- المشاركات
- 35
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- مدنين
- م. الدّراسي
- جامعي
- الاختصاص
- العربية
- المهنة
- أستاذ أول في التعليم الثانوي
خيري شابّ يعمل دليلا سياحيا، مارس عدّة نشاطات في مجال السّياحة، اسمه الحقـيقي "خير الدّيـن" لكن أصحابه ينادونه "خيري". تعرّف على امرأة فرنسيّة تدعى " كاتـرين"، زار معها عدّة متاحف و مناطق أثريّة و جلس معها في عدّة مقاه شعبيّة و مطاعم سياحيّة فاخرة. قال لها في أحد الأيّـام:
- ما رأيك في جولة بمنطقة صحراوية على طريق بن قردان بالكواد ؟
فقالت له مبتهجة:
- فكرة رائعة و مجنونة! لكنّ المسافة بعيدة بيـن جربة و تلك المنطقة!.
- سنسافر إلى هناك في سيّارة، و لديّ صديق بمنطقة "بوحامد" يمكن أن يوفّـر لنا الكواد.
- و لماذا لا نستعمل السّـيّارة في جولتـنا ؟
- الكواد أفضل، لأن عجلاتها عريضة لا تغرق في الرّمال.
- متى سنسافر؟
- سأتّصل بصديقي لأتّـفـق معه.
- أريد أن تنظم الرّحلة جيّـدا لتكون ممتعة.
- اطمئنّي، لديّ خبرة في تنظيم الرّحلات.
و بعد يومين، وصل خيري و كاتـرين إلى منزل صديقه بتلك المنطقة. وصلا هناك عند الضّحى فاستـقبلهما بحفاوة و قدّم لهما رغيفين من الخبز التقـليدي مع كأسين من حليب الماعز.
و بعد نصف ساعة، سلمهما الدرّاجة ذات العجلات الأربع ( الكواد ). كانت جديدة تبهر من يراها بلونها الأحمر القاني، فركبا و انطلـقا.
سارا في الطريق المعـبّد عدّة كيلومترات حتّى وصلا إلى "العيثة". و هي منطقة تكثر فيها الكثبان الرّملية تتخللها أشجار الزيتون و الكثـير من النباتات الصّحراوية. كان الفصل ربيعا و كان الطقس جميلا دافـئا يشجّع على التجوّل.
خرج خيري و كاترين بالكواد من الطريق المعبّد و توغّلا في الصّحراء سائرين في طريق ترابـيّة يستعملها سكان تلك المنطقة و القادمون إليها من الفلاحين، أصحاب الزياتـين و المزارع.
توقفا مرّات للمشي و الجلوس على الرّمال النّـاعمة و التقطا صورا بالجوّال.
قال خيري:
- تأملي هذه المشاهد الطبيعية الرّائعة، هذا التزاوج البديع بين بساتين الزّيتون و رمال الصحراء. إن الصّحراء تزحف برمالها على الأراضي الزّراعية لكنّنا نقاومها بغراسة الزّياتين و زراعة القمح و الشّعير و غيرهما من الحبوب.
- إنّها رائعة فعلا ! كنت أشاهد الصحراء في التلفاز و السّينما و الآن أتمتّع بالتجوّل فيها.
* * * *
انتـقـل الصّديقان من مكان إلى آخر مدّة ساعة تقريـبا، و لكنْ فجأة وقع ما لم يكن في الحسبان، إذ توقف محرّك الكواد عن الدّوران، فنزلا من فوقها و حاول خيري تشغـيلها بدون فائدة، ثم قال في حيرة:
- عجبا ! لماذا توقف المحرك؟ إنها جديدة! و لا أحد يتوقّع هذا !
فسألته كاترين:
- هل هو خلل كهربائي ؟
- لا أظن ذلك، فالكهرباء سليمة.
- تفـقـد البنزيـن إذا.
فتح خيري خزّان البنزيـن فوجده فـارغا فقال مرتبكا:
- أوه، نفذ البنزين! و هذا غريب لأنّ خزانها يكفي لأربع ساعات من السّـيـر.
- هل طلبت من صاحبك ملء خزان البنزين؟
- نسيت ذلك، لعله كان يتوقع أن نمرّ بأحد باعة الوقود المنتشرين على طول الطريق.
- هل أحضرت بنزينا احتياطيا ؟
- لا، نسيت ذلك.
- أوه لا لا ! ما هذا الإهمال ؟ ألم تقـل أنّـك خبـيـر في تنظيم الرّحلات ؟
قال في خجل:
- نعم، قلت ذلك. توقّعت أن يملأ صاحبي خزّان الوقود.
- ماذا سنفعل إذا ؟
- سأطلب صديقي ليأتي إليـنا و معه البنزين أو سيّارة ليعيدنا إلى داره.
أخرج خيري جوّاله و حاول الاتصال بصديقه لكنه لم يستطع، و حاول ذلك مستعملا جوّال كاترين و فشل. لأن المنطقة خارج التغطية. فأصيـبا بخيـبة أمل كبيرة.
تساءل خيري:
- ماذا سنفعل الآن ؟
- لا حلّ لنا إلا أن نسير على قدمينا في اتّجاه الطريـق المعـبّـد.
- نعم، هو كذلك.
- لكن أخاف أن نضيع في هذه الصحراء الواسعة.
- لا تخافي، أنا أعرف هذه المنطقة جيّدا. هـيّا نمش في هذا الاتّجاه.
- لا أنت مخطئ، يجب أن نتّجه شرقا. لدي خريطة طبعتها من الإنترنت البارحة.
- لا نحتاج إلى خريطة، ثـقي بخبرتي.
قالت له بخبث:
- كخبرتك في تنظيم الرّحلات. هل أحضرت قارورة ماء؟
- نسيت ذلك، ماذا سأفعـل؟ أنا أعطش بسرعة.
- أحضرت قارورتـين، واحدة لي و الأخرى لك. خذها، و اقـتصد في شرب الماء.
أخذ خيري القارورة فشرب نصفها دفعة واحدة.
- نصحتك بالاقـتصاد في شرب الماء، إن أفرغت قارورتك، لن أسقيك من قارورتي.
- لا تشغلي بالك، هيا ننطـلق الآن.
أخذ الصّديقان يسيران بين كثبان الرّمال و أشجار الزيتون، و من سوء حظهما لا يوجد سكان في تلـك المنطقة. سارا مدّة ساعتين فأخذ التّعب و العطش يـنالان منهما. شرب خيري ما بقي من ماء دفعة واحدة لكنّه لم يطفئ عطشه. و كانت كاتريـن تشجعه و تقول له:
- اصبر، بعد قـلـيل سنصل إلى بئر و نروي عطشـنـا. إنّه موجود في الخريطة.
- إن عطشي شديد جدا، اسقـني من قارورتك قليلا أرجوك.
- لا ، لقد حذرتـك. يجب أن تتعلم كيف تتحمّل مسؤولية أعمالك. كان عليك أن تستعدّ جيّدا للرّحلة. إنك قد تتسبب بموتـنا بإهمالـك.
واصل الصّديقان رحلتهما بيـن كثبان الرّمال، و كانت من حين لآخر تشجّعه قائلة:
- قريـبا سنصل إلى البئر و نروي عطشنا.
كان خيري شديد العطش كأنه لم يذق قطرة ماء منـذ أيّـام. لكنه قرّر التظاهر بالصبر حتى لا تهزأ به كاترين و تتهمه بالضّعف. في تلك اللحظة، ندم الشابّ على هذه الرّحلة و نـدم على إحضار صديقـته معه. قال خيري معتذرا:
- سامحيني لأنني أحضرتك إلى هذه الأرض الجرداء الخالية.
- ليس هذا رأيك قبل ساعات، كنت تمدحها و الآن تـذمّها.
- عندما يقـترب الإنسان من الموت يفـقـد إحساسه بالجمال.
- لكنّ هذه الرّحلة ممتعة رغم مصاعبها. أنا أعشق المغامرة.
* * * *
بعد ساعة وصلا إلى مكان البئر فتفاجآ بوجود سور عال يحيط به. يبدو أنّ أحد الأثرياء اشترى الأرض المحيطة به و بنى سورا حولها و حرم أهل المنطقة من مائها الذي كان يسقـيهم منذ عشرات السّـنيـن. انهار خيري فقـال يائسا:
- متى تـنـتهي رحـلة العـطـش؟
فردّت علـيه كاتـرين:
- عندما نصل إلى الطريق المعبد، سنجد متجرا نشتـري منه ماء، و نروي عطشنـا.
* الأستـاذ: منجي السّالمي 01 / 05 / 2019
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
