• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

أنماط الرواية العربيّة الجديدة في نماذج ورؤى نقديّة

  • بادئ الموضوع بادئ الموضوع salma
  • تاريخ البدء تاريخ البدء

salma

نجم المنتدى
منتدى تونس التّربوي
المشاركات
1,068
الدّولة
تونس
الولاية
نابل
م. الدّراسي
جامعي
الاختصاص
علوم
المهنة
طالبة: عربية
أنماط الرواية العربيّة الجديدة في نماذج ورؤى نقديّة
احمد شلتوت



يتدرّج تصنيف نماذج الرواية العربية ومراحل تطوّرها بين الرؤى التقليدية والحديثة والجديدة. تعيد تلك التقليدية إنتاج الوعي السائد، وتبقى معه بدلالاتها وإن كانت فقيرة بمحتواها وفي بنائها. وفيما تعتبر الرواية الحديثة تصميماً يجسّد رؤية توثيقيّة للعالم، فإن الرواية الجديدة تبقى تجسيداً لرؤية لا يقينية. هكذا يحاول د. شكري عزيز الماضي تصنيف الرؤية العربية، في عدد جديد من «سلسلة عالم المعرفة» صادر عن «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب» في الكويت بعنوان «أنماط الرواية العربية الجديدة».

يعتبر د. الماضي أن إسهامات الرواية التقليدية في تطوّر بنية الرواية العربية لا يستهان بها، سواء على صعيد اللغة أم على صعيد تشكيل قاعدة من القرّاء. تقدّم الرواية العربية الحديثة الحقائق النوعية الفنيّة بصورة مقنعة مع الإيهام بواقعية عملها، مستندةً الى مبادئ السببيّة والنمو والتماسك والإيهام…
أما ظهور هذه الرواية فيتركز على أسس أدبية وثقافية واجتماعية وسياسية وحضارية، وتراكم الخبرات الفنيّة والأدبية، وتطوّر الوعي الجمالي والاحتكاك والتواصل مع تجارب الروائيين الأجانب.
ولأن النص الروائي هو بناء من القيم يشيّد بواسطة اللغة، ولأن المراحل الصعبة والتحوّلات المجتمعية والصدمات الكبيرة تدفع بالمبدع نحو البحث عن قيم فنيّة جديدة ودالة (الباحث في الرؤية العربية يرى أن هزيمة 1967 هي بمنزلة الحد الفاصل بين مرحلتين في حياة الرؤية في الوطن العربي)، فإن هذه العوامل كافة بالإضافة الى عوامل أخرى، هيأت المناخ الملائم للتمرّد على الجماليات الروائية المألوفة.
جماليّات التفكّك
بحسب المؤلف، عندما تنشطر الأبنية الاجتماعية والمجتمعية ويفقد الإنسان وحدته مع ذاته، لا بد من الاستناد الى جماليات التفكك بدلاً من الوحدة والتناغم، فهذا التفكيك كمنهج يلحظ الانحرافات السردية المتكرّرة في الرواية الجديدة، كالانتقال من حدث الى آخر ومن مكان الى آخر ومن شخصية الى ثانية، وكسر التسلسل الزمني وعدم وحدة الموضوع وتناغمه. وعلى الرغم من تفكك البنية الروائية وتبعثر عناصرها الظاهرة، فإن هذا «التصميم المتناثر» ينطوي في داخله على دوائر دلالية جزئية، يمكّن المرء من الوصول الى استخلاص معنى الدلالة الكليّة.
يضم الكتاب بين دفّتيه دراسات تطبيقية لتجارب روائية عربية جديدة، ظهرت بعد هزيمة 1967، في مصر والمغرب وتونس والجزائر والعراق ولبنان وسوريا والأردن وفلسطين، بالإضافة الى حضور لصوت الروائيين الشبّان الجدد ولصوت المرأة الروائية.
تتمثل هويّة الرواية الجديدة إذاً في التمرد الدائم الذي يصل الى حدود التمرد على الذات، أما ميزتها التي لا تشكل مدرسة أدبية، فتبقى «ضمن ما يستلهم الأنواع السردية القديمة والحديثة في توليفة لبنية سردية هجينة جديدة («الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» لإميل حبيب)، تعتمد على المفارقة بدءاً بالعناوين، ومروراً بالمواضيع والصور الوصفية والسردية، وانتهاءً بالنسيج اللغوي والبناء الفنّي، ومنها ما يجسّد بنية سردية غنائية جديدة تبيّن النزعات الغنائية المألوفة للتعبير عن جمود الزمن («أرواح هندسية»، «فقهاء الظلام»، «الريّش» لسليم بركات).
في الرواية الجديدة يتجسّد السرد الغنائي المليء بعناصر تراثية، من خلال التصميم لا الحبكة، ومنها ما يرسم دوائر سردية تشير إلى علاقة جديدة بين مفهومي الكتابة والقراءة في تقاطعهما مع حركة الواقع («مملكة الغرباء» لإلياس خوري)، إذ لا تصف الرواية الواقع ولا تحاكيه بل تتعالى عليه، الى الرواية التي تتمتع ببنية سردية فسيفسائية لتأكيد التعدد والتنوع («النخاس» الصلاح الديني بوجاه)، وكذلك النوع الذي يتمتع ببنية سردية تنهل من جماليات التفكّك («.. أنت منذ اليوم» لـ تيسير سبول و{الشظايا والفسيفساء» لمؤنس الزّاز) التي تعتمد على جماليات التشظي والتضاد والتنافر.
سيرة الأشياء
ومن الرواية الجديدة نوع يتمتع ببنية سردّية تروي سيرة الأشياء وليس البشر («هليوبوليس» لمي التلمساني) والتي تعمل على تأسيس وعي جمالي جديد ينطوي على مفهوم خاص للكتابة الروائية، وآخر له بنية سردية تلجأ الى النموّ الاستعاري الشعري بديلاً للحركة الروائية المألوفة («وردة للوقت المغربي» لأحمد المديني)، إذ نجد نصاً صادماً، لأنه يستند الى مفاهيم جديدة للرواية والأدب عموماً. ونجد بنية سردية لنوع من هذه الروايات ينمو من خلال التناسل اللاعضوي («مارس المدينة الضائعة» لابراهيم نصر الله)، وهي رؤية تبدأ بأسئلة أدبية ونقدية تتصل بمعنى السرد والعلاقة بين المتخيّل والواقعي وفلسفة الشكل وجماليات التلقي، أو بنية سردية تتمرد على الحدود والقيود وتثير إشكالية التجسس («الديناصور الأخير» و{شرفة الهذيان») وبنية سردية تنهل من جماليات الرعب («الشمعة والدهاليز»)، أو من الأجواء الغرائبية العجائبية («الوالي الطاهر يعود الى مقامه الزكي» للطاهر وطار) التي يتوافر فيها تلاحم نسبي بين محتواها وتشكيلاتها الفنية، وصولاً الى بنية سردية مفتتة في سبيل التمرد حتى على سلطة المعنى («بيضة النعامة» لرؤوف مسعد)، حيث يجتمع النص كله على تمزيق العلاقات الإنسانية.
ينهي المؤلف كتابه (العدد 355 من «سلسلة عالم المعرفة»، 295 صفحة) بخاتمة تعدد ملاحظات أساسية، من بينها أن ظهور الرواية الجديدة لم ينحصر في بيئة عربية بعينها، بل امتد ليشمل الوطن العربي من محيطه إلى خليجه، وأن هذه التجارب الروائية ترفض التقاليد الجمالية الراسية وتتمرد على المنظومات الفكرية والأيديولوجية المألوفة، مستندة الى مفاهيم جديدة وفلسفة فنية خاصة، إذ تنهل من جماليات التفكك والتشظي والتجاور والتضاد والتوازي والتنافس. في هذه التجارب يلاحظ غياب البطولة والشخصية المحورية، ونهوض اللغة الروائية بمهمات متعددة نهائية ودلالية، وبتساؤلات وتكثيف وترميز… وهذه التجارب حريصة على استحواذ اهتمام القارئ وجعله يقظاً، بالإضافة الى أنها تجارب تنطلق من مفهوم جديد للكتابة الروائية، متمردة على القيود ويمتد تمردها ليشمل مفهوم النوع وحدوده وعلاقاته، إذ تتيح أبنيتها السردية المتنوعة مجالاً واسعاً لقراءات نقدية متعددة. هذه الروايات، برأي الكتاب، إنجاز فني يضاف الى مسار الرواية العربية .
«أنماط الرواية العربية الجديدة» يضيف بلا شك جديداً الى إشكاليات النقد الأدبي الروائي المعاصر، ويسهم بشكل فاعل في إعادة تصنيف الرواية العربية. بالإضافة إلى أنه مزدان بالهوامش والمصادر والمراجع ومشغول بدقة وبأسلوب بحثي مشوّق وموضوعي.