- المشاركات
- 1,773
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- بنزرت
- م. الدّراسي
- دراسات معمّقة
- الاختصاص
- أدب عربي
- المهنة
- أستاذ
درّة الشعر الإيطالي
مهند علي صقور
المصدر: يوميّة الوحدة
ولقد لعبت الرمزية الفرنسية بكافة فنونها وألوانها الأدبية دورا كبيرا وفعالاً على الحركة الأدبية في بلدان أوروبا بشكل ٍ عام , وتركت أثرها على معظم الشعراء الإيطاليين وقد شمل هذا التأثير دانتزيو , وأوجينو مونتالي وهو شاعر كبير آخر لا يقل أهمية عن دانتزيو إضافة لتأثيرها على الشعراء الآخرين ليس في ايطاليا فحسب بل في أنحاء كثيرة أخرى من العالم امتد تأثير الرمزية الفرنسية اليها , وقد أخذ هؤلاء الشعراء من الرمزية وشعرائها مواقفهم التجريبية المتواصلة باتجاه النظرية التي تشير إلى أن الكلمات ينبغي ان تستخدم ارتباطات لا شعورية من الشعور والفكر والإحساس , ومعروف ان الاتجاه الرمزي في الأدب والفنون نشأ في الأدب الفرنسي في ثمانينات القرن الثامن عشر وهو اتجاه يدعو إلى مثالية صوفية ويمجد الحركة الفوضوية الفردية للمبدع , ويؤكد على القيمة الذاتية للفن دون اعتبار رسالته الاجتماعية في الحياة وقد ضم هذا الاتجاه عديداً من عمالقة الشعر " كرامبو وفرلين وملارميه وفاليري ) الذين أسهموا بشكل ملحوظ في صياغة النظرية الرمزية إضافة إلى شعراء آخرين ساهموا في نشر التيار الرمزي العاصف بفاعلية كبيرة اهتزت لها الأوساط الثقافية في معظم أرجاء العالم ,ويؤكد العديد من النقاد على أن كثيراً من شعر دانتزيو خاصة في الفترة التي امتدت بين عام 1930 وبداية الحرب العالمية الثانية , كان ينطلق ضمن الرؤية الفلسفية للنظرية الرمزية في الشعر , وهذه الرؤية التي كانت تميل للإيحاء والتلميح بعيداً عن الوضوح والمباشرة والتصريح وهو ما يشكل السمة في شعر دانتزيو .
لقد تركت الحروب والمجازر البشرية والدمار الذي يصنعه البشر فوق هذا الكوكب وخاصة المآسي والويلات التي خلفتها الحرب العالمية الثانية على العالم بشكل ٍ عام والقارة الأوروبية بشكل خاص , ترك كل هذا انطباعا عميقاً في نفسية دانتزيو وكان له أثر كبير على إنتاجه الأدبي , وقد سجل انطباعه هذا في كثيرٍ من قصائده مديناً الحروب وصانعيها مبيدي البشرية المندفعين وراء طموحاتهم وأحلامهم المجنونة على حساب أرواح البشر فوق هذا الكوكب , ولهذا نجد أن الموضوعات التي يكتب عنها دانتزيو هي غالباً مواضيع وجدانية نابعة من عمق الضمير الإنساني ومعبّرة عن مشاعر هذا الضمير الذي إذا ما استيقظ فإنه وبلا شك سيخلق عالماً آخر تسوده المحبة والعدالة ولذا نلاحظ أنه ركّز وبشكل رئيسي على الإنسان ككائن حي وقائد فعال بين بقية المخلوقات , وتحدث عن الكرامة الإنسانية بصفتها الفضيلة الأسمى والتي تنضوي تحتها بقية الفضائل الأخرى , ونبذ العنف والقمع وبشاعة الإنسان حين يفقد إنسانيته منساقاً وراء طموحاته الجنونية ومصالحه النفعية , ولذا فقد كان عالمه الحب والإنسان والطبيعة وكل ما ينبض فوق هذا الكوكب بحركته الفاتنة ليؤكد ديمومة الحياة وتواصلها , فالحياة بشكلها الحاد وفعاليتها المتوثبة هي الحقل الأليف الذي اعتادت مخيلة دانتزيو التجول عبره دون انقطاع , وهو يحمل إيقاعاً حزيناً بحركة الزمن والحياة والموت وتحولات الأرض وإقامة الإنسان القصيرة فوق هذا الكوكب الساخن . ذلك الإنسان الذي يعيش وحيداً فوق كوكب الأرض رغم كل الضجة التي تحيط به من كل جانب . ورغم الكوارث والمآسي والتحديات التي يواجهها .
وبناءً عليه فإن القارئ شعرَ دانتزيو قد يصعب عليه إيجاد إشراقة أمل واضحة المعالم في قصائده الرائعة , ولكن هذا لا يعني ان هذه الإشراقة غير موجودة , بل يجب علينا أن نلتفت إلى ان هذه الإشراقة قد تتخذ لها شكلاً آخر في الرؤيا الشاملة لقصائد هذا الشاعر الكبير , عندها نكتشف ان هذه الإشراقة تكمن في الصراع الكبير الذي يصل إلى ذروة توتره في فوضى التناقضات الهائلة , هناك حيث يقف الإنسان وحيداً ليواصل تحدياته المتواصلة فوق الأرض .