• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

التفكيك / موت المؤلف وغياب النص

جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
المشاركات
1,773
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
م. الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
التفكيك / موت المؤلف وغياب النص

ضمد كاظم وسمي

بنيت استراتيجية التفكيك على رفض البنيوية .. بل والشك في كل الانظمة والقوانين والتقاليد السابقة والقائمة .. ومضت قدما تحت يافظة ( لا نهائية المعنى ) ، وانتصرت لذاتية القراءة في تغييبها للنموذج .. واضافت الى فوضى الدلالة ـ التي انتجتها البنيوية ـ لغة نقدية براقة تجر الى ذاتها ـ ادبية لغة النقد بدلا من علمية النقد ـ تفضي الى تورية النص .. لابل وساقت الامر الى تضييعه في نهاية المطاف .. يقول الكاتب عبد العزيز حمودة : ( واذا كان النقد البنيوي يحجب القصيدة عن المتلقي او القاريء ، ويدخله في متاهات وطلاسم النقد الذي يلفت النظر الى نفسه اولا ، او الميتانقد ، فان التفكيك يضيع النص تماما ) .

ان التفكيك يقوم على اساس : ان لايوجد مركز ثابت ـ يمكن الانطلاق منه لتقديم تفسير معتمد للنص ، كما لاتوجد قراءة موثوق بها ـ قراءة مفضلة او مرجحة ، .. واعتماد اللعب الحر للغة ـ الوحدات اللغوية المكونة للنص في حالة لعب حر ـ ، وهذا يعني عدم تبني قراءة نقدية واحدة .. بل ان القراءات مفتوحة .. تغطي عدد المتلقين .. وبذلك تكون القراءة لانهائية .. الامر الذي يشير الى لامعنى النص : يقول الناقد التفكيكي ( ميللر) : ( ان على القاريء ان يقوم بالرقص التفسيري على الجانبين ليشرح مقطوعة مادون ان يصل ابدا الى مقطوعة يمكن اعتبارها المقطوعة الرئيسية او الاصلية لو المنشئة لمبدأ مستقل عام للتفسير ) . انها مخاتلة مستمرة ومراوغة لانهائية يعتمدها التفكيكيون .. في قولهم بالتفسيرات اللانهائية للنص .. انها عملية تجاذب دائب بين المتلقي / الناقد والنص .. وهما يمارسان الرقص على الجانبين .. واللعب الحر .. اذن يستحيل التقاؤهما في نقطة مركزية ساكنة وفق المنهج التفكيكي .. ( وفي كلتا الحالتين يختفي النص ، يختفي عند البنيويين وراء لغة نقدية تلفت النظر الى نفسها بصفتها ابداعا جديدا ، ويختفي عند التفكيكين الذين لايعترفون بوجود النص اصلا ) . ان النقاد الحداثيين .. مابرحوا يفبركون النص النقدي .. لتعطيل دوره كوسيلة لمقاربة النص واضاءته .. ويعمدون لتحويله الى غاية في حد ذاته ..

كما فعل ( رولان بارت ) في دراسته المعروفة ( س / ز ) لقصة بلزاك حتى غدت الدراسة ذاتها اكثر اثارة للاهتمام من نص بلزاك .. بل كان لها من القدرة على الامتاع المستقل مافاق مباهج النص ذاته . من المباديء التي درج النقاد القدامى والحداثيون على توظيفها في مناهجهم مبدأ انكار القصدية .. وهو مبدأ يقوم على اساس دراسة النص بمعزل عن قصد الكاتب .. وتستبعد المسبقات الفكرية والقيمية للمتلقي .. وصولا الى الموضوعية المجردة من الذات ( ذات المبدع وذات المتلقي ) .. والاحتكام الى النص فقط .. وقد طور هذا المبدأ على يد ( اليوت ومدرسته ) .. ثم فعّل عندما استخدم ( كلينث بروكس ) مقولة ( خرافة القصدية ) لاول مرة عام 1954 .. أي قبل ظهور المشروع البنيوي واستراتيجية التفكيك على التوالي ببضع سنوات ، لكن النقاد الحداثيين ، افرغوا مبدأ انتفاء القصدية من مضمونه السابق .. والزموه بعدا مشبعا بفوضى التفسير .. وتجاوزوا اقصاء قصدية المؤلف من النص .. الى تغييب النص نفسه .. ليعلنوا ( موت المؤلف وغياب النص ) .. واخلوا الساحة النقدية والادبية من الحضور .. لتصبح قراءة المتلقي هي الحضور الوحيد .. تقول حكمت الخطيب : ( نحن القراء طرف في علاقة طرفها النص . نحن نبدع النصوص حين نقرأها . ونحن بالقراءة نقيم حياة النصوص او نشهد على موتها ) .. أي تتكاثر النصوص بتكاثر قراء النص الواحد .. وهو كلام يشي بمزج متميز لمقولتي ( النقد كابداع ) و ( غياب النص الثابت ) . مما لامراء فيه ان الاخذ بالمقولات التفكيكية القائلة ( بغياب النص الثابت ، واختفاء المركز او الجوهر ، واللعب الحر ، ولا نهائية القراءات ) .. سيقود الى حالة من فوضى الدلالة .. ووصم كل قراءة بالاساءة والفشل .. وهذا يعني ان لافرق بين قراءة واخرى .. فضلا عن ان نظريات المتلقي ـ الحضور الوحيد لقراءة المتلقي ـ واضمحلال القراءة المعول عليها تجر الى فوضى النقد .. وهو ما يجعل الناقد الحداثي مطمئنا الى تلك المقولات والنظريات الجاهزة المسبقة ليوالف بين المتناقضات ، او يباعد بين المؤلفات .. بشكل غرائبي وعجائبي .. يعلق ( جون اليس ) على ذلك في ضوء نقده للتفكيك : ( الفكرة المتكررة تنبع من عقل الناقد المعني وليس موجودة في اعمال هوفمان وكلايست وكافكا . ان نقول ان هناك بعض التداخل في الثيمات بين عدد من المؤلفين ليس امرا يصعب تصديقه ، لكن القول بان مجموعة شديدة الاختلاف من المؤلفين لها نفس الاهتمام الغالب فهذا موضوع اخر) . لقد انتجت الحداثة الغربية منذ نهاية القرن التاسع عشر الكثير من المدارس الادبية والنقدية التي كانت وليدة تطورات الفكر الغربي في الثلاثمائة سنة الاخيرة ذلك الفكر الذي اكسب المصطلحات الخاصة بالحداثة ... دلالاتها وشرعيتها .. وحينما يلجأ الحداثيون العرب الى نقل المصطلح الحداثي الغربي الجديد . لتدجينه محليا بعد تنقيته من عوالقه الفلسفية .. فانه سيفرغ من دلالته ويعجز بالتالي عن ان يحدد معنى .. اما اذا نقل مثقلا بخلفيته الفكرية والقيمية فسينتهي الى حالة من الاضطراب والفوضى .. لان منظومة القيم المعرفية للمنشا ـ الغرب ـ تتعارض مع منظومة القيم المعرفية السائدة في البلاد العربية والمنبثقة عن تطورات الفكر العربي خلال القرون الاسلامية والقرون المعاصرة .. يقول الكاتب عبد العزيز حمودة واصفا نشاط النقاد الحداثيين العرب : ( واصبح نشاطنا الفكري في البنيوية والتفكيك ضربا من العبث او درسا في الفوضى الثقافية ، وكلاهما نوع من الترف الفكري الذي لا يتقبله واقعنا الثقافي ) . يمكن القول ان البنيوية والتفكيك ..

أشادا بناءهما على اساس مشترك .. وهو رفض المذاهب النقدية السابقة والقائمة . ورغم تفاوت الوسائل التي اعتمدها كل منهما غير انهما اجمعا على هدف واحد .. وهو تحقيق المعنى .. وخلصا الى ذات المحطة النهائية ((فالبنيوين فشلوا في تحقيق المعنى والتفكيكيون نجحوا في تحقيق اللامعنى))
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل