1

4,075

1

amina chorfi

ضيف جديد
منتدى تونس التربوي
ناشر الموضوع
المشاركات
16
الدّولة
تونس
الولاية
جندوبة
المستوى الدّراسي
ثانوي
الاختصاص
اداب
المهنة
تلميذة
غير متّصل
العنوان : فن المقامة
الــقسم : شرح نصّ
المقامة في اللغة كالمقام موضع القيام كمكانة ومكان استُعملت في المجلس، ثم في الجماعة الجالسين، ثم سميت الأحدوثة من الكلام مقامة كأنها تذكر في مجلس واحد تجتمع فيه الجماعة لسماعها.
تعريف المقامة:-
المقامة لغة:
الأصل في المقامة أنها اسم مكان من أقام، ثم أطلقت على المجلس، فقيل: مقامات الناس، أي مجالسهم التي يتحدثون فيها ويتسامرون ؛ فاستعلمت بمعنى مجلس القبيلة أو ناديها على نحو قول زهير:-
وفيهم مقامات حسان وجوههم .:. وأندية ينتابها القول والفعـل
وتأتي بمعنى الجماعة التي يضمها المجلس أو النادي كما في قول لبيد بن أبي ربيعة:-
ومقامة غلب الرقاب كأنهـم .:. جن لدى باب الحصــير قيام
وتطور معنى المقامة عبر العصور حتى أصبح يعني (الأحدوثة من الكلام). يقول القلقشندي" وسميت الأحدوثة من الكلام مقامة، كأنها تذكر في مجلس واحد يجتمع فيه الجماعة من الناس لسماعها

المقامة اصطلاحاً:

أما المقامات في اصطلاح الأدباء فهي فن كتابي سردي، عبارة عن أحاديث خيالية أدبية بليغة، حكايات قصيرة، تشتمل كل واحدة منها على حادثة لبطل المقامات، وهو الراوي الذي يرويها أو وقعت لمن يروي عنه راوٍ معين، تلقى في جماعة من الناس، فمفهومها يمكن بلورته في أنها قصة قصيرة "بطلها أنموذج إنساني مُكْدٍ متسول، لها راو وبطل وتقوم على حدث طريف مغزاه مفارقة أدبية أو مسألة دينية أو مغامرة مضحكة تحمل في داخلها لوناً من ألوان النقد أو التعويل على الواقع أو السخرية، وضعت في إطار من الصنعة اللفظية والبلاغية" وهدفها الرئيس تعليم الناشئة اللغة وأساليبها.
ويغلب على أسلوبها السجع والبديع، وتنتهي بمواعظ أو طرف وملح. أي إنها حكاية قصيرة، تقوم على الحوار بين بطل المقامات وراويها. والمقامات تعد من البذور الأولى للقصة عند العرب، وإن لم تتحقق فيها كل الشروط الفنية للقصة، ثم أصبحت تطلق على الحديث الذي يدور في مجالس السمر من باب المجاز المرسل.
قال الشريشي : والمقامات المجالس، واحدها مقامة؛ والحديث يُجتمع له ويجلس لاستماعه يُسمّى مقامة ومجلساً، لأن المستمعين للمحدّث ما بين قائم وجالس، ولأنّ المحدث يقوم ببعضه تارةً ويجلس ببعضه أخرى.
قال الأعلم : (المقامة المجلس يقوم فيه الخطيب يحضّ على فعل الخير).
والمقامة في الجاهلية مجتمع القبيلة، وهي في العهد الأمويّ أحاديث زهديّة تروى في مجالس الخلفاء. جاء في ( الرسالة العذراء ) لـابن المدبر أن أهل القرن الثالث الهجري كانوا يعرفون نوعاً من المحاورات الأدبية يُسمّى المقامات، وهو يوصي المتأدّب ويقول: (وانظر في كتب المقامات والخطب ومحاورات العرب). ويريد بالمقامات الخطب أو المواعظ التي كانت تلقى في حضرة الخليفة. ثم انتقل بعد ذلك معنى المقامة إلى كلام الكدية والاستجداء بلغة مختارة، وتناول بديع الزمان الهمذاني اللفظة مع ما التصق بها من معنى التسول الأنيق، وأنشأ مقاماته ..

أصل المقامات ومبتكرها:-

زعم البعض أن أصل المقامات فارسي، وأنها انتقلت من اللغة الفارسي إلى العربية. ويرد على ذلك بأن المقامات قد ظهرت في اللغتين العبرية والسريانية بعد ترجمة مقامات الحريري، ولو كان أصل المقامات فارسياً لكان الأولى أن تنتقل المقامات إلى هاتين اللغتين من المقامات الفارسية وليس العربية. كما أن أول من ألف مقامات فارسية هو القاضي حميد الدين الذي ذكر أنه ترسم خطى البديع والحريري رغبة منه في إدخال هذا الفن إلى اللغة الفارسية. المقامة إذاً فن عربي أصيل، وهدفه الأساسي هو تعليم اللغة العربية وأساليبها،ومعرفة فنونها وأفنانها.
كما تضاربت الأقوال في أصل المقامات، فإن التضارب حول من اخترعها كان أشد وأعنف. فيرى فريق أن بديع الزمان عارض أحاديث ابن دريد فنشأت المقامات. ويستدلون على ذلك أولاً بقول الحصري في زهر الآداب أن بديع الزمان " لما رأى أبا بكر محمد بن الحسين بن دريد الأزدي أغرب بأربعين حديثاً، وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره، وانتخبها من معادن فكره، وأبداها للأبصار والبصائر، وأهداها للأفكار والضمائر، في معارض عجمية، وألفاظ حوشية ... عارضه بأربعمائة مقامة في الكدية، تذوب ظرفاً، وتقطر حسناً"
وثانياً بأن هناك نقاط اتفاق بين مقامات أحاديث ابن دريد ومقامات البديع. وتتمثل هذه العلاقة في الاسم، فإن من معاني المقامة –وهو الاسم الذي سمى به بديع الزمان فنه الأدبي- الحديث، ويجمع على أحاديث وهو الاسم الذي اختاره ابن دريد لأقاصيصه.كما أن الغاية من أحاديث ابن دريد ومقامات البديع واحدة وهي تعليم الناشئة اللغة.
بينما يؤكد فريق آخر على أن البديع هو مخترع هذا الفن. ويردون على زعم القول السابق بأن أحاديث ابن دريد نوادر ولطائف لم يستقل بها دون غيره، فللجاحظ في الحيوان والبخلاء مثلها، ولابن قتيبة في عيون الأخبار، ولابن عبد ربه في العقد الفريد كذلك.كما أن ابن دريد يبدأ أحاديثه بذكر سند الحديث، ولا يفعل البديع كذلك. كما أن أبطال ابن دريد ورواته يختلفون من حديث لآخر، أما بديع الزمان فبطله واحد وهو أبو الفتح الإسكندري، وراويته أيضاً واحد وهو عيسى بن هشام. ولا أنسى الكدية التي جعلها البديع محوراً لأغلب مقاماته، بينما لم تنحى أحاديث ابن دريد هذا المنحى. كما أن أحاديث ابن دريد مالت إلى الطريقة التقريرة المباشرة، أما بديع الزمان فقد غلف أهدافه داخل الحبكة الفنية للمقامة. ثم إن القول السابق للحصري –والذي استشهد به أصحاب الرأي القائل بأن البديع عارض ابن دريد بمقاماته- يحمل بين طياته تناقضاً حول معارضة البديع لابن دريد. فأحاديث ابن دريد تبلغ أربعين حديثاً، ومقامات بديع الزمان –وفقاً لقول الحصري السابق وبغض النظر عن الاختلاف في عدد المقامات- قد وصلت إلى أربعمائة مقامة. فيكف يعارض البديع أربعين حديثاً بأربعمائة مقامة؟ .
ومهما يكن من أمر اختلاف الآراء حول تأثر بديع الزمان بأحاديث ابن دريد، فإن البديع قد أظهر هذا الفن في صورة فنية رائعة، وقد اعتبر رائد هذا المجال وزعيمه المُجيد، بل لقد التصق اسم المقامات ببديع الزمان في أذهان الناس، وحسبه ذلك. ولو كان البديع قد أخذ من ابن دريد حقاً، فإن ذلك لا يعيبه، بل يزيد من إبداعه الفذ النادر المثيل، إذ ليس من السهل أن يتفوق التلميذ على أستاذه. وقد احتذى العديد من الناس حذو هذا الأستاذ الفذ، لعل الحريري من أبرزهم، بالإضافة إلى الغزالي وابن ناقيا والصفدي وغيرهم، غير أن هؤلاء كلهم لم يصلوا شأو البديع في هذا الفن البديع.

نشأة فن المقامات:
على الرغم من الخلاف في مبتكرها إلا أن الرأي الراجح أن أول من أنشأ المقامات في الأدب العربي هو العالم اللغوي أبو بكر بن دريد (المتوفى عام 321 هـ)، فقد كتب أربعين مقامة كانت هي الأصل لفن المقامات، ولكن مقاماته غير معروفة لنا. ثم جاء بعده العالم اللغوي أحمد بن فارس (المتوفى عام 395 هـ)، فكتب عدداً من المقامات أيضاً. ثم جاء بعده بديع الزمان الهمذاني، وكتب مقاماته المشهورة، وقد تأثر فيها بابن فارس حيث درس عليه. ويعتبر البديع هو الرائد الحقيقي للمقامات في الأدب العربي. ثم جاء بعده كتاب كثيرون، أشهرهم أبو محمد القاسم بن على الحريرى صاحب المقامات المشهورة بمقامات الحريري. ثم كثر كتاب المقامات كالزمخشري العالم اللغوي المفسر، وقد سمى مقاماته (أطواق الذهب)، وابن الاشتركوني السرقسطي الأندلسي (توفي عام 538 هـ)، صاحب المقامات السرقسطية، وبطلها المنذر بن حمام، وراويها السائب بن تمام، ومقامات الإِمام السيوطي.
وفي العصر الحديث أنشأ محمد المويلحي حديث عيسى بن هشام، وناصيف اليازجى "مجمع البحرين"…

خصائص المقامـات :

1- أسلوب المقامات مملوء بالصناعة اللفظية من جناس وطباق والتزام تام بالسجع الذي يُسَهِّل حِفْظَها ويجعلك تعجب وتطرب لما فيها من إيقاع لفظي ظاهر من خلاله .
2- تغلب على ألفاظها الغرابة لما للمقامات من غاية وفائدة تعليمية واضحة تجاه اللغة، فعندما يحفظها الطلاب وشداة الأدب فإنها تزودهم بذخيرة لغوية مفيدة، وتمدهم من اللغة بغريبها ومن الزخرف اللفظي بسجعه، كما تشتمل على وفنون البلاغة المختلفة من تشبيهات وكنايات واستعارات, وبخاصة الفنون البديعية كالطباق والجناس وغيرها، بصورة تطبيقية سهلة ومحببة .
3- مليئة بالقصص والحكم والمواعظ.
4- يختار كاتب المقامات لمقاماته بطلاً تدور حوادث المقامات حوله، ورَاوية يروي تلك الأحداث . فبطل مقامات بديع الزمان الهمداني أبو الفتح الإسكندري، وراويها عيسى بن هشام. وبطل مقامات الحريري أبو زيد السروجي، وراويها الحارث بن همام ؛ بالإضافة إلى شخصيــات أخرى داخل المقامــة تؤدي أدواراً فيــها ؛ وهكذا.
5- يدور أغلبها على الاحتيال والطواف بالبلدان لجلب الرزق. فهي تـتـضمن عادة قصـة طريفـة حول أحد المكدين, وهم فئة المحتالين الأذكياء البلغاء الذين يبتزون أموال البسطاء من الناس بالحيلة والفطنــة والذكاء .
أسباب نشأة المقامة:
أولاً - الظروف السياسية:

أطل القرن الرابع الهجري على الدولة الإسلامية فوجدها من الوجهة السياسية مزقاً شتاتا وأجزاء مفترقات . عصفت بها رياح الخلاف والاختلاف. ساهم بعض خلفاء الدولة العباسية في قيام دويلات ساهمت بدورها في الإغراء بقيامها إغراءً قوياً شديداً، هذه الدويلات التي أنشئت حركت الدوافع الكامنة في نفوس كثير من الأجناس، والقوميات التي يتشكل فيها جسم الدولة على أساسات مختلفة.
في ظل هذه الظروف السياسية، وما أصاب الدولة الإسلامية من تدهور سياسي مريع برز فن المقامة واستوى ناضجاً له أصوله ومقوماته ملامحه وسماته. برزت الحركة الأدبية بروزاً واسع النطاق في عصر كثرت به المشاكل والفتن بالإضافة إلى تغييرات في المجتمع العباسي في أساليب البناء والأكل والغناء والحياة بأسرها هي التي أصبحت الأساس التي قام عليها المجتمع العباسي الجديد، والتي جهد في تصويرها بديع الزمان الهمذاني من خلال مقاماته.

ثانياً - الظروف الاجتماعية:
اتشحت الحياة الاجتماعية برداء الحياة سياسية الخُلق، وراح أمراء تلك الدويلات المتناثرة على بقعة الأرض العربية الإسلامية يتنافسون في ابتداع ألوان من السرف، ويفتنون في ابتكار ضروب من الترف، قد يستطيع العقل أن يتخيلها، ولكنه يعجز تماما عن أن يحققها.
كان من الطبعي أن تكون هذه الحياة البازخة الممزقة باهظة التكاليف، وهذه التكاليف الباهظة يجب أن يتحملها الشعب المقهور كي لا يفسد على سادته متعتهم وينغص عليهم مسرتهم وعيشهم. في ظل هذه الحياة اللاهية العابثة من جانب، والقاسية من جانب آخر كان من الطبيعي أن تكثر المجاعات وتنتشر السرقات وتفشي ألوان من الفسق والفجور وتشيع الكدية والاستجداء.
لم يكن حال الأدباء في هذا العصر أفضل من حال مواطنيه فقد انقسموا إلى صنفين:
  1. صنف أتيح له أن يتصل بالأمراء، ويخالط الوزراء ويحيا على أكتافهم ينعم بلذائذ الحياة المادية ما وجد إلى ذلك سبيلا.
  2. صنف آخر لم يتح له النجاح في تحقيق الصلة مع الأمراء، والوزراء أو عافت نفسه ذلك الاتصال ؛ أمثال هؤلاء قاسوا شظف العيش وضنك الحياة وعانوا لذع الحرمان ومرارته.
وقد شاعت في هذا العصر ثلاث ظواهر في المجتمع آنذاك شيوعا كبيرا:
  1. الظاهرة الأولى: الاستكثار من الجواري والغلمان.
  2. الظاهرة الثانية: انتشار مجالس اللهو والمجون.
  3. الظاهرة الثالثة: ظهور طائفة من الأدباء الفقراء يجوبون البقاع يتكسبون بأدبهم ويتسولون به لقمة العيش لأولادهم ويحتالون في سبيل ذلك احتيالا بالغاً، وقد يستغلون سذاجة البسطاء من عامة الناس؛ وعرفت هذه الفئة بأهل الكدية وهذا ما صرح به بديع الزمان في بعض مقاماته.

ثالثاً - الظروف الثقافية:
تحول كثير من الأدباء في هذا العصر إلى ندماء في قصور الخلفاء أو مستجدين للأموال بوساطة المديح إلا أن هذا الجانب وحده لا يعطي صورة حقيقة للحركة الفكرية.
لم يقتصر العباسيون في فكرهم على الفكر العربي الإسلامي الخالص بل فتحوا الباب واسعاً أمام التيارات الثقافية المختلفة المعروفة آنذاك ( الهندية، الفارسية، اليونانية) تركوها تتصارع مع الفكر الإسلامي الخالص، وتلونه.
كما فتح العباسيون المجال لحرية الفكر في كل اتجاهاتها إلا اتجاها واحدا هو التعرض إلى سلامة دولة الإسلام .
لقد أصبح الفنان الشاعر والأديب في كثير من حالاته بهلوانا أو مستجديا في قصور الخلفاء. كما أن الفكر نفسه قد صار يتعامل به المشعوذون.
من ذلك يمكننا أن نعرف أن ما جمعه بديع الزمان في مقاماته بمهارة تقدم صورة واهية لذلك المجتمع العباسي . غير أن الصورة التي استقى منها بديع الزمان فن المقامة تظل ناقصة إذا أهملنا ظاهرة مهمة لعبت دورا رئيساً في تلك المرحلة ، هي ظاهرة البؤس التي آل إليها حال كثير من الأدباء، وأصحاب المهارات في ذلك المجتمع ، وهنا تتضح كيف كانت المقامة الفنية عند بديع الزمان الهمذاني وليدة بيئة بعينها في مرحلة معينة من مراحل التاريخ .

اسم المقامة وطولها:
غالباً ما تؤخذ أسماء المقامات من اسم البلد الذي انعقد فيه مجلسها، فمن أسماء مقامات الحريري مثلاً: المقامة الصنعانية، المقامة الحلوانية، المقامة الكوفية، المقامة المراغية، المقامة الدمشقية، المقامة البغدادية، المقامة السنجارية، وتختلف المقامات فيما بينها في الطول، فقد تكون طويلة، وقد تكون قصيرة.

تأثير المقامة العربية في أدب العالم:
يشير بعض النقاد الى أن المقامة العربية قد أثرت في الأدب الغربي تأثيراً واسعاً، فقد أثار بعض الباحثين مسألة تأثيرها في (الكوميديا الإلهية) لدانتي، وكان لأثرها بروزٌ كبيرٌ وواضحٌ في قصص الشطّار الأسبانية التي تتحدث عن أحوال المجتمع وظروف الأغمار من الناس وقصص الطماعين والشحاذين، مما أوحى به مضمون المقامة، واعترف به المهتمون بالأدب الأندلسي استناداً الى المقارنات التي عقدوها بين المقامة والأدب السردي في أوربا.

بناء المقامة :
للمقامة بناء تسير عليه، مكون من دعائم لتصل إلى وحدة فنية محكمة، من هذه الدعائم:
1 - الحادثة : لابد من بناء الحادثة على حكاية ثم عرضها بطريقة التسلسل, والتتابع، ولابد أيضا من اشتمالها على عنصر التشويق لينطلق الكاتب بعد ذلك إلى السرد .
2 - عنصر التشويق : ينبع هذا العنصر من نفسية أبطالها حتى يستثير انتباه القارئ .
3 - السرد : لا بد أن يكون السرد في المقامة مغرياً، حتى يحمل القارئ على المتابعة وذلك بعرض المشاهد, وربطها ببراعة مع بعضها البعض .
4 - العقدة : التي تمثل ذروة الموضوع المسرود وقمته الدرامية وهي مشكلة المقامة التي ينشد لها الراوي والمروي عنه حلاً .
5 - التدرج في الحل ثم اعتمادها على التحليل الدقيق ليصل بعدها الكاتب إلى النهاية.

المقامة في العصر الحديث :
لم يخلُ قرن واحد من القرون من فن المقامة ومع ذلك فقد وجدنا في هذا العصر إلى جانب الأنماط المقامية التي تواكب أسلوب المقامة الكلاسيكية أنماطا أخرى مختلفة تماما سواء من حيث الشكل أو المضمون .
فهذا العصر هو عصر التخصص في الأنواع ولم يكن من الممكن أن يقبل الذوق العام المعاصر فنا كفن المقامة فهذا العصر (عصر القصة , والمقالة , الكاريكاتور ) وهي فنون جميعها تغني عن فن المقامة؛ فكان طبعياً أن يأخذ كل فن مجاله الذي رسم له ولعل هذا التجديد جاء نتيجة الديباجة المقامية التي احتوت في داخلها ألواناً شتى من الفنون لم يشأ لها أن تظهر في الصور القديمة على نحو مستقل . فكان من الطبعي أن تتجه المقامات الحديثة اتجاهات متشعبة كخطوة أولى نحو اتصال الفنون التي اشتملت عليها المقامة القديمة وظهورها بوصفها فنوناً مستقلة . ولم يعد للمقامة في العصر الحديث فعاليتها القديمة فقد آل أمرها إلى التفكك, والتحلل من عناصرها المختلفة التي ظلت تتكون منها وهي القصة, والمقالة .

اتجاهات المقامة الحديثة :
- مقامات التزمت المنحى الكلاسيكي : ونعني بها المقامات التي سارت على النمط الذي وضعه بديع الزمان الهمذاني أو التزمت بتقليد نموذج قديم سبق إليه المقاميون من بعده مثل مقامات محمد أفندي الجزائري .
- مقامات جنحت نحو أدب القصة : كحديث عيسى بن هشام للمويلحي .
- مقامات جنحت نحو أدب المقالة بوجهها العام أو بصورتها القصصية : مثل المقامة الشريفية في مزايا اللغة العربية / محمد أفندي شريف .

السمات المميزة لفن المقامة عامة :
الظاهرة العامة التي اتسمت بها المقامة بعامة هي ظاهرة النقد والثورة وكشف العيوب الإنسانية, والاجتماعية ووضع البديل لها في بعض الأحيان, ومن هنا تبدو الأهمية الحضارية, والتاريخية لهذا الفن .
 

safsaf

ضيف جديد
منتدى تونس التربوي
المشاركات
1
الدّولة
tunisie
الولاية
tunis
المستوى الدّراسي
ماجستير
الاختصاص
civilisation arabe
المهنة
etudiante
غير متّصل
المقامة في اللغة كالمقام موضع القيام كمكانة ومكان استُعملت في المجلس، ثم في الجماعة الجالسين، ثم سميت الأحدوثة من الكلام مقامة كأنها تذكر في مجلس واحد تجتمع فيه الجماعة لسماعها.
تعريف المقامة:-
المقامة لغة:
الأصل في المقامة أنها اسم مكان من أقام، ثم أطلقت على المجلس، فقيل: مقامات الناس، أي مجالسهم التي يتحدثون فيها ويتسامرون ؛ فاستعلمت بمعنى مجلس القبيلة أو ناديها على نحو قول زهير:-
وفيهم مقامات حسان وجوههم .:. وأندية ينتابها القول والفعـل
وتأتي بمعنى الجماعة التي يضمها المجلس أو النادي كما في قول لبيد بن أبي ربيعة:-
ومقامة غلب الرقاب كأنهـم .:. جن لدى باب الحصــير قيام
وتطور معنى المقامة عبر العصور حتى أصبح يعني (الأحدوثة من الكلام). يقول القلقشندي" وسميت الأحدوثة من الكلام مقامة، كأنها تذكر في مجلس واحد يجتمع فيه الجماعة من الناس لسماعها

المقامة اصطلاحاً:

أما المقامات في اصطلاح الأدباء فهي فن كتابي سردي، عبارة عن أحاديث خيالية أدبية بليغة، حكايات قصيرة، تشتمل كل واحدة منها على حادثة لبطل المقامات، وهو الراوي الذي يرويها أو وقعت لمن يروي عنه راوٍ معين، تلقى في جماعة من الناس، فمفهومها يمكن بلورته في أنها قصة قصيرة "بطلها أنموذج إنساني مُكْدٍ متسول، لها راو وبطل وتقوم على حدث طريف مغزاه مفارقة أدبية أو مسألة دينية أو مغامرة مضحكة تحمل في داخلها لوناً من ألوان النقد أو التعويل على الواقع أو السخرية، وضعت في إطار من الصنعة اللفظية والبلاغية" وهدفها الرئيس تعليم الناشئة اللغة وأساليبها.
ويغلب على أسلوبها السجع والبديع، وتنتهي بمواعظ أو طرف وملح. أي إنها حكاية قصيرة، تقوم على الحوار بين بطل المقامات وراويها. والمقامات تعد من البذور الأولى للقصة عند العرب، وإن لم تتحقق فيها كل الشروط الفنية للقصة، ثم أصبحت تطلق على الحديث الذي يدور في مجالس السمر من باب المجاز المرسل.
قال الشريشي : والمقامات المجالس، واحدها مقامة؛ والحديث يُجتمع له ويجلس لاستماعه يُسمّى مقامة ومجلساً، لأن المستمعين للمحدّث ما بين قائم وجالس، ولأنّ المحدث يقوم ببعضه تارةً ويجلس ببعضه أخرى.
قال الأعلم : (المقامة المجلس يقوم فيه الخطيب يحضّ على فعل الخير).
والمقامة في الجاهلية مجتمع القبيلة، وهي في العهد الأمويّ أحاديث زهديّة تروى في مجالس الخلفاء. جاء في ( الرسالة العذراء ) لـابن المدبر أن أهل القرن الثالث الهجري كانوا يعرفون نوعاً من المحاورات الأدبية يُسمّى المقامات، وهو يوصي المتأدّب ويقول: (وانظر في كتب المقامات والخطب ومحاورات العرب). ويريد بالمقامات الخطب أو المواعظ التي كانت تلقى في حضرة الخليفة. ثم انتقل بعد ذلك معنى المقامة إلى كلام الكدية والاستجداء بلغة مختارة، وتناول بديع الزمان الهمذاني اللفظة مع ما التصق بها من معنى التسول الأنيق، وأنشأ مقاماته ..

أصل المقامات ومبتكرها:-

زعم البعض أن أصل المقامات فارسي، وأنها انتقلت من اللغة الفارسي إلى العربية. ويرد على ذلك بأن المقامات قد ظهرت في اللغتين العبرية والسريانية بعد ترجمة مقامات الحريري، ولو كان أصل المقامات فارسياً لكان الأولى أن تنتقل المقامات إلى هاتين اللغتين من المقامات الفارسية وليس العربية. كما أن أول من ألف مقامات فارسية هو القاضي حميد الدين الذي ذكر أنه ترسم خطى البديع والحريري رغبة منه في إدخال هذا الفن إلى اللغة الفارسية. المقامة إذاً فن عربي أصيل، وهدفه الأساسي هو تعليم اللغة العربية وأساليبها،ومعرفة فنونها وأفنانها.
كما تضاربت الأقوال في أصل المقامات، فإن التضارب حول من اخترعها كان أشد وأعنف. فيرى فريق أن بديع الزمان عارض أحاديث ابن دريد فنشأت المقامات. ويستدلون على ذلك أولاً بقول الحصري في زهر الآداب أن بديع الزمان " لما رأى أبا بكر محمد بن الحسين بن دريد الأزدي أغرب بأربعين حديثاً، وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره، وانتخبها من معادن فكره، وأبداها للأبصار والبصائر، وأهداها للأفكار والضمائر، في معارض عجمية، وألفاظ حوشية ... عارضه بأربعمائة مقامة في الكدية، تذوب ظرفاً، وتقطر حسناً"
وثانياً بأن هناك نقاط اتفاق بين مقامات أحاديث ابن دريد ومقامات البديع. وتتمثل هذه العلاقة في الاسم، فإن من معاني المقامة –وهو الاسم الذي سمى به بديع الزمان فنه الأدبي- الحديث، ويجمع على أحاديث وهو الاسم الذي اختاره ابن دريد لأقاصيصه.كما أن الغاية من أحاديث ابن دريد ومقامات البديع واحدة وهي تعليم الناشئة اللغة.
بينما يؤكد فريق آخر على أن البديع هو مخترع هذا الفن. ويردون على زعم القول السابق بأن أحاديث ابن دريد نوادر ولطائف لم يستقل بها دون غيره، فللجاحظ في الحيوان والبخلاء مثلها، ولابن قتيبة في عيون الأخبار، ولابن عبد ربه في العقد الفريد كذلك.كما أن ابن دريد يبدأ أحاديثه بذكر سند الحديث، ولا يفعل البديع كذلك. كما أن أبطال ابن دريد ورواته يختلفون من حديث لآخر، أما بديع الزمان فبطله واحد وهو أبو الفتح الإسكندري، وراويته أيضاً واحد وهو عيسى بن هشام. ولا أنسى الكدية التي جعلها البديع محوراً لأغلب مقاماته، بينما لم تنحى أحاديث ابن دريد هذا المنحى. كما أن أحاديث ابن دريد مالت إلى الطريقة التقريرة المباشرة، أما بديع الزمان فقد غلف أهدافه داخل الحبكة الفنية للمقامة. ثم إن القول السابق للحصري –والذي استشهد به أصحاب الرأي القائل بأن البديع عارض ابن دريد بمقاماته- يحمل بين طياته تناقضاً حول معارضة البديع لابن دريد. فأحاديث ابن دريد تبلغ أربعين حديثاً، ومقامات بديع الزمان –وفقاً لقول الحصري السابق وبغض النظر عن الاختلاف في عدد المقامات- قد وصلت إلى أربعمائة مقامة. فيكف يعارض البديع أربعين حديثاً بأربعمائة مقامة؟ .
ومهما يكن من أمر اختلاف الآراء حول تأثر بديع الزمان بأحاديث ابن دريد، فإن البديع قد أظهر هذا الفن في صورة فنية رائعة، وقد اعتبر رائد هذا المجال وزعيمه المُجيد، بل لقد التصق اسم المقامات ببديع الزمان في أذهان الناس، وحسبه ذلك. ولو كان البديع قد أخذ من ابن دريد حقاً، فإن ذلك لا يعيبه، بل يزيد من إبداعه الفذ النادر المثيل، إذ ليس من السهل أن يتفوق التلميذ على أستاذه. وقد احتذى العديد من الناس حذو هذا الأستاذ الفذ، لعل الحريري من أبرزهم، بالإضافة إلى الغزالي وابن ناقيا والصفدي وغيرهم، غير أن هؤلاء كلهم لم يصلوا شأو البديع في هذا الفن البديع.

نشأة فن المقامات:
على الرغم من الخلاف في مبتكرها إلا أن الرأي الراجح أن أول من أنشأ المقامات في الأدب العربي هو العالم اللغوي أبو بكر بن دريد (المتوفى عام 321 هـ)، فقد كتب أربعين مقامة كانت هي الأصل لفن المقامات، ولكن مقاماته غير معروفة لنا. ثم جاء بعده العالم اللغوي أحمد بن فارس (المتوفى عام 395 هـ)، فكتب عدداً من المقامات أيضاً. ثم جاء بعده بديع الزمان الهمذاني، وكتب مقاماته المشهورة، وقد تأثر فيها بابن فارس حيث درس عليه. ويعتبر البديع هو الرائد الحقيقي للمقامات في الأدب العربي. ثم جاء بعده كتاب كثيرون، أشهرهم أبو محمد القاسم بن على الحريرى صاحب المقامات المشهورة بمقامات الحريري. ثم كثر كتاب المقامات كالزمخشري العالم اللغوي المفسر، وقد سمى مقاماته (أطواق الذهب)، وابن الاشتركوني السرقسطي الأندلسي (توفي عام 538 هـ)، صاحب المقامات السرقسطية، وبطلها المنذر بن حمام، وراويها السائب بن تمام، ومقامات الإِمام السيوطي.
وفي العصر الحديث أنشأ محمد المويلحي حديث عيسى بن هشام، وناصيف اليازجى "مجمع البحرين"…

خصائص المقامـات :

1- أسلوب المقامات مملوء بالصناعة اللفظية من جناس وطباق والتزام تام بالسجع الذي يُسَهِّل حِفْظَها ويجعلك تعجب وتطرب لما فيها من إيقاع لفظي ظاهر من خلاله .
2- تغلب على ألفاظها الغرابة لما للمقامات من غاية وفائدة تعليمية واضحة تجاه اللغة، فعندما يحفظها الطلاب وشداة الأدب فإنها تزودهم بذخيرة لغوية مفيدة، وتمدهم من اللغة بغريبها ومن الزخرف اللفظي بسجعه، كما تشتمل على وفنون البلاغة المختلفة من تشبيهات وكنايات واستعارات, وبخاصة الفنون البديعية كالطباق والجناس وغيرها، بصورة تطبيقية سهلة ومحببة .
3- مليئة بالقصص والحكم والمواعظ.
4- يختار كاتب المقامات لمقاماته بطلاً تدور حوادث المقامات حوله، ورَاوية يروي تلك الأحداث . فبطل مقامات بديع الزمان الهمداني أبو الفتح الإسكندري، وراويها عيسى بن هشام. وبطل مقامات الحريري أبو زيد السروجي، وراويها الحارث بن همام ؛ بالإضافة إلى شخصيــات أخرى داخل المقامــة تؤدي أدواراً فيــها ؛ وهكذا.
5- يدور أغلبها على الاحتيال والطواف بالبلدان لجلب الرزق. فهي تـتـضمن عادة قصـة طريفـة حول أحد المكدين, وهم فئة المحتالين الأذكياء البلغاء الذين يبتزون أموال البسطاء من الناس بالحيلة والفطنــة والذكاء .
أسباب نشأة المقامة:
أولاً - الظروف السياسية:

أطل القرن الرابع الهجري على الدولة الإسلامية فوجدها من الوجهة السياسية مزقاً شتاتا وأجزاء مفترقات . عصفت بها رياح الخلاف والاختلاف. ساهم بعض خلفاء الدولة العباسية في قيام دويلات ساهمت بدورها في الإغراء بقيامها إغراءً قوياً شديداً، هذه الدويلات التي أنشئت حركت الدوافع الكامنة في نفوس كثير من الأجناس، والقوميات التي يتشكل فيها جسم الدولة على أساسات مختلفة.
في ظل هذه الظروف السياسية، وما أصاب الدولة الإسلامية من تدهور سياسي مريع برز فن المقامة واستوى ناضجاً له أصوله ومقوماته ملامحه وسماته. برزت الحركة الأدبية بروزاً واسع النطاق في عصر كثرت به المشاكل والفتن بالإضافة إلى تغييرات في المجتمع العباسي في أساليب البناء والأكل والغناء والحياة بأسرها هي التي أصبحت الأساس التي قام عليها المجتمع العباسي الجديد، والتي جهد في تصويرها بديع الزمان الهمذاني من خلال مقاماته.

ثانياً - الظروف الاجتماعية:
اتشحت الحياة الاجتماعية برداء الحياة سياسية الخُلق، وراح أمراء تلك الدويلات المتناثرة على بقعة الأرض العربية الإسلامية يتنافسون في ابتداع ألوان من السرف، ويفتنون في ابتكار ضروب من الترف، قد يستطيع العقل أن يتخيلها، ولكنه يعجز تماما عن أن يحققها.
كان من الطبعي أن تكون هذه الحياة البازخة الممزقة باهظة التكاليف، وهذه التكاليف الباهظة يجب أن يتحملها الشعب المقهور كي لا يفسد على سادته متعتهم وينغص عليهم مسرتهم وعيشهم. في ظل هذه الحياة اللاهية العابثة من جانب، والقاسية من جانب آخر كان من الطبيعي أن تكثر المجاعات وتنتشر السرقات وتفشي ألوان من الفسق والفجور وتشيع الكدية والاستجداء.
لم يكن حال الأدباء في هذا العصر أفضل من حال مواطنيه فقد انقسموا إلى صنفين:
  1. صنف أتيح له أن يتصل بالأمراء، ويخالط الوزراء ويحيا على أكتافهم ينعم بلذائذ الحياة المادية ما وجد إلى ذلك سبيلا.
  2. صنف آخر لم يتح له النجاح في تحقيق الصلة مع الأمراء، والوزراء أو عافت نفسه ذلك الاتصال ؛ أمثال هؤلاء قاسوا شظف العيش وضنك الحياة وعانوا لذع الحرمان ومرارته.
وقد شاعت في هذا العصر ثلاث ظواهر في المجتمع آنذاك شيوعا كبيرا:
  1. الظاهرة الأولى: الاستكثار من الجواري والغلمان.
  2. الظاهرة الثانية: انتشار مجالس اللهو والمجون.
  3. الظاهرة الثالثة: ظهور طائفة من الأدباء الفقراء يجوبون البقاع يتكسبون بأدبهم ويتسولون به لقمة العيش لأولادهم ويحتالون في سبيل ذلك احتيالا بالغاً، وقد يستغلون سذاجة البسطاء من عامة الناس؛ وعرفت هذه الفئة بأهل الكدية وهذا ما صرح به بديع الزمان في بعض مقاماته.

ثالثاً - الظروف الثقافية:
تحول كثير من الأدباء في هذا العصر إلى ندماء في قصور الخلفاء أو مستجدين للأموال بوساطة المديح إلا أن هذا الجانب وحده لا يعطي صورة حقيقة للحركة الفكرية.
لم يقتصر العباسيون في فكرهم على الفكر العربي الإسلامي الخالص بل فتحوا الباب واسعاً أمام التيارات الثقافية المختلفة المعروفة آنذاك ( الهندية، الفارسية، اليونانية) تركوها تتصارع مع الفكر الإسلامي الخالص، وتلونه.
كما فتح العباسيون المجال لحرية الفكر في كل اتجاهاتها إلا اتجاها واحدا هو التعرض إلى سلامة دولة الإسلام .
لقد أصبح الفنان الشاعر والأديب في كثير من حالاته بهلوانا أو مستجديا في قصور الخلفاء. كما أن الفكر نفسه قد صار يتعامل به المشعوذون.
من ذلك يمكننا أن نعرف أن ما جمعه بديع الزمان في مقاماته بمهارة تقدم صورة واهية لذلك المجتمع العباسي . غير أن الصورة التي استقى منها بديع الزمان فن المقامة تظل ناقصة إذا أهملنا ظاهرة مهمة لعبت دورا رئيساً في تلك المرحلة ، هي ظاهرة البؤس التي آل إليها حال كثير من الأدباء، وأصحاب المهارات في ذلك المجتمع ، وهنا تتضح كيف كانت المقامة الفنية عند بديع الزمان الهمذاني وليدة بيئة بعينها في مرحلة معينة من مراحل التاريخ .

اسم المقامة وطولها:
غالباً ما تؤخذ أسماء المقامات من اسم البلد الذي انعقد فيه مجلسها، فمن أسماء مقامات الحريري مثلاً: المقامة الصنعانية، المقامة الحلوانية، المقامة الكوفية، المقامة المراغية، المقامة الدمشقية، المقامة البغدادية، المقامة السنجارية، وتختلف المقامات فيما بينها في الطول، فقد تكون طويلة، وقد تكون قصيرة.

تأثير المقامة العربية في أدب العالم:
يشير بعض النقاد الى أن المقامة العربية قد أثرت في الأدب الغربي تأثيراً واسعاً، فقد أثار بعض الباحثين مسألة تأثيرها في (الكوميديا الإلهية) لدانتي، وكان لأثرها بروزٌ كبيرٌ وواضحٌ في قصص الشطّار الأسبانية التي تتحدث عن أحوال المجتمع وظروف الأغمار من الناس وقصص الطماعين والشحاذين، مما أوحى به مضمون المقامة، واعترف به المهتمون بالأدب الأندلسي استناداً الى المقارنات التي عقدوها بين المقامة والأدب السردي في أوربا.

بناء المقامة :
للمقامة بناء تسير عليه، مكون من دعائم لتصل إلى وحدة فنية محكمة، من هذه الدعائم:
1 - الحادثة : لابد من بناء الحادثة على حكاية ثم عرضها بطريقة التسلسل, والتتابع، ولابد أيضا من اشتمالها على عنصر التشويق لينطلق الكاتب بعد ذلك إلى السرد .
2 - عنصر التشويق : ينبع هذا العنصر من نفسية أبطالها حتى يستثير انتباه القارئ .
3 - السرد : لا بد أن يكون السرد في المقامة مغرياً، حتى يحمل القارئ على المتابعة وذلك بعرض المشاهد, وربطها ببراعة مع بعضها البعض .
4 - العقدة : التي تمثل ذروة الموضوع المسرود وقمته الدرامية وهي مشكلة المقامة التي ينشد لها الراوي والمروي عنه حلاً .
5 - التدرج في الحل ثم اعتمادها على التحليل الدقيق ليصل بعدها الكاتب إلى النهاية.

المقامة في العصر الحديث :
لم يخلُ قرن واحد من القرون من فن المقامة ومع ذلك فقد وجدنا في هذا العصر إلى جانب الأنماط المقامية التي تواكب أسلوب المقامة الكلاسيكية أنماطا أخرى مختلفة تماما سواء من حيث الشكل أو المضمون .
فهذا العصر هو عصر التخصص في الأنواع ولم يكن من الممكن أن يقبل الذوق العام المعاصر فنا كفن المقامة فهذا العصر (عصر القصة , والمقالة , الكاريكاتور ) وهي فنون جميعها تغني عن فن المقامة؛ فكان طبعياً أن يأخذ كل فن مجاله الذي رسم له ولعل هذا التجديد جاء نتيجة الديباجة المقامية التي احتوت في داخلها ألواناً شتى من الفنون لم يشأ لها أن تظهر في الصور القديمة على نحو مستقل . فكان من الطبعي أن تتجه المقامات الحديثة اتجاهات متشعبة كخطوة أولى نحو اتصال الفنون التي اشتملت عليها المقامة القديمة وظهورها بوصفها فنوناً مستقلة . ولم يعد للمقامة في العصر الحديث فعاليتها القديمة فقد آل أمرها إلى التفكك, والتحلل من عناصرها المختلفة التي ظلت تتكون منها وهي القصة, والمقالة .

اتجاهات المقامة الحديثة :
- مقامات التزمت المنحى الكلاسيكي : ونعني بها المقامات التي سارت على النمط الذي وضعه بديع الزمان الهمذاني أو التزمت بتقليد نموذج قديم سبق إليه المقاميون من بعده مثل مقامات محمد أفندي الجزائري .
- مقامات جنحت نحو أدب القصة : كحديث عيسى بن هشام للمويلحي .
- مقامات جنحت نحو أدب المقالة بوجهها العام أو بصورتها القصصية : مثل المقامة الشريفية في مزايا اللغة العربية / محمد أفندي شريف .

السمات المميزة لفن المقامة عامة :
الظاهرة العامة التي اتسمت بها المقامة بعامة هي ظاهرة النقد والثورة وكشف العيوب الإنسانية, والاجتماعية ووضع البديل لها في بعض الأحيان, ومن هنا تبدو الأهمية الحضارية, والتاريخية لهذا الفن .
 

المواضيع المتشابهة


أعلى أسفل