أنّه لا ينقل خبرا إلاّ و هو يعتقد في إمكانيّة إصلاح ما هو موجود و توعية الوزير بمواضع الخلل في دولته .

و نتيجة لهذا الإخلاص عمل التوحيدي على أن يرسم للوزير خطوطا عريضة تساعده على تيسير حكمه في ما ينفع و يعود عليه بالأمن و الاستقرار . و هنا يكمن التوجّه الإصلاحي في كتاب الإمتاع و المؤانسة .
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف: