• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

قراءة في رواية الطّلياني: الحبكة السّرديّة وتأويل مصائر الشخصيّات

غادة.

عضو
منتدى تونس التّربوي
المشاركات
111
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
م. الدّراسي
جامعي
الاختصاص
شعبة الآداب
المهنة
طالبة
قراءة في رواية الطّلياني: الحبكة السّرديّة وتأويل مصائر الشخصيّات
"أنت حرّ وذلك سبب ضياعك"
فرانز كافكا
تعدّ رواية الطّلياني لشكري المبخوت الأولى في تجربة المؤلّف القصصيّة نظرا لانشغاله لسنوات طويلة بتدريس الأدب واللسانيات والتداولية ونظرا لاهتمامه الإداريّ عميدا ورئيسا لجامعة منوبة. ورغم ذلك فإنّ الرّواية لقيت صدى كبيرا عند المهتمّين المختصّين بالرّواية وغير المختصّين منهم من مختلف المستويات العلميّة والثقافية ومن مختلف الأعمار داخل تونس وخارجها وأسالت حبرا كثيرا ، واختلف القرّاء في تقييم جماليّتها وكيفيات بناء عالمها وإثارة تيماتها . وتاه بعضهم في مسالك التّأويلات المتعدّدة التي قد تنحرف بدلالات النّص الصريحة والضمنية إلى معان أخرى تستجيب لحاجات القرّاء التّونسيين الإديولوجية والنفسية والسّياسية . فمن قائل إنّ هذا النّص ضعيف البناء سطحيّ التيمات لا يقدّم معرفة ولا يثير في القرّاء أسئلة فنّية وفكريّة ، إلى مؤكّد سرديّتها وقدرة مؤلّفها على امتلاك ناصية السرد واستفزاز قارئها لمشاركة المؤلّف هواجسه الفكريّة.
تتنزّل رواية الطّلياني لشكري المبخوت في ما يمكن أن نصطلح عليه بمرحلة ما بعد التّجريب الرّوائي العربي المعاصر، بعد أن تعالت بعض الأصوات النّقديّة الغربيّة معلنة موت الرّواية وتصدّع سرديّتها وتلاشي حبكتها القصصيّة. وثمّ من يعود بهذه الأزمة البنائيّة إلى أواخر القرن التاسع عشر (ميشال ريمون في "أزمة الرّواية" ، 1985 ودومينك كومب في "الشّعر والقصّة" ، 1989) . ومنهم من يحمّل حركة الرواية الجديدة بفرنسا مسؤوليّة هذا التصدّع السّردي في مغامرة البحث عن آليات جديدة في الكتابة الرّوائيّة (ناتالي ساروت، وآلان روب، غريبة وجان ريكاردو وميشال بيطور ...) في منتصف القرن العشرين ولاشكّ أنّ الرّواية العربيّة، مع جيل الستّينات في مصر وظهور حركة الحساسيّة الجديدة، قد تأثّرت بالوافد النّظري الغربي وجرّب الرّوائيون كلّ أشكال التّجديد الرّوائي فانقرضت البنية الحكائيّة وتشظى الزّمن وتداخلت الضمائر والصّيغ السّرديّة والتبست الأصوات من داخل الرّواية وخارجها في لعبة تناصيّة منفتحة وحواريّة تنوّعت فيها النّصوص وتراكمت في فوضى معرفيّة يمكن أن تخلخل بنية الحكاية. وبذلك انتبهنا إلى طرق متعدّدة في تمثّل التّجريب الرّوائي، لكنّ أغلب الرّوايات سقطت في تكرار النّماذج الرّوائيّة التي وجدت إقبالا عند القرّاء كبيرة لهيمنة الشعريّ فيها وغنائيّة الذّات فتلاشت ملامح سرديّة الرّواية.
ومن هنا جاء اختيارنا لرواية الطّلياني لتدبّر خصائص سرديّتها وكيفيّة بناء الحبكة الفنّية وهي كما يرى بعضهم أنّها من تقنيات القصّ الرّوائي الكلاسيكيّ. فكان رهاننا سرديّا بالأساس يعود بنا إلى مسألة قديمة جديدة تتعلّق بمفهوم التوتّر السّردي وعلاقته بالقارئ من جهة، وكيف تصلنا هذه المسألة بقضايا التّأويل النّفسي لرصد لا ما آلت إليه الحبكة الدّراميّة في تفكيك لغز الرّواية فحسب بل للنّظر في نهايات الشخصيّات وإثارة موضوع مركزي يمثّل عصب الحكاية وهو الاغتصاب من جهة ثانية ،بكلّ أشكاله ودلالاته الرّمزيّة ودوره في الكشف عن ملامح الذّات الجريحة المتوتّرة.
بُنيت رواية الطّلياني بتصميم درامي محكم. فالفصل الأوّل (الزقاق الأخير) هو خاتمة الرّواية. جاءت بدايته في الفصل الأخير الموسوم "برأس الدّرب". ولقد تعمّد الرّاوي، أستاذ الفلسفة، وصديق كلّ الشخصيّات الفاعلة في أحداث الرّواية والمؤثّرة في بناء سرديّتها، تقديم "الزّقاق الأخير" ليبقى حدث المقبرة لغزا ستنفكّ أسراره في الاعتراف الأخير بعد فشل تجربة الطّلياني الجنسيّة مع ريم، وبعد صدمته بموت أبيه الحاج محمود. وما بين الفصلين الأوّل والأخير، يرحل بنا الرّاوي إلى قصص حيوات الشخصيّات التي لا وجود لها إلاّ من خلال قصّة عبد النّاصر المثقف اليساري المكنّى بـ"الطّلياني".
لقد لاحظنا عودة السّرديين المعاصرين إلى مفهوم التوتّر السّردي في الحبكة القصصيّة فانتبه السّردي الفرنسي المعاصر رفائيل باروني (Raphaël Baroni) إلى قوام هذا المفهوم على أقطاب ثلاثة: الترقّب المصحوب بقلق القارئ والفضول والمفاجأة .
و تسهم هذه العناصر الثلاثة في نظر باروني في التّعريف بالقصّة وسرديّتها ، لأنّ السّرديّة هي لعبة الترقّب المتوتّر والمفاجأة التّي ينتجها الرّاوي وينتظرها القارئ.
تمثّل حادثة المقبرة إذن الحدث البؤرة المحفّز على التذكّر وتداعي الأحداث في سببيّة منطقيّة أحيانا تعود بنا إلى طفولة "الطّلياني" ومراحل تطوّر شخصيّته داخل الأسرة وخارجها، وعوامل اكتشاف البعد الجسدي وأسراره صغيرا.
فنهض الرّاوي أستاذ الفلسفة العليم بحيوات الشخصيّة بوظائف سرديّة ووصفيّة وتفسيرية أحيانا للأحداث السّياسية ومظاهر تعقّد العلاقات بين الشخصيات .فرحل بنا إلى سرد رواية العائلة (Roman familial) ورواية تكوين الشخصيّة (Bildunsgsroman) الّتي من خصائصها الإلمام بسيرة إحدى الشخصيّات الرئيسيّة من زمن الطفولة إلى مرحلة النّضج فالمرحلة الطلاّبية في ثمانيات القرن الماضي والصّراع الإيديولوجي التاريخي بين اليمين واليسار من جهة وبين اتّجاهات اليسار بكلّ فروعه من جهة ثانية في زمني بورقيبة وابن علي إلى حدود التسعينات. فكانت حادثة المقبرة هي المؤسّسة لحبكة الرّواية وسببا في استعادة الوقائع الماضية وخاصّة حادثة الاغتصاب، هذا هو عصب البناء السّردي القائم على التوتّر من الفصل الأوّل إلى نهاية الرّواية. فلا غرابة أن تقوم عناوين الفصول على مفاهيم التّعمية والإلغاز والتقلّب والقلق والاضطراب ، عناوين مستمدّة من جغرافية المكان المتخيّل ولكنّها تلخّص مجتمعة مظاهر التّوتّر في عالم الرّواية أزمنتها وأمكنتها وشخصيّاتها المتصارعة والمتنابذة : الزّقاق والمنعرج والرّواق والمنحدرات والثّنايا والمسالك والطّرق والدّروب والمضيق لترصد حياة شخصيّات كثيرة نسائيّة على وجه الخصوص (زينة وللاّ جنينة وريم ونجلاء وزينب ويسر ...) وتحيط بالشخصيّة البؤرة التي عليها مدار عنوان الرّواية كلّها.
إنّ هذا البناء السّردي أظهر قدرة المؤلّف على امتلاك الميكانيزمات السّرديّة المنشئة لسرديّة الرّواية وتطوّرها ثمّ فكّ العقدة وحلّ اللّغز بسقوط الشخصيّة وانهيارها النّفسي.
ثمّة تخطيط سرديّ ما قبلي يدلّ على قدرة فنّية في تحويل المألوف والمشترك الذي يعرفه اليسار والمجتمع التونسي في كواليس السياسة والصّحافة والصّراعات الإيديولوجيّة والعلاقة الحميميّة، إلى أحداث مرويّة متخيّلة تؤثّث عالم الرّواية. لقد وقع ما يخرق المألوف في المشاهد الجنائزيّة لا ليكشف تمرّد عبد النّاصر "الطّلياني" ذي الأصول التركيّة والأندلسيّة وذي الملامح الإيطاليّة، تمرّده على تقاليد الدّفن ومظاهر الخشوع والصّمت والرّهبة، بل ليبني الرّاوي من خلال الفعل المشين المدهش سرديّة الرّواية وليخلق في القارئ الدّهشة ويستفزّه بالسّؤال: لماذا قدم الطّلياني على هذا الفعل المشين وضرب الإمام علالة بحذاء "البرودكان" أمام دهشة النّاس جميعا. ألم تتكثّف المشاهد الدرامية في مقدّمات أغلب الرّوايات العربيّة وتكون منطلقا رئيسيّا لبناء أحداث النّص وانسياب السّرد وتدفّقه وتفجير دلالات التّيمات الرّوائية الرّمزية؟ .
لقد ترك الرّاوي القارئ على ضمإ وتعمّد ترك الفجوات في بداية الرّواية ولكنّه قدّم له أي للقارئ منذ الفصل الأوّل ما ينبئ بكشف المستور لاحقا "لا أحد فهم عدا للاّجنينة على ما بدا للحاضرين ولكنّها لم تبح بشيء وتركت الأمر في مجمع أسرارها ..(ص 10) .إنّه التّشويق الذي تحدّث فيه السّرديون البنيويّون الكلاسيكيّون ، ويعود للخوض فيه المعاصرون من السّرديين الجدد الفرنسيين والنّقاد الأنقلو سكوسونيين. فيعرّف جيرالد برانس التّشويق على " أنّه انفعال أو حالة ذهنيّة تنشأ عن الالتباس الجزئيّ والمصحوب بالقلق المتعلّق بسير أو نتيجة أحد الأعمال...ويحدث التّشويق على سبيل المثال ، عندما تكون إحدى النّتائج معروفة ، ولكن كيف ومتى سوف تتحقّق هذه النّتيجة ، فأمر غير معروف.ويعتمد التّشويق غالبا على التّنبؤّ.وعلى نحو أكثر عموميّة ، على الموضعة والشّرك والإجابات المعلّقة التي تتبنين وفق "الشّفرة التأويليّة" " . تلك هي المخاتلة الفنيّة والقدرة على غواية القارئ بمتابعة الأحداث ، كأنّه يقول: تعال نكتشف معا دوافع الفعل المشين المرفوض في الضمير الشعبي الدّيني . وتابع معي ما به تتحقّق مقروئيّة الرّواية.
فكانت حادثة المقبرة على بساطتها في اعتقادنا هي القادح الرئيسي لنشوء القصّة وتطوّرها ونهايتها واندحار مصائر شخصيّاتها، وهي المبنيّة على التوتّرات النّفسيّة التي كشفت عقد الشخصيّات ومواطن القوّة والضّعف فيها ومدى صمودها أو سقوطها سياسيّا وأيديولوجيا.
وبذلك صاغ الرّاوي من الحدث حكايات الشخصيّات في رواية سيريّة (لا في رواية أبطال ينشدون استرجاع قيم مفقودة في عالم متدهور ).
فلا تقدّم "الطّلياني" أحداثا سياسيّة واجتماعيّة سافرة بغية الإخبار عنها أو توثيقها، بل إنّها تبعث فينا الأسئلة وتعيد فهمنا للذي مضى بربطه بالحاضر أو إدراك الحاضر بربطه بالماضي لقراءة مستقبل قد يكون مكرّرا بطرق أخرى مغايرة، وكيف يتحوّل المشهد الصّادم، أو المضحك أو الغريب إلى رواية الوضعيّات الإنسانيّة وكشف تعقد البُنى النّفسيّة العميقة، وتأزّم القيم. كلّ شيء في رواية الطّلياني أصبح بلا معنى حتّى الجنازات ليست سوى سخف ومشهد كوميدي (أذكر أنّ في رواية الضّحك والنّسيان لميلان كونديرا وصف الشاعر الفرنسي بول إيلوار وهو يحلّق فوق الفردوس والمعسكر ويغنّي في اللّحظة ذاتها التي كان الجلاّد فيها يعدم صديقه زالفيس كالاندرا).
ولا غرابة في أن نجد وعي "الطلياني" حادّا بالواقع يفوق من يتعامل معه أو يشغّله في "الجريدة" أو يتواصل معه من العائلة (أخوه صلاح الدين المطّلع على الاقتصاد العالمي الذي كثيرا ما كانت النّقاشات بينهما تنتهي بالتوتّر ) و ومن الأصدقاء والنّساء، لكنّ وعيه محكوم بالقذارة كما يقول عن نفسه وبالشيئيّة "أنا الذي كان غير مناسب تأكدي ممّا أقول، أنا لا أصلح لشيء البتّة". (ص 12).
كان رغم ذلك يحلم بالحرّية في مجتمع تونسي محافظ كما يقول (ص 14) هو مثقف يساري مفعم بقيم الثورات الاشتراكية وبما التهمه من الكتب الحمراء، لكنّه انتهازي سلبي لم يشارك في حركة تغيير المجتمع سياسيّا وثقافيّا فهو نموذج اليسار البرجوازي الذي انسحب من التنظيم السّري ثمّ من النّضال العلني وانساق وراء شهوات الجسد.
ولعلّ حادثة الاغتصاب التي تعرّض إليها "الطلياني" طفلا خلّفت ذاتا جريحة (Sujet traumatisé) فكلّ الدّلائل تنذر بسقوط الشخصيّات وخيباتها. فها أنّ زينة الفتاة القويّة المتمرّدة الذّكيّة طالبة الفلسفة تخفي بداخلها جرحا عميقا وتُغتصب في أسرتها (اغتصاب المحارم) فتصاحبها مأساتها وتؤثّر في بناء شخصيّتها وتفضّل الهروب مع عشيقها الفرنسي. فلم تحلم بالاستقرار الاجتماعي والنّفسي في مؤسّسة الزّواج التي تراها قيدا لحرّيتها وإرادتها في الحياة .عاشت كلّ مظاهر الاضطرابات النفسية والفكرية. وها أنّ للاّجنينة التي تعاني حرمانا جسديّا تتزوّج من علالة الأهبل الرّجل الأحمق البسيط الشاذّ، فتكون نهايتها دراميّة وتنتهي إلى البحث عن متعة مضاجعة الأطفال لأنّها عرفت عالم الجسد صغيرة وتعلّقت بالطّلياني فكانت تجربتها مريرة وتضاعف الوجع داخلها فانبرت تبحث بجنون عن تعويض يرفضه الرّقيب المحافظ وسلطة الدّين والأعراف الاجتماعية.
وها أنّ نجلاء صديقة زينة تخونها مع الطلياني بسبب زواجها من رجل مخصيّ لم تشعر معه بلذّة الحبّ والوصال وتنتهي قصّتها بالسّقوط في عالم الدّعارة . وها أنّ الطلياني ذاك الطّفل الذي اغتصب علالة جسده وبراءته يكتشف عالم الجسد فيتعلّق صغيرا بللاّجنينة ويسقط مخصيا عاجزا عن مضاجعة ريم ليلة موت أبيه الحاج محمود وليلة سقوط حكم بورقيبة.
ولذلك نجد تفسيرا للتوتّر السردي في بناء حبكة الرّواية وتوتّر شخصيّة الطلياني عندما لمح الإمام علالة يسير في الموكب وراء سيارة دفن الميّت وهاج ودخل في حالة هيستيريّة لأنّ الأثر الذاكري لحادث الاغتصاب استيقظ داخله فجأة ولأنّه الطّفل المغتصب لا يقدر على فكّ المستغلق وفهم ما حدث في الماضي. وبذلك ننتقل من الحبكة السّردية في الرّواية المتعلّقة بالأحداث إلى حبكة الشّخصيّة وأعمالها وأقوالها ورؤاها الإديولوجيّة.
تأويل تيمتي الاغتصاب والخصاء:
إنّ "الطلياني" تحليل نفسيّ وسياسيّ تحوّلت فيه أحداث الرّواية إلى عالم مغتصب: الجسد والفكر والثّروة والثورة. فعبد النّاصر وزينة ونجلاء وللاّجنينة ذوات جريحة انعكس الجرح في الهيستيريا (حادثة المقبرة) والخوف والقلق المستمرّ (زينة، والرّعب والفشل العاطفي والحسّي والكوابيس المخيفة ومظاهر العنف السياسي). فالطّلياني كتابة الذّات الجريحة والذّاكرة المعطوبة. فالجرح النّفسي ظاهرة تتنزّل في الاهتمامات النّفسيّة النّاشئة بداية من القرن العشرين ترجعنا إلى أحداث الاغتصاب والتحرّش الجنسي . ومن الجرح الفردي إلى الجرح الجماعي لأنّ رواية الطّلياني لا تطرح قضيّة الذّات الفرديّة وإنّما تسائل الرّعب الذي عاشته تونس ومازالت تعيشه في الطّور الرّاهن السّياسي والاجتماعي.ولم تتجلّ الحالات الهستيريّة في سلوك الطّلياني فحسب وإنّما تجلّت في أعمال الشخصيات الأخرى وخطاباتها العنيفة وامتدّ التوتّر والانفعال والإحساس بهما زمنيّا في مرحلة سياسية مهمّة من تاريخ تونس .يقول الرّاوي :" مرّ صيف تلك السّنة متوتّرا.حرارة خانقة كما لا تشهدها البلاد منذ سنوات.مظاهرات تكاد تكون يوميّة واعتقالات هنا وهناك .احتدّ الصّراع بين أجنحة القصر، قصر قرطاج.لا حديث إلاّ عن خلافة الزّعيم المجاهد الأكبر الذي لم يتبقّ له إلاّ هيبة شارف الأسود السّجين في قفصه"(ص115).
ولذلك أصبح البحث عن المغامرات الجنسيّة طقسا لعبد الناصر هجاسيّا لأنّه لم يتخلّص بعد من الوجع النّفسي والسياسي ،فجاء ارتخاء قضيب الطلياني محمّلا بدلالة عقدة الخصاء لا الجنسي فقط بل الفكري والسلطوي (فالقضيب المنتصب كان يرمز إلى قوّة السّلطة). يقول الرّاوي: "وتقديري الشخصي أنّ الطلياني قد أضاع الجهات الستّ بعد طلاقه من زينة، دون أن يفقد عقله تماما، أصبح كلّ يوم يبحث عن طريدة، لم يكن يهتمّ بسنّها أو جمالها أو صفاتها أو ذاتها.أتصوّر أن بيت صلاح الدين بحيّ النصر أصبح مبغى وحانة إلى أن ذهبت بعقله لأمر ما، ريم" (ص300) إنّه صورة دراميّة لمثقف فقد كلّ شيء فقد الإحساس بالجمال والفكر والوجود.
لكنّ هذا الشعور بالخصاء لم يبق سجين الذّات الجريحة.فنستنتج اتجاهين: جرحا فرديا ذاتيا وجرحا جماعيّا.
إنّ الجرح النّفسي ظاهرة تتنزّل في الاهتمامات النّفسيّة الناشئة بداية من القرن العشرين. فطوّر فرويد نظريّته الأولى التي وصل فيها الجرح بالحادثة الجنسيّة. فبعد الحرب العالميّة الأولى انتبه إلى أنّ ردود فعل الطّفل الجريح والتمظهرات المتّصلة بالحرب تتشابهان كثيرا. وللحركة النّسوية دور في الاهتمام بهذا الموضوع الذي يرجعنا إلى أحداث الاغتصاب والتحرّش الجنسي.
إنّ "الطّلياني" لا تطرح قضيّة الذّات الفرديّة فقط وإنّما تسائل الرّعب الذي تعيشه تونس في الطّور الرّاهن السّياسي والاجتماعي، بل إنّها تسائل الجرح والوجع الإنساني عامّة. فالإنسان التونسي المعاصر كما نفهم من رواية "الطلياني" على مشارف الفاجعة والجنون فمتى يمّم وجهه شطر البلاد شمالها وجنوبها داهمته أشكال العنف لكنّ الرّواية تشخيص لكلّ أشكال العنف الجنسي والمادّي واللغوي والثقافي والسياسي والرّمزي.
لقد تعمّد المؤلّف قتل الشخصيّات النسائيّة رمزا .ولم يبق إلا الإقو الجريح. تقوّضت امبراطوريّة النساء وهاجرت زينة الوجه الآخر للطلياني، المرأة التي كادت أن تحقّق انتصارها على مجتمع ذكوريّ يعرقل نجاح المرأة ويعطّل ذكاءها ويغتصب جسدها .حفرت الرّواية في ذوات الشخصيات ولاوعيها عميقا : تركيبتها النّفسية والذّهنية والجسدية .
الخاتمــــــة
يذكر إيكو في كتابه "حاشية على اسم الوردة" أنّ زوجته اتّهمته، وقد أشعلا نارا في الخلاء، بأنّه لا يعرف كيف يتأمّل شرارتها التي كانت تتصاعد وسط الأشجار في اتجاه أسلاك الكهرباء. وعندما قرأت الفصل الأخير الخاصّ بالحريق في رواية اسم الوردة قالت له: "أنت كنت تشاهد شرارات النّار إذن" فأجاب "لا ولكنّي كنت أعرف كيف يمكن أن يتأمّلها راهب من القرون الوسطى" .
نعم، كان المؤلّف يتأمّل شرارات النّيران الملتهبة في حاضر تونس الآن وهنا، ويفكّر كيف يصل شرارات الحاضر بالماضي وكيف يبني حدثا سرديّا مركزيّا يمكّنه من تأثيث عالم الرّواية كلّها بما تزخر به من تناقضات الواقع وخيبات شخصيّاته، إنّه يستفزّ القارئ ليمنح معنى لهذه الأحداث المألوفة المشتركة ولكنّها تكتسب وضعيّات أخرى جديدة في عالم الممكن والتخييل.
وقد نفسّر معنى السّقوط والانهيار بمرض البرجوازي المثقف اليساري الذي لم يستطع أن يحقّق الحلم الاشتراكي فسقط في العبثيّة واللاّمعنى والإحساس بالفراغ (كما في تجربة عمر الحمزاوي في رواية الشحاذ) .
إنّ رواية الطلياني بقيت مفتوحة بلا نهاية فهي تحقّق ما يمكن أن نصطلح عليه بالاكتساح السّردي والرّوائيّة المتوتّرة، ومازال الفضاء الرّوائي يحتمل الامتلاء الحدثي والنّفسي، لأنّ مآل الشخصيّات وإن أنبأت منذ البداية بالسّقوط قد تتجدّد وتعود بملامح أخرى ووضعيّات جديدة. فالرّواية قدّمت معرفة كما يقول ايكو ،لكنّها معرفة لا توضع مباشرة على على ألسنة الشخصيات ولكنّ الروائيّ يبثّها في الحدث والشّيء والشّخصيّة . والمعرفة في الطّلياني لا تكمن في الأحداث التاريخيّة المرجعيّة( مؤتمر جانفي الخارق للعادة وأحداث الخبز والصّراع بين المناشفة والبلاشفة في الفضاء الجامعي ...) بل تجسّدت المعرفة في الانفعالات الإنسانيّة وفي وعي البعد الجسدي والحرية الذاتية والفكريّة.
سلوى السعداوي
---------------------------------------
د. سلوى السعداوي: أستاذة السرديات بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، عضوة في وحدة بحث الدراسات السردية بتونس، نشرت : الرواية العربية المعاصرة بضمير المتكلم 2010، قراءات في نصوص سردية 2015، مقالات في النقد الروائي وأدب الذات في مؤلفات جماعية..شاركت في ندوات دولية ..بصدد إعداد كتاب : في الكذب-الحقيقي