• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

أقنعة رولان بارت

  • بادئ الموضوع بادئ الموضوع salma
  • تاريخ البدء تاريخ البدء

salma

نجم المنتدى
منتدى تونس التّربوي
المشاركات
1,068
الدّولة
تونس
الولاية
نابل
م. الدّراسي
جامعي
الاختصاص
علوم
المهنة
طالبة: عربية
أقنعة رولان بارت

​
img_1332806879_765.jpg
جوناثان كلر

ترجمة*:‬* ‬السيد إمام​


يصف واين بوث رولان بارت بـ* "‬الرجل الذي يمكن أن يكون صاحب أقوي تأثير علي النقد الأمريكي في الوقت الراهن*" ‬كما يصفه جون ستروك بأنه* "‬منشط لا مثيل له للذهن الأدبي،* ‬و يبلغ* ‬من الجرأة في صياغة المباديء الجديدة لفهم الأدب،* ‬ما يبلغه من الإثارة في إطراح المباديء القديمة*".‬
ولكن من يكون حقاً* ‬رولان بارت ؟ هل يمكن تعيين هويته النقدية والفكرية ؟ علي أي أساس يمكن أن نصنفه* : ‬مؤرخ أدبي ؟ ميثولوجي ؟ ناقد؟ سيميولوجي ؟ بنيوي ؟ أديب ؟ مناظر؟ رجل اللذة ؟ من الصعب تصنيف بارت أو حصره تحت أي مسمي من المسميات*. ‬لقد كان كل هذه الأشياء المتنافرة جميعها* : ‬كان دائماً* ‬يشير إلي نفسه بعبارة* "‬أسير دائماً* ‬وانا أشير إلي قناعي*". ‬كان معجباً* ‬باستعارة القناع،* ‬ويري في سيرة عمله النقدي والإبداعي مجرد تناوب للأقنعة*.‬
الناقد الشهير جوناثان كلر،* ‬صاحب الاسهامات المؤثرة في النظرية الأدبية لا يعني بتقديم استعراض لحياة بارت و ليس معنياً* ‬كذلك بتقديم سيرة حول حياته المهنية أو الإبداعية،* ‬بقدر ما يقدم رؤية تنطوي علي كثير من النقد قدر انطوائها علي كثير من التقدير والاعجاب*.‬
الكاتــــب

عندما يعود رولان بارت إلي كتابه* ‬بارت بقلم بارت* ‬Barthes par Barthes ،* ‬لا يجد نفسه ناقداً،* ‬ولا سيميولوجياً،* ‬وإنما كاتباً*. ‬إنه لا يقلب الرأي في صحة المفاهيم التي شدَّد عليها،* ‬وإنما ينتبه إلي فاعليتها كتكتيكات للكتابة* ‬إنها تجعل النص يعمل بالطريقة الملائمة* ‬،* ‬إنها* ‬تتيح له قول شيء* . ‬لقد جعله موت أمه راغباً* ‬في الكتابة عنها،* ‬وأظهر المسار النهائي لمحاضراته في الكوليج دي فرانس،* ‬حول* ‬الاستعداد للرواية* ‬،* ‬اهتماماً* ‬مدهشاً* ‬بتفاصيل حياة الكُتَّاب* ‬،* ‬وبالكيفية التي كانوا ينظمون بها اوقاتهم،* ‬فضاءات عملهم،* ‬وحياتهم الاجتماعية أثناء انخراطهم في عملية الكتابة*. ‬
* ‬ناقش في المقابلات الشخصية التي جرت معه وفي كتاب* ‬بارت بقلم بارت* ‬علاقته الخاصة بأدوات الكتابة* (‬القلم الحبر كان مفضلاً* ‬علي القلم الجاف أو الآلة الكاتبة*)‬،* ‬وتنظيم طاولة الكتابة،* ‬وجدوله اليومي* - ‬مناقشات تم محاكاتها محاكاة ساخرة في* ‬Le Roland Barthes san peine* . ‬لقد أعلن ذات مرة،* ‬أن الكتابة بالنسبة لكاتب حقيقي فعلٌ* ‬لازم*: ‬إننا نكتب فحسب* (‬أو نكتب نصاً*). ‬والآن،* ‬يقدم عمله ذاته علي النحو التالي*: ‬إن مهمته ليست تحليل أنواع معينة من الظواهر عن طريق القراءة*. بارت بقلم بارت* ‬ليس نقداً* ‬لأعماله السابقة*: ‬إنني أتخلي عن التتبع المرهق لقطعةٍ* ‬قديمة من نفسي،* ‬أنا لا أحاول استعادة نفسي* (‬كما يمكن أن نقول عن الأثر أو التذكار*). ‬أنا لا أقول*: ‬سوف أصف نفسي؛* ‬ولكن* ‬أكتب نصاً* ‬أدعوه ر*. ‬ب* . ‬إنه يقترح أن عمله كله يمكن أن يكون محاولة سرية لإحياء يومية جيد* ‬،* ‬وهو شكل أدبي تستكشف مقاطعه بانعكاسٍ* ‬ذاتي صلته الفعالة بالكتابة*.‬
حتي في الوقت الذي كان يقترح فيه علوماً* ‬جديدة،* ‬منح نفسه إجازة الكاتب في أن ينتحل ويستثمر لغة اختصاصات أخري*. ‬مقاله* ‬الأسطورة اليوم* ‬في كتاب* ‬ميثولوجيات* ‬Mythologies* ‬يخبرنا في فقرته الأولي بأن الأسطورة* ‬نوعٌ* ‬من الكلام* ‬،* ‬أحد أنظمة الاتصال* ‬،* ‬رسالة* ‬و* ‬إحدي صيغ* ‬التدليل* ‬،* ‬التي تستخف في مرح بالتمييزات الهامة بين هذه المفردات في اللسانيات*. ‬ولقد* ‬غدت علاقة بارت الكتابية في ما بعد بالمفاهيم أكثر وضوحاً* ‬وأصبحت موضوعاً* ‬للتعليق*. ‬كتاب* ‬الغرفة المضيئة* ‬La chamber claire* ‬،* ‬يقول بارت،* ‬ينحرف عن* ‬فينومينولوجيا مبهمة اتفاقية،* ‬بل وكلبية ساخرة،* ‬وهو يوافق بيسر علي تشويه أو تفادي مبادئها تبعاً* ‬للهوي الذي يوجه تحليلي* ‬
* ‬إن مقطعاً* ‬من* ‬بارت بقلم بارت* ‬يصف هذا النزوع بمفردات مختلفة*:‬
بالنسبة للأنظمة المحيطة به،* ‬ما هو عمله؟ تقول* ‬غرفة الصدي*: ‬إنه يعيد إنتاج الأفكار علي نحو سييء،* ‬إنه يتبع الكلمات،* ‬إنه يبدي احترامه لمفرداته اللغوية،* ‬يستدعي الأفكار،* ‬يكررها تحت اسم من الأسماء؛ إنه يستفيد من هذا الاسم كما يستفيد من رمز* ‬emblem* (‬وبذا يمارس نوعاً* ‬من الأيديوغرافيا* * ‬الفلسفية*) ‬ويعفيه هذا الرمز من تتبع النظام الذي يكون* ‬الرمز فيه هو داله* (‬الذي يمثل ببساطة علامةً* ‬له*). ‬إن الطرح أو التحويل* ‬transference المستمد من التحليل النفسي والذي يبدو أنه موجود هناك،* ‬يهجر مع ذلك بسهولة الموقف الأوديبي*. ‬إن* ‬مستودع الصور اللاكاني* ‬imaginaire* ‬يمتد إلي تخوم* ‬عشق الذات* ‬الكلاسيكي* ‬amoure propre*.. ‬إن* ‬البورجوازية تستقبل النبرة الماركسية كلها،* ‬ولكنها تستمر في تدفقها تجاه الجمالي والأخلاقي*. ‬وبهذه الطريقة،* ‬تنتقل الكلمات* ‬،* ‬بدون شك،* ‬وتتواصل الأنظمة،* ‬وتختبر الحداثة* ‬modernity (الطريقة التي تُختبر بها كل الأزرار في جهاز راديو لا نعرف طريقة تشغيله*)‬،* ‬ولكن المتناص* ‬intertext* ‬الذي يتم انتاجه بهذه الطريقة،* ‬يكون سطحياً* ‬علي نحو حَرْفي*: ‬
فالاسم* (‬فلسفياً* ‬،* ‬نفسياً* ‬تحليلياً* ‬،* ‬سياسياً* ‬،* ‬علمياً*)‬،* ‬يحتفظ في نظامه الأصلي بخطٍ* ‬لا يُقطع ولكنه يبقي*: ‬متماسكاً* ‬وطافياً*. ‬إن السبب في ذلك دون شك هو أن المرء لا يمكنه أن يرغب في وقتٍ* ‬واحدٍ* ‬في كلمةٍ* ‬ويصل بها إلي منتهاها*: ‬إن الرغبة في الكلمة،* ‬بداخله* ‬،* ‬تسود،* ‬ولكن تلك اللذة تتشكل جزئياً* ‬بفضل نوع من الاهتزاز المذهبي*. ‬
ومهما يكن من أمر لذائذ تحرير مصطلحٍ* ‬ما من نظامه الأصلي،* ‬فإن* ‬الاهتزاز المذهبي* ‬كانت له أهميته بالنسبة لنجاح كتابات بارت،* ‬وعندما كان يتخلي عن ذلك عبر ابتكاره لمصطلحاته الخاصة،* ‬متخلياً* ‬عن الدعم المكشوف لمتن خطابٍ* ‬آخر،* ‬فإن النتائج تكون جد مختلفة*. ‬ولكونه عاشقا دائماً* ‬للتصنيفات،* ‬فقد اعتاد اللجوء إلي مصطلحات فنية أو مسكوكات إغريقية*. ‬إنه يؤكد في* ‬عن راسين* ‬Sur Racine* ‬وجود ثلاثة أنواع من التاريخ الأدبي*: ‬تاريخ المدلولات الأدبية،* ‬تاريخ الدوال الأدبية،* ‬وتاريخ الدلالة الأدبية*. ‬إن استخدام المصطلحات التي تسكن معاً* ‬والتي يؤيدها نظام من الفكر،* ‬يمنح التصنيف منطقاً* ‬ومقبولية حتي في حالة استخدامها علي نحو مجازي*. ‬تأمل في المقابل،* ‬تصنيفاً* ‬من* ‬Sollers écrivain* ‬،* ‬حيث يقترح بارت وجود خمس طرق لقراءة سولرز والتي يمكن أن تترجم تقريباً* ‬إلي* ‬في الوخز* ‬،* ‬في التذوق* ‬،* ‬في البسط* ‬،* ‬الاسفاف بمستوي الأرض* ‬،* ‬في كبد السماء* ‬إن هذه الطوبولوجيا تصويرية علي نحو مضاعف*: ‬إن المقولات تقدم كما لو أنها صيغ* ‬أو مفاتيح* (‬قراءة* ‬في كبد السماء* ‬،* ‬وهي مستمدة من مناطق جد مختلفة من الخطاب؛ ولا يكاد يكون بينها جامع مشترك وتستخدم بطرق ملتوية في القراءة*. ‬أن تقرأ في* ‬صيغة الوخز* ‬يعني ان تلتقط عبارات سائغة من هنا وهناك،* ‬وأن تقرأ في* ‬صيغة التذوق* ‬يعني أن تتبني بشكلٍ* ‬كامل تطوراً* ‬خاصاً،* ‬وأن تقرأ في* ‬صيغة البسط* ‬هو أن تتقدم بسرعة واضطرار ؛ بينما تتقدم قراءة في* ‬الاسفاف بمستوي سطح الأرض* ‬كلمة بكلمة،* ‬وتتبني قراءة* ‬في كبد السماء* ‬مسحاً* ‬يري النص كموضوعٍ* ‬في سياق* ‬،* ‬وهذا ما يمكن أن نطلق عليه طوبولوجيا الجاهز للاستعمال عند الحاجة*: ‬وهي قراءة موحية،* ‬وربما ذكية،* ‬ولكن بدون افتراضات نظرية،* ‬وفرصة تكاد تكون منعدمة في أن يحاول الآخرون دمجها في نظرية للقراءة*. ‬لقد واصل بارت عمل بيانات نظرية ولكنه كان يجد علي نحو متزايد طرقاً* ‬لتقديمها،* ‬طرقاً* ‬تقوض مكانتها النظرية*.‬
إنه مميز ككاتبٍ،* ‬وعظيم الأثر*: ‬أستاذ النثر الفرنسي الذي سك لغة جديدة ونابضة بالحياة للنقاش الفكري*. ‬إن إيثاره لنحوٍ* ‬بَدَلي* ‬appositional* ‬فضفاض* ‬غير اعتيادي،* ‬يُسْلِك معاً* ‬في خيط واحد جملاً* ‬وعبارات تصل إلي ظاهرة من الظواهر من زوايا مختلفة،* ‬يُمَكِّنه من إضفاء طابع من المادية الحسِّية علي المفاهيم المجردة*. ‬وأساس فنه هو استخدام إحدي المفردات وإيحاءات سياقها المعتاد في سياق كامل الاختلاف،* ‬الأمر الذي يتجلي أكثر ما يتجلي في الاستعارات التي يُجْعَل فيها السياق المنقول صريحاً*: ‬أنا لا أستعيد نفسي* (‬كما نتحدث عن أثر أو تذكار*) ‬؛* ‬معفي من المعني* (‬كما يعفي المرء من الخدمة العسكرية*) . ‬إن بارت يصف خياله بوصفه* ‬تناظرياً* ‬homological وليس استعارياً،* ‬يهتم بمقارنة أنظمةٍ* ‬وليس موضوعاتٍ* ‬معينة* ‬وهذا* ‬،* ‬في آن معاً،* ‬أحد ملامح أسلوبه واستراتيجية تحليلية عامة،* ‬مثلما يتعامل مع أحد الأنشطة بوصفه لغة ويسعي لاكتشاف المكونات والتمييزات الممكنة التي يستلزمها هذا النشاط*.‬
إن كتاب* ‬إمبراطورية العلامات* ‬هو عمله الأول* ‬غير المقيد بمشروع نقدي تحليلي*. ‬لقد لاحظ أن اليابان* ‬حررتني كثيراً* ‬علي مستوي الكتابة* ‬لقد وجد أمامه في الحياة اليومية موضوعات ومشروعات كانت تتطلب كتابةً* ‬تتسم بالخفة والنشاط،* ‬ميثولوجيات سعيدة للحضارة خلافاً* ‬لميثولوجياتنا*. ‬وبدلاً* ‬من تخيل يوتوبيا خيالية،* ‬يكتب بارت،* ‬أستطيع* ‬دون أن أدعي بأي طريقة من الطرق تصوير أو تحليل أي واقع مهما كان نوعه،* ‬أن أنتقي من مكانٍ* ‬ما في العالم عدداً* ‬من الملامح* (‬مفردة جرافية ولسانية*) ‬وأشكل منها نظاماً*. ‬وهذا هو النظام الذي سوف أطلق عليه* ‬اليابان* . ‬إن ستاً* ‬وعشرين مقطعاً* ‬طويلاً* ‬يتأمل كل منهما ملمحاً* ‬معيناً* ‬من ملامح هذه الحضارة* - ‬الطعام* ‬،* ‬المسرح* ‬،* ‬الوجوه،* ‬haiku* ‬،* ‬آلات الثقب* ‬* ‬ترسم الخطوط العامة ليوتوبيا بارت* ‬،* ‬حيث تفرغ* ‬الأشكال من المعني ويكون كل شيء سطحياً،* ‬دون أي ذكر لليابان الرأسمالية بمعجزاتها الاقتصادية وتفوقها التكنولوجي*. ‬لقد كان بارت علي وعي بنوع الانتهاك الذي يرتكبه والذي يتمثل في إضفائه طابعاً* ‬من المثالية علي اليابان،* ‬في الوقت الذي كان فيه أصدقاؤه من جماعة* ‬تل كل* ‬يشجعون ماوتسي تونج والثورة الثقافية الصينية*. ‬ومهما يكن من أمر حقيقتها،* ‬فإن اليابان وضعت بارت* ‬en situation d ecriture* (‬في موقع الكتابة*).‬
إن كتاب* ‬بارت بقلم بارت* ‬ربما يكون أهم إنجازات هذا الكاتب*. ‬إنه مجموعة من المقاطع المرتبة ترتيباً* ‬أبجدياً،* ‬بعضها بضمير المتكلم وبعضها بضمير الغائب،* ‬ولها عناوين عَرَضية إلي حدٍ* ‬ما،* ‬والتي يمكن أن تكون قد أضيفت فيما بعد لكي توحي بتنظيم عشوائي؛ هذا* ‬ليس كتاب أفكاره الخاصة* ‬وإنما* ‬كتابُ* ‬مقاومة أفكاره الخاصة* ‬. إن الكتاب المُغوي في انتقاصه الذاتي الخيالي يغري المرء باستخدامه كمرشدٍ* ‬معتمد،* ‬نظراً* ‬لإنكاره سلطته الخاصة علي وجه الخصوص*: ‬إن ما أكتبه عن نفسي ليس أبداً* ‬الكلمة الأخيرة*: ‬كلما كنت أكثر إخلاصاً،* ‬كنت أكثر قابلية للتأويل* ... ‬إن نصوصي منفصلة،* ‬ليس فيها نصٌ* ‬يتمم الآخر؛ والنص اللاحق ليس سوي نصٍ* ‬مغاير،* ‬وآخر نص في السلسلة ليس النهائي في المعني* : ‬نصٌ* ‬فوق نص لا يضيء شيئاً* ‬البته*.‬
إنه يقاوم أفكاره ويتحدث عن* ‬ر*. ‬ب* ‬،* ‬ولا يحلل نفسه وإنما* ‬يُخرِج نظاماً* - ‬للصورة* ‬* ‬مطوفاً* ‬حول صُوره* ‬،* ‬مثل مسطحات علي المسرح* ‬،* ‬مستدعياً* ‬بعضها من الكواليس،* ‬ودافعاً* ‬ببعضها الآخر إلي الخلف،* ‬في استبعاد لها*. ‬إنه يقدم ذكريات الطفولة علي نحو أكثر إيجابية ونوستالجية مما كانت توحي به ملاحظاته السابقة حول نفسه*. ‬إنه لا يتردد في رسم الخطوط العامة للحياة المطمئنة التي كان يحياها بوصفه أحد أعضاء الطبقة الوسطي،* ‬وخاصة عندما كان يقضي عطلاته في الريف*... ‬من المؤكد أنني عندما أفشي أسرار حياتي علي نحو أكبر،* ‬كلما فضحت نفسي أكثر لأن ما هو* ‬خصوصي* ‬حقيقة* ‬ً،* ‬وسييء السمعة بالنسبة لمعتقد* ‬Doka* ‬انتليجنسيا اليسار،* ‬هو الأفعال التافهة،* ‬آثار الأيديولوجية البورجوازية التي تبوح بها الذات* ). ‬إنه* ‬،* ‬وفقاً* ‬لهذه الشروط،* ‬يُخاطِر بالفعل*. ‬،* ‬علي الرغم من أن الكتاب كتوم علي نحو مدهش بالنسبة لموضوعات أخري*. ‬إنه يكتب عن أمه،* ‬ولكنه يتحاشي تماماً* ‬الكلام عن أخيه* ‬غير الشقيق الذي استبعده من كتابته دافعٌ* ‬غامض*. ‬إن نصير الجسد هذا لا يرتكب أي حماقات جنسية*. ‬إن مقتطفاً* ‬من* ‬الإلهة* ‬H* ‬يشير إلي أن* ‬اللذة الكامنة في إنحرافٍ* ‬ما* (‬إنحراف الشذوذ الجنسي وتدخين الحشيش في هذه الحالة*) ‬غالباً* ‬ما يُستخف بها*. ‬ولكن ليس هناك ما يشير،* ‬سواء عن طريق* ‬
الاعتراف أو الحكاية،* ‬إلي الكيفية التي كانت عليها حياته الجنسية*. ‬إنني* ‬عبر* ‬كتابة الذات* ‬،* ‬وجمع نظام الصورة* ‬أُعطلها لكي أحمي نفسي وأَعْرِضها في ذات الوقت* . ‬إن النِسب تكون محسوبةً* ‬بدقةإن صفات بارت يمكن أن تُعرض علي أفضل وجه عن طريق مقاطع مثل المقاطع التالية،* ‬وهي تأمل ذاتي الوعي حول الكتابة*:‬
إن نبرةً* ‬حكمية يوحي بها هذا الكتاب* (‬نحن* ‬،* ‬المرء،* ‬دائماً*) ‬والآن* ‬،* ‬تختلط الحكمة بفكرةٍ* ‬جوهرية حول الطبيعة الإنسانية،* ‬إنها ترتبط بأيديولوجيا كلاسيكية*: ‬إنها أكثر أشكال اللغة* ‬غطرسة* (‬وأغباها في الغالب*). ‬لماذا لا نرفضها إذن؟ إن السبب هو،* ‬كما كان الحال دائماً،* ‬انفعالي*: ‬إنني أكتب حكماً* (‬أو إنني ألخص حركتها*) ‬لكي أعيد الطمأنينة إلي نفسي*: ‬عندما تطرأ أزمة،* ‬فإنني ألطف من وقعها بأن أعهد بنفسي لثباتٍ* ‬ما يفوق طاقاتي*: ‬إن الأمر في الحقيقة يكون دائماً* ‬علي هذه الشاكلة* : ‬وتولد الحكمة*. ‬إن الحكمة هي نوع من إسم* - ‬الجملة* ‬،* ‬أن تسمي يعني أن تلطف*. ‬وفضلاً* ‬عن ذلك،* ‬يكون هذا أيضاً* ‬حكمة*: ‬إنه يلطف مخاوفي بشأن البحث عن* ‬غلوٍ* ‬ما عن طريق كتابة الحكم*. ‬
إن قوة هذه التأملات تعتمد علي تحديدها لهوية الأسباب العاطفية للأبنية الفكرية*. ‬ولكن نظراً* ‬لأن ما يُغوي هو تفسيرٌ* ‬قوي* - ‬بناء ذهني* - ‬فإن القارئ،* ‬شأنه شأن الكاتب نفسه،* ‬يقع في فخ دائرة خطابية*. ‬وكلما إزداد الإيمان الذي نخلعه علي هذا التأمل،* ‬كلما تعين علينا ان نشك فيه أكثر*.. ‬إن مثل هذه التفخيخات هي آثار كتابة قوية*.‬
إن أكثر إنجازات بارت رواجاً* ‬ولامألوفية ككاتب هو كتاب* ‬مقاطع من خطاب عاشق* ‬Fragments dun discourse amoureux* ‬،* ‬وهو كتابة تنتمي لخطاب العشق*. ‬إن هذه اللغة* - ‬وهي بالأساس شكاوي وتأملات العاشق عندما يكون وحيداً،* ‬وليست تبادلات عاشق مع معشوقه* - ‬لغةٌ* ‬من طراز قديم*. ‬وعلي الرغم من أن الملايين من البشر يتكلمون هذه اللغة،* ‬وعلي الرغم من انتشارها في قصصنا الرومانسي وبرامج التليفزيون وكذلك في الأدب الجاد،* ‬لا توجد مؤسسة تهتم باستكشاف هذا الخطاب والحفاظ عليه،* ‬وتعديله والحكم عليه،* ‬وتكراره والاضطلاع بمسئوليته*. ‬إن بارت الذي يضطلع بجزء من هذا الدور* ‬،* ‬يجد فيه طريقاً* ‬لإنتاج* ‬الروائي* ‬the novelistic* : ‬الرواية مخصوماً* ‬منها الحبكة والشخصيات*. ‬إن بارت يضم معاً،* ‬تحت عناوين مرتبة ترتيباً* ‬أبجدياً* ‬خطابات من شتي الأنواع*: ‬اقتباسات وإعادة صياغات من أعمال أدبية،* ‬خاصة* ‬آلام فرتر* ‬لجوته،* ‬ملفوظات بضمير المتكلم يتأمل فيها عاشق بلا إسم موقفه ويفصح عنه،* ‬تأملات تقترحها كتابات نظرية شتي* (‬أفلاطون،* ‬نيتشه،* ‬لاكان*). ‬إن سلسلة المقاطع أو* ‬الصور* ‬images* (‬صور بمعني* ‬أوضاع* ) ‬كما يسميها،* ‬تقدم المادة بالنسبة لروايةٍ،* ‬وفرةً* ‬من المشاهِد والملفوظات العاطفية أو التأملية،* ‬وهناك تلميحات مُعذِّبة لقصة حب شخصية،ولكن ليس ثمة تطور أو استمرار،* ‬ليس ثمة حبكة ولا تصاعد في علاقة العشق،* ‬وبدلاً* ‬من تطوير الشخصيات،* ‬نعثر فقط علي الأدوار المعممة للعاشق والمعشوق*.‬
إن العناوين أسماء،* ‬أرقام* ‬غزلية أو* ‬انعطافات* :‬
فإذا كانت هناك صورة مثل* ‬قلق* ‬،* ‬فإن ذلك يُعزي إلي أن الذات تصيح أحياناً* (‬دون أي اعتداد بالمعني العيادي للكلمة*)‬Je suis anagoissé* (‬أعاني من نوبة قلق*!). ‬إن كالاس تغني في مكان ما* ‬Angoscia! . إن الصورة* (‬الوضع*) ‬هي نوع من لحنٍ* ‬أوبرالي؛ مثلما يمكن التعرف علي هذا اللحن،* ‬واستظهاره،* ‬واستخدامه عبر مذهبه* ‬incipit،* ‬فإن الصورة تستمد انحرافها من انعطافة عبارة،* ‬نوع من الشعر،* ‬لازمة أو قرار أو إنشاد تنطق به في الظلام*. ‬
* ‬أريد أن أفهم*... ‬،* ‬ما الذي يتوجب عمله*... ‬،* ‬عندما*... ‬أصبعي سهواً*... ‬،* ‬لا يمكن لهذا أن يستمر*... ‬،* ‬تلك هي بعض بدايات* ‬incipits صور العشق عند بارت الذي يقدم مقاطعاً* ‬سوف نتعرف عليها،* ‬كما يقول*. ‬إن الصور تتشكل علي قدر ما يمكن لنا أن نتعرف،* ‬في الخطاب العابر،* ‬علي شيء قد قُرأ،* ‬سُمعْ،* ‬استُشعِر* ‬ومثلما يكون نحو اللغة وصفاً* ‬للكفاءة اللسانية للمتحدثين الأصليين للغة،* ‬يسعي للإمساك بما هو مقبول نحوياً* ‬بالنسبة لهؤلاء المتحدثين،* ‬فإن بارت يحاول كذلك أن يمسك بما هو مقبول،* ‬ما يمكن إدراكه،* ‬تبعاً* ‬لشفرات ثقافتنا ومسكوكاتها،* ‬مثل شكوي العاشق*. ‬إن بارت يتخذ من رواية* ‬آلام فرتر* ‬لجوته نقطة مرجعية نظراً* ‬لأنها كانت تمثل نموذجاً* ‬لمواقف العشق في جزء كبير من الثقافة الغربية،* ‬وتقدم ذخيرة وافرة لهذه البلاغة السنتامنتالية المهملة*.‬
* ‬بارت يقترح محاكاة هذا الخطاب،* ‬ليس بهدف تحليله،* ‬ولكن لحظات التحليل* ‬غالباً* ‬ما تبرز* ‬،* ‬ويثبت العاشق المُحَاكي لنفسه أنه محلل ماهر،* ‬يتأمل بعمق حالته والعلامات المحيطة به*. ‬تأمل* ‬Quand* ‬mon doight par mégradeì (عندما* ... ‬إصبعي سهواً*). ‬إن الصورة تشير لأي خطاب داخلي يستدعيه اتصال مختلس بجسد* (‬وعلي نحو أدق ببشرة*) ‬الكائن موضوع الرغبة*. ‬إن المرء ليتوقع أن يركز العاشق علي المتعة الحسية للاتصال الجسدي ولكنه واقع في العشق*: ‬إنه يخلق المعني في كل مكان من لاشيء،* ‬والمعني هو الذي يسبب إثارته*: ‬إنه في بوتقة المعني*. ‬إن كل اتصال بالنسبة للعاشق يطرح سؤال الاستجابة*: ‬إن البشرة يطلب منها أن تستجيب*.‬
*(‬ضغط اليد* - ‬ملف ضخم من المعلومات* - ‬إشارة بسيطة في الكف،* ‬ركبة لا تتحرك بعيداً،* ‬ذراع تمتد كما لو كان بشكل طبيعي تماماً* ‬علي ظهر كنبة،* ‬تتريح عليها رأس الآخر تدريجياً*- ‬هذه هي المملكة الفردوسية للعلامات الدقيقة والسرية*: ‬مثل مهرجان،* ‬ليس للحواس ولكن للمعني*).‬
إن العاشق يحيا في عالم من العلامات*: ‬لا شيء يحيط بالمعشوق يكون خلواً* ‬من المعني،* ‬وبمقدوره قضاء الساعات يصنف ويؤول تفاصيل السلوك*. ‬إن الحادثة بسيطة* (‬ودائماً* ‬تكون بسيطة*) ‬ولكنها سوف تجذب إليها أي لغةٍ* ‬أمتلكها إن بارت واسع الحيلة ومقنع في وصف التأويلات السيميوطيقية للعاشق*. ‬إن العاشق* ‬غالباً* ‬ما يجد نفسه واقعاً* ‬في قبضة* ‬الصورة التأملية* ‬لـ* ‬ما يتعين عمله* :‬
إن قلقي بشأن السلوك عقيم*. ‬إذا أعطي الآخر،* ‬تصادفياً* ‬أو تهاونياً،* ‬رقم تليفون أحد الأمكنة التي يمكن أن يتواجد بها في أي وقت من الأوقات،* ‬فإنني أصاب بالارتباك في الحال*: ‬هل علي ان أقوم بعملية الاتصال أم لا؟* (‬وليس من المجدي أن تخبرني بأن عليّ* ‬أن أقوم بعملية الاتصال*- ‬هذا هو هدف الرسالة ومعناها المعقول*- ‬لأن هذه الإجازة تحديداً* ‬هي ما لا أعرف كيف أتناوله*).‬
بالنسبة لي* ‬،* ‬تكون الذات العاشقة،* ‬كل شيء جديد،* ‬كل شيء يزعج،* ‬يُستقبل ليس بوصفه حقيقة،* ‬وإنما بوصفه علاقة يتوجب تأويلها*. ‬إن الحقيقة،* ‬من وجهة نظر العاشق،* ‬تصبح هامة لأنها تُحوَّل مباشرة إلي علامة*: ‬إن العلامة وليس الحقيقة هي التي تكون هامة* (‬عبر ارتجاعها*). ‬فإذا ما أعطاني الآخر رقم تليفونه الجديد هذا،* ‬فما الذي تعنيه هذه العلامة؟ هل هي دعوة للاتصال به مباشرة،* ‬تحقيقاً* ‬لمتعة المكالمة،* ‬أم للاتصال به إذا اقتضت الضرورة ذلك؟ إن إجابتي ذاتها سوف تكون علامة،* ‬سوف يؤولها الآخر لا محالة،* ‬وبذا،* ‬يطلق بيننا،* ‬تلاعباً* ‬مربكاً* ‬للصور*. ‬إن كل شيء يدل*: ‬إنني بهذا الاقتراح أنصب لنفسي شركاً،* ‬أغرق نفسي في الحسابات،* ‬أفوت فرصة الاستمتاع*.‬
وأحياناً* ‬،* ‬بفضل التأمل في* ‬لاشيء* (‬طبقاً* ‬لوجهة نظر العالم*) ‬أرهق نفسي؛ ثم أحاول* ‬،* ‬كرد فعل،* ‬أن أعود* - ‬مثل رجل* ‬غريق يتشبث بقاع البحر*- ‬لقرار عفوي* (‬العفوية*: ‬الحلم العظيم*: ‬النعيم،* ‬الطاقة،* ‬المتعة*): ‬هيا،* ‬اتصل طالما انت تريد ذلك*! ‬ولكنه مسلك عقيم*: ‬إن زمن العشق لا يسمح للذات برصف الدافع والفعل،* ‬أن توفق بينهما*: ‬لست رجل* ‬الجسم* ‬* ‬جنوني مُلَطّف،* ‬إنه لا يُري؛ إنني أخاف العواقب،* ‬أي عواقب*: ‬إن خوفي* - ‬تأملي* - ‬هو الذي يكون عفوياً*. ‬
إن مثل هذه المقاطع الروائية لا تصور فقط صوراً* ‬يمكن التعرف عليها لفكر العاشقين ولكنها تُظهر بشكل نابض ميكانيزمات الدلالة وتعقيداتها المربكة*. ‬إن ما يميز العاشق،* ‬المؤول الموسوس،* ‬والمحلل الذي يتمتع بجلاء البصر لورطته المؤوِّلة،* ‬عن السيميولوجي أو الميثولوجي هو سنتمنتالية خطابه*: ‬إنه ينظر إلي العلامات العرفية بوصفها علامات محفَّزة،* ‬ويضفي علي الموضوعات التافهة المحيطة به معنيً* ‬خاصاً* ‬يُري بوصفه فطرياً* ‬ومتأصلاً*. ‬2*. ‬إن هذه السنتامنتالية التي لا يقرها الرأي الحديث،* ‬تجعل من العشق شيئاً* ‬بالياً،* ‬بل و فاحشاً* ‬،* ‬موضوعاً* ‬لا يتعين مناقشته في صحبة مؤدبة* - ‬خلافا للجنس،* ‬الذي يلقي قبولاً* ‬في الخطاب الرائج في الوقت الحاضر*. (‬عكس تاريخي*: ‬لم يعد الجنس هو* ‬غير المحتشم،* ‬وإنما السنتامنتالي* - ‬المستهجن باسم ما يكون في النهاية أخلاقية أخري*) ‬ ولكن* ‬الفحش* ‬الحقيقي لسنتامنتالية العشق يكمن في حقيقة أن المرء لا يمكنه،* ‬بنشر السنتامنتالية،* ‬ارتكاب انتهاك مؤثر بحيث تظل تماماً* ‬خارج الحدود*. ‬إن فحش العشق مفرط*. ‬لا شيء يمكن أن يصلحه،* ‬يضفي عليه القيمة الموجبة للانتهاك*... ‬إن نص العشق* (‬لا يكاد يكون نصاً*)‬،* ‬يتألف من نرجسياتصغيرة،* ‬حقارات سيكولوجية ؛ إنه خلو من السمو؛ أو أن سموه* ... ‬يعجز عن بلوغ* ‬السمو* ‬
إن بارت،* ‬نصير الماركيز دي صاد،* ‬كان قد عمل علي خلق مناخ فكري يتمشي مع الانتهاك*. ‬إن استعادة سنتامنتالية العشق لاعتيادي،* ‬كما يقترح* ‬،* ‬هو انتهاك للانتهاك،* ‬خرق للأرثوذكسية التي تثمن الانتهاك الجذري*. ‬إن بارت بتسجيله لصور خطابٍ* ‬مهمل،* ‬يفاجئنا في المقاطع بجعل الحب،* ‬في أشكاله الأكثر عبثية وسنتامنتالية* ‬،* ‬موضع اهتمام*.‬

تقول* ‬غرفة الصدي*: ‬إنه يعيد إنتاج الأفكار علي نحو سييء،* ‬إنه يتبع الكلمات،* ‬إنه يبدي احترامه لمفرداته اللغوية،* ‬يستدعي الأفكار،* ‬يكررها تحت اسم من الأسماء؛ إنه يستفيد من هذا الاسم كما يستفيد من رمز* ‬emblem* (‬ولذا يمارس نوعاً* ‬من الأيديوغرافيا* * ‬الفلسفية*).‬
إن الحقيقة،* ‬من وجهة نظر العاشق،* ‬تصبح هامة لأنها تُحوَّل مباشرة إلي علامة*: ‬إن العلامة وليس الحقيقة هي التي تكون هامة* (‬عبر ارتجاعها*). ‬فإذا ما أعطاني الآخر رقم تليفونه الجديد هذا،* ‬فما الذي تعنيه هذه العلامة*.‬


الأديب

*"‬ليست لي سيرة ذاتية*" ‬،* ‬هذا ما يصرح به بارت*. "‬أو،* ‬بمعني أصح،* ‬منذ كتبت أول سطر،* ‬لم أعد أري نفسي*." ‬غني بإمكانه،* ‬أن يستدعي،* ‬بل ويستدعي،* ‬طفولته ويحكي عن مراهقته،* ‬ولكن منذ ذلك الوقت،* "‬يحدث كل شيء من خلال الكتابة*" (‬(Le Grain de la voix *. ‬إن تأملاته الذكية،* ‬والمنتقصة من الذات تقدمه كمزيج من كتابات متفرقة،* ‬والتصريحات والقضايا،* ‬تنوع من المقاطع* ‬غير المستقرة بلا وحدة أو مركز*: "‬إن الذات التي أكونها ليست موحَّدة*" .‬إن* "‬كتاب بارت بقلم بارت*" ‬يناوب بين رأيين*. ‬فمن جهة يشكو من أن* "‬كتابة الذات*" ‬تهدد أو تزيح الذات عن طريق الروايات* ‬fictions*. "‬إنني بسببٍ* ‬من استخدامي الحر للغة،* ‬لا أجد شيئاً* ‬أقارن نفسي به*... ‬إن الرمز يصبح* - ‬حرفياً*- ‬مباشراً؛ خطراً* ‬جوهرياً* ‬علي حياة الذات*: ‬أن تكتب عن نفسك يمكن أن تبدو فكرة طموحة؛ ولكنها أيضاً* ‬فكرة بسيطة شأنها شأن فكرة الانتحار* . ‬ولكن هذه المقاطع،* ‬من جهة اخري،* ‬تخلص لعدم وجود شيء خلف هذه الروايات*. ‬إن الذات بناء خطابي*: "‬إن الذات مجرد أثر من آثار اللغة*"‬،* ‬ذات أدبية* . "‬ألا أعرف أن لا وجود للمرجع في حقل الذات؟*... "‬أنا القصة التي تَحْدُث لنفسي*" ‬ إن بارت بالنسبة لنفسه،* ‬كما هو بالنسبة لنا،* ‬هو تشكيلة من الكتابات؛ التي لا يمكن التخلص من تضاداتها أو تناقضاتها بتحديد أي الصيغ* ‬أو القضايا هي حقاً* ‬بارت* - ‬اللهم إلا إذا كان بارت نفسه بناءاً* ‬تشكَّل لتنظيم هذه الفقرات*. ‬
إن بارت أديبٌ* ‬بمعني أن حياته حياةُ* ‬كتابةً،* ‬مغامرة مع اللغة؛ ولكنه مع نهاية حياته كان قد أصبح يحتل دور الأديب بالمعني التقليدي*. ‬كان قد* ‬غدا تجسيداً* "‬للقيم الأدبية*": ‬عشقاً* ‬للغة وخصوصاً* ‬العبارة المنفلتة أو الصورة الموحية الثرية،* ‬حساسية للإيحائية السيكلوجية للموضوعات والأحداث،* ‬اهتماماً* ‬بالمنتوجات الثقافة بشتي أنواعها؛ والتزاماً* ‬بأولوية بالحياة الذهنية*. ‬لم يكن بارت مجرد ناقد،* ‬وإنما شخصية أدبية،* ‬قدمت آراؤه حول القضايا الثقافية لمعاصريه اتجاهاً* ‬ثقافياً* ‬وجمالياً*. ‬وعندما تحدث إلي أحد المحررين عن الكسل* - ‬كانت إحدي مقابلاته الشخصية بعنوان* "‬تحدي الكسل*!"- ‬قدم صيغاً* ‬ممتازة وغير تقليدية يغذيها منظور نظري،* ‬ذو تمييزات نافذة واهتمام بالقيم الروحية*. ‬لقد كتب بانتظام مقدمات لكتب جديدة أو كتالوجات للمعارض،* ‬وناقش مسائل الطعام،* ‬والذهاب إلي الأوبرا،* ‬والعزف علي البيانو،* ‬وتذكر الطفولة*. ‬ويدعي بارت في* "‬الدرس*" ‬Leçon* "‬أن أسطورة الكاتب الفرنسي العظيم،* ‬المستودع المقدس لكل القيم العليا،* ‬قد تحللت*." ‬وحل محلها نوع جديد* "‬لم نعد نعرف عنه شيئاً* - ‬أو لا نعرف عنه شيئاً* ‬بعد*- ‬كيف نسميه*: ‬كاتباً؟ مثقفاً؟ كاتب مخطوطات* ‬scriptor؟ لقد اختفت الأستاذية علي أية حال*. ‬إن بارت،* ‬في هذا النمط الجديد يحقق خطته من خلال تخليه عن الأستاذية،* ‬مقترحاً* "‬نزهات قصيرة*": ‬مقاطع تَسْتكشفُ،عبر اللغات النظرية لزمننا،* ‬خبرات عن التفكير والمعيشة*.‬
ويُظهره آخرُ* ‬كتبه* "‬الغرفة المضيئة*" ‬La Chamber claire* ‬في دور المعلق الثقافي*. ‬إنه يقرر،* ‬بعد أن يستبعد المعرفة التقنية ويؤكد بالتالي علي أنه يجلب إلي تأمله حول الصور الفوتوغرافية ثقافته الأدبية،* ‬وحساسيته،* ‬وخبرته الإنسانية،* ‬أن* "‬يشتق كل الصور الفوتوغرافية*" ‬من صورة واحدة لا* ‬غير،* ‬هي صورة أمه،* ‬والتي تمثل له* ‬
*"‬تحولها إلي ذاتها*".‬إنه بطرحه لصلات الفوتوغرافيا بالعشق والموت،* ‬يستكشف ببلاغةٍ* ‬وحساسيةٍ* ‬استجاباتهِ* ‬لموت أمه حديث العهد*: ‬لأن ما فقدته ليس شخصاً* (‬الأم*)‬،* ‬وإنماً* ‬كائناً،* ‬ليس كائناً* ‬وإنما صفة* ( ‬quality روح*): ‬ليس ما لا يمكن الاستغناء عنه وإنما ما لا يُستعاض عنه*. ‬باستطاعتي أن أحيا بدون الأم* (‬كما يحدث لنا جميعاً* ‬عاجلاً* ‬أم آجلاً*)‬؛ ولكن ما أبقت عليه الحياة شيء* ‬غير قابل للوصف* (‬بدون صفة*) ‬كلية ومطلقاً*."‬* ‬إن الفوتوغرافيا،* ‬كما يَخْلُصْ،* ‬تقول* "‬كان هذا*" ‬؛* "‬إن جوهر الفوتوغرافيا هو التصديق علي ما تمثله"إن جاذبية هذا النموذج من الكتابة،* ‬الذي يجسد فيه بارت علي نحوٍ* ‬غير مُهَدِّد* "‬الحكمة*" ‬أو* "‬التبصر*" ‬الذي يمكن أن تنجزه حساسية أدبية،* ‬تبرز في المراجعة التي قامت بها مجلة نيوزويك،* ‬وهي المراجعة التي تثني علي النزعة الإنسانية الغنائية لهذا الكتاب العظيم*": ‬إن بارت يصطحب القارئ في رحلة* ‬غنائية منقولة ببراعة،* ‬لصميم حياته الخاصة،* ‬والوسط الذي أحبه،* ‬وسط يعبث دائماً* ‬بـ* "‬الواقع العصي للوضع الإنساني*.‬
كيف وصل رولان بارت إلي هذه النقطة؟ إنه يضيف في كتاب* "‬بارت بقلم بارت*" ‬آلية* ‬ً* ‬ويقترح مساراً*:‬
تكوينات تفاعلية*: ‬معتقد* ‬Doxa* (‬رأي سائد*) ‬يُطرح* ‬،* ‬لا يُطاق؛ ولكي أحرر نفسي منه،* ‬أفترض تناقضاً؛ ثم* ‬يتضح عدم صلاحية هذا التناقض،* ‬يصبح تحجراً* ‬جديداً،* ‬يصبح هو ذاته معتقداً* ‬جديداً،* ‬ويكون علي أن أبحث عن تناقض أبعد*.‬
دعنا نتتبع هذا المسار*. ‬عند مصدر العمل،* ‬إبهامٌ* ‬للعلاقات الإجتماعية،* ‬طبيعة زائفة*. ‬وتكون الدفعة الأولي إذن،* ‬هي ان تُعمي* (‬ميثولوجيات*) ‬Mythologies؛ ثم عندما تجمد التعمية بالتكرار،* ‬يتعين إزاحتها*: ‬يحاول علم السيميولوجيا* (‬الذي تم افتراضه حينئذ*) ‬أن يُحرِّك* ‬،* ‬أن يحيي،* ‬أن يسلح الإيماءة السيميولوجية،* ‬أو يموضعها،* ‬بمنحها منهجاً؛ ويُعَوَّق هذا العِلم بدوره عبر ذخيرة كاملة من الصور*. ‬إن الغاية من علمٍ* ‬سيميولوجي تُستبدل بعلمٍ* (‬يكون متجهماً* ‬في الغالب*) ‬للسيميولوجيين؛ ومن هنا،* ‬علي المرء ألا يفصل نفسه مطلقاً* ‬عن ذلك،* ‬يتوجب عليه أن يقدم إلي هذه الذخيرة من الصور العقلية نسيجَ* ‬الرغبة،* ‬مطالبَ* ‬الجسد*: ‬وهذا،* ‬إذن هو النص،* ‬نظرية النص*. ‬ولكن،* ‬مرة أخري،* ‬يواجه النص خطر الإصابة بالشلل*: ‬إنه يكرر نفسه،* ‬يُزوِّر نفسه في نصوص بلا بريق*...‬إن النص ينزع إلي التحلل إلي ثرثرة أو هذر* (‬بابل*) ‬إلي أين يذهب بعد ذلك؟* ‬
إنه يسعي* ‬،* ‬في مرحلة أولي،* ‬إلي إصلاح العلامات*: ‬إن عبارة * (‬prodeo* ‬Larvatus* ‬ (* ‬أتقدم مشيراً* ‬إلي قناعي*) ‬تتكرر* (‬ثلاث مرات في* "‬الدرجة صفر*" ‬وحده*) ‬بوصفها الشعار المثالي للأنشطة الدالة*. ‬إن علماً* ‬للعلامات يبدو هو الطريقة التي تجمع معاً* ‬ما يراه الخيوط الأكثر طرافة للبحث المعاصر*: ‬لم تعد البنيوية النفستحليلية،* ‬السيكلوجيا* ‬،* ‬بعض الأنماط الجديدة للنقد الأدبي التي قدم باشلار أولي نماذجها،* ‬تهتم بالحقائق إلا بقدر ما يكون لها دلالة*. ‬والآن،* ‬إن افتراض دلالة يعني ان يكون لك مدخل إلي السيميولوجيا ولكن ما أن يتم تشييد برنامجٍ* ‬للسيميولوجيا،* ‬حتي تجعل استجابةُ* ‬بارت من عمله شيئاً* ‬من علمٍ* ‬مُرسل* . ‬إن اللغات الواصفة التي كان يسعي إلي تشييدها كانت تعامل الآن كمعطيات؛ لكي يفكك النظرية لجأ إلي الاستيلاء علي مصطلحات هذه اللغات،* ‬مُخَلِّصاً* ‬إياها تقريباً* ‬من بعض تمييزاتها المحدِّدة وحفزها للانحراف نحو علاقات أخري*. ‬إن النص،* ‬وهو أحد* "‬مصطلحاته الأدبية*"‬،* ‬أصبح دالاً* ‬علي موضوعٍ* ‬جَمُوح،* ‬منظورٍ* ‬لا نهاية له لعلاقات دالة*. ‬إن النص الذي نُسج من خطابات سابقة،* ‬ينتسب إلي الثقافة ككل*. ‬إن فكرة القارئ ترتبط بفكرة النص لكي يُشكلا زوجاً* ‬عصياً*: ‬إن بمقدور المرء أن يؤكد علي الدور الحيوي للقارئ ضد أي محاولة للسيطرة علي النص من خلال التحليل* - ‬لا يوجد معني أو بنية عدا ما ينتجه القارئ*. ‬ويستطيع المرء* ‬،* ‬ضد أي محاولة لجعل القارئ موضوعاً* ‬لعلمٍ* (‬سيكلوجي*)‬،* ‬أن يؤكد علي امتلاك النصوص للموارد التي تزعزع أكثر الافتراضات المسبقة المستقرة للقراء،* ‬ولإحباط أكثر استراتيجياتهم سطوة*.‬
إن أحد الملامح اللافتة لبيانات بارت حول الأدب منذ* ‬S/Z،* ‬هو الكيفية التي يمكن بها للقارئ والنص تحويل الأماكن بسهولة في القصص التي يرويها*: ‬إن قصة القارئ الذي يبني نصاً* ‬تنقلب إلي قصة للنص الذي يتلاعب بالقارئ*. ‬إنه يكتب في مدخل* ‬Texte* ‬théorie du" في* ‬Encyclopaedia universalis أن* "‬النص ملك لكل إنسان*" ‬،* ‬ولكنه يواصل بسرعة،* "‬إن النص هو الذي يعمل بلا كلل،* ‬وليس الفنان أو المستهلك*." ‬وفي الصفحة التالية ينقلب إلي موقفه الأول*: "‬إن نظرية النص تزيل كل الحدود المفروضة علي حرية القراءة* (‬إجازة قراءة عمل من أعمال الماضي من وجهة نظر حديثة تماماً*...)‬،* ‬ولكنها تصر أيضاً* ‬علي نحو كبير علي التماثل المنتج للقراءة والكتابة*." ‬إن الاحتفاء بالقارئ كمنتج للنص يضاهيه وصف النص باعتباه القوة المتحكمة في هذه المواجهات*. ‬وتكون النتيجة هي تركيز الانتباه علي هذا التفاعل والحيلولة دون تبني وجهة نظر يمكن أن تشجع البحث النظامي*.‬
إن تحول كتابة بارت إلي الجسد،* ‬ولذَّات الحياة اليومية يبدو إزاحة دالة*. ‬لقد أصبح بارت* - ‬علي أقل تقدير*- ‬بفضل موضوعات ونموذج الكتابة الجديد لهذه المرحلة الجديدة،* ‬مقبولاً* ‬من جديد بالنسبة للطبقة البورجوازية التي كان قد ناصبها العداء من قبل*. ‬وتلاحظ أنيت لافير* ‬Annette Lavers أن الكلمات الجديدة* "‬اللذة*" ‬،* "‬الفتنة*" ‬و* "‬الحكمة*" ‬جعلت من الذكاء أقل تهديداً،* ‬وشجعت الموضوعات الجديدة* - ‬أحزان العشق،* ‬ذكريات الطفولة،* ‬التكريس الذهني ومشاهد الحياة الريفية* - ‬الجمهورَ* ‬الفرنسي علي اكتشافه ككاتب*. ‬من كان يتخيل أن الرولان بارت الذي نعي* "‬موت المؤلف*" ‬سوف يقوم بالتدريس الآن في الكوليج دي فرانس ويتناول موضوعات مثل عادات المؤلفين الفرنسيين الكلاسيكيين* (‬إرتداء بلزاك للعباءة* ‬،* ‬كراسات فلوبير،* ‬حجرة بروست المبطنة بالفللين*)‬،* ‬ويصف أعماله هو ليس من منطلق كونها إسهامات في هذا المشروع العام أو ذاك،* ‬وإنما بوصفها تجليات لرغبته الشخصية؟ ويمكن لنا أن نمضي أبعد من ذلك في وصف هذا العود الغريب*: ‬الاتجاهات التي تم رفضها من قبل تعاود الظهور في كتابته،* ‬ولكن في مكان آخر،* ‬علي مستوي مختلف*. ‬ولأنه يعلن اعتراضه علي كل الأنظمة،* ‬فإنه يشبه بغرابة التقليديين الأدبيين الذين رفضوا رولان بارت الصغير بازدراء بوصفه اختزاليا يفتقر إلي الحساسية*. ‬إنه يصرح في* "‬الغرفة المضيئة*" ‬Le Chamber claire* ‬أن ما هو مؤكد بالنسبة لي* "‬هو المقاومة المفرطة لأي نظام اختزالي*" ‬وينسي في* ‬غضون ذلك،* ‬فيما يبدو،* ‬الوظيفة الاستراتيجية للأنظمة للحيلولة بين المرء وارتداده إلي المسكوكات* "‬الطبيعية*" ‬غير المدركة لثقافته*.‬
إن بارت يلاحظ بطبيعة الحال عودته لتقديم موضوعات ومواقف يقدرها التقليد الثقافي الذي حاول تغييره في وقت من الأوقات* ‬،* ‬ولكنه يري ذلك كانتهاك آخر،* ‬زعزعة لأرثوذكسية المثقفين*. "‬ألا يمكن أن تكون إعادة تقديم مسحة من السنتامنتالية في ميدان الخطاب السياسي* - ‬الجنسي الذي تم اكتشافه وإدراكه وتحريره وسبره*... ‬هي الانتهاك النهائي؟* (‬Barthes par Barthers*). ‬إن بامكان المرء أن ينظر في الحقيقة إلي عمل بارت بوصفه خلقاً* ‬لمناخٍ* ‬له فيه أن يعيد من ثم تقديم ما هو تقليدي،* ‬كانتهاك طليعي،* ‬سوي أن هناك بعض مشكلات تعزز نزعة الشك حول الطبيعة الراديكالية لمرحلته الأخيرة*.‬
أولاً،* ‬هناك السهولة التي تتسلل بها الطبيعة مرة أخري إلي كتابته*: ‬إن ما نجده هناك ببساطة،* ‬في هيئة الجسد أساساً* ‬وكذلك كـ* "‬مرجع عنيد*" ‬في التصوير الفوتوغرافي،* ‬هو السلطوي وما لا يُشك فيه*. ‬لقد كشف عمل بارت النقدي والتحليلي بشكل متكرر محاولات افتراض طبيعة تحت الثقافة وإيراد أرضية طبيعية لأفعال المرء وتأويلاته*. ‬ولكنه وقع في السنوات اللاحقة وعلي نحو متزايد،* ‬فريسة لما يبدو قانوناً* ‬للخطاب*: ‬عندما تفضح الطبيعة بوصفها ثقافة،* ‬وتستبعدها من مكان ما،* ‬فإنها تعاود الظهور في مكانٍ* ‬آخر*.‬
ثانياً،* ‬يستفيد بارت من الجهود النظامية التي يتبرأ منها،* ‬ويمكن لنا أن نقبل هذه التبرؤات شاكرين إذا ما أبدي استعداداً* ‬أبعد للاعتراف بمكاسبه*. ‬إن نجاحه ككاتب ما كان ليحدث لو لم تكن تأملاته الوجيزة ترتبط عبر طرق شتي* - ‬عبر مفرداتها اللغوية،* ‬عبر موضوعاتها الصريحة* - ‬بالمشروعات النظامية التي صنعت شهرته*. ‬إن التأملات في* "‬بارت بقلم بارت*" ‬استفزازية،* ‬تحديداً،* ‬لأن المصطلحات المألوفة كانت تستخدم الآن بطرق جديدة* ‬* ‬لتفكيك النظريات التي ساهمت قبل ذلك في بنائها*. ‬لقد كان عمل بارت ناقصاً* ‬علي الدوام*: ‬إنه يقدم المشروعات،* ‬الخطوط العامة،* ‬الرؤي*. ‬إنه يصبح مثيراً* ‬للغضب عندما يقدم علي عدم الاكتمال كفضيلة،* ‬كما في* ‬S/Z،* ‬حيث يعزز البحث الأبعد للشفرات تحليلاً* ‬بارتياً*. ‬إن رفضه للنظام في أعماله الأخيرة هو بالتأكيد مقاومةً* ‬للسلطة،* ‬ولكن يمكن تأويله أيضاً* ‬بوصفه خدمة للذات وعلامة علي الرضا عن النفس* - ‬كما لو أن بيانه عن الكسل بوصفه مقاومة للسلطة قد قاده إلي اتباع ما تمليه عليه ذاته*: "‬هل تجرؤ علي الكسل*!"‬
ثالثاً،* ‬تشجع كتابات بارت بشكل متزايد ما يبدو أسطورة قوية،* ‬أسطورة* "‬الإعفاء من المعني*". ‬إنه يكتب في* "‬بارت بقلم بارت*" ‬من الطبيعي ان يحلم بعالم معفي من المعني* (‬كما يعفي المرء من الخدمة العسكرية*). ‬ولقد بدأ هذا مع* "‬الكتابة في الدرجة صفر*" ‬الذي يتخيل* "‬غياب أي علامةً،* ‬وبالتالي،* ‬غياب آلاف الإثباتات المتعلقة بهذا الحلم* (‬ما يتعلق بنص الطليعة،* ‬باليابان،* ‬بالموسيقي،* ‬بالبيت الإسكندري**‬،* ‬إلخ*) ‬.* ‬الحلم يوجد دائماً،* ‬ليس باللامعني،* ‬ولكن بأشكالٍ* ‬فارغةٍ* ‬من المعني*. ‬إن لهذا،* ‬كفكرةٍ* ‬نقدية،* ‬دوراً* ‬استراتيجياً*. ‬ولكن بارت في أعماله اللاحقة يبدأ في تقديم ما يمكن اعتباره بسهولة إعادة إثبات الأفكار النكوصية ما قبل السيميولوجية*. ‬إن الصور الفوتوغرافية،* ‬كما يدعي،* ‬تمثلُ* ‬ببساطة ما كان*: ‬إنه يستدعي صورة عبدٍ* "‬قُدِّمت فيها العبودية بدون توسُّط،* ‬وأُسِّست الواقعة بدون منهج*". ‬وهذا بالدقة دفع بالغيبة لصورةٍ* ‬صورةٍ* ‬فوتوغرافيةٍ* ‬أخري جري تحليلها في* "‬ميثولوجيات*" ‬،* ‬وهي صورة الجندي الأسود الذي يحيي العلم الفرنسي التي سارع بارت برفض ادعائها حول تمثيل* ‬غير مُوسَّط وأقام الدليل علي إندراجها ضمن الأنظمة الأيديولوجية للثقافة الفرنسية*.‬
إن بارت يحس بوجود مشكلةٍ* ‬هنا*. ‬إن مقطع* "‬الإعفاء من المعني*" ‬لافت للنظر بحيث يتعين وجود نسخة من هذا الحلم عند الرأي العام تحديداً،* ‬إن المعتقد* ‬Doxa* ‬أيضاً* ‬ليس له أي شغفٍ* ‬بالمعني*... ‬إنه يقاوم* ‬غزو المعني* (‬الذي يتحمل المثقفون مسئوليته*) ‬بالعيني* ‬the concrete أو المشخص*". ‬ولكن ربما لم يكن هذا لافتاً* ‬للنظر بما يكفي*: ‬ربما كان هذا هو ذات الأسطورة في الحالتين،* ‬علي الرغم من التعبير البلاغي الذي تكتسبه في عودتها اللولبية في عمل بارت*. ‬إنه يجادل بأنه لا يكرر هذه الأسطورة*: ‬إنه لا يبحث عن شرطٍ* ‬سابقٍ* ‬للمعني وإنما يتخيل شرطاً* ‬وراء المعني* (‬après sense*): "‬إن علي المرء أن يعترض المعني الكلي،* ‬كما لو كان يعترض امتداداً* ‬لطريقٍ* ‬،* ‬لكي يتمكن من تلطيفه،* ‬من إعفائه*." ‬وهذا الاختلاف مُلاحظ في معظم كتاباته حول الأدب،* ‬ولكنه حين يعود إلي الفوتوغرافيا يتخيلُ،* ‬ليس إفراغاً* ‬من المعني،* ‬أو إرباكاً* ‬للشفرات الثقافية،* ‬وإنما حالات توجد هناك فحسب،* ‬حالات سابقة علي المعني*. ‬إنه بتحديه لكل العمل الأكثر إقناعاً* ‬للمعني،* ‬يعيد إثبات الأسطورة التي علَّمنا مقاومتها*. ‬ويمكن لنا برغم ذلك ربما،* ‬ألا تصيبنا الدهشة من أن السيميولوجي الذي بيَّن لنا استحالة الهروب من المعني،* ‬يصبح الآن أكثر إصراراً* ‬علي البحث عن موقعٍ* ‬طبيعي يهرب من الشفرات الثقافية*.‬
ومن بين الأشياء الكثيرة التي تعاود الظهور،* ‬ولكن في مكانٍ* ‬آخر،* ‬هو الأدب التقليدي للقرن التاسع عشر.لقد بدأ بارت مناصراً* ‬للأدب التجريبي*- ‬فلوبير* ‬،* ‬كامي* ‬،* ‬روب،* ‬جرييه*- ‬ولكن الأدب القابل للفهم،* ‬المريح الذي نحاه جانباً* ‬لفشله في التجريب مع اللغة أو اتخاذ موقف من الشفرات التي يتكئ عليها،* ‬عاد ليكون عشقه الأول،* ‬بوصفه الموضوع الرئيسي لمحاضراته في الكوليج دي فرانس*. ‬وربما أمكن تصور مشروعه كله بوصفه طريقة للتخلص من الوصاية الأكاديمية المفروضة علي أدب القرن التاسع عشر،* ‬حتي يمكن أن يُستعاد،* ‬ليس كموضوع للمعرفة أو الدراسة،* ‬وإنما كموضوع للذة،* ‬ومصدراً* ‬للانتهاك بدون سمو*. ‬إن كتابي* ‬S/Z* ‬و* "‬لذة النص*" ‬اللذين يتخذان من أدب الطليعة نموذجاً* ‬،* ‬يطوران ممارسة للقراءة يمكن أن تكشف عن شطحات،* ‬وتعقيدات وتقويضات بلزاك،* ‬وشاتوبريان وبروست*. ‬ويتخذ كتاب* "‬مقاطع من خطاب عاشق*" ‬من الخطاب السنتامنتالي والعتيق لڤرتر،* ‬موضوعاً* ‬للاهتمام المعاصر*. ‬وليس هذا بالانجاز المتواضع،* ‬وما جعله ممكناً* ‬هو المناقشات النظرية التي رفعت قبضة النقد التقليدي عن الأدب*. ‬إن استشهاداً* ‬بليغاً* ‬من* "‬الدرس الافتتاحي*" ‬Leçon* ‬يجدر إيراده بلغته،* ‬يوضح*:‬
إن القيم القديمة لم تعد مُتناقلة،* ‬لم تعد متداولة،* ‬لم تعد تمارس تأثيراً؛ لقد نقض الأدب قداسته،* ‬وباتت المؤسسات عاجزة عن الدفاع عنه وفرضه بوصفه النموذج الضمني للإنسان*. ‬والأمر،* ‬إذا شئت* ‬،* ‬لا يكمن في التدمير الذي لحق بالأدب؛ وإنما بالأحري في كونه لم يعد محمياً*: ‬إذن هذه هي لحظة التحرك إلي هناك*. ‬إن السيميولوجيا الأدبية،* ‬إذا جاز القول،* ‬هي تلك الرحلة التي تجعلنا نحط الرحال علي بلدٍ* ‬يخلو من التخلف؛ لا وجود هناك لا للملائكة ولا للتنانين لحمايته*. ‬ويمكن أن يقع بصرنا،* ‬دون انحرافٍ،* ‬علي أشياء قديمة ومحببة،* ‬يكون مدلولها مجرداً،* ‬عفي عليه الزمان*. ‬إنها لحظة،* ‬هي في ذات الوقت،* ‬منحطة ونبوئية،* ‬لحظة لرؤيوية هادئة،* ‬لحظة تاريخية لأقصي لذةٍ* ‬ممكنة*. ‬
لا وجود لمشروع وحيد،* ‬وإنما تتابع من المشروعات المتباينة،* ‬هو القادر علي أن يقدم قابلية فهم هذه اللحظة الأغرب،* ‬عندما يعاود الظهور،* ‬ما كان قد نيل من سمعته؛ إن هذه الكتابات المتباينة وحدها هي التي يمكنها أن تخلق مثل إمكانات اللذة هاته،* ‬إمكانات الفهم والتجديد*.‬



رجـــل * ‬اللَّــذة
في مقابلة شخصية له جرت عام* ‬1975* ‬لتوضيح مفهومه عن اللذة في عمله* ‬،* ‬صرح بارت برغبته في* "‬تحمل تبعة نوع معين من أنواع مبدأ اللذة* ‬hedonism* ‬،* ‬وهو شكل من أشكال العودة إلي فلسفةٍ* ‬شوهت سمعتها وتم قمعها لقرون*" . ‬ويعد كتاب* "‬لذة النص*" ‬Le Plaisir du texte* ‬الوثيقة الأولية لهذا الإحياء*. ‬ولكن اللذة تلعب دوراً* ‬أساسياً* ‬في كتابات بارت الأخري*. ‬إنه يسأل في* "‬بارت بقلم بارت*" ‬Barthes* ‬ "ما الذي تعنيه فكرة ما بالنسبة إليه إن لم تكن توهجاً* ‬للذة* ‬un empourprement de plaisir* . ‬ويصرح في* "‬صاد* / ‬فورييه*/ ‬لويولا*" ‬النص موضوع للذة*". ‬ولكن اللذة يتوجب الاستيلاء عليها* "‬إن التحدي الذي يواجهنا به الأدب هو كيف يقلقنا هذا العمل،* ‬يثير دهشتنا* ‬،* ‬يحققنا؟
إن كتاب* "‬لذة النص*" ‬نظريةٌ* ‬في اللذة النصية،* ‬ولكنه أيضاً* ‬مرشد،* ‬بل واعتراف*. "‬إن ما يمتعني في قصةً* ‬ما،* ‬يكتب بارت* "‬ليس محتواها مباشرة،* ‬ولا حتي بنيتها،* ‬وإنما الخدوش التي أركِّبها علي السطح الرقيق*: ‬إنني أنطلق إلي الأمام* ‬،* ‬أثب مرحاً،* ‬أتطلع،* ‬أنغمس مرة أخري*" ‬إن اللذة تأتي من الانحراف الذي يحدث عندما لا أحترم الكل*"‬،* ‬وأُحْمَل عبر اللغة التي تبدو معتمة،* "‬مسرحية*"‬،* ‬أو حتي دقيقةً* ‬إلي حد الاسراف*. ‬إنه يحصل علي المتعة مثلاً* ‬من الدقة* "‬لقد قرأت في بوفار و بوشيه هذه العبارة التي تمنحني اللذة* "‬كانت الملابس،* ‬والملاءات،* ‬والمناشف كلها معلقة عمودياً،* ‬مشدودة* ‬إلي حبال متوترة بمشابك خشبية*." ‬هنا،* ‬أستمتع بدقة مسرفة،* ‬نوع من الدقة المهووسة للغة،* ‬جنون الوصف الذي نقابله في نصوص روب جرييه*)" ‬إن بارت الذي يروي عن استمتاعه بتفاصيل الحياة اليومية في الروايات* ‬،* ‬والسِّير الذاتية أو التواريخ* ‬،* ‬يواصل تخيل استاطيقا ترتكز علي لذة المستهلك و* "‬طوبولوجيا لذَّات القراءة* ‬* ‬أو قُرَّاء اللذة*"‬،* ‬التي يجد فيها كل عصاب قرائي لذة نصية خاصة*: ‬إن يكون الفيتيشي عاشقاً* ‬للشذرات والاقتباسات وانعطافات العبارة والهاجس* ‬،* ‬أن يكون مستخدماً* ‬متحمساً* ‬للغات الواصفة،* ‬الومضات* ‬،* ‬والتحليلات النصية،* ‬وأن يكون المصابُ* ‬بالذهان مؤولاً* ‬عميقاً* ‬باحثاً* ‬عن الأسرار والتعقيدات؛ والهستيريُ* ‬،* ‬متحمساً،* ‬يتخلي عن كل الانسلاخات النقدية ليقذف بنفسه في قلب النص*.‬
ويمكن أن تبدو مناقشات القراءة واللذة وكأنما تعزز صوفية النص،* ‬ولكن بارت يصر علي أن* "‬الجهد الكلي يكمن في تمدية لذة النص* ‬،* ‬في جعل النص موضوعاً* ‬للذة،* ‬شأنه شأن أي موضوع آخر* ... ‬إن الشيء المهم هو تسوية حقل اللذة،* ‬إزالة التعارض الزائف بين الحياة العملية والحياة التأملية*. ‬إن لذة النص هي كالتالي*: ‬مطلب موجَّه ضد عزل النص*" ‬وإصرار علي توسيع الاستثمار الإيروتيكي لكي يطال موضوعات شتي،* ‬بما في ذلك اللغات والنصوص*.‬
ولكي يُدْرج النص في حقل اللذة،* ‬يستدعي بارت الجسد*: ‬إن لذة النص هي اللحظة التي يتتبع فيها جسدي أفكاره الخاصة*" ‬أو* ‬،* ‬مرة أخري*:‬
كلما حاولت أن* "‬أحلل*" ‬نصاً* ‬منحني اللذة،* ‬فإن ما أواجهه ليس ذاتيتي،* ‬وإنما الفرد المعطي الذي يجعل جسدي منفصلاً* ‬عن أجسادٍ* ‬أخري والذي يمنحه المعاناة أو اللذة*. ‬إنه جسدي المستمتع* ‬corps de* ‬jouissance* ‬هو الذي أواجهه،* ‬وجسد المتعة هذا هو أيضاً* ‬ذاتي التاريخية؛ لأنني أقيم توازناً* ‬في نهاية كل سيرورة معقدة تجمع العناصر السيرية،* ‬والتاريخية،* ‬والسوسيولوجية والعصابية التعليم* ‬،* ‬الطبقة الاجتماعية* ‬،* ‬تشكل الطفولة،* ‬إلخ بين التفاعل المتناقض للذة* (‬الثقافية*) ‬،* ‬والمتعة* (‬اللاثقافية*) ‬
إن الإحالة إلي الجسد جزءٌ* ‬من المحاولة العامة لبارت لإنتاج بيان مادي للقراءة والكتابة يضم أربع وظائف محددة*. ‬أولاً،* ‬تنتج مقدمة هذا المصطلح* ‬غير المتوقع* ‬غرابةً* ‬صحية،* ‬ولاسيما في التقليد الفرنسي حيث تم التطابق لأمد طويل بين الذات والوعي كما في الكوجيتو الديكارتي* "‬أنا أفكر* ‬،* ‬إذن أنا موجود*" ‬إن هذه الذات،* ‬وهي وعيٌ* ‬واعٍ* ‬بنفسه،* ‬ليست هي ما تَخبْر اللذة النصية،* ‬ويعمل الجسد بوصفه الإسم الذي يطلقه بارت علي الكينونة المتورطة،* ‬كينونة أكثر إبهاماً* ‬تماماً* ‬وتغايراً* ‬،* ‬وأقل تحكماً* ‬وانفتاحاً* ‬علي نفسها من* "‬العقل*" ‬الديكارتي*.‬
ثانياً،* ‬لقد كرست البنيوية طاقة عظمي لإظهار أن الذات الواعية لا ينبغي التعامل معها كمعطيً* ‬ومصدر للمعني وإنما ينبغي النظر إليها كناتجٍ* ‬لقوي ثقافية وشفرات إجتماعية تعمل من خلالها*. ‬إن الذات الواعية،* ‬علي سبيل المثال،* ‬ليست سيد اللغة التي تتكلمها*. ‬إنني أعرف الانجليزية بالمعني الذي يمكن لجسدي أن يتكلم* ‬،* ‬ويكتب ويفهم الانجليزية،* ‬ولكني لا أستطيع أن أجلب إلي وعيي النظام الواسع والمعقد للمعايير التي تشكل معرفتي*. ‬إن نعوم تشومسكي يجادل بأن من* ‬غير المتعين علينا أن نتحدث عن أطفال* "‬يتعلمون لغة*"‬،* ‬كما لو كان ذلك فعلاً* ‬من أفعال الوعي وليس لغةً* "‬تتنامي*" ‬بداخلهم*. ‬إنه يطلق علي اللغة وصف* "‬عضو ذهني*" ‬،* ‬ينسبه إلي الجسد لكي يؤكد علي أن ما هو متورط شيء أكبر بكثير من الوعي*. ‬إن مهارات ثقافية أخري تستلزم أيضاً* ‬ما هو أكثر بكثير من المعرفة الواعية* : ‬إن خبيراً* ‬في الخمر لا يستطيع أن يفسر كيف يميز عاماً* ‬عن عام آخر،* ‬ولكن جسده يعرف كيف يفعل ذلك*. ‬إن استعمال بارت لـ* "‬الجسد*" ‬يوحي باعتبارات من هذا النوع*.‬
ثالثاً،* ‬نظراً* ‬لأن البنيوية تميل لتناول الذات بوصفها محصلةً* ‬لمجموعة من الشفرات والقوي البنيوية* - ‬إن ذاتيتي* ‬،* ‬يقول بارت في فقرة من* ‬S/Z* ‬استشهدنا بها في الفصل السابع* ‬،* ‬هي مجرد وفرةً* ‬زائفة،* ‬ناتج كل الشفرات التي تشكلني* ‬* ‬فإن بارت لم يتمكن من الحديث عن لذة الذات دون الاحتكام إلي العديد من الأسئلة التي قام بطرحها بإصرار،* ‬ومع ذلك،* ‬فإنه يحتاج إلي طريقة للكلام تأخذ في الاعتبار الحقيقة التوسعية التي تري أن بإمكان الفرد أن يقرأ ويستمتع بنصٍ* ‬من النصوص* ‬،* ‬وبأنه مهما يكن من أمر تنميط أو تعميم ذاتيته،* ‬فإن خبرات بعينها تُعامل بشكل أفضل بوصفها خبرات تخصه هو*. ‬إن فكرة الجسد تتيح لبارت تجنب مشكلة الذات*: ‬باحتكامه إلي* "‬المعطي الذي يفصل جسدي عن أجساد أخري،* ‬ويخصه بالمعاناة أو اللذة*" ‬،* ‬يؤكد بارت أنه لا يتحدث عن الذاتية*. ‬إن قائداً* ‬روسياً* ‬للجوقة عندما ينشد* "‬لا يكون الصوت شخصياً*: ‬إنه لا يعبر عن شيء يخصه،* ‬يخص روحه؛ إنه لا* ‬
يكون صوتاً* ‬أصلياً* ‬،* ‬ومع ذلك يكون فردياً*: ‬إنه يحملنا علي سماع جسد ليس له هوية،* ‬ولا* "‬شخصية*" ‬personality* ‬،* ‬ولكنه برغم ذلك جسدٌ* ‬معزول*. . ‬إن* ‬Le Roland-Barthes san peine ،* ‬وهو* "‬النحو*" ‬البارودي لبارت،* ‬يقبض علي هذه الثيمة علي نحو رقيق عندما يوضح بأن بامكانك أن تدرك في رولان بارت بأنك لا تستطيع أن تصل إلي اتفاق مع شخص ما بالقول،* "‬نظراً* ‬لأنك* ‬* ‬دون شك،* ‬لا تمتلك نفس جسدي*"‬2
رابعاً،* ‬إن إحلال الجسد محل العقل يتفق مع تشديد بارت علي مادية الدال كمصدر للذة*. ‬إنه عندما يستمع إلي* ‬غناء يفضل المظهر الجسدي* "‬للصوت*" ‬علي التعبير،* ‬المعني أو النطق*. ‬ويستمتع في اليابان بالإبهام الذي يميز ثقافتها بالنسبة للأجنبي* (‬الذي لا يستطيع رؤية المعني الذي يكون واضحاً* ‬بالنسبة لمواطن ياباني*). ‬إن كل شيء يشاهده* ‬،* ‬يصبح عَرْضاً* ‬ممتعاً* ‬لحركة الجسد*: "‬هناك يوجد الجسد*"‬
ولكن علي الرغم من هذه الأهداف المحددة،* ‬فإن التوسل بالجسد يبدو وكأنه يحمل إمكانية دائمة للتعمية* ‬mystification*. ‬إن صياغة بارت الخاصة توحي أحياناً* ‬بأن ما يأتي من الجسد يكون أعمق،* ‬أحق،* ‬وفوق هذا كله،* ‬أكثر طبيعية من أي شيء آخر*. "‬أستطيع أن أفعل كل شيء بلغتي ولكن ليس بجسدي إن ما تخفيه* ‬
* ‬لغتي،* ‬ينطق به جسدي*" (‬مقاطع من خطاب عاشق*"‬. استمع إلي قائد جوقة الترتيل* "‬هناك شيء ظاهر وعنيد،* ‬خلف* (‬أو قبل*) ‬معاني الكلمات*.. ‬شيء هو مباشرةً* ‬جسد المنشد الذي يأتي إلي أذنيك من الفجوات العميقة،* ‬العضلات،* ‬الأغشية،* ‬الغضاريف*... (‬Image Music Text p 181*). ‬إن التأكيد علي أن تحليلاً* ‬للنص يرتكز علي الجسد المستمتع هو افتراض وجود وثوقية للجسد جديرة بالاعتبار* ‬* ‬أكثر مما لو ارتكز علي العقل المتشكك*. ‬إن* ‬Le Roland Barthes san pein* ‬يلاحظ* ‬،* ‬عندما سُئِل عن السلطة التي تكمن خلف العبارة،* "‬إنني أتكلم من جسدي*." ‬ويؤكد بارت لاحقاً* ‬علي براعة هذا التحليل عندما يستهل* "‬الحجرة المضيئة*" ‬La Chambre claire* ‬بالسؤال* "‬ما الذي يعرفه جسدي عن الفوتوغرافيا؟*" - ‬وهو سؤال يستدعي افتراضُه بتفوق المعرفة الجسدية،* ‬الإجابة* "‬أقل مما يعرفه عقلك*".‬
فإذا كان الجسد،* ‬كما يقترح بارت في* ‬Le Grain la voix* ‬،* ‬هو* "‬الذات وقد أضيئت برغبتها ولاوعيها*"‬،* ‬إذن فالمصطلح يقدم طريقة لتفادي مناقشة اللاوعي والارتباط بالتحليل النفسي،* ‬بدون التضحية بالاحتكام إلي طبيعةٍ* ‬أكثر أصولية من التفكير الواعي*. ‬إن بارت عندما يقترح بأنه مع كل كاتب من العصور الماضية* "‬توجد فرصة للطليعة حيثما كان الجسد وليست الأيديولوجيا هي التي تكتب*" ‬فإن استدعاء الجسد يوحي بأساس طبيعي خلف المظاهر الثقافية المؤقتة لأفكار أحد الكُتَّاب* ‬،* ‬ويعزز* ‬،* ‬تحديداً* ‬،* ‬نوع التعمية الذي كان بارت قد حلله في* "‬الأسرة الإنسانية*" ‬،* ‬عرض الصور الفوتوغرافية التي حاولت أن تعين موضع طبيعةٍ* ‬في الأجساد الإنسانية خلف الاختلافات السطحية للشروط والمؤسسات الثقافية*.‬
إن علي وعي تام بالتعميات التي يمكن أن ترافق التوسل بالجسد* (‬أو بالرغبة التي تعمل أيضاً* ‬كإسم جديد للطبيعة في الفكر الفرنسي الحديث*). ‬إن كتاب* ‬Image Music Text* ‬ينتبه إلي أن فكرة الكلية العضوية،* "‬التي يتعين تمزيقها*" ‬،* ‬تكتسب الكثير من طاقتها التضليلية من إحالتها الضمنية للجسد بوصفه صورة لكلية مُوَحَّدة*. ‬إن كتاب* "‬بارت بقلم بارت*" ‬يحدد الجسد كـ* "‬كلمة مجسدة لقوي الطبيعة*" : "‬كلمة تمنح دلالتها المتوهجة المعقدة التي تفوق الوصف،* ‬والمقدسة علي نحوٍ* ‬ما،* ‬وهم امتلاكها الإجابة عن كل شيء*". ‬ولكن بارت،* ‬في نزوعه الجديد نحو اللذة،* ‬كان* ‬غير راغب في التخلي عن أي من المصطلح أو الإحالة الضمنية للطبيعة التي كان المصطلح يستدعيها دائماً* ‬إلي كتاباته*. ‬إن بارت الذي قام ذات مرة* ‬،* ‬بلا رحمة،* ‬بفضح محاولة البورجوازية استبدال الطبيعة بالثقافة،* ‬واستبعاد العقل والاعتماد علي ما* "‬نحس به*" ‬مباشرة أو علي الرأي الشائع،* ‬يكتب الآن علي سبيل المثال*: "‬إنني أستطيع أن أسمع بيقين كامل* - ‬يقين الجسد،* ‬يقين الإثارة* - ‬أن عزف واندا لاندوسكا علي القيثارة* ‬،* ‬يأتي من جسدها الداخلي وليس من التدافع الإصبعي الصغير للعديد من عازفي القيثارة* (‬إلي الحد الذي تكون فيه*: ‬آلة مختلفة*)" ‬هل هذا بارت مختلف؟
وفي الحقيقة،* ‬وبغض النظر عن الوظائف الاستراتيجية التي قمت بذكرها،* ‬فإن الاحتكام إلي الجسد،* ‬يمتلك طاقة تفسيرية متهافتة*. ‬إن بارت بكشف في* "‬الغرفة المضيئة*" ‬أثناء طرحه لسؤال* "‬ما الذي يعرفه جسدي عن الفوتوغرافيا؟*" ‬أن بعض الصور الفوتوغرافية* "‬وُجِدتْ* ‬من أجلي*". ‬لقد كان عليه إذن أن* "‬يضع قاعدةًً* ‬بنيويةً*" ‬،* ‬هي قاعدة للتباين*: ‬إن* ‬stadium* ‬الصورة* ‬،* ‬كما يطلق عليها،* ‬هي ما يدركه المرء بفضل ثقافته العامة وفهمه للعالم* ‬* ‬فهم لما يُمثَّل* ‬* ‬بينما تكون* ‬punctum* ‬الصورة شيئياً* ‬يقاطع أو يزعزع هذا المشهد* "‬تلك الحادثة التي تخترقني*" . ‬ويستخلص بارت* "‬عليَّ* ‬أن أسلم بأن رغبتي كانت وسيطاً* ‬ناقصاً* ‬وبأن ذاتية* ‬ً* ‬أختزلت في مشروع لذَّتها لا يمكن لها إدراك الكلي*" (‬في الجزء الثاني من الكتاب يستمر في نسبة الفوتوغرافيا إلي القوي العامة للحب والموت*).‬
إن كتاب* "‬لذة النص*" ‬،* ‬علي الرغم من إحالته المتكررة إلي اللذة الجسدية،* ‬هو أيضاً* ‬عملٌ* ‬نظري*. ‬إنه يحول التمييز الذي أقامه في* ‬S/Z* ‬بين القرائي والكتابي إلي تعارض لا متناظر بين نوعين من اللذة*: ‬plaisir* (‬اللذة*) ‬و* ‬jouissance* (‬المتعة*) . ‬إن اللذة تكون أحياناً* ‬المصطلح العام للذائذ القراءة بجميع أنواعها* "‬ومن ناحية أخري،* ‬أحتاج إلي* "‬لذةٍ*" ‬عامة كلما تعيَّن عليَّ* ‬أن أشير إلي إسرافٍ* ‬للنص*... ‬وأحتاج من جهة أخري* "‬لذة خاصة،* ‬جزء بسيط من اللذة ككل،* ‬كلما كنت محتاجاً* ‬للتمييز بين الشعور بالخفة والنشاط،* ‬التحقق والطمأنينة* (‬الشعور بالامتلاء عندما تخترق الثقافة بحرية*)‬،* ‬من ناحية،* ‬والصدمة،* ‬والتمزق،* ‬وحتي الضياع،* ‬وهي أشياء لصيقة بالمتعة،* ‬من ناحية أخري*. ‬ويصر بارت أحياناً* ‬علي التمييز*: ‬إن نص اللذة هو النص القرائي،* ‬النص الذي تعرف كيف تقرؤه؛ ونص المتعة وهو النص الذي يفرض حالة من الضياع* ‬،* ‬النص الذي يسبب القلق،* ‬ربما إلي حد الملل،* ‬النص الذي يزعزع الأسس التاريخية والثقافية والسيكلوجية للقارئ،* ‬تماسك أذواقه،* ‬قيمه،* ‬ذكرياته،* ‬ويؤزم علاقته باللغة*"‬
إن الكتاب يستكشف العلاقات* (‬التاريخية،* ‬السيكلوجية،* ‬الطوبولوجية*) ‬بين هذين النوعين من النصوص،* ‬أو مظاهر النصوص،* ‬و،* ‬في الوقت الذي يحتفظ فيه بأهمية التمييز،* ‬يبدو وكأنه يوحي باستمرار بأن اللذة النصية والآثار النصية يعتمدان علي إمكانية العثور علي لحظات متعة في النصوص المريحة للذة،* ‬أو في إمكانية جعل الكتابة ما بعد الحداثية قرائية بما يكفي بحيث يمكن توليد آثارها المزعزعة العنيفة التي تشبه هزة الجماع*. ‬إن بارت يكتب* "‬لا الثقافة ولا تدميرها إيروتيكي*. ‬إن الفجوة بينهما هي التي تصبح كذلك*. ‬ليس العنف هو الذي يطبع اللذة؛ التدمير لا يعنيها؛ إن ما ترغب فيه هو موقع الضياع* ‬،* ‬فتق،* ‬قطع،* ‬إنكماش،* ‬التلاشي الذي يقبض علي القارئ لحظة المتعة*" ‬إن الجسد العاري أقل إيروتيكية من الموضع الذي يتفتق عنده الثوب إن تقنيات الطليعة،* ‬أو خلخلة التوقعات التقليدية هي الأكثر ترويعاً* ‬من ناحية اللذة،* ‬كفجوات في خطاب قرائي*: ‬فلوبير،* ‬علي سبيل المثال،* ‬له طريقة في قطع،* ‬ثقب الخطاب دون أن يجعل منه شيئاً* ‬بلا معني*.". "‬النص يحتاج لظله،* ‬شيئاً* ‬من الأيديولوجياً* ‬شيئاً* ‬من التمثيل،* ‬شيئاً* ‬من الذات*: ‬أشباح* ‬،* ‬جيوب* ‬،* ‬آثار* ‬،* ‬سحب ضرورية*: ‬لابد للانحراف أن ينتج تعارضه الخاص*" ‬وحتي في هذه الحالة،* ‬فإن الانقطاعات،* ‬أشكال التلاشي،* ‬عدم الحسم،* ‬واللحظات اللاقرائية تتضمن،* ‬يقول بارت،* ‬نوعاً* ‬من السأم*. "‬السأم ليس بعيداً* ‬عن المتعة،* ‬إنه المتعة منظوراً* ‬إليها من شواطئ اللذة*" . "‬ليس هناك سام حقيقي*" ‬* ‬إنه مجرد متعة تقاربها متطلبات أخري*.‬
إن هذه القاعدة الأساسية للسأم توضح ما يفعله بارت في* "‬نص اللذة*". ‬إننا نفكر عادة في السأم بوصفه تجربة وجدانية مباشرة،* ‬ولكنه مقولة نظرية أساسية لها دور في أي نظرية للقراءة*. ‬إذا قرأ المرء باهتمام أي كلمة في روايةٍ* ‬لزولا،* ‬فإنه سوف يشعر بالسأم* ‬،* ‬كما يمكن أن يفعل إذا مر مروراً* ‬سريعاً* ‬علي رواية فينيجانس ويك* ‬Finnegans Wake وصولاً* ‬إلي الحبكة*. ‬أن تتأمل السأم هو أن تفكر في النصوص وفي استراتيجيات القراءة التي تتطلبها هذه النصوص،* ‬مشروع نظري أكثر منه مشروعاً* ‬اعترافياً*. ‬فإذا بدا كتاب* "‬لذة النص*" ‬وكأنه لا يتعامل مع نفسه بجدية كنظرية،* ‬بتجنبه للاستمرارية بوعي ذاتي،* ‬فليس معني ذلك ضررة ألا يتعامل معه القراء بجدية،* ‬كشذرات من مشروع نظري متصل*.‬
إن إحياء بارت لمبدأ اللذة يمكن أن يكون أكثر مشروعاته صعوبة علي التقييم،* ‬لأنه يبدو منغمساً* ‬في بعض الأضاليل التي قام بفضحها بشكلٍ* ‬مؤثر في وقت سابق،* ‬ومع ذلك فقد واصل تحديه للأرثوذكسية الفكرية*. ‬إن حديث اللذة كان قد نحي جانباً* ‬عبر أقوي المشروعات الفكرية لذلك الوقت،* ‬وخاصة تلك التي كان يشجعها* ‬،* ‬بحيث كان تشجيعه لمذهب اللذة خطوة جذرية*. ‬ولكن تطويراته للذة النص بدت وكأنما توجه النقد الأدبي باتجاه قيم لم يتخل عنها التقليديون أبدا،* ‬وخلقت إحالاته للذة الجسدية عند الكثيرين بارت جديد أقل علميةً* ‬أو عقلانيةً*. ‬إن ثورته الغريزية ضد مناخ فكري ساعد هو في خلقه،* ‬جعله علي نحو ما مستساغاً* ‬لدي قطاع عريض من الجمهور،* ‬الذي كان يري فيه الآن شخصية مألوفة*: ‬الأديب الحساس المنغمس ذاتياً،* ‬الذي يكتب عن اهتماماته ولذاته الخاصة دون أن يتحدي بأي شكل الطرق الأساسية للتفكير*. ‬إن مبدأ اللذة عند بارت* ‬،* ‬وهو مبدأ استراتيجي وجذري،* ‬يعرضه مراراً* ‬لاتهامات الرضا الذاتي*. ‬إن* ‬Sollers* ‬écrivain يتحدث عن اللذة المركزية التي ينتجها* "‬تحول الموضوعات الحسية إلي خطاب* "‬يمكن أن يحمي أكثر ألوان الكتابة حدة من السأم*." ‬إن عمل سولرز هو* ‬غابة* ‬من الكلمات أبحث في داخلها عما سوف يلمسني*" (‬لقد كنا كأطفال نمارس الصيد في الريف مقابل كرات الشيكولاتة التي كانت مخبأة هناك*)... ‬إنني أنتظر الشذرة التي سوف تقلقني وتؤسس المعني من أجلي*" ‬ إن هذه الجملة الاعتراضية،* ‬برغم كل عاطفيتها السنتامنتالية يمكن أن تكون إحدي أكثر لحظات بارت جسارة ككاتب*.‬
المؤرخ الأدبي

اته،* ‬وهي صور تتسم بأنها تاريخية،* ‬وناتج لقوي ومصالح تاريخية تمررها الثقافة بوصفها طبيعية*. ‬ويكتب بارت* "‬حيث يُنكر التاريخ،* ‬يكون تأثيره أوضح*" (‬الدرجة صفر في الكتابة* ‬Le degre zero de l ecriture إن الدراسة التاريخية،* ‬التي تكشف متي وكيف تظهر الممارسات العديدة إلي الوجود،* ‬تعمل علي فضح أضاليل أيديولوجيا الثقافة،* ‬وتعري دعاواها كأيديولوجيا*.‬
ثانياً،* ‬يثمن بارت التاريخ علي* ‬غرابة حقب أخري،* ‬وما يمكن أن تُعلِّمنا إياه حول الحاضر*. ‬إن بارت يقترح،* ‬بصدد كتابته عن أخلاقيِّ* ‬القرن السابع عشر لابرويير* ‬La Bruyère* ‬في* "‬كتابات نقدية*" ‬Essais critiques ضرورة* "‬التأكيد علي كل ما يفصل عالمه عن عالمنا وعلي كل ما نتعلمه عبر هذه المسافة حول أنفسنا؛ وهذا هو مشروعنا هنا*: ‬دعنا نناقش في لابرويير،* ‬كل ما يمثل أهمية لنا أو لا يمثل أهميةً* ‬علي الإطلاق*: ‬ربما أمكننا في نهاية الأمر الإمساك بالمعني الحديث لهذا العمل*". ‬إن التاريخ طريف وينطوي علي قيمة،* ‬تحديداً،* ‬بسبب* ‬غيريته*.‬
ثالثاً،* ‬ينطوي التاريخ علي فائدة من حيث قدرته علي أن يقدم لنا قصة تساعدنا علي فهم الحاضر،* ‬وهذا هو ما يبحث عنه بارت في عمله النقدي المبكر،* "‬درجة الصفر في الكتابة*". ‬إنه يرسم الخطوط العامة لتاريخٍ* ‬للكتابة* (‬تاريخٍ* ‬لفكر الأدب ومؤسسة الأدب*) ‬التي سوف تحدد موقع الأدب المعاصر وتساعدنا علي تقييمه*. ‬إن جان بول سارتر،* ‬الذي كان أعظم المثقفين الأدبيين في ذلك الوقت،* ‬كان قد نشر كتابه الهام* "‬ما هو الأدب؟*" ‬عام* ‬1948* ‬والذي أجاب فيه علي هذا السؤال من خلال تاريخ موجز،* ‬قد جادل بأن علي الأدب المعاصر إذا أرد أن ينجز الوعد الذي يبتغيه،* ‬أن ينأي بنفسه عن النزعة الجمالية واللعب اللغوي ويتوجه نحو الالتزام الجماعي والسياسي*. ‬ويقدم بارت قصة بديلة تؤدي إلي تقييم مختلف للأدب المعاصر*.‬
إن سارتر،* ‬في عرضه القوي والمفعم بالحيوية،* ‬يري أن الكُتَّاب الفرنسيين في أواخر القرن الثامن عشر،* ‬كانوا آخر من قدَّم للجمهور دوراً* ‬مناسباً* ‬وفعالاً* ‬يجسد رؤية تقدمية للعالم،* ‬هي كذلك رؤية طبقتهم للعالم*. ‬ولكن بعد عام* ‬1848،* ‬ونظراً* ‬لأن البورجوازية كانت قد طورت أيديولوجيا لحماية وتبرير دورها المهيمن حديثاً،* ‬فقد كان علي الكتاب إما أن يخضعوا للأيديولوجيا البورجوازية أو أن يتخلوا عنها ويتحولوا إلي منبوذين سلبيين*. ‬لقد أصبح الأدب التقدمي في ذلك الوقت نشاطاً* ‬هامشياً* ‬بدون جمهور مناسب*. ‬لقد كتب فلوبير ومالارميه أدباً* ‬متخصصاً* "‬غير ملتزم*" ‬،* ‬واختار سرياليو القرن العشرين،* ‬ما أدانه سارتر بوصفه سلباً* ‬عقيماً* ‬ونظرياً* ‬ينأي عن التواصل الجاد مع العالم*.‬
ويجادل بارت بأن كُتَّاب جيله،* ‬يمكن لهم،* ‬عبر خبرتهم المكثفة بـ"التاريخية*" ‬في الحرب العالمية الثانية والمقاومة،* ‬أن يقدروا أهمية الالتزام ويجعلوا من الأدب* "‬ما يكونه أساساً؛ إتخاذ موقف*". ‬إن علي الكُتَّاب أن يشيروا للأشياء بأسمائها في لغةٍ* ‬شفافة متمكنة*. ‬إن التمييز الذي أقامه بارت بين لغة النثر الواضحة الشفافة ولغة الشعر المعتمة الموحية يتضمن بأن كل التعاملات مع اللغة التي ميزت أدب الطليعة منذ فلوبير،* ‬كان يتعين قصرها علي لغة الشعر،* ‬وأن قصة الأدب،* ‬من فلوبير وما لارميه وحتي النزعة السريالية وما بعدها هي قصة خطأ وانحطاط*. ‬إن بارت يشارك سارتر في معتقده في ان يكون للأدب علاقة حيوية بالتاريخ والمجتمع وإحساسه بأن كُتَّاب القرن التاسع عشر كانوا يتميزون بموقف مثير للإعجاب* (‬أنظر مقاله عن فولتير،* "‬آخر كاتب سعيد*" ‬في مقالات نقدية*). ‬كما وافق بارت أيضاً* ‬علي الدعوي التي وجدت صديً* ‬أكبر في فرنساً* ‬أكثر من أي مكان آخر،* ‬بأن عام* ‬1848* ‬يمثل نقطة التحول التاريخية* (‬منذ فلوبير،* ‬يقول بارت،* ‬غدا الأدب تأملاً* ‬في اللغة ومواجهة معها*): ‬إن ما يرفضه هو وصف اللغة والأدب اللذين يجعلان من الأدب ذاتي الوعي والحداثي،* ‬شيئاً* ‬مثيراً* ‬للرثاء أو* "‬سرطاناً* ‬من الكلمات*". ‬
إن بارت يبدأ،* ‬من ثم،* ‬بتحدٍ* ‬جريء لفكرة سارتر أن اللغة المؤثرة سياسياً* ‬تتسم بالمباشرة والشفافية والحَرْفِية*.‬
إن هيبير* ‬Hebert* ‬وهو أحد نشطاء الثورة الفرنسية* ‬لم يبدأ أبداً* ‬عدداً* ‬من صحيفة* ‬Le Pere Duchene* ‬التي كان يحررها،* ‬دون أن يضمنها بعض الألفاظ السوقية المبتذلة* ‬fucks and dams*. ‬ولم يكن لهذه الألفاظ معني ولكنها كانت تنطوي علي دلالة*. ‬كيف؟ لقد كانت تدل علي موقفٍ* ‬ثوري كامل*. ‬إنها تقدم مثالاً* ‬علي صيغة للكتابة لم تعد وظيفتها هي التواصل أو التعبير فحسب،* ‬وإنما فرض شيء يتجاوز اللغة،* ‬شيء يكون في آنٍ* ‬معاً،* ‬تاريخاً* ‬والموقف الذي نتخذه فيه* ‬إن كل كتابة تضم علامات،* ‬شأنها شان فواحش هيبير،* ‬تشير إلي نموذج اجتماعي،* ‬علاقةٍ* ‬بالمجتمع*. ‬وتشير القصيدة فقط من خلال تنظيمها علي الورق* "‬أنا أشعر؛ لا تقرأني كما تفعل مع لغةٍ* ‬أخري*". ‬إن للأدب طرائق متعددة للدلالة* »‬أنا أدب«؛ وكتاب بارت تاريخ مختصر لعلامات الأدب هذه*". ‬لا يوجد نثر شفاف علي الطريقة التي يريدها سارتر*. ‬وحتي أبسط لغة،* ‬لغة الروايات* - ‬عند همنجواي علي سبيل المثال أو كامي*- ‬تدل عن طريق علاقة* ‬غير مباشرة بالأدب والعالم*. ‬إن اللغة العارية أو المجردة،* ‬ليست طبيعية أو محايدة أو شفافة،* ‬ولكنها التزام متعمد بلغة مؤسسة الأدب؛ إن رفضها الظاهر للأدبية سوف يصبح هو ذاته صيغة جديدة للكتابة الأدبية،* ‬كتابة* ‬ecriture* ‬قابلة للإدراك،* ‬كما يسميها بارت*. ‬إن لغة أحد المؤلفين هي شيء يرثه،* ‬وأسلوبه شبكة شخصية،* ‬وربما* ‬غير واعية من العادات والاستحواذات اللفظية،* ‬ولكن صيغة كتابته،* ‬أو* ‬ecriture ،* ‬هي شيء يختاره من بين الممكنات المتاحة تاريخياً*. ‬إنها طريقة لإدراك الأدب،* "‬استخدام اجتماعي للشكل الأدبي*"‬
إن بارت يجادل بأنه من القرن السابع عشر وحتي منتصف القرن التاسع عشر،* ‬استعمل الأدب الفرنسي كتابة كلاسيكية* ‬ecriture* ‬classique وحيدة تتسم مبدئياً* ‬بثقةٍ* ‬في الوظيفة التمثيلية للغة*. ‬وعندما تكتب مدام لافاييت بأن الكونت دي تاند* ‬de Tende* ‬عند علمه بأن زوجته كانت حاملاً* ‬من رجلٍ* ‬آخر،* "‬فكر في كل شيء كان يعتبر التفكير فيه طبيعياً* ‬في مثل هذه الظروف*." ‬فإنها تبدي نفس الإحساس بوظيفة الكتابة كما يفعل بلزاك بعد قرنين تقريباً* ‬عندما يكتب،* "‬كان البارون هيلو* ‬Hulot* " ‬واحداً* ‬من الرجال الذين كانت عيونهم تضيق عند رؤية امرأة جميلة*". ‬إن هذه الكتابة الكلاسيكية تقوم علي افتراض عالم اعتيادي منظم ومفهوم يحيل إليه الأدب*. ‬إن الكتابة هنا تكون سياسية عبر الطريقة التي توحي بها بالكلية والمعقولية*. ‬وتوجد اختلافات كبيرة في الفكر والأسلوب داخل الكتابة الكلاسيكية*. ‬وبالعكس،* ‬يجادل بارت،* ‬أنه علي الرغم من أن الاختلافات الفكرية بين المعاصَرْين* (‬تقريباً*) ‬بلزاك وفلوبير،* ‬يمكن أن تكون ضئيلة،* ‬فإن هناك تمييزاً* ‬أساسيأ بين كتابتيهما*. ‬لقد أصبحت الشخصية الأنانية للبورجوازية ظاهرة*. ‬وحيث كان الكتَّاب فيما قبل يدعون الكلية فقد كان علي الكتابة الآن أن تنعكس علي ذاتها ككتابة*. ‬أن تكتب هو أن تصطدم بوعي ذاتي مع الأدب*.‬
كانت هذه،* ‬أوجُه التطور*: ‬أولاً،* ‬وعي حِرْفي بالصنعة الأدبية يُصَفَّي حتي بلوغ* ‬نقطة الحيرة المؤلمة* (‬فلوبير*)‬،* ‬ثم،* ‬علي البطولي أن يعين هوية الأدب ونظرية الأدب في نفس المادة المكتوبة* (‬مالارميه*)‬،* ‬ثم،* ‬أمل تجنب الحشو الأدبي بطريقة أو بأخري،* ‬وذلك بالتأجيل الذي لا ينقطع للأدب،* ‬بالإعلان عن أن الإنسان سوف يكتب،* ‬وبتحويل إعلانه إلي الأدب نفسه* (‬بروست)؛ ثم اختبار الأدب وذلك بمضاعفة معاني الكلمات إلي ما لانهاية،* ‬عن عمدٍ* ‬وبطريقة انتظامية،* ‬دون الوقوف عند معني محدد،* ‬ودون القبول بأي معني لما يُدَلُّ* ‬عليه* (‬السريالية)؛ وأخيراً،* ‬وعلي العكس من هذا،* ‬خلخلة هذه المعاني إلي حد محاولة إنجاز* ‬Dasein* ‬للغة الأدبية،* ‬إنجاز حياديةً* (‬برغم عدم براءتها*) ‬للكتابة*: ‬أنا أفكر هنا في عمل روب جرييه*.‬
وفي عام* ‬1953* ‬كان بارت يفكر ليس في ألان روب جرييه،* ‬بل في ألبيركامي الذي أطلق علي محاولته تبني كتابة محايدة* ‬غير عاطفية* "‬درجة الصفر في الكتابة*". ‬لقد رأي سارتر أن كتابة كامي البيضاء* ‬ecriture blanche* ‬رفض للالتزام،* ‬ولكنها كانت بالنسبة لبارت،* ‬شأنها شأن نماذج أخري من الأدب ذاتية الوعي منذ فلوبير،* ‬كتابة ملتزمة تاريخياً* ‬علي مستوي آخر*: ‬إنها نضال ضد* "‬الأدب*" ‬وافتراضاته المسبقة حول المعني والنظام* ‬order*. ‬إن الأدب الجاد،* ‬يجب أن يسائل نفسه،* ‬وأيضاً* ‬المواضعات التي ينظم بها الأدب العالم؛ هنا تكمن قوته*. ‬ولكن* "‬لا توجد كتابة تبقي ثورية إلي الأبد*"‬،* ‬حيث إن كل انتهاك لمواضعات اللغة والأدب،* ‬يمكن استعادته مرة ثانية كصيغة جديدة من صيغ* ‬الأدب*.‬
إن كتاب بارت الأول* "‬الدرجة صفر في الكتابة*" ‬عمل* ‬غريب من أعمال النقد*. ‬إنه يذكر بضعة أعمال أدبية ولا يضم تقريباً* ‬أية أمثلة*. ‬إن الإقتباسات الوحيدة مستمدة من رواية مجهولة كتبها المفكر الشيوعي روجيه جارودي*. ‬ثم يقوم بارت فيما بعد بنقد مؤرخي الأدب في مقال عن التاريخ الأدبي في كتاب* "‬عن راسين*" ‬،* ‬لامتلاكهم منهجاً* ‬تاريخياً* ‬وإهمالهم للطبيعة التاريخية لموضوع دراستهم*. ‬ويبدو أن لدينا هنا المشكلة المقابلة*: ‬إن بارت يؤكد علي الطبيعة التاريخية لموضوعه* - ‬الكتابة* ‬،* ‬أو الوظيفة الأدبية*- ‬ولكنه يفتقر إلي منهجٍ* ‬تاريخي*. ‬إن فكرة* "‬الكتابة الكلاسيكية*" ‬نادراً* ‬ما تكون مكسوة باللحم،* ‬ويتوجب علي القراء تصوُّرَ* ‬نماذجَ* ‬بأنفسهم*. ‬إن بارت لا يحلل أو يعرض،* ‬بل يرد علي سارتر* (‬كتاب سارتر مذكور هنا في النص*) ‬إنه يبدو بالأحري وكأنه يجرِّب قصة سارتر عن الأدب*: ‬يعدلها لكي ينتج تصوراً* ‬جديداً* ‬عن التاريخ الأدبي وتقييما للكتابة ما بعد الفلوبرية*.‬
إن هذه الغزوة المختصرة في التاريخ الأدبي تفعل ثلاثة أشياء*. ‬أولاً،* ‬إنها* "‬تثبت الالتزام السياسي والتاريخي للغة الأدبية*". ‬إن الدلالة السياسية للكتابة ليست ببساطة مسألة محتوي سياسي او التزاماً* ‬سياسياً* ‬صريحاً* ‬للمؤلف ولكن أيضاً* ‬ارتباط العمل بتنظيم أدبي ثقافي للعالم*. ‬ولم يبين بارت،* ‬لسوء الحظ،* ‬في تحليلات مفصلة الكيفية التي يمكن بها للمرء تحديد التضمينات السياسية للكتابة التجريبية،* ‬ولكنه يقترح أن استكشاف الأدب للغة ونقد الشفرات المتوارثة يطلق دافعاً* ‬يوتوبيا واستفهاميا قيِّما*. ‬إن ما يبينه علي نحوٍ* ‬أكثر إقناعاً* ‬هو أنه طالما أن الأجهزة السياسية تعمل عبر اللامباشرة،* ‬فلن يكون من السهل تقييم الدلالة السياسية للكتابة*.‬
ثانياً،* ‬أسَّس كتاب* "‬درجة الصفر*" ‬حكياً* ‬تاريخياً* ‬عاماً* ‬يُيسِّر التفكير في الأدب*. ‬ويقوم بارت فيما بعد بتعقيد القصة التي بناها هنا حول أدبٍ* ‬غير ذاتي الوعي وتمثيلي يُستبدل بعد عام* ‬1848* ‬بأدب ذاتي الوعي،* ‬إشكالي وتجريبي*. ‬إنه* ‬†È•—‚†»Èʆ«‰‚—«∆Ȇlisible / والكتابي* ‬scriptable*: ‬إن القرائي هو الذي نعرف كيف نقرؤه والذي يمتلك شفافية محددة،* ‬أما الكتابي،* ‬فإنه ذاتي الوعي ومقاوم للقراءة*. ‬إن هذا التمييز التاريخي الجديد أكثر ارتباطاً* ‬بشكل صريح بممارسات القراءة الخاصة بالحاضر أكثر مما يرتبط بأحداث تاريخية،* ‬ولكن بذوره تكمن في التمييز بين الكتابات التي حاول بارت من خلالها أولاً* ‬أن يجعل الحاضر معقولاً*.‬
وأخيراً،* ‬يلفت بارت انتباهنا وانتباهه،* ‬من خلال تركيزه علي علامات الأدب* - ‬الطريقة التي توحي بها الكتابة بنموذج أدبي*- ‬إلي مستوي ثانٍ* ‬منتشر ولكنه قوي للمعني،* ‬سوف يواصل دراسته في عددٍ* ‬لا يحصي من المظاهر*. ‬إن بارت يطلق علي النظام الثاني* "‬الأسطورة*" ‬وعبر عمله كميثولوجي،* ‬بدأ يلفت الأنظار إلي مواهبه*.‬

إن وظيفة الكاتب هي أن يسمي الفأس فأساً* ‬فإذا كانت الألفاظ مريضة،* ‬فإن دورنا هو علاجها*. ‬ولكن العديد من الكتاب يعززون هذا المرض*. ‬إن الأدب الحديث،* ‬في الكثير
* ‬من الحالات،* ‬هو* ‬
سرطان الكلمات* .‬