Monji Selmi

ضيف جديد
منتدى تونس التربوي
    رحــلــة العــطــش ( قـصّة قصيـرة ) الأستـاذ: منجي السّالمي
  • #1
الــقسم : إبداعات نثريّة
خيري شابّ يعمل دليلا سياحيا، مارس عدّة نشاطات في مجال السّياحة، اسمه الحقـيقي "خير الدّيـن" لكن أصحابه ينادونه "خيري". تعرّف على امرأة فرنسيّة تدعى " كاتـرين"، زار معها عدّة متاحف و مناطق أثريّة و جلس معها في عدّة مقاه شعبيّة و مطاعم سياحيّة فاخرة. قال لها في أحد الأيّـام:​
- ما رأيك في جولة بمنطقة صحراوية على طريق بن قردان بالكواد ؟​
فقالت له مبتهجة:​
- فكرة رائعة و مجنونة! لكنّ المسافة بعيدة بيـن جربة و تلك المنطقة!.​
- سنسافر إلى هناك في سيّارة، و لديّ صديق بمنطقة "بوحامد" يمكن أن يوفّـر لنا الكواد.​
- و لماذا لا نستعمل السّـيّارة في جولتـنا ؟​
- الكواد أفضل، لأن عجلاتها عريضة لا تغرق في الرّمال.​
- متى سنسافر؟​
- سأتّصل بصديقي لأتّـفـق معه.​
- أريد أن تنظم الرّحلة جيّـدا لتكون ممتعة.​
- اطمئنّي، لديّ خبرة في تنظيم الرّحلات.​
و بعد يومين، وصل خيري و كاتـرين إلى منزل صديقه بتلك المنطقة. وصلا هناك عند الضّحى فاستـقبلهما بحفاوة و قدّم لهما رغيفين من الخبز التقـليدي مع كأسين من حليب الماعز.​
و بعد نصف ساعة، سلمهما الدرّاجة ذات العجلات الأربع ( الكواد ). كانت جديدة تبهر من يراها بلونها الأحمر القاني، فركبا و انطلـقا.​
سارا في الطريق المعـبّد عدّة كيلومترات حتّى وصلا إلى "العيثة". و هي منطقة تكثر فيها الكثبان الرّملية تتخللها أشجار الزيتون و الكثـير من النباتات الصّحراوية. كان الفصل ربيعا و كان الطقس جميلا دافـئا يشجّع على التجوّل.​
خرج خيري و كاترين بالكواد من الطريق المعبّد و توغّلا في الصّحراء سائرين في طريق ترابـيّة يستعملها سكان تلك المنطقة و القادمون إليها من الفلاحين، أصحاب الزياتـين و المزارع.​
توقفا مرّات للمشي و الجلوس على الرّمال النّـاعمة و التقطا صورا بالجوّال.​
قال خيري:​
- تأملي هذه المشاهد الطبيعية الرّائعة، هذا التزاوج البديع بين بساتين الزّيتون و رمال الصحراء. إن الصّحراء تزحف برمالها على الأراضي الزّراعية لكنّنا نقاومها بغراسة الزّياتين و زراعة القمح و الشّعير و غيرهما من الحبوب.​
- إنّها رائعة فعلا ! كنت أشاهد الصحراء في التلفاز و السّينما و الآن أتمتّع بالتجوّل فيها.​
* * * *​
انتـقـل الصّديقان من مكان إلى آخر مدّة ساعة تقريـبا، و لكنْ فجأة وقع ما لم يكن في الحسبان، إذ توقف محرّك الكواد عن الدّوران، فنزلا من فوقها و حاول خيري تشغـيلها بدون فائدة، ثم قال في حيرة:​
- عجبا ! لماذا توقف المحرك؟ إنها جديدة! و لا أحد يتوقّع هذا !​
فسألته كاترين:​
- هل هو خلل كهربائي ؟​
- لا أظن ذلك، فالكهرباء سليمة.​
- تفـقـد البنزيـن إذا.​
فتح خيري خزّان البنزيـن فوجده فـارغا فقال مرتبكا:​
- أوه، نفذ البنزين! و هذا غريب لأنّ خزانها يكفي لأربع ساعات من السّـيـر.​
- هل طلبت من صاحبك ملء خزان البنزين؟​
- نسيت ذلك، لعله كان يتوقع أن نمرّ بأحد باعة الوقود المنتشرين على طول الطريق.​
- هل أحضرت بنزينا احتياطيا ؟​
- لا، نسيت ذلك.​
- أوه لا لا ! ما هذا الإهمال ؟ ألم تقـل أنّـك خبـيـر في تنظيم الرّحلات ؟​
قال في خجل:​
- نعم، قلت ذلك. توقّعت أن يملأ صاحبي خزّان الوقود.​
- ماذا سنفعل إذا ؟​
- سأطلب صديقي ليأتي إليـنا و معه البنزين أو سيّارة ليعيدنا إلى داره.​
أخرج خيري جوّاله و حاول الاتصال بصديقه لكنه لم يستطع، و حاول ذلك مستعملا جوّال كاترين و فشل. لأن المنطقة خارج التغطية. فأصيـبا بخيـبة أمل كبيرة.​
تساءل خيري:​
- ماذا سنفعل الآن ؟​
- لا حلّ لنا إلا أن نسير على قدمينا في اتّجاه الطريـق المعـبّـد.​
- نعم، هو كذلك.​
- لكن أخاف أن نضيع في هذه الصحراء الواسعة.​
- لا تخافي، أنا أعرف هذه المنطقة جيّدا. هـيّا نمش في هذا الاتّجاه.​
- لا أنت مخطئ، يجب أن نتّجه شرقا. لدي خريطة طبعتها من الإنترنت البارحة.​
- لا نحتاج إلى خريطة، ثـقي بخبرتي.​
قالت له بخبث:​
- كخبرتك في تنظيم الرّحلات. هل أحضرت قارورة ماء؟​

- نسيت ذلك، ماذا سأفعـل؟ أنا أعطش بسرعة.​
- أحضرت قارورتـين، واحدة لي و الأخرى لك. خذها، و اقـتصد في شرب الماء.​
أخذ خيري القارورة فشرب نصفها دفعة واحدة.​
- نصحتك بالاقـتصاد في شرب الماء، إن أفرغت قارورتك، لن أسقيك من قارورتي.​
- لا تشغلي بالك، هيا ننطـلق الآن.​
أخذ الصّديقان يسيران بين كثبان الرّمال و أشجار الزيتون، و من سوء حظهما لا يوجد سكان في تلـك المنطقة. سارا مدّة ساعتين فأخذ التّعب و العطش يـنالان منهما. شرب خيري ما بقي من ماء دفعة واحدة لكنّه لم يطفئ عطشه. و كانت كاتريـن تشجعه و تقول له:​
- اصبر، بعد قـلـيل سنصل إلى بئر و نروي عطشـنـا. إنّه موجود في الخريطة.​
- إن عطشي شديد جدا، اسقـني من قارورتك قليلا أرجوك.​
- لا ، لقد حذرتـك. يجب أن تتعلم كيف تتحمّل مسؤولية أعمالك. كان عليك أن تستعدّ جيّدا للرّحلة. إنك قد تتسبب بموتـنا بإهمالـك.​
واصل الصّديقان رحلتهما بيـن كثبان الرّمال، و كانت من حين لآخر تشجّعه قائلة:​
- قريـبا سنصل إلى البئر و نروي عطشنا.​
كان خيري شديد العطش كأنه لم يذق قطرة ماء منـذ أيّـام. لكنه قرّر التظاهر بالصبر حتى لا تهزأ به كاترين و تتهمه بالضّعف. في تلك اللحظة، ندم الشابّ على هذه الرّحلة و نـدم على إحضار صديقـته معه. قال خيري معتذرا:​
- سامحيني لأنني أحضرتك إلى هذه الأرض الجرداء الخالية.​
- ليس هذا رأيك قبل ساعات، كنت تمدحها و الآن تـذمّها.​
- عندما يقـترب الإنسان من الموت يفـقـد إحساسه بالجمال.​
- لكنّ هذه الرّحلة ممتعة رغم مصاعبها. أنا أعشق المغامرة.​
* * * *​
بعد ساعة وصلا إلى مكان البئر فتفاجآ بوجود سور عال يحيط به. يبدو أنّ أحد الأثرياء اشترى الأرض المحيطة به و بنى سورا حولها و حرم أهل المنطقة من مائها الذي كان يسقـيهم منذ عشرات السّـنيـن. انهار خيري فقـال يائسا:​
- متى تـنـتهي رحـلة العـطـش؟​
فردّت علـيه كاتـرين:​
- عندما نصل إلى الطريق المعبد، سنجد متجرا نشتـري منه ماء، و نروي عطشنـا.​

* الأستـاذ: منجي السّالمي 01 / 05 / 2019​
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

Monji Selmi

ضيف جديد
منتدى تونس التربوي
    رحــلــة العــطــش ( قـصّة قصيـرة ) الأستـاذ: منجي السّالمي
  • #2
السلام عليكم. الرجاء من المشرفين على المنتدى تصفيف الكتابة على اليمين لا في الوسط ... شكرا.
 

محمد المسلم

عضو نشيط
منتدى تونس التربوي
    رحــلــة العــطــش ( قـصّة قصيـرة ) الأستـاذ: منجي السّالمي
  • #3
Sans titre.png
تستطيع عند الكتابة ترتيب ما تكتب و تصفيفه على النّحو الذي تريد ..اُنظر الملفَّ
 

hala

عضو نشيط
منتدى تونس التربوي
    رحــلــة العــطــش ( قـصّة قصيـرة ) الأستـاذ: منجي السّالمي
  • #4
" خيري " من " الخير " في رحلة العطش: مفارقة
شكرا على هذه القصة القصيرة الجميلة و المعبرة
 

Monji Selmi

ضيف جديد
منتدى تونس التربوي
    رحــلــة العــطــش ( قـصّة قصيـرة ) الأستـاذ: منجي السّالمي
  • #5
كلمة
أفسدت القصة الرجاء تمكيني من زر معاينة و تعديل لإصلاح الخلل
شكرا على تفاعل القراء مع القصة
تقوم القصة على تقابل الظاهر و الباطن و تقابل النظام و الفوضى => سوء التنظيم قد يؤدي إلى الهلاك.​
 
  • المشاهدات
    430
  • الرّدود
    4
  • أعلى أسفل